وداعاً حبيبنا الغالي أ.د محمد بن عبدالله بن محمد المحيميد.

السبت 6 ربيع الثاني 1442ﻫ

الموت حق وكل شيءٍ بأجلٍ مسمى، ولن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، وصدق الله العظيم: ﴿كُلُّ مَن عَلَيها فانٍ وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكرامِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ﴾.
‏الموت لا يهاب حجاباً، ولا يخاف بواباً، ولا يَسْلَم منه أحد، وصدق القائل:
‏ هو الموتُ ما منه ملاذٌ ومهربُ        متى حطَّ ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نُشاهدُ ذا عين اليقين حقيقةً          عليه مَضى طفلٌ وكهلٌ وأشيبُ.
‏وقال آخر:
‏الموتُ جسرٌ للأنامِ مسايرٌ             عليه سنمضي كهلنا والأصاغر.
‏ ودّعنا في هذا اليوم السبت 6-4-1442 ه‍ أخانا وحبيبنا العالم الصابر فضيلة الشيخ
الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالله المحيميد، الذي وافاه الأجل المحتوم يوم أمس الجمعة.
وقد عرفت الفقيد صاحبًا وفيًّا وزميلاً عزيزاً، جمعنا العمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم جامعة القصيم، وكان بيننا محبة صادقة في الله ولله، ومثله -رحمه الله- في ذلك كما قيل: (حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء)، أي لا يزيدها أن ينفعك من أحببته في الله بشيءٍ من مصالح الدنيا، ولا ينقصها حصول تقصيرٍ أو عدم تواصل؛ لأن الحب خالصٌ لله، فلا يتأثر بمتع الدنيا الزائلة.
‏وقد لمست في الفقيد -رحمه الله- ثلاث خصالٍ قيل عنها: إذا أراد الله بعبد خيراً اجتمعت فيه، وهي الفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والبصر بعيوب النفس.
‏وقد عرفت الفقيد صاحب خلقٍ رفيعٍ، في تواضعه وابتسامته وأدبه ووفائه لأصحابه، وصدق طاووس بن كيسان -رحمه الله- حيث يقول: (إن هذه الأخلاق منائح يمنحها الله -جل وعلا- من يشاء من عباده فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً منحه خلقاً صالحاً).
وقد مَنَحَ اللهُ فقيدنا أخلاقاً جمةً تميّز بها، ولذا لا ترى إلا من يحبه، حيث بذل نفسه لطلابه، وأخلص في أداء عمله طيلة العقود الماضية، ولم يتبرّم أو يشكُ؛ بل يستمتع بالعطاء والبذل، مع تحمّل عجيب، وصبر عظيم، يصدق عليه قول الحسن البصري -رحمه الله-: (كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في بصره وتخشعه ولسانه ويده وصلاته وزهده).
‏ وعرفت الفقيد باذلاً نفسه في نفع الناس، في الدعوة والتوجيه والفتيا، وتلك زكاة العلم وهي لا تقل عن زكاة المال، كما عرفته مساهماً في الأعمال الخيرية، مجتهداً في إيصال المعونات للمحتاجين ودعوة الجاليات أثناء رئاسته لمجالسها، جعل الله ذلك في ميزان حسناته.
‏وكان فقيدنا -رحمه الله- حريصاً على التواصل مع أصحابه، وعند المهاتفة يأسرك بحديثه، ويمطرك بدعوات صادقة، وأسئلة وافية، عن الأحوال والأهل والأولاد، وتلك أخلاق الأصحاب الأوفياء الصادقين.
‏أصيب بالمرض فما زاده ذلك إلا صبراً وحمداً وشكراً، وإذا سألته عن حاله أثناء المهاتفة، يحمد ويشكر وكأنه لم يصب بالمرض، في آخر مكالمةٍ قبل مدةٍ يسيرةٍ سألته عن حاله، فقال: أحمد الله في عافية وصحة وأرجو من الله خيراً، ونعمه علي لا تحصى، فسبحان من وفّقه لهذه الأخلاق الكريمة.
‏أسأل الله جل وعلا أن يرفع درجاته، وأن ينزله الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجعل ما أصابه رفعةً لدرجاته، وتمحيصاً لسيئاته، وأن يجمعنا به في جنات النعيم، وأن يخلف على أهله وذويه وطلابه ومحبيه خيرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
✍️ وكتبه.
أ.د عبدالله بن محمد الطيار
عضو الإفتاء بمنطقة القصيم.
والأستاذ بكلية التربية بالزلفي، جامعة المجمعة.
بتاريخ 6-4-1442هـ

مواضيع ذات صلة