خطبة بعنوان: (التأثيرات الجانبية على الشباب).

الأثنين 6 جمادى الآخرة 1440هـ 11-2-2019م

 

 

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران: 102)،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء:1)،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}(الأحزاب: 70، 71)، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار .

عباد الله اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن من اتقاه وقاه، ومن عمل بطاعته رضي عنه وأرضاه {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}(الطلاق:2، 3)،{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}(الطلاق: 4)

عباد الله: الشباب في كل أمة هم المصدر الأساسي لنهضتها، والكنز الغالي، والذخر الثمين، والعمود الفقري لجسدها، والقلب النابض لحياتها، واليد القوية التي تبنيها وتحميها، والمخزون المتدفق الذي يملأها قوة وحيوية يبعث الأمل في جنباتها، وهم عدة مستقبلها، ومعقد آمالها بعد الله، والدرع الواقي الذي تعتمد عليه في الدفاع عن كيانها، والذود عن حياضها، وتحقيق أهدافها.

هم أمل الحاضر، وعدة المستقبل، ورجاله، وقادته، وأمراؤه، ووزراؤه، وقضاته، وأطباؤه، ومهندسوه، ومعلمو أجياله التالية، وهم أمانة في أعناقنا، وهم في الأول والأخير همزة الوصل التي تربط بين الماضي، والحاضر والمستقبل.

لقد كان للشباب في الأمة الإسلامية تاريخ حافل، ودور عظيم في حمل لواء الدعوة الإسلامية، وصنع الحضارة الإسلامية، وقيادة الجيوش المظفرة في سبيل الله، ولئن كانت الحاجة إلى الشباب في الماضي ملحة، فإن الحاجة إلى الشباب وطاقاتهم الفكرية والجسمية والاجتماعية في وقتنا الحاضر أشد إلحاحاً وأكثر وضوحاً لأنهم دعامة الإنتاج في جميع ميادين الحياة، وهم أغلى رأسمال للأمة التي تريد أن تصنع لها حاضراً زاهراً ومستقبلاً مشرقاً.

وفي ظلِّ الانفِتاح الكبير الذي نشْهَده جميعاً من انتشار وسائل الإعلام والاتصالات بشتى صورها والتي سهلت على الشباب الانفتاح على الدنيا والإطلاع على ما يعرض بغير رادع أو وازع، وهذا كله أثر تأثيراً بالغاً من جميع النواحي ولا سيما الأفكار الدخيلة والأخلاق الرذيلة.

عباد الله: ومن تلك الوسائل هذه القنوات الفضائية بشتى مسمياتها، التي لا تخلو منها بيوت المسلمين إلا ما رحم ربك، والتي يعرض فيها الغث والسمين، والحلال والحرام، والسنة والبدعة، وشتى الأفكار والآراء والأقوال الغريبة على مجتمعاتنا المسلمة، وقد تأثر بها بعض الشباب في سائر شئون حياتهم عقلياً وجسمياً ونفسياً واجتماعياً.

بل إن بعضهم تأثر بالأفكار الضالة، والأخلاق الرديئة، وتقليد الكفار والفجرة. فطغت على حياتهم وواقعهم، وركنوا للدعة والراحة، ورفضوا العمل في مجالات كثيرة حتى أصبحوا عالة على الأسرة والمجتمع والأمة.

وهكذا الجوالات بجميع أنواعها وما تحتويه من تقنية حديثة تقرب البعيد، وتبيح الحرام، وتعرض كل ما تهواه الأنفس الضعيفة، وهم يتوجهون بحسب ما يعرض عليهم حتى أثر كل ذلك على تكوينهم الشخصي، فانتشرت المنكرات، وعظمت الزلات، وتوجه بعضهم لاستنزاف طاقته في غير مرضات الله.

وكذلك الإنترنت، هذا الباب الفسيح الذي يستطيع كل فرد عن طريقه أن يرى ويسمع ما شاء، ويقرأ ويكتب ما يريد، بل يستطيع أيضاً أن يخاطب ويحادث من شاء في أي وقت شاء، وأصبحت هناك منتديات مخصصة للتعارف بين الشباب والفتيات تُعرض فيها أفلام الجنس والدعارة، والصور الفاتنة، والدعايات المضللة، والأفكار الهدامة، وأصبحنا نسمع عن مصائب كثيرة تُدمى لها القلوب المؤمنة الصادقة.

وعلى الرغم من وجود مواقع دعوية كثيرة، توجه الناس إلى الخير، وتبصرهم بما ينفعهم في العاجل والآجل إلا أنهم لا يلتفتون إليها، ولا ينتفعون بها، بل غالب همهم هو البحث عن المواقع الجالبة للفتن والمنكرات.

عباد الله: إن الغزو الثقافي يُقصد منه الحيلولة بين الأمَّة وتاريخها وسِيَرِ أسلافها، ومحاربة المجتمع المسلم بشتى طوائفه، والتشكيكُ في قدرات الإسلام على بناء الحضارة العصريَّة أو المساعدة فيها، والافتِتان بالمناهج الغربية وقوانِينها، ومن ثَمَّ تقليد الغرب واستِعارة نُظُمِهم وسلوكيَّاتهم ولو لم تَتوافَق مع الإسلام وتعاليمه، وأخيرًا تمزيق وحدة المسلمين بتفكيك أواصِر أُخُوَّتِه والبحث عن حضارات مُزَيَّفة ونعرات جاهلية قديمة، وتضليل شباب الأمة، وإبعادهم عن ماضيهم المشرق المتمثل في دين الإسلام وتاريخه العريق.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(الأنفال: 24، 25 ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم محمد بن عبد الله الذي علم أمته كل خيرٍ، وحذَّرهم من كل شرٍّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

عباد الله: ما سبق كله في باب الشهوات، وأما باب الشبهات فحدث ولا حرج، لقد بلغ السيل الزبى في التأثير على الناشئة فأصبحوا يتلقفون أفكاراً غريبة، ويتعلقون بها حتى وصل الحال ببعضهم للتكفير والتفسيق والتبديع والتضليل، وبعضهم يتطاول على القمم الشامخة من العلماء العاملين.

إن الأفكار المنكوسة والعقول المضلِّلة يسري تأثيرها على شبابنا سريان النار في الهشيم والماء في الجداول، ولعل من أهم ما يساعد على ذلك بُعد الآباء عن أبنائهم ومن ثمَّ تلقفهم شياطين الإنس وغزوا عقولهم فأوصلوهم إلى مثل هذه الحال.

كم نحن بحاجة إلى المناقشة والإقناع، وقرع الحجة بالحجة، والجلوس مع كل من نلحظ عليه تأثراً لتجلية الأمر له وبيان خطورة هذه الأفكار التي تقوده إلى ما لا تحمد عقباه في الدنيا والآخرة.

أيها الآباء والمعلمون: احرصوا على الناشئة حرصكم على أنفسكم، وجهوا وعلموا، واقطعوا التأثيرات عنهم ليسلموا من مضلات الفتن قبل أن تندموا ولا ينفع الندم، واعلموا أن المسئولية تقع على الجميع كل حسب طاقته وجهده، فالأب في البيت والمعلم في المدرسة، والخطيب في منبره، وإمام المسجد مع جماعته، وأصحاب الأقلام ومن لهم جهود في قنوات التواصل، الكل عليهم أن يبذلوا جهدهم في إقناع الشباب وتحصينهم قبل أن ينفرط العقد ويضيعوا كما ضاع غيرهم.

إنّ الدينَ أعظم حصانةٍ للشّباب من كلِّ فكر شاذ وانحراف عن الطريق، وفي غِياب هذا الدينِ مع ضعف الإيمان والبعد عن المنهَج الوسَط يكون الشبابُ معرَّضًا لأن يقَع فريسَةَ الإجرام أو الإرهاب أو التطرّف أو الارتماء في أحضانِ الأعداء أو الوقوع في مصائد المنحَرفين أو يسيطِر عليه الضّياع حتى يُصبِحَ كالسُّمِّ في جسَد الأمّة والمِعوَل في كيانها، يُحطِّم مستقبلَها ومُستقبَله، ويهدم كيانَها وكيانَه.

إن الشباب كغيرِه من الناس يخطئون ويصيبون، قال صلى الله عليه وسلم: (كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوّابون)(رواه الترمذي،وحسنه الألباني) ، إلاّ أنّنا نتمنى أن يكونوا سادة الأمة وقادَتها، يلتزَمون منهَجَ الله وشرعَه، ويسعدون أمّتَهم بأقوالهم، وجميل فِعالهم وكريم خصالهم.

وأخيرا علينا جميعاً أن نكون يداً واحدة، وصفا واحداً في وجه كل من يريد الإخلال بأمن بلادنا، وأن نتعاون مع الجهات المختصة في الإبلاغ عن الملاحظات والمخالفات لا سيما أنه ثبت أن كثيراً من المتخلفين تورطوا في الجرائم الأخلاقية وجرائم المخدرات والنهب والسرقة، وكل ذلك من أسبابه تساهل بعض المواطنين وتسترهم على هؤلاء مما نتج عنه ما ترونه اليوم من المخاطر العظيمة.
فلنكن ممن يتعاونون على الخير وحذار حذار أن يستغلهم هؤلاء ومن ورائهم ممن يريدون ببلادنا شراً.

أسأل الله جل وعلا أن يحفظ شبابنا من كل سوء ومكروه، وأن يردهم إلى دينهم رداً جميلاً.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: [إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً](الأحزاب:56).