خطبة صلاة الاستسقاء بتاريخ 12-9-1420هـ.

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440هـ 10-2-2019م

الحمد لله الملك القهار العزيز الجبار الرحيم الغفار مقلب القلوب والأبصار مقدر الأمور كيف يشاء ويختار مكور النهار على الليل ومكور الليل على النهار أسبل ذيل الليل فأظلم للسكون والاستتار وأنار منار النهار فأضاء للحركة والانتشار وجعلهما مواقيت الآجال والأعمار.

أحمده سبحانه يقبل عثار النادمين ويغفر ذنوب التائبين عرفته قلوب الخلائق بلهفاتها وقصدته أفئدتهم في حاجاتها، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا إله إلا الله الولي الحميد، لا إله إلا الله العظيم المجيد، لا إله إلا الله المؤمل لكشف كل كرب شديد، سبحان فارج الكربات، سبحان مجيب الدعوات، سبحان مغيث اللهفات، سبحان الواسع بفضله جميع البريَّات.

الله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وأشهد أن لا إله إلا الله تكفل بأرزاق جميع الخلائق له الحكمة البالغة فيما قدر وقضى يبتلي العباد ليرى ذلهم وخضوعهم وانكسارهم بين يديه فيجيب المضطرين ويجبر كسر المنكسرين.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أصدق العباد شكراً وأكثرهم لربه ذكرا سيد المستغفرين وإمام التائبين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.

ربنا ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا ربنا أنت الكريم الرزاق ونحن عبيدك الضعفاء لا حول لنا ولا قوة إلا بك، سبحان العلي الأعلى، سبحان من ترتفع له الشكوى، سبحان الواحد الأحد الفرد الصمد، لا إله إلا الله أستغفر الله وأتوب إليه،أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي غنيمة المؤمنين وتجارة المتقين وعلامة الفوز يوم الدين.
عباد الله! يقول الله تعالى:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

المعاصي تحدث في الأرض أنواعا من الفساد وفي المياه والهواء والمساكن والأبدان، إنها تحل بالأرض الخسف والزلازل وتظهر في الثمار كثيرا من الآفات التي تقضي عليها أو تنقص محاصيلها.

المعاصي يا عباد الله تحدث في الأبدان الأمراض الفتاكة والآفات القاتلة والحوادث المروعة، إنها تطفئ نور القلب وتقتل الغيرة وتضعف التوبة. إن شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده الأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها، كان بعض السلف يقول لأصحابه انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى المزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.

عباد الله إن إيثار الشهوات وغلبة الأهواء سبب لحصول أعظم العقوبات وصدق الله العظيم {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
وقال تعالى:{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
وقال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.

والطاعة ولزوم عبادة الله سبب لحصول الخير العميم ووفرة الأرزاق وكثرة الأمطار، نعم إن سعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم لا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا طلبا لمكافأتهم، وتكلف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم كما جاء في الأثر: ( أرج الله في الناس ولا ترج الناس في الله وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله).

عباد الله!إن ابتلاء الديار بقلة الأمطار يتطلب الرجوع الصادق إلى الله واللجوء إليه، التوكل الصادق والتعلق الراشد والانكسار بين يدي الجبار، ألا ترون يونس عليه الصلاة والسلام حينما نادى ربه هو في قاع الظلمات في غياهب البحار { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

الابتلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين ويفزع للخالق، ألا ترى البهائم العجماوات إذا حزبها الأمر رفعت بصرها للسماء فسبحان من علمها الضراعة إلى الله والانكسار بين يديه.

وكلما عظم الخطب واشتد الكرب فهناك يكون قرب الفرج وصدق الله العظيم {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}.

عباد الله وإذا كنتم خرجتم تشكون جدب الديار وقلة الأمطار فتذكروا ما أنت فيه من النعم العظيمة التي سلبت من غيركم، أمن في الأوطان وصحة في الأبدان ووفرة في الأرزاق، أديروا أبصاركم إلى بلاد الله الواسعة لتروا ما حل بمن حولكم زلازل وبراكين وأعاصير وافيضانات وحروب طاحنة.

التفتوا إلى إخوةٍ لكم في الشيشان تسلط عليهم الروس الظالمون فأخرجوهم من ديارهم قتلوا الأبرياء وأحرقوا المحاصيل، فرقوا بين الزوج وزوجته والرضيع ووالدته والأخ وأخيه ولا جريمة لإخوانكم إلا أنهم آمنوا بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبينا ورسولا، فاصدقوا أيها المؤمنون مع خالقكم واصدقوا مع أنفسكم وكونوا مع إخوانكم بالدعاء والمال لعل الله أن يرفع ما بكم وما بهم وأن يجعل الدائرة تدور على أعدائهم.

عباد الله وكما أن الذنوب سبب لنزول البلاء فإن الاستغفار سبب لرفع البلاء وتأخير العذاب قال تعالى:{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

والاستغفار سبب لنزول الغيث من السماء قال تعالى على لسان نبيه هود عيه الصلاة والسلام { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}.
وبالاستغفار تحل البركة في الأرزاق وتكثر الخيرات وتزيد الثمار قال الله جل وعلا على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام : {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}.
وقال تعالى: {وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}.
وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه صعد المنبر يوما ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ثم قال:\” لقد طلبت الغيث بمخارج السماء التي ستنزل بها المطر\”.

عباد الله أكثروا من الاستغفار فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرج ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية ورزقه من حيث لا يحتسب).

وأكثروا من الصلاة والسلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم فالدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا طبقا سحاً مجللاً عاماً نافعا غير ضار عاجلا غير آجل، اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغا للحاضر والباد، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم أسق عبادك وبلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع وأنزل علينا من بركاتك، واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا على طاعتك وبلاغا إلى حين، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع بذنوبنا فضلك.

اللهم ارحم الأطفال الرضع والشيوخ الركع والبهائم الرتع وارحم الخلائق أجميعن، [رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ].

عباد الله اقلبوا أرديتكم تأسيا بنبيكم واجتهدوا في الدعاء وألحوا في المسألة ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة، وأكثروا من الاستغفار والصدقة وصلة الرحم واحذروا من الظلم.
أسأل الله جل وعلا أن يغيث القلوب والديار وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الجمعة:12-9-1420هـ