خطبة عيد الفطر المبارك 1-10-1434هـ

الأثنين 6 جمادى الآخرة 1440هـ 11-2-2019م

 

الخطبة الأولى :
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.
الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر. ولله الحمد.
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
الله أكبر..{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}.

الله أكبر.. { يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }
الله أكبر .. {يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}

الله أكبر.. ما دامت السماوات والأرض، الله أكبر ما ذكره الذاكرون وغفل عنه المعرضون.
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وشرح صدرونا بالإيمان.
الحمد لله الذي امتن علينا بنعمة القرآن وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس.
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليخرجنا به من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الجنان.
الحمد لله .. خلق الإنسان علمه البيان، الحمد لله الذي رفع السماوات بغير عمد ودحى الأرض للأنام، وسخر النجوم في السماء بغير عدد.
الحمد لله .. سخر النهار للجد والعمل والليل للسكنى، وأنزل الغيث على عباده برحمته، وسخر الأفلاك دائرة بحكمته وقدرته.
الحمد لله..بشَّر من أطاعه بسكنى الجنان، وحذر من عصاه بلهيب النيران.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبرحمته تبدل السيئات، وبفضله تنال أعلى الدرجات.
الحمد لله الذي مَدَّ فِي أَعْمَارِنَا على طاعته؛ وأعاننا على صيام وقيام شَهْره، وَوَسَّعَ لَنَا فِي الأَرْزَاق؛ وعافَانا فِي الأَبْدَان، وَأَمَّنَنَا فِي الأَوْطَان؛ نحمده سبحانه حمدًا يليق بعظمته، وفضله ونعمته، ونحمده سبحانه على وافر جوده وكرمه ومنته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المستحق للذكر والشكر والحمد، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلوات ربي عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فيأيها المؤمنون والمؤمنات:اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَعَظِّمُوهُ، وَاحْمَدُوهُ، فالتقوى هي الوصية الجامعة لمن شاء أن يستقيم على أمر الله، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(البقرة:197).
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ؛ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَلله الْحَمْدُ.

عباد الله: جاء شهر رمضان في أيام حَرُّها شَدِيدٍ، وَنَهَارها طَوِيلٍ، فصمتم طاعة لربكم، وانقيادا لأمره، وطلبا لثوابه، وَها أنتم اليوم قد خرجتم لحضور عيدكم بعد تمام صومكم، واكتمال نعمة الله تعالى عليكم؛ فخذوا العظة من حر رمضان لحر يوم القيامة، ومن شدة شمسه لدنو الشمس في الموقف العظيم، ومن ظمأ نهاره لظمأ ذلك اليوم الطويل، واعلموا أنه لا نجاة لكم من ذلك اليوم العظيم إلا بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

إن هذا اليوم يوم عظيم يفرح فيه المؤمنون بأدائهم لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام وركن من أركانه ألا وهو الصوم.. يقول نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا:إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)(متفق عليه)، فلله الحمد والمنَّة الذي وفقنا لصيامه وقيامه، فمن أعانه الله فهو الموفق، ومن حرمه الله فهو المخذول.
ولله الحمد والمنّة أن بلغنا هذا اليوم العظيم، بعد أن مدَّ في أعمارنا وأفسح لنا في آجالنا، فختمنا الشهر وأكملنا العدة، وأتممنا الصيام والقيام، وقرأنا القرآن وتصدق من تصدق، وفطَّر الصائمين من فطَّر، وأطعم الفقراء والمساكين من أطعم، واعتمر من اعتمر، واعتكف من اعتكف، وساهم في أبواب الخير من ساهم، فحق أن تتم بذلك الفرحة ويكتمل السرور{قُلْ بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ}(يونس: 58).

إن المؤمن ليفرح كلما أطاع ربه وأحسن عمله؛ قال صلى الله عليه وسلم:(إِذَا سَرَّتكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتكَ سَيِّئَتُكَ فَأَنتَ مُؤمِنٌ)(رواه أحمد)، وما أحرى الأمة في كل عيد أن تفرح بما منَّ الله به عليها من إدراك شهر رمضان! وأن تسر بما وفقها إليه من بر فيه وإحسان! بل ما أجدرها أن تضاعف العمل بعده حمدا لله على ما أنعم به عليها وشكرا، وأن تزداد بدينها تمسكا وبحبل الله اعتصاما، وأن تحتفظ بهويتها وتعتز بشخصيتها.

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
أيها المؤمنون والمؤمنات: لقد منَّ الله جل وعلا علينا بإدراك هذا العيد وحرم منه غيرنا، فلنعرف له قدره، ولنستثمره فيما شرع له، ولنحذر من تلويثه بالذنوب والمعاصي، والنكوص على الأعقاب بعد أن امتلأت القلوب بالإيمان، وأن نطهر بواطننا ونصلح قلوبنا؛ فإن بهجة العيد لن يشعر بها إلا من أصلح قلبه، وطهره من الغل والحسد والبغضاء وسائر الأدواء، وأدخل السرور على أهله وإخوانه وجيرانه، وألان الكلام وأفشى السلام، وكف أذاه وأحسن الجوار.

إنكم في يوم مبارك ومناسبة سعيدة، يوم عيد وفرحة وبهجة، وسرور وحبور، إنه أحد يومين كريمين وعيدين عظيمين، خص الله هذه الأمة بهما، وهداهم إليهما، وأغناهم بهما عما سواهما من أيام الجاهلية وأعيادها، عن أنس رضي الله عنه قال: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ وَلَهُم يَومَانِ يَلعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ:(مَا هَذَانِ اليَومَانِ؟)، قَالُوا: كُنَّا نَلعَبُ فِيهِمَا في الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ :(إِنَّ اللهَ قَدَ أَبدَلَكُم بِهِمَا خَيرًا مِنهُمَا: يَومَ الأَضحَى وَيَومَ الفِطرِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

لقد جاء هذا العيد ليرسم على الوجوه معاني السعادة والتلاحم والتراحم والإخاء الصادق بين أفراد المجتمع المسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)
(رواه مسلم).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
أيها المؤمنون والمؤمنات: لقد جعل الله لنا بالإسلام شرفاً وقدراً، وأنزل علينا خير الكتب رفعة لنا وضياءً وذكرًا؛ قال جل وعلا:{لَقَد أَنزَلنَا إِلَيكُم كِتَابًا فِيهِ ذِكرُكُم أَفَلا تَعقِلُونَ}(الأنبياء: 10).
وإن أمَّة الإسلام أمَّة مرحومة، مجتباة من بين الأمم، مصطفاة على سائر البشر، موسومة بالخيرية، مُبشَّرة بالسَّناءِ والرفعة، موعُودةٌ بالعزِّ والنَّصرِ وَالتَّمكِينِ، مَحفُوظَةٌ بأمر الله ما حفظت أمر ربِّها، وتمسكت بكتاب خالقها، وقامت بأداء فرائضِ دينها؛ قال جل وعلا:{كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران: 110)، وقال جل وعلا: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدُونَني لا يُشرِكُونَ بي شَيئًا}(النور: 55).

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:(بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفعَةِ وَالدِّينِ وَالتَّمكِينِ في الأَرضِ)(رواه أحمد)، وقال أيضاً:(لَيَبلُغَنَّ هَذَا الأَمرُ مَا بَلَغَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَترُكُ اللهُ بَيتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلاَّ أَدخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَو بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسلامَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفرَ)(رواه أحمد)، إنه الوعد الصادق من الله جل وعلا بشرنا به من لا ينطق عن الهوى.

وإن ما تراه أمتنا اليوم في بعض أرجاء العالم من ضعف، واستيلاء الكفار عليها، وإمهال الله للكافرين وابتلاء المؤمنين، وارتفاع أصوات الفسقة والمنافقين، إنما هي أمور حادثة لخلل من داخل الصف الإسلامي وليس من خارجه؛ قال الله جل وعلا:{أَوَلَمَّا أَصَابَتكُم مُصِيبَةٌ قَد أَصَبتُم مِثلَيهَا قُلتُم أَنَّى هَذَا قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم}(آل عمران: 165)، وقال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم} (الشورى: 30).

بل إن ما يجري على هذه الأمة من محن وبلايا، وما تصاب به من فتن ورزايا، وما تتجرعه من إيذاء الأعداء، وكيد المنافقين وأهل الأهواء، كل ذلك لمن رحمة الله بها وإرادته بها الخير؛ قال صلى الله عليه وسلم: (أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ)(رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وها هي سوريا، وفلسطين، وغيرها من البلاد الإسلامية تعاني من المآسي والمشكلات التي ترتبت عليها جرائم ضد الإنسانية، وسقوط القتلى والجرحى والمصابين، وتدمير الكثير من البنية التحتية لغالب تلك البلاد، وتهجير أهلها، وتشريدهم، فهم يعيشون في العراء ولا تخفى عليكم أحوالهم، وهذا كله من الابتلاء والامتحان. فنسأل الله لنا ولهم الثبات.
وأن يصلح أحوالنا وأحوالهم، وأن يكشف الضر والكرب عنهم، وأن يعجل بالفرج والنصر والتمكين لأمة الإسلام.

كما نسأله أن يصلح أحوال إخواننا في مصر، وأن يجمع كلمتهم على الخير والهدى، وأن يتم عليهم الأمن والأمان، ويحميهم من الفرقة والاختلاف.
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
وأقول في هذه المناسبة العظيمة للقلوب المتنافرة أما آن لها أن تتصافح؟! ألا يمكن أن ينجح العيد في أن يعيد البسمة لشفاه قد طال شقاقها؟! فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)(رواه البخاري ومسلم واللفظ له).

إني أخشى على هذه القلوب إن لم تُفلح الأعياد ومناسبات الخير في ردها للحق أن تنال نصيباً من قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)(رواه مسلم)؟!
فاستغلوا هذه الأيام في إصلاح ذات البين فإنها أيام مباركة، والفرصة سانحة للجميع فلا تفوّتوها، لا حرمكم الله من الصفاء والوفاء.

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
عباد الله: يقول صلى الله عليه وسلم:(مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)(رواه البخاري في الأدب المفرد ، وابن ماجة، والترمذي ، وحسنه الألباني).
فالأمن نعمة ومنَّة من الله جل وعلا، فبه يأمن المسلم على دينه وعلى ماله وعلى عِرضه، ويتفرّغ لعبادة الله، ويسعى في إصلاح أمور دينه ودنياه، فلنحافظ على أمن بلادنا، وعلى اجتماع الصفِّ ووحدة الكلمة والوقوف ضدَّ من يهدّد ديننا وأمنَنا وبلادنا.
واحمدوا الله واشكروه فأنتم تعيشون نعمة الأمن والصحة والغنى في الوقت الذي يُتَخَطف الناس من حولكم في حروب طاحنة ومجاعات قاتلة وأمراض فتاكة، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}.

وضعوا نصب أعينكم قول الله جل وعلا {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(النحل:112).
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

الخطبة الثانية
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله تعالى، وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ.

أيها المؤمنون والمؤمنات: إن العيد فرصة عظيمة لتجديد أواصر المودة والمحبة بين الرجل وأهله وأولاده، فيداعبهم ويؤانسهم، ويشاركهم لهوهم وسعادتهم وفرحتهم، ليكون العيد مناسبة سعيدة دائما في حياتهم.
وينبغي على كل زوج أن يتقي الله في زوجته، فيحسن إليها ولا يظلمها، وأن يحفظ لها قيمتها وقدرها خصوصًا عند أولادها، وأن يقدر رباط الزوجية الوثيق، لأنه رباط مصاحبة لا ينقطع بالموت، لأنه عقد صحبة لا عقد رقّ وولاء.

وعلى كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تقوم بخدمة زوجها وطاعته في المعروف، يقول صلى الله عليه وسلم(أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة)(رواه الترمذي وحسنه)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا صلّت المرأة خمسها وصامت فرضها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)(رواه الخمسة، وصححه الألباني).

فيا أيتها الأخت المسلمة حافظي على عفافك وحجابك وحيائك، وتذكري قول الله جل وعلا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(الأحزاب :59). وقول النبي صلى الله عليه وسلم:( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَزَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا، هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)(رواه أحمد، وصححه الألباني).

وابتعدي عن مشابهة الكافرات والفاجرات بحجة متابعة الموضة والتقليد الأعمى لكل جديد، فقد قال صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) (رواه أبو داود، وقال عنه الألباني: حسن صحيح)، وقال أيضاً: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) (رواه مسلم).

واحذري دعوات التغريب وسهام التضليل التي يقذف بها الأعداء، حول الحجاب، والتساهل في الاختلاط، وغير ذلك، فالحجاب عبادة وليس عادة، والاختلاط مدعاة لكل شر وفتنة. فأنت الحصن الأخير الذي لم يسقط ولن يسقط بإذن الله بحبك لدينك، وحرصك على تطبيق شرع ربك في كل مجالات حياتك.

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.
أيها المسلمون والمسلمات: ها أنتم تستقبلون شهراً شُرع لكم صيام ست منه، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)(رواه مسلم)، فاحرصوا على صيامها، وبادروا بقضاء ما فاتكم من رمضان، وقدموه على صيام النفل، فالمرء لا يدري ما يعرض له.
اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

أيها المسلمون والمسلمات: اعلموا أن زيارة القبور مشروعة في كل وقت، ولكن في هذا اليوم بالذات ليس لها أصلٌ من الشرع، ولم يرد تخصيص أو فضل في زيارتها يوم العيد.
واحرصوا على مخالفة الطريق في العيد، فقد كان من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه يذهب من طريق، ويرجعُ من آخر، فعودوا من غير الطريق التي قدمتم منها اقتداءً بنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).
الله أكبر الله أكبر ، لا إله الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .

أيها المسلمون والمسلمات، علينا: كما جملنا ظاهرنا باللباس الحسن في هذا العيد أن نجمل أرواحنا وأن نحسن أخلاقنا كي نسعد بهذا العيد، ونسعد من حولنا.

* وأن نفشي السلام على من نعرف ومن لا نعرف.
* وأن نغسل قلوبنا مما علق بها من حسد وغل وغيظ كي تسلم لنا.
* وأن نزرع البسمة والفرحة على أقاربنا، وجيراننا، والفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات،والمرضى والمقعدين وسائر فئات المجتمع.
* وأن نصل من قطعنا، ونعفو عمن ظلمنا، ونسلم على من هجرنا.
* وأن نري الله منَّا خيراً بعد ختام شهرنا وأن نكون خيراً مما كنا بعد رمضان.
* وأن نصل إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، خصُّوهم بصالح دعائكم؛ فقد ابتلاهم الله تعالى وعافاكم.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل صيامنا وقيامنا وصدقاتنا وسائر أعمالنا، وأن يغفر لنا تقصيرنا وجهلنا، وأن يجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاه، وتقبل الله منا ومنكم.
وأعاد الله علينا وعليكم من بركات العيد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
1- 10- 1434هـ