الأولى ” لا يغتب بعضكم بعضا ” الثانية “وشكر نعمة نزول المطر” – خطبة الجمعة بتاريخ 24-2-1432هـ

الأثنين 9 شوال 1441هـ 1-6-2020م

الخطبة الأولى:

الحمد لله القائل: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}(الحجرات:الآية12)، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين القائل في خطبة حجة الوداع (يا أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ” قالوا: نعم)(رواه أحمد)، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] (آل عمران: الآية102).

عباد الله: الغيبة خصلة قبيحة ذميمة، أصبحت فاكهة كثير من المجالس، وهي داء عضال، ومرض فتاك يفتك في المجتمع فتك الذئب في الغنم التي لا راعي لها، لقد جاء التحذير عن هذا المرض في صور متعددة، ولعل تصويرها وتشبيهها بمن يأكل لحم الميت يكفي في التحذير عنها، فمن الذي يقبل أن يأكل لحم آدمي حي، فكيف به إذا كان ميتاً، وتأملوا معي قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ](الحجرات: الآية12)، قال ابن كثير عند هذه الآية:(والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما في الجرح والتعديل والنصيحة).

وقال القرطبي:(والإجماع على أنها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى).

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)(رواه مسلم).

فلنحذر جميعاً من هذا الداء العضال، ولنمسك ألسنتنا عن التعرض لعباد الله، فإن من تعرض لإخوانه المسلمين ووقع في أعراضهم يخشى عليه من تتبع الله له، ولا يأمن الفضيحة في عقر داره.

فقد جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتهن فقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم فإنه من يطلب عورة المسلم يطلب الله عورته ومن يطلب الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)(رواه الطبراني، وابن حبان، والبيهقي).  وقال صلى الله عليه وسلم:(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)(رواه مسلم)

وقال صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) (رواه الترمذي).

عباد الله  المغتاب جبان، ضعيف الشخصية، يستغل غفلات المؤمنين فينهش من أعراضهم لأنه لا يستطيع المواجهة، ولا يقوى على المصارحة، ولو كان شجاعاً صادقاً ناصحاً لذكر المرء بما فيه أمامه، وبيَّن له بالحسنى صفاته وأفعالَه.

لقد عرف سلفنا الصالح خطورةَ اللسانِ وما يصدرُ منه فأمسكوا عن الكلام إلا فيما هو نافع ومفيد.

هذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول (هذا الذي أوردني الموارد).

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (ما من شيء أحق بطول سجن من اللسان).

وقال أيضاً (يا لسان قل خيراً تغنم وأمسك عن شر تسلم من قبل أن تندم).

وقال الحسن رحمه الله: (لسان المؤمن من خلف قلبه لا يقول الكلمة حتى يتدبرها، ولسان المنافق قبل قلبه يقولها من غير تدبر).

وقال النووي رحمه الله (غيبة المرء بما يكرهه سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خَلْقِه أو خُلُقه أو ماله أو والده، أو ولده، أو زوجته أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسه أو غير ذلك) انتهى كلامه.

والغيبة أيها المؤمنون تكون تارة بالتصريح، وتكون بالتلميح والتعريض، وهذا على حد سواء، ومنها ما يتعلق بالبدن والخلقة، كأن يسخر من طوله أو من قصره، أو يهزأ بشكله، أو ضعفه، أو سمنه، أو يصفه بأنه أعور، أو أعرج، ويقصد السخرية به.

وتكون الغيبة في دين المرء، وهي أخطر وأعظم، كأن يسخر من لحيته، أو قصر ثوبه، أو يتهمه في إخلاصه، وغير ذلك.  وقد تكون بالتعريض كأن يقول شخص في مجلس من المجالس أعرف شخصاً يفعل كذا وكذا، والحاضرون، أو بعضهم يعرفون من يقصد.

وقد تكون الغيبة بالإشارة والرمز كأن يشير بيده إلى طوله، أو قصره، أو مشيه، أو حركته، وهكذا لو مشي مثل مشيته، أو تكلم مثل كلامه على وجه السخرية، فهذه غيبة محرمة، وصدق الله العظيم:{وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: الآية34، 35).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله القائل:{وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} (النبأ: الآيات 14ـ 16). والصلاة والسلام على الهادي البشير الذي كان يفرح بنزول المطر ويخرج في أول نزوله، القائل في سنته (إنه حديث عهد بربه)، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاحمدوا الله واشكروه على نزول الغيث وعمومه على بلادنا، وصدق الله العظيم{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}(الشورى: الآية 28).

وقال تعالى {أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ}(الواقعة: الآيات 68 ـ 70).

وقال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الأعراف: الآية 57).

قال ابن القيم رحمه الله:(ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها…، إلى أن قال: فيُنشىء سبحانه السحابَ وهي روايا الأرض ثم يرسل الرياح فتلقحها كما يلقح الفحلُ الأنثى، ثم ينزل منه على الأرض)انتهى كلامه رحمه الله.

عباد الله: هذا المطر حياة الأرض، وهو بهجةٌ للنفوس، يفرح الناس بنزوله، ويتباشرون به، ومن أوجب الواجبات عليهم شكر هذه النعمة وصرفها لمسديها سبحانه.

وهذا المطر الذي نتباشر بنزوله ونفرح به قد يكون له آثار وأضرار، والله جل وعلا له الحكمة

البالغة، لكن المصائب والكوارث سبب للاتعاظ والتذكر والرجوع إلى الله، والعباد ينبغي أن يلجئوا إلى ربهم، وينطرحوا بين يديه، ويظهروا الذلة والخضوع.

وما حدث في محافظة جدة خلال اليومين السابقين أمرٌ يدعو للتأمل ومراجعة الحسابات، فقبل عام تحدثنا عن فاجعة جدة وما حصل من أضرار وأخطار، وها نحن نذكر هذا اليوم بهذا الأمر، ومع ذلك فلا ينبغي أن ننساق كما يصوره بعضُ من لا يوظفون الأحداث في خدمة الدين، بل يطلقون العبارات ويكيلون الاتهامات للناس.

نحن نقول: لابد من المتابعة والمحاسبة للمقصر، والأهم من ذلك الاتعاظُ والعبرةُ، والعملُ بالأسباب، وأخذ الاحتياطات في المستقبل.

ومثل هذه الأحداث توضح الناسَ على حقائقهم، وما تنطوي

عليه نفوسُهم، وتُظهرُ ضعفَ الناسِ وقلةَ حيلتِهم وفقرهَم إلى خالقهم.

فاحمدوا الله أيها المؤمنون على ما نزل عليكم من الغيث، واحمدوه كذلك على أنه لم تحصل به أضرار عليكم، وكونوا مع إخوانكم في جدة وغيرها ممن لحقتهم أضرار بنزول هذه الأمطار بالدعاء لهم أن يصرف الله عنهم الخطر، فقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كثر المطر (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر).

هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين الرسول المجتبى والنبي المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ ولاة أمورنا، اللهم أدم نعمة الأمن والاستقرار على بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(البقرة:الآية201)

عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النحل: الآية 90).

اللهم إنا نحمدك ونشكرك على ما أنزلت علينا من الغيث، اللهم تابع علينا خيراتك، اللهم اطرح البركة فيما أنزلت، اللهم ارفع الضرر عن المتضررين واجعل ما أنزلته رحمة يا أرحم الراحمين.

                                                                             24/2/1432هـ