6- فيض الرحيم الرحمن في أحكام ومواعظ رمضان – الجزء الأول

الثلاثاء 27 جمادى الآخرة 1445هـ 9-1-2024م

6- فيض الرحيم الرحمن في أحكام ومواعظ رمضان – الجزء الأول – pdf

 

فيض الرحيم الرحمن

في أحكام ومواعظ رمضان

الجزء الأول

 

تأليف

أ. د / عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة كتاب

(فتح الرحيم الرحمن في أحكام ومواعظ رمضان)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنه لما كان المسلمون بحاجة إلى بيان أحكام دينهم عموماً وأحكام عباداتهم على وجه الخصوص لا سيما أركان الإسلام فقد اهتم علماء المسلمين قديماً وحديثاً ببيان أحكام صيام شهر رمضان المبارك الذي هو أحد أركان الإسلام وما تتطلبه هذه العبادة العظيمة كغيرها من العبادات من إخلاص لله ومتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في أدائها وتجنب لما يخل بها من الأقوال والأعمال والمقاصد.

ومن ذلك ما كتبه أخونا الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد الطيار من مؤلف مفيد في هذا الموضوع أسماه: (فيض الرحيم الرحمن)، وقد قرأته فوجدته كتاباً مفيدا يشتمل على أحكام ومواعظ تفيد المسلم وتحرك القلوب وترسم المنهج الصحيح للصائم القائم في هذا الشهر المبارك فهو إسهام جيد من المؤلف وفقه الله في توجيه المسلمين في الطريق الصحيح.

فجزاه الله خيرا وأثابه وجعل عملنا وعمله صالحاً خالصا لوجهه الكريم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

                                                                                                                كتبه

                                                                                        صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان

 

المقدمة

 الحمد لله الذي كرم الإنسان بالعلم والحجى، وهدى المؤمنين بنور الكتاب الذي لم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، الذي من تبعه فقد نجى ،الذي أنزل إليه القرآن الكريم فأشرق الصبح وزال الدجى .أما بعد …فقد قال الله تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([1]).

الصيام أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام ،شرعه الله لمصالح كبيرة تنفع المسلمين في الآجل والعاجل خصه بأحكام كثيرة يحتاج المسلم إلى معرفتها والعمل بها ليكون صومه صحيحاً وعمله صائباً وقد بين أهل العلم أحكام الصوم ،وفصلوها في مظانها من مؤلفاتهم ودرج بعضهم على تأليف كتاب يقرأ على المسلمين في رمضان يجمع أحكام الصيام وغيرها مما يحتاجه المسلم في شؤون دينه ودنياه وتلك سنة حميدة ، لأن الناس يقبلون في هذا الشهر على سماع المواعظ والتأثر بها ، فكلما كانت الموعظة شاملة والحكم مبين بدليله كان ذلك أدعى للقبول والانصياع ، ومن هذا المنطلق قمت بوضع هذه الدروس ،ولسائل أن يسأل أليست الكتب في هذا الشأن كثيرة ،فلماذا الكتاب فيها ؟وأقول أن سبب الكتابة فيها أمور ثلاثة:

أولها :طلب مني من طلبه عندي محل القبول والتقدير أن أضع كتاباً في دروس رمضان يجمع بين الحكم بدليله والموعظة السليمة من الشوائب فسارعت لتلبية طلبه وتحقيق رغبته وفاء وتقديراً وعرفاناً بالجميل لأهله .

ثانياً: اطلعت على كثير من الكتب المعنية بهذا الشأن فرأيتها بين كتاب علمي لا يناسب عامة الناس .   

ثالثها : تم تكليفي بكتابة مؤلف في الصيام على غرار ما صدر ــ حول الزكاة ــ فلما رأيت المادة العلمية متوفرة ناسب أن أصوغ كلمات وعظية لعل الله أن ينفع بها ويجعلها ذخراً لي يوم لا ينفع مالٌ ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

وقد جعلت الكتاب في فصول ثلاثين, كل فصل منها تناسب قراءته في ليلة من ليالي شهر رمضان ورأيت أن أقسم كل فصل إلى قسمين,  قسم: يشتمل على حكم شرعي بدليله، وقسم يشتمل على موعظة أوتوجيه, وقد حليته بما يناسب من الأشعار لأنها تحرك النفوس وتروح عنها.

وأخيراً أيها القارئ الكريم أحملك أمانة النصيحة, فما رأيت فيه من ملاحظات أو هفوات،  فابعث بها إلي وأنت صاحب الفضل والمعروف، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وكم من كتاب لو أعاد النظر فيه مؤلفه لغير وبدل وزاد ونقص، وهذا دليل على النقص المجبول عليه سائر البشر ويأبى الله إلا أنتكون العصمة لكتابه [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] ([2]). أسأل الله جل وعلى أن ينفع به كاتبه وقارئه وسامعه ومن اطلع عليه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

                                                                                                                  كتبه

                                                                                       أبو محمد عبد الله بن محمد أحمد الطيار

                                                                                       الزلفي مساء يوم  الأحد10/ 4/ 1411هـ

 

 

المجلس الأول

فصل في :

_ فضل شهر رمضان.

­_ حكم الصيام.

 

فضل شهر رمضان

الحمد لله اللطيف المنان العظيم السلطان الرؤوف الرحمن القوي الديان الكريم على توالي الزمان جل عن شريك وولد وعز عن الاحتياج إلى أحد وتقدس عن نظير وانفرد علم ما يكون وأوجد ما كان أنشأ المخلوقات بحكمته وصنعها وفرق الأشياء بقدرته وجمعها ودحى الأرض على الماء وأوسعها والسماء رفعها ووضع الميزان يسعد ويشقي ويعز ويذل كل يوم هو في شأن أنعم على هذه الأمة بتمام إحسانه وعاد عليها بفضله وامتنانه وجعل شهر رمضان مخصوصاً بعميم غفرانه، شهر أنزل الله فيه القرآن أحمده على ما خصنا به من الصيام والقيام وأشكره على بلوغ الآمال وإسباغ الأنعام وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تحيط به العقول والأذهان.  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل خلقه وبريته المقدم على الأنبياء ببقاء معجزته الذي انشق ليلة ولادته الإيوان صلى الله عليه وسلم.

وعلى أبي بكر رفيقه في الغار، وعلى عمر فاتح الأمصار، وعلى عمر شهيد الدار، وعلى علي راسخ الإيمان، وعلى آله وصحبه كلما تعاقب الحدثان وسلم تسليماً. . . أما بعد، فقد جاء رمضان فأهلاً به وسهلاً، اللهم علينا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان واغفر لنا ذنوبنا وأعتقنا منها يا منان.

أخوة الإيمان:

قد نزل بساحتكم شهر رمضان كريم وموسم عظيم خصه الله بالتشريف والتكريم وأنزل فيه القرآن العظيم وفرض صيامه على جميع المسلمين وسن قيامه الرسول الكريم شهرُ إجابة الدعوات ومضاعفة الحسنات ورفع الدرجات وإجزال الهبات وكثرة النفحات، شهرُ تكفير السيئات والصفح عن الموبقات وإقامة العثرات، شهرُ فضل الله أوقاته على سائر الأوقات وخصه بأسمى الصفات فيا ذوي الهمم العالية. والمطالب السامية اغتنموا الفرصة قبل الفوات، وسارعوا مع الصالحين إلى الخيرات، وتعرضوا في هذا الشهر لعظيم النفحات لعل الله أن يتجاوز عنكم كثير الخطيئات.

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين)([3]).

كان المسلمون يستقبلون شهر رمضان بقولهم: (اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر فسلمه لنا وسلمنا له وارزقنا صيامه وقيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والنشاط وأعذنا فيه من الفتن وذلك لما يعلمون من فضل رمضان سعة فضل الله عليهم فيه وما ينزله تعالى على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادات موسمها وللخيرات سوقها.

فلا شهر أفضل للمؤمن منه ولا عمل يفضل عما فيه فهو بحق غنيمة المؤمنين.

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلها.

خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: بوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة.

قيل يا رسول الله: أهي ليلة القدر، قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)([4]).

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب *** حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهم *** فلا تصيره أيضاً شهر عصيان
واتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً *** فإنه شهر تسبيح وقرآن
كم كنت تعرف ممن صام في سلف *** من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعد همو *** حياً فما أقرب القاصي من الداني

إخواني: بلوغ شهر رمضان نعمة كبيرة، فكم من شخص تحت الأجداث يتمنى أن يقول لا إله إلا الله، وكم من عاجز عن الصوم يتمنى الصيام، وكم من عاجز عن القيام تتلهف نفسه للقيام وأنتم تعيشون في صحة تامة وأمن وأمان فاغتنموا أوقاته قبل الندم وضاعفوا العمل من غير سأم لعل الله أن يقبل منكم القليل ويعفو عن الكثير([5]).

شعراً:

فحافظ على شهر الصيام فإنه 
      
*** لخامس أركانٍ لدين محمد
تُغَلَّقُ أبواب الجحيم  إذا اتى *** وتفتح أبواب الجنان لمسعد
ويرفع عن أهل القبور عذابهم  *** ويصفد فيه كل شيطان معتد
ويبسط فيه الرزق للخلق كلهم  *** ويسهل فيه فعل كل التعبد
تزخرف جنات النعيم وحورها *** لأهل الرضا فيه وأهل التهج
وقد خصه الله الكريم بليلة *** على ألف شهر فضلت فلترص
فقم ليله واقطع نهارك صائماً *** وصن صومه عن كل سوء ومفسد

  

حكم الصيام

لما تقدم من الفضائل لشهر رمضان كتب الله على المسلمين صومه، ولما كان فطم الأنفس عن شهواتها وحجبها عن مألوفاتها من أصعب الأمور تأخر فرضه إلى السنة الثانية للهجرة ولما توطنت القلوب على التوحيد وتعظيم شعائر الله نقلت إليه بالتدرج فبدئ به على التخيير مع الترغيب في صومه لأنه كان قد شق على الصحابة رضي الله عنهم فكان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل، ومن أراد أن يصوم فعل.

وصيام رمضان من أركان الإسلام وأحد مبانيه العظام لا يتم إسلام المرء إلا به، والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

فمن الكتاب:

قوله تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]([6]).

ومن السنة:

ما رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلاً)([7]).

وما رواه طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى النبيصلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام قال: (شهر رمضان) قال هل علي غيره؟ قال: (لا إلا أن تطوع شيئاً)، قال: فأخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق. .)([8]).

وأما الإجماع:

فقد أجمعت الأمة على وجوب صيام رمضان وأن من جحد وجوبه فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل على غير ملة الإسلام، لا يغسل، ولا يكفن ولا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يحفر له حفرة بعيداً عن الناس ويدفن لئلا يؤذي برائحته.

وقد نقل الإجماع الكاساني في بدائع الصنائع، والنووي في المجموع، وابن قدامة في المغني.

وأما المعقول:

فمن وجوه. .

أحدهما: أن الصيام وسيلة إلى شكر النعمة إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع وهي من أجل النعم وأعلاها والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرف قدرها إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر وشكر النعم فرض شرعاً وعقلاً وإليه أشار الله سبحانه وتعالى في آية الصيام بقوله: [لعلكم تشكرون].

الثاني: أنه وسيلة إلى التقوى لأنه إذا انقادت نفسه للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة الله تعالى وخوفاً من أليم عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً للارتقاء عن محارم الله وإليه وقعت الإشارة في آخر آية الصوم:[ لعلكم تتقون].

الثالث: أن في الصوم قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصيام لمن لم يجد الباءة: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ([9])([10]).

اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة ووفقنا للتزود من التقوى قبل النقلة وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة وتجاوز عنا ما اقترفنا من الخطأ والزلة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

المجلس الثاني

فصل في:

­_ فضل رمضان.

_ حكم من أفطر في رمضان بغير عذر.

 

فضل الصيام

الحمد لله الذي وفق العاملين لطاعته فوجدوا سعيهم مشكوراً وحقق آمال الآملين برحمته، فمنحهم عطاء موفوراً وبسط بساط كرمه على التائبين فأصبح وزرهم مغفوراً وأسبل من نعمه على الطالبين وأبلا غزيراً.

احمده أن أفاض على عباده جزيل الإنعام، ووفقهم للصالحات على الدوام.

فلو رأيتهم وقد هجروا لذيذ المنام وأداموا لربهم الصيام وصلوا بالليل والناس نيام يتسابقون كل يسأل حاجته.

واحد يسأل العفو عن زلته، وآخر يسأل التوفيق لطاعته، وثالث يستعيذ به من عقوبته، ورابع يرجو منه جميل مثوبته، وخامس يشكو إليه ما يجد من لوعته، وسادس شغله ذكره عن مسألته، فسبحان الله من وفقهم، وغيرهم محروم أحمده سبحانه، فرض علينا الصيام، وسن لنا رسوله المصطفى القيام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إله تفرد بالكمال والدوام وتقدس عن مشابهة جميع الأنام.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صفوة الأنام، وعلى آله وصحبه البرّرة الكرام وعنا معهم بمنك وكرمك ما تعاقبت الدهور والأيام.

أخوة الإيمان:

لقد جاءت آيات بينات محكمات في كتاب الله المجيد تحض على الصوم تقرباً إلى الله عز وجل وتبين فضائله من ذلك قوله تعالى: [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً]([11]).

وقوله تعالى: [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]([12]).

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الثابت والسنة أن الصوم حصن من الشهوات وأنه وقاية من النار وأنه سبب لدخول الجنة وأن فيها باباً خاصاً بالصائمين وأن الصيام يشفع لصاحبه وأنه كفارة، وإليك بيان ذلك.

1ـ الصوم جنة:

أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح ولم يستطع الزواج بالصيام وجعله وجاء([13]) لهذه الشهوة لأنه يحبس قوى الأعضاء عن الاسترسال في شهواتها ويسكن كل عضو منها وللصوم تأثير عجيب على حفظ الجوارح يعرف ذلك من صامت جوارحه عن المحرمات. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة([14]) فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([15]).

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجنة محفوفة بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات فإذا تبين لك أيها المسلم أن الصوم يقمع الشهوات ويكسر حدتها وهي التي تقرب من النار فقد حال الصيام بين الصائم والنار لذلك جاءت الأحاديث تبين أنه حصن من النار.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفاً)([16]).

2ـ الصوم يدخل الجنة:

إذا كان الصوم يبعد صاحبه من النار فهو إذاً يدنيه من بحبوحة الجنة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا ربه فرح بصومه)([17]).

3ـ الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما:

روى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان)([18]).

4ـ الصيام كفارة:

ومما ينفرد به الصيام من فضائل أن الله جعله لبعض الأعمال التي تصدر من المسلم ومنها حنث اليمين. يقول تعالى: [لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]([19]).

5ـ الريان للصائمين:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل فيه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)([20])([21]).

شعراً:

قم في ظلال الليل واقصد مهيمناً *** يداك إليه في الدجى تتوسل
وقل يا عظيم العفو لا تقطع الرجا     *** فأنت المنى يا غايتي والمؤمل
فيا رب فاقبل توبتي بتفضل *** فما زلت تعفو عن كثير وتمهل
إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتي *** لمن أشتكي حالي ومن أتوسل
حقيق لمن أخطأ وعاد لما مضى *** ويبقى على أبوابه يتذلل
ويبكي على جسم ضعيف من البلى *** لعل يعود السيد المتفضل
قصدت إلهي رحمة وتفضلاً *** لمن تاب من زلاته يتقبل

 

الترهيب من الفطر في رمضان بغير عذر.

من ترك صيام رمضان بغير عذر فلا يخلو إما أن يتركه جحوداً والعياذ بالله، وإما أن يتركه كسلاً.

فإن تركه جحوداً بأن جحد وجوبه فقال إن الصيام ليس بواجب في الشرع، فهذا كافر مرتد لأنه أنكر أمراً مجمعاً معلوماً من الدين بالضرورة وركناً من أركان الإسلام.

ويترتب على ردته هذه كل ما يترتب المرتد في ماله وزوجته ووجوب قتله لردته وغير ذلك من أمور تغسيله وتكفينه ودفنه في مدافن المسلمين.

ولا يستثنى من هذا إلا من كان حديث العهد بالإسلام أو من نشأ بعيداً عن أهل العلم كمن نشأ في البادية، أما إذا ترك الصيام كسلاً فالوعيد الشديد ينتظره.

روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي ـ عضدي ـ فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد فقلت: إني لا أطيقه فقالا اصعد فقلت: إني لا أطيقه فقالا سنسهله لك فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات، قالوا: هذا عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم دماً قال قلت من هؤلاء قال الذين يفطرون قبل تحلة صومهم…)([22]).

أيها المسلم المشفق على نفسه من عذاب الله الشديد أرجو أن تنظر إلى الصورة البشعة المفزعة التي سيعذب بها المستهترون الذي يفطرون قبل أن يحل لهم الإفطار فلا يرعون حق الصوم ولا يسمعون لأمر الله لهم فيفطرون قبل حلول وقت الإفطار والأعمال بخواتيمها.

إن هؤلاء سيعلقون من عراقيبهم (مؤخر أقدامهم) يوم القيامة كما تعلق الدابة الذبيحة وستشقق أشداقهم (جوانب أفواههم) ويسيل منها الدم وهم معلقون منكسون على رؤوسهم. يا لهول هذا العذاب وقانا الله منه أترى كيف سيكون إذن حال من أنكر رمضان.

الفطر بدون عذر يعرض صاحبه لغضب الجبار سبحانه وتعالى وعذاب النار فليحذر كل من تسول له نفسه من الفطر بدون سبب لأن المعاصي نتيجتها وخيمة وعاقبتها مخزية.        

هذا وقد أوجب أهل العلم على من أفطر متعمداً أن يقضي اليوم الذي أفطره.

يقول الذهبي رحمه الله: “من المقرر عند المؤمنين أن من ترك صوم رمضان بلا  مرض ولا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال وقال في موضع آخر الكبيرة السادسة من أفطر في رمضان من غير عذر”([23]).

اللهم اجعلنا من المقبولين في هذا الشهر الفضيل وخصنا فيه بالأجر الوافر والعطاء الجزيل وخفف ظهورنا من الأوزار والحمل الثقيل، وتقبل منا يسير الأعمال فإنك عفو تقبل القليل.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المجلس الثالث

فصل في:

ـ تلاوة القرآن.

ـ أحكام الرؤية.

 

 فضل تلاوة القرآن

الحمد لله الذي أنشأ وبرأ وخلق الماء والثرى وأبدع كل شيء ووذار. لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى. ولا يعزب عن عمله مثقال ذرة مما لا نرى،  [لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى]([24]).

خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمر الله وجرى.

ونجى الخليل من النار فصار حرها برداً وسلاماً عليه فاعتبروا لما جرى. وآتى موسى تسع آيات فما ادكر فرعون وما ارعوى. وأيد عيسى بآيات تبهر الورى وأنزل الكتاب على محمد فيه البينات والهدى.

أحمده على نعمه التي لا تزال تترى وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرى وعلى عمر الملهم في رأيه فهو بنور الله يرى وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديناً يفترى وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الثرى وعلى جميع الآل والأصحاب الذين انتشر فضلهم في الورى وعنا معهم بمنك وكرمك يا من تعلى ما جرى.

أيها الأخوة المؤمنون، والأخوات المؤمنات:

يعود إلى القلوب حنينها إلى ما تنطوي عليه أيام رمضان من بركات هي الهدى في ضيائه والنور في إشراقه والقوة في صفاء ينبوعها وعظمة أصالتها لأنها تنتسب إلى طريق الهدى وتسير فيه، ولئن اقتضت حكمة الخالق أن يعطي كل رسول ما يتناسب والذي يكون قبلة الأنظار في زمانه وموطن التباري والسمو في عصره فإن الذي له الغلبة عند العرب ومهوى الأفئدة هو فصاحة اللسان وبلاغة البيان فجاء القرآن بلسان عربي مبين.

باللغة التي يتكلمون، والأحرف التي ينطقون.

وهذه الحقيقة خالدة على مر الزمن تتحدى القيود والحدود وهي ينبوع العطاء الذي لا يتوقف ومصدر الهداية التي لا تنفد. وباعث القوة التي لا تلين.

وما علينا إلا أن نفتح القلب لهذا النور والنفس لهذا الهدى حتى تشرق شمس حياتنا من جديد ولنستمع إلى ما أثنى الله تبارك وتعالى به على من قرأ القرآن وعمل بما فيه من أحكام وآداب. يقول الحق تبارك وتعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ]([25]). وقوله تعالى: [لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ]([26]).

وقد أمر الله نبيه أن يرتل القرآن ويقرأه على الناس على مكث يقول الله تعالى: [وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً]([27])، [وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]([28]).

وقد وردت النصوص الكثيرة من السنة توضح فضل قراءة القرآن من ذلك.

ما رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)([29]).

وما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)([30]).

وما رواه موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجــة ريحهـــا طيـــب وطعمهـــا طيب ومثل المؤمــن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة لا ربح لها وطعمها حلو)([31]).

وما رواه أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)([32]).

وما رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل)([33]).

وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) ([34]).

ما أجمل أن تغص المساجد في رمضان بأولئك الذين يجتمعون لتلاوة كتاب الله والتزود منه.

ولكن الأجمل والأحسن أن نجعل من رمضان فرصة لمراجعة حياتنا كلها هل هي على وفق ما يجب أن يكون أم لا.

هل طهرنا بيوتنا من المنكرات.

هل ربينا أطفالنا تربية إسلامية.

هل قمنا بواجب النصيحة للقريب والجار والصديق.

هل طهرنا أموالنا من الربا ونميناه بأداء الزكاة.

هل أوقفنا هذا السيل الجارف من النساء اللاتي يذهبن إلى الأسواق زرافات ووحداناً يختلطن ويماكسن الباعة من غير ضرورة ولا حاجة يوم أن نرى المجتمع يأتمر بأمر الله ويقف عند حدوده عندها يتحقق الأمن والخير لهذا المجتمع ولنا فيمن حولنا عبرة وعظة.

وصدق الشاعر:

متى نرى الحكم في الآفات قرآناً *** والدين يعمر أقطاراً وبلدانا
متى ترى أمة القرآن واحدة *** تغدو بنعمة هذا الدين إخوان
الخير في المصحف الهادي ومنهجه  *** ففيه ذخرؤ لدنيانا وأخرانا
كل القوانين إن حققت ذاهبة *** والذكر يبقى مع الأيام فرقانا

إن الحياة في رحاب القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وما أجمل أن تقوم الحياة على القرآن وتستقي من نبعه الطاهر.

ألا نكون خلفاً صالحاً لسلف صالح فنقرأ القرآن ونتعلم ما فيه ونعمل به أسوة بسلفنا الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر([35]).

شعراً:

عليك بما يفيدك في المعاد *** وما تنجو به يوم التناد
فمالك ليس ينفع فيك وعظ *** ولا زجر كأنك من جماد
ستندم إن رحلت بغير زاد *** وتشقى إذ يناديك الماد
فلا تفرح بمال تقتنيه *** فإنك فيه معكوس المرا
وتب مما جنيت وأنت حي *** وكن متنبهاً من ذا الرقاد
يسرك أن تكون رفيق قوم *** لهم زاد وأنت بغير زاد

  

بم يثبت دخول شهر رمضان المبارك

يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:

الأول: رؤية هلال رمضان.

يقول تعالى: [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]([36]).

أناط الله صيام رمضان بمن شهد الشهر، والشهر عادة يثبت بانقضاء الشهر الذي قبله أو برؤية الهلال.

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له)([37]).

الحديث نص صحيح صريح على تعليق وجوب الصوم في رمضان برؤية هلاله ومفهومه النهي عن الصوم بدون رؤية الهلال.

يقول تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]([38]).

جعل الله الأهلة مواقيت للناس يعرفون بها أوقات عباداتهم ومعاملاتهم رحمة منه بعباده حيث علق وجوب الصوم بأمر واضح وعلامة بارزة يعرفها سائر الناس وليس من شرط وجوب الصوم أن يرى الهلال كل الناس بل إذا رأه بعضهم ولو كان شخصاً واحاً على الصحيح وهو عدل ثقة تمكن رؤيته لزم الناس كلهم الصيام إذا كان مطلعهم واحداً.

الثاني: مما ثبت به دخول رمضان (إذا لم ير الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً) يدل ذلك ما رواه عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما وفيه:

(. . . فإن غم عليكم فاقدروا له) ([39])، ومعنى اقدروا له أي إذا غطى على الهلال غيم أو قتر وتعذرت رؤية الهلال فالواجب إكمال شعبان ثلاثين يوماً يؤكد ذلك الرؤية الصحيحة الصريحة (. . . فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً)([40]).

ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين إطلاقاً، ومن ادعى غير ذلك فعليه الدليل. وما يدعو إليه بعض المنتسبين للعلم من الاعتماد على الحساب أمر لا يقره شرع ولا عقل إذ الأمة الإسلامية من لدن مبعث نبيها محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهي تعتمد على الرؤية ولم تعمل بالحساب اتباعاً للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي يقول في الحديث الذي يرويه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين)([41]).

يقول ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً ويوضحه قوله في الحديث الماضي: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل فسلوا أهل الحساب.

والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم([42]).

وبهذا يتبين أن الله جل وعلا حدد دخول الشهر بإحدى علامتين ظاهرتين يعرفهما العامي والمتعلم وهما رؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، فمن جاء بشيء غيرهما يزعم أن يعلم به دخول الشهر غير ما بينه الشارع فقد حاد الله ورسوله وأوقع الأمة في الحرج المرفوع عنها بنص القرآن: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([43]). لأن معرفة الحساب لا يعلمها إلا خواص الناس فكيف نطالب الأمة بمعرفتها ونوجب عليها ما لم يوجبه الله ولا رسوله سبحانك هذا بهتان عظيم. اللهم ارزقنا الاتباع وجنبنا الزلل والشطط والقول عليك بلا علم. واغفر اللهم لنا ولوالدينا ومن له حق علينا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين([44]).

 

المجلس الرابع

فصل في:

ـ آداب تلاوة القرآن.

ـ أحكام النية.

  

آداب تلاوة القرآن

الحمد لله الذي لم يزل عليماً عظيماً علياً جباراً قادراً قهاراً قوياً رفع سقف السماء بصنعته فاستوى مبنياً، وسطح المهاد بقدرته وسقاه كلما عطش رياً، وأخرج صنوف النبات فكسى كل نبت زياً، قسم الخلائق سعيداً وشقياً وقسم الرزق بينهم فترى فقيراً وغنياً، والعقل فجعلهم ذكياً وغبياً، سبحانه منْ إله جاد على أوليائه بإسعاده وبين لهم مناهج الهدى بفضله وإرشاده ورمى المخالفين له بطرده وإبعاده أحمده سبحانه أمر بتلاوة القرآن وتدبره فقال: في محكم البيان: [وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً]([45]).

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين من كانت معجزته القرآن: [وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ]([46]).

أيها الصائمون ويا أيتها الصائمات.

إن هذا القرآن الذي تتلونه هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم من تمسك به نجى ومن طلب الحق من غيره ضل ومن حكم به عدل وهو الذكر المبارك والنور المبين وصفه الله جل وعلا بأوصاف عظيمة ينتفع به المسلمون ويتأدبون بآدابه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ومن أوصافه [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]([47]).

[قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ]([48]).

[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ]([49]).

[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]([50]).

[وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً]([51]).

[اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]([52]).

فهذه الأوصاف وغيرها كثير تدل على عظمة القرآن ووجوب التأدب عند تلاوته وسماعه.

ومن أهم آداب التلاوة:

أولاً: إخلاص النية لله تعالى لأن أي عمل من الأعمال لا يقبله الله ما لم يكن خالصاً له وحده.

يقول تعالى: [فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]([53]).

ويقول تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ]([54]).

ثانياً: أن يقرأ بقلب حاضر منصرف إلى السماع ويتدبر كل ما يقرؤه ويحاول الفهم قدر استطاعته وأما أولئك الذين يهذون القرآن هذا ولا يتدبرون معانيه ولا يخشون عند وعده ووعيده فقلوبهم مشغولة بغير القراءة من متاع الدنيا وعرضها الزائل.

ثالثاً: أن يقرأ على طهارة كاملة، لأن هذا من تعظيم كلام الله واحترامه ولا حرج عليه لو كان مضطراً للقراءة ولا يجد وسيلة لبلوغ الماء كمن يرقد على السرير أو في سيارة لا يملك إيقافها أو في طائرة أو في سجن وما أشبه ذلك فهؤلاء قد يكونون معذورين لو قرأوا وهم على غير طهارة شريطة أن يتطهروا من الحدث الأكبر والله أعلم.

رابعاً: ألا يقرأ في أماكن مستقذرة كدورات المياه وأماكن المنكرات والمعاصي. أو في مجتمع لا ينصب له كمجتمع البيع والشراء أو مجتمع الرياضة أو مجتمع لعب الورق وغير ذلك من المجتمعات المشغولة لأن القراءة في هذه الأماكن إهانة لكتاب الله.

خامساً: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند بدء القراءة سواء كان من أول السورة أو من وسطها لقول الله تعالى: [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ]([55]).

سادساً: أن يقرأ البسملة إذا كان يقرأ من أول السورة، فإن كان يقرأ من وسط السورة فلا يبسمل وهذا في كل سور القرآن ما عدى سورة التوبة فإنه لا يقرأ في أولها البسملة لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم هل هي تتمة لسورة الأنفال أم أنها سورة جديدة فرأوا أن يفصلوها في المصحف ولا يضعوا قبلها البسملة.

سابعاً: أن يحسن صوته بالقرآن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أذن الله لشيء (أي ما استمع لشيء) كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)([56]).

والجهر بالقراءة أولى إلا إذا كان حوله من يتأذى بجهره في قراءته كالنائم والمصلي فإنه حينئذ يجهر جهراً خفيفاً يسمعه هو ولا يسمعه من حوله.

ثامناً: ومن آداب تلاوة القرآن أن يسجد عند تلاوة الآيات التي فيها سجود سواء كان الوقت وقت نهي أو غيره، ولأن سجود التلاوة من ذوات الأسباب والصحيح المعتمد أن سجدة ـ ص ـ محل للسجود وهل لسجود التلاوة في غير الصلاة تكبير عند الخفض وتكبير عن الرفع وسلام؟ محل خلاف بين أهل العلم والأمر واسع إن شاء الله ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً وإن زاد سجد وجهي لله الذي  خلقه فصوره ثم شق سمعه وبصره بحوله وقوته اللهم اجعل لي بها ذخراً وضع عني بها وزراً وتقبلها مني كما تقبلتها من نبيك دواد عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فهذا حسن.

والأفضل للمستمع أن يسجد تبعاً للتالي، أما السامع فلا يسجد والفرق بينهما أن هذا منصت للقارئ متابع له، والسامع غير منصت ولا متابع([57]) والله أعلم.

شعراً:

بذكرك يا مولى الورى نتنعم  *** وقد خاب قوم عن سبيلك قد عموا
شهدنا يقيناً أن علمك واسع *** وأنت ترى ما في القلوب وتعلم
إلهي تحملنا ذنوباً عظيمة *** أسأنا وقصرنا وجودك أعظم
سترنا معاصينا عن الخلق جملة *** وأنت ترانا ثم تعفو وترحم
وحقك ما فينا مسيء يسره     *** صدودك عنه بل يذل ويندم
سكتنا عن الشكوى حياء وهيبة *** وحاجاتنا بالمقتضى تتكلم
إذا كان ذل العبد بالحال ناطقاً    *** فهل يستطيع الصبر عنه ويكتم
إلهي فجد واصفح وأصلح قلوبنا *** فأنت الذي تولي الجميل وتكرم

 

صيام يوم الشك

يحرم صيام يوم الشك ـ وهو يوم الثلاثين من شعبان ـ بنية الاحتياط عن رمضان وذلك في حال الغيم أو القتر لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (فإن غبي عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين)([58]). ولقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم محمد صلى الله عليه وسلم([59]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلاً يصوم صوماً فليصمه)([60]).

 

أحكام النية

من الأمور التي لا يقدرها بعض الصائمين حق قدرها نية الصيام سواء من حيث وجود أصلها أو من حيث تبييتها أو تعيينها أو من حيث كونها جازمة غير مترددة.

ومحل النية القلب والتلفظ بها بدعة.

ومن استيقظ قبل طلوع الفجر وعقدها أجزأته إذ لا يلزم تبييتها قبل النوم بل يكفي قبل الفجر، والصحيح من كلام أهل العلم أنه لا يصح صوم فرض بلا نية يدل لذلك قوله تعالى:[ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]([61]).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)([62]).

والنية لها أهميتها الكبرى في الصوم، لأنها تعتبر الفيصل الحقيقي بين العبادة والعادة.

فالفرق شاسع بين أن يزاول المرء العبادة وهو يستشعر رضاء الله ويستصحب الحرص على طاعته وابتغاء وجهه خالصاً بحيث يصبح هذا الإحساس يقوده لطاعة الله رغبة ورهبة لا تشوب نيته شائبة في مخافة أحد سوى الله أو طلب مدح أحد أو ثنائه، وبين أن تكون عادة يستمر عليها المرء خوفاً من العقاب الدنيوي لا طمعاً في رضا الله سبحانه وتعالى، وعبادة الصوم وحدها هي التي تقوى فيها الصلة بين العبد وربه إذ يستطيع في غفلة من الناس أن يأكل ويشرب إذا لم يراقب الله سبحانه.

هل تكفي النية أول الشهر:

اختلف أهل العلم هل تكفي نية الصيام في أول شهر رمضان أم أن لكل يوم نية مستقلة، ولا شك أن الأحوط أن يكون لكل يوم نية مستقلة، لأن صيام كل يوم عبادة مستقلة.

إذا لم يعلم بخبر الصيام إلا في وسط النهار:

إذا لم يعلم المسلم بخبر الصيام إلا بعد طلوع الفجر لزمه الإمساك من حين علم ووجب ما عليه من القضاء، لأن فطره أول النهار معذور فيه إذ لم يعلم خبر الشهر ألا بعد طلوع الفجر.

وأما إلزامه بالإمساك فلحرمة الشهر وإلزامه بالقضاء، لأن صيامه جزءاً من اليوم لا يجزيه إذ لا بد من صيام اليوم كاملاً من طلوع الفجر حتى غروب الشمس.

هل النية واجبة في الفرض والنفل:

تبييت النية واجب في الفرض فقط، وأما النفل فله أن يمسك ولو في وسط النهار ما دام لم يأكل ولم يشرب ولم يأت مفطراً من المفطرات من طلوع الفجر يدل لذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول: (أعندك غداء فأقول لا فيقول: إني صائم) قالت: فأتاني  يوماً فقلت يا رسول الله أنه أهديت لنا هدية، قال: وماهي؟ قلت: حيس، قال: (أما أني أصبحت صائماً) قالت: ثم أكل([63]).

وفي هذا دليل صحيح صريح على أنه يجوز للإنسان أن يصوم صيام التطوع بنية من وسط النهار كما أنه يدل دلالة صريحة على أن من بات صائماً صيام نفل يجوز له أن يفطر في وسط النهار قبل تمام صومه. وهذا من يسر الإسلام وسماحته ولله الحمد والمنة.

اللهم وفقنا لاتباع الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والشقاء واجعل شهرنا شاهداً لنا يوم العرض وأعنا فيه على طاعتك وجنبنا طرق معصيتك واختم لنا بالصالحات وضاعف لنا الحسنات وتقبل منا القليل واعف الزلل والتقصير واغفر لنا ولوالدينا ولجيمع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([64]).

 

المجلس الخامس

فصل في:

ـ أركان الصوم ومكانته في الإسلام.

ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  

أركان الصوم ومكانته في الإسلام

الحمد لله خالق كل مخلوق ورازق كل مرزوق مصرف الأشياء فمنها سابق ومسبوق موجد المنظور والملبوس والمذوق أنشأ الآدمي بالقدرة من ماء مدفوق وركب فيه العقل يدعو إلى مراعاة الحقوق والهوى يحث على ما يوجب العقوق.

أحمده سبحانه على ما يقضي ويسوق مما يغم ويشوق.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله وقد ازدحمت سوق الباطل في أروج سوق فدفع بصدقة أهل الزيغ وأرباب الفسوق وعلى أله وأصحابه ما هب الهوى ولمعت البروق وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الصدوق وعلى عمر الملقب بالفاروق وعلى عثمان الصابر على الشهادة يدفعه الشوق وعلى علي مطلق الدنيا فما غره من ذَهَبٍ بروق وعلى جميع أتباعهم ما تعاقب الغروب والشروق.

إخوتي الصائمين والصائمات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته درسنا هذه الليلة حول تعريف الصيام وأركانه ومكانته في الإسلام فنقول:

الصيام في اللغة: الإمساك، ويستعمل في كل إمساك، يقال: صام فلان أي أمسك عن الكلام وصامت الخيل إذا وقفت ومنه قوله تعالى: [إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً]([65]).

وقول الشاعر:

خيل صيام وخيل غير صائمه  ***    تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

والصوم في الاصطلاح: الإمساك عن المفطرات بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

فهو إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص من شخص مخصوص.

ومن هذا التعريف نأخذ أركان الصوم الثلاثة:

1ـ النية.

2ـ الإمساك عن المفطرات.

3ـ زمن الصوم.

وللصوم مكانة عظيمة لا يحسب قدرها ولا يعرف سموها إلا المؤمن الصادق الذي يعيش مع رمضان بقلبه وقالبه ولبه وجوارحه فوجهه باسم متهلل بتباشير الرحمة التي تنبعث مع أول خيط من خيوط الفجر في أول يوم من هذا الشهر الكريم.

دنيا المؤمن مملوءة في رمضان بضياء الرحمة والمسامحة والصفح والغفران في ظلال العبادة والخضوع والتواضع.

وقلب المؤمن خاشع ضارع إلى ربه يرتل القرآن ويرجعه في صفاء وبعد عن شياطين الإنس والجن.

سعادة المؤمن في رمضان لا تعدلها سعادة، لأنه يحس من خلال جوعه وعطشه وصفاء نفسه بالجنة وقد ازدانت لاستقبالها وقد اصطفت الحوريات تنتظر القادم الغالي.

إن شهر رمضان شهر التوبة والغفران شهر العفو والعتق من النيران شهر تفيض فيه المساجد بين قائم وراكع وساجد وعابد دائب ونادم تائب.

كل مؤمن تهفو نفسه أن يكون في إحدى لياليه من ضمن المعتقين الأبرار ليجتمع في جنات الخلود بالأصحاب والأخيار.

شهر رمضان شهر السمو الروحي والتهذيب الخلقي والصفاء القلبي.

أجر الصائم لا حد له ترك الله جزاه لكرمه سبحانه مما لا عين رأت و أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا نعرف شيئاً عن هذا الجزاء، ولكننا نؤمن إيماناً جازماً أنه يتناسب وكرم الله وعطائه وجزيل مغفرته وثوابه، فكما أن الصيام له وحده سبحانه لا تدخله الرغبة والشهوة فكذلك الجزاء والجزاء من جنس العمل.

فهنيئاً لك أيها الصائم في صيامك وقيامك وأبشر بما أعد الله لك من جزيل الأجر وبالغ العطاء.

وحذار حذار أن تفسد صومك برفث أو جهل أو فسوق أو عصيان فيحبط عملك وعليك بالوصية الجامعة ممن لا ينطق عن الهوى (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم)([66]).

شعراً:

يا أمة ذاك ماضيها الذي عرفت *** منه بمجد صريح غير مؤتشب
ماذا دهاك فقد أصبحت هاوية *** مهاوي الذل من جبن إلى عطب 
قد كنت تاجاً لأجيال الورى عصراً  *** فصرت من بعد تلك الجيل في العقب
وكنت موفورة الخيرات صاعدة  *** بالدين ذروة مجد غير منسحب
فصرت أسفل سفلاها كما انقلبت       *** بالخسف ذورة طود شر منقلب
وكنت هذبت أخلاق الورى زمناً  *** واليوم منك سوى الأخلاق لم يعب
وكنت آمره المعروف معرضة  *** وصرت للمنكر المذموم في طلب
وكنت حررت من ظلم ومن عنت  *** قوماً من الظلم والظلام في نصب
فاليوم تظلمك الدنيا بأجمعها  *** ولا يهيجك هيَّاج إلى الغضب
وكنت أنقذت من جهل ومن عمه  *** بني جهالتها الهاوين في الريب
لئن رجعت إلى الطاعات من كثب *** لتظفرن بحول الله من كثب
وإن بقيت على ما أنت فيه فلا   *** مفر من نقمة الجبار والتبب
شر بشر ومن يعمله يلق ومن   *** يزرع من الشوك لا يحصد من العنب

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقول تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]([67]). ويقول تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]([68]).

المعروف هو ما عرفه الناس بأنه محبوب للشارع ويدخل فيه الواجبات والمستحبات والمنكر ما ينكره الشارع ولا يرضاه من المحرمات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب واجبات الإسلام وقد عده بعض أهل العلم الركن السادس من أركان الإسلام.

يقول العلامة ابن حزم([69]): (اتفقت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف بين أحد منهم لقوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]([70]).

وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتصف بالصفات الآتية:

1ـ العلم بقول الله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]([71]).

والحكمة هنا هي العلم النافع ليكون الآمر والناهي قوياً في حجته مؤثراً في سامعيه وليكون أمره ونهيه على بصيرة وبينة لئلا يقع في الخطأ فيأمر بما ليس بمعروف وينهى عن شيء ليس بمنكر.

2ـ العمل بما يقول:

يقول تعالى:[أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ]([72]).

ويقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ]([73]).

إن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج([74]).

3ـ الإخلاص:

فكل عمل لا يقوم على الإخلاص فلا حاجة لله فيه، ولهذا كان في الإسلام شرطان لقبول العمل أي عمل أحدهما الإخلاص: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]([75]).

وثانيهما: صدق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)([76]).

4ـ الأمانة:

وذلك بأن يكون المسلم أعينا في تبليغ شرع الله فلا يزيد ولا ينقص ولا يقول عن الله إلا ما كان عالماً به متمكناً فيه.

وصدق الله العظيم: [وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ]([77]).

5_ الصبر:

فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلى بالصبر على ما يصيبه، لأن هذا هو طريق الأنبياء والمرسلين وقد أذوا فصبروا فكانت العاقبة لهم في الدنيا والآخرة رزقنا الله اتباعهم. يقول تعالى: [يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ]([78]).

ويقول تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]([79]).

6ـ الرفق واللين:

والرفق ما خالط شيئاً إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه وكم من داعية أدرك برفقه ولينه ولطفه ما لا يدركه آلاف الدعاة الذين لا يتحلون بهذه الخصال، وقد أوصى الله الدعاة فيها فقال عن موسى وهارون: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى]([80]).

ويقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]([81]).

7ـ التيسير والتبشير:

فينبغي للآمر الناهي أن يكون ميسراً ومبشراً وأن يفتح أبواب الخير للناس ويرغبهم في التوبة والإنابة ويذكر لهم الجزاء في الآخرة، وقد أرشد الله إلى هذا الأسلوب في كتابه فقال: [قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]([82]).

يا أيها الرجل المعلم غيره  *** هلا لنفسك كان ذا التعلم
تصف الدواء لذي السقام وذي الظّنا *** كيما يصح به وأنت سقيم
وتراك تصلح بالرشاد عقولنا *** أبداً وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويهتدى *** بالقول منك فينقع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله  *** عار عليك إذا فعلت عظيم

اللهم يا واسع العطاء والجود امنن علينا بصلاح الظاهر والباطن واجعلنا ممن ادخر له الجزاء في جنات الخلود: [فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ]([83]).

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([84]).

 

المجلس السادس

فصل في:

ـ التوبة.

ـ ومفسدات الصوم.

 

التوبة

الحمد لله الذي نصب من كل كائن على وحدانيته برهاناً وتصرف في خليقته كما شاء عزاً وسلطاناً، واختار المتقين فوهب لهم أمناً وإيماناً وعم المذنبين بحلمه ورحمته عفواً وغفراناً ولم يقطع أرزاق أهل معصيته جوداً وامتناناً روح أهل الإخلاص بنسيم قربه وحذر يوم الحساب بجسيم كربه وحفظ السالك نحو رضاه في سربه. وأكرم المؤمن إذ كتب الإيمان في قلبه. حكم في بريته فأمر ونهى وأيقظ بموعظته من غفل وسها. ودعا المذنب إلى التوبة لغفران ذنبه.

أحمده حمد عابد لربه معتذر إليه من تقصيره وذنبه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص من قلبه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى من حزبه صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر خير أحبته وصحبه.

وعلى عمر الذي لا يسير الشيطان في سربه، وعلى عثمان الشهيد لا في صف حربه، وعلى علي معينه في جهاده وحربه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. . . وبعد.

إخوتي الصائمين. . نلتقي في هذه الليلة لنستجلي موضوعاً هاماً يهم كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض ألا وهو موضوع التوبة الذي ذكره الله في القرآن وأكد على التوبة إليه والتضرع بين يديه وتقديم الاستغفار والذكر. يقول تعالى: [وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ]([85]).

ويقول تعالى: [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ]([86]). ويقول تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([87]).

ويقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]([88]). ويقول تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]([89]).

وقد ندب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوبة ورغب فيها وذكر عن نفسه أنه يتوب كل يوم مائة مرة يدل لذلك:

ما رواه الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة)([90]).

وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)([91]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)([92]).

والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته لأنه سبحانه هو المعبود حقاً وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود محبة وتعظيماً، فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه فتوبته أن يرجع إليه ويقف ببابه موقف الفقير الذليل الخائف المنكسر بين يديه. وهي واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها ولا التسويف بها إذ قد تفجأه المنية وهو على معصيته والعياذ بالله، وكم رأينا وسمعنا في واقعنا المعاصر من أشخاص ماتوا على معاصيهم.

تجد الشخص يحصل عليه حادث في سيارته وهو في الطريق وصوت المغني أو المغنية مرتفع، بل قد يلفظ أنفاسه ويبقى الصوت مرتفعاً شاهداً عليه في الدنيا قبل الآخرة.

وكم من شخص مات في رمضان وهو مفطر والعياذ بالله استعبدته الجريمة فأصبحت هي معبوده من دون الله. وكم من أشخاص هلكوا وأرصدتهم الربوية تلعنهم شاهدة عليهم. وكم من أقوام درسوا وقد عقوا والديهم وآذوا جيرانهم وأكلوا حقوق غيرهم.

فاتقوا الله يا أيها المؤمنون وأصدقوا مع الله فرمضان فرصة قد لا تعود عليكم أعلنوها توبة خالصة لعل الله أن يمحو بها كثير السيئات ويضاعف بها قليل الحسنات.

وصدق الله الرحيم الرحمن: [قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]([93]).

شعراً:

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب  *** حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما  *** فلا تصيره أيضاً شهر عصيان
واتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً  *** فإنه شهر تسبيح وقرآن
فاحمل على جسد ترجو النجاة له *** فسوف تضرم أجساد بنيران
كم كنت تعرف ممن صام في سلف *** من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم               *** حيا فما أقرب القاصي من الداني
ومعجب بثياب العيد يقطعها *** فأصبحت في غد أثواب أكفان

 

مفسدات الصوم

تتبعت كلام أهل العلم في المفطرات وحصرتها فوجدتها في الغالب لا تخرج عن ثلاث مجموعات هي:

المجموعة الأولى: الإفطار بما دخل إلى الجوف.

المجموعة الثانية: الإفطار بالأعمال الجنسية.

المجموعة الثالثة: الإفطار بما خرج من الجوف.

وإليك بيان هذه المجموعات وما يدخل تحتها من المفطرات.

المجموعة الأولى: الإفطار بما دخل إلى الجوف:

إذا أكل الصائم أو شرب عامداً ذاكراً لصومه فإنه يبطل.

يقول تعالى: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ]([94]).

فقد بينت الآية أنه لا يباح للصائم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر حتى الليل ـ غروب الشمس ـ فمن أكل أو شرب خلال هذا الوقت فقد أبطل صيامه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يذر طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)([95]).

ويستوي في ذلك ما يتغذى به وما لا يتغذى به. قال ابن قدامة: أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به)([96]).

أما إذا أكل أو شرب ناسياً فصيامه صحيح ويجب على من رآه يأكل أن ينبهه وما شاع لدى العوام من عدم تنبيه الصائم الناسي لا أصل له بل من رآه يأكل وهو يعلم أنه صائم ولم ينبهه فإنه آثم، لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدل لصحة صومه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)([97]).

ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز عنه سواء وصل من الفم أو الأنف لأن هذا يشبه الأكل والشرب)([98]).

الإبر المغذية التي يكتفي بها عن الأكل والشرب، فإذا تناولها أفطر لأنها وإن لم تكن أكلاً وشرباً حقيقة فإنها بمعناهما فثبت لها حكمهما. فأما الإبر غير المغذية فلا تفطر لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب فلا يثبت لها حكمها.

وهنا ينبغي أن يعلم أنه يرخص في تناول الإبر المغذية في نهار رمضان إذا اضطر إليها ولم يستطع أن يصبر إلى الليل وحكمه هنا حكم المريض المرخص له في الفطر فيتناول الإبرة ويفطر ويقضي ذلك اليوم تيسيراً من الله جل وعلا: [وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]([99]).

ويتفرع على ما سبق مسائل:

الأولى: إذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع، فإذا هو قد طلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه وعليه القضاء([100]).

يدل لذلك ما روته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يوم غيم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام فأمروا بالقضاء. قال لا بد من قضاء وقال معمر سمعت هشاماً لا أدري أقضوا أم لا([101]).

قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم واحتج لهم بقوله: إنه أكل مختاراً ذاكراً لصومه فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولأنه جهل بوقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولأنه يمكن التحرز منه. قلت: وفيه احتياط للعبادة ومنع لضعاف النفوس من التحايل على الفطر وفيه مطالبة للمؤذنين أن يثبتوا من غروب الشمس لئلا يوقعوا المسلمين في الحرج والعنت المرفوع عنهم شرعاً.

الثانية: إذا أكل شاكاً في طلوع الفجر ولم يتبين الأمر فليس عليه قضاء وله أن يأكل حتى يتيقن طلوع الفجر([102]).

والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أنه هنا لم يتبين له طلوع الفجر أما في المسألة الأولى فإنه قد تبين له أنه أكل أو شرب بعد طلوع الفجر.

الثالثة: وإن أكل شاكاً في غروب الشمس ولم يتبين فعليه القضاء لأن الأصل بقاء النهار وإن كان حين الأكل طاناً أن الشمس قد غربت أو أن الفجر لم يطلع ثم شك بعد الأكل ولم يتبين فلا قضاء عليه لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه فأشبه ما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد صلاته([103]).

اللهم يا جابر كسر المنكسرين ويا مغيث الملهوفين والمستغيثين نسألك أن تقابل إساءتنا بإحسانك وتقصيرنا بعفوك وامتنانك. اللهم سلمنا من نفوسنا التي هي أقرب أعدائنا وامنن علينا بالتوفيق بعمل إليك يقربنا واتمم علينا يا مولانا ما به أكرمتنا. وأدم علينا إحسانك كما عودتنا فها نحن عبيدك قد ألقينا نفوسنا بين يديك وطمعنا بحسن وعدك وجميل رفدك فيما لديك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك، واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([104]).

 

المجلس السابع

فصل في:

ـ التوبة.

ـ مفسدات الصوم.

 

التوبة

الحمد لله العلي القوي المتين القاهر الظاهر المبين لا يعزب عن سمعه أقل الأنين ولا يخفى على بصره حركات الجنين ذل لكبريائه جبابرة السلاطين وقل عند دفاعه كيد الشياطين قضى قضاءه كما شاء على الخاطئين وسبق اختياره لما اختار الماء والطين فهؤلاء أهل الشمال وهؤلاء أهل اليمين جرى القدر بذلك قبل عمل العاملين.

أحمده حمد الشاكرين وأسأله معونة الصابرين وأصلي وأسلم على رسوله المقدم من النبيين وعلى صاحبه الصديق أول تابع له على الدين، وعلى الفاروق عمر القوي الأمين، وعلى عثمان زوج ابنته ونعم القرين، وعلى علي بحر العلوم أب الحسن والحسين وعلى بقية الأصحاب والآل والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

إخوة الإيمان:

ذكرنا طرفاً من الكلام عن التوبة في الفصل السابق وهنا سنكمل الحديث عنها بمشيئة الله تعالى فنقول التوبة نوعان: واجبة، ومستحبة.

فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور، وهذه واجبة على جميع المكلفين، كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله عليهم السلام.

والمستحبة هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين، إما الكافرين وإما الفاسقين. قال الله تعالى: [وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً *فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ]([105]).

وقال تعالى: [فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ]([106]).

والتوبة التي أمر الله بها هي التوبة النصوح التي تشتمل على شرائط التوبة،

وهي خمسة:

الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل وذلك بأن يكون الباعث عليها محبة الله سبحانه وتعالى والطمع في رضوانه والخوف من عقوبته ونيرانه فإن كان الباعث لها عرضاً زائلاً من الدنيا أو طعماً في جاه أو تزلفاً لأحد من المخلوقين أو خوفاً من أحد من المخلوقين فليست بتوبة خالصة وكل زارع سيحصد ما زرع.

الثاني: الندم على ما بدر منه من الذنوب والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والانكسار بين يديه، وكلما كان الندم صادقاً وقوياً كلما ظهرت آثاره على العمل اللاحق فتجد التائب يقبل على الأعمال الصالحة بنهم وحرص شديد ليعوض ما فاته من الأوقات التي قضاها في العصيان وغضب الرحمن.

الثالث: الإقلاع عن المعصية فوراً دون تردد أو خجل من أحد أو مجاملة لأحد، وعليه فإن كانت المعصية بفعل أمر محرم وجب الابتعاد عنه فوراً وهجر أصحابه ومجالسه وإن كانت بترك واجب وجب أن يبادر إلى فعله وإن كان مما يقضى كالصوم والحج وجب قضاؤه وصار متعلقاً بذمته.

وإن كانت المعصية بأكل حقوق الخلق فلا تصح إلا بردها واستباحتهم وإن كان لا يعرف أصحاب الحقوق وجب أن يتصدق بها على نية دفعها لأصحابها لو طلبوها فيما بعد.

الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى المعصية، لأن هذا هو ثمرة التوبة ودليل صدق التائب، فإن قال إني تائب من كذا وهو ما زال يعمله أو يتوب من الشيء ثم يعود إليه فليست هذه بتوبة صحيحة، لأن التائب الصادق يكره المعصية كراهية شديدة ويتمنى ألا يتذكر ماضيه السابق لأنه يجلب له الهم والحزن.

الخامس: ألا تكون التوبة بعد انتهاء وقت قبولها فإن كانت بعده لم تقبل وانتهاء وقت القبول نوعان نوع عام لكل أحد ونوع خاص لكل شخص.

فأما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع التوبة. يقول تعالى: [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً]([107]).

وقد فسر أهل العلم بأنها طلوع الشمس من مغربها ويدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)([108]).

وأما الخاص: فهو عند حضور الأجل فمتى حضر الأجل وعاين الإنسان الموت لم تنفعه التوبة، ولم تقبل منه يدل لذلك قوله تعالى: [وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ]([109]).

التوبة الصادقة تمحو كل ذنب مهما اجتمعت جيوش الدنيا وهواجس النفس وسهام الخلق وخطرات القلب وعداوة الشيطان لأن هذه كلها صغيرة حقيرة بجانب الاتكال على الله والاعتماد عليه.

يقول ابن القيم رحمه الله: (كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معادته ونفس أمارة بالسوء ودنيا متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه، فإن تولاه الله وجد به إليه انقهرت له هذه كلها وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة).

وقال رحمه الله (اطلب قلبك في ثلاثة مواطن:

1ـ عند سماع القرآن.

2ـ وفي مجالس الذكر.

3ـ وفي أوقات الخلوة.

فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك)([110]).

ولله در القائل:

لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى *** تباركت تعطي من تشاء وتمنع
إلهي وخلاقي وسؤلي وموكلي *** إليك لدى الإعسار واليسر أفزع
إلهي لئن خيبتني وطردتني              *** فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشفع
إلهي لئن أعطيت نفسي سؤالها  *** فها أنا في روض الندامة أرتع
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي *** وأنت مناجاتي الخفية تسمع
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ *** فؤادي فلي في سيب جودك مطمع
إلهي أجرني من عذابك إنني *** أسير ذليل خائف لك أخضع
إلهي لئن جلت وجمت خطيئتي *** فعفوك من ذنبي أجل وأوسع

 

بقية مفسدات الصوم

سبق لنا في الفصل الماضي بيان المجموعة الأولى وهي الإفطار بما دخل إلى الجوف وسيكون حديثنا هذه الليلة إن شاء الله عن المجموعتين الثانية والثالثة.

المجموعة الثانية: الأعمال الجنسية:

1ـ الجماع يبطل الصوم ويوجب القضاء والكفارة إذا كان في نهار رمضان وليس عند الصائم عذر يبيح فطره.

يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت، قال ما لك: قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، فقال: هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟) قال: لا، فمكث عند النبي صلى الله عليه وسلم فبينما نحن على ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل، قال أين السائل؟ فقال: أنا قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتهيا ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: (أطعمه أهلك)([111]).

ولعل الحكمة في إيجاب الكفارة والله أعلم أنه لما هجم على هتك حرمة شعائر الله وكان مبدؤه إفراطاً طبيعياً وجب أن يقابل بإيجاب طاعة شاقة غاية المشقة ليكون بين يديه مثل تلك فيزجره عن غلواء نفسه وجموح شهواتها([112]).

وقد نبه أهل العلم أن الكفارة إنما هي على من أبطل صومه في رمضان بالجماع من غير عذر.

أما في قضاء رمضان فليس عليه الكفارة إذا أبطل بالجماع بل عليه الإثم وقضاء ما أبطل.

قال الإمام مالك رحمه الله سمعت أخل العلم يقولون ليس على من أفطر يوماً في قضاء رمضان بإصابة أهله نهاراً الكفارة التي تذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أصاب أهله نهاراً في رمضان وإنما عليه قضاء ذلك اليوم وهذا أحب ما سمعت في إلي([113]).

والمرأة في ذلك كالرجل سواء بسواء فمتى أفطرت بالجماع في نهار رمضان من غير عذر وجب عليها القضاء والكفارة، لأن ذلك نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل والشرب.

2ـ ومتى قبل فأنزل أو باشر فأنزل وجب عليه القضاء ولا كفارة لأنها خاصة بالجماع لكن ينبغي للمسلم أن يتجنب مواقع الزلل فيبتعد تماماً عن أهله في نهار رمضان لأن كل ممنوع مرغوب.

وزاده كلفاً في الحب أن أمنعت  *** أحب شيء إلى الإنسان مـا معنا

3ـ وإذا استمنى فأنزل فسد صومه وارتكب جرماً خطيراً لأن الاستمناء باليد أو غيرها أو غيرها حرام في رمضان وغيره ولكن الحرمة تشتد في رمضان لحرمة الزمان ووجوب الصيام وهل تلزمه الكفارة الصحيح المعتمد من كلام أهل العلم أنها لا تلزم إلا بالجماع فقط لورود النص خاصاً به.

4ـ ومن أنزل من غير شهوة كالمصاب بمرض في الظهر فهل يبطل صومه قولان لأهل العلم أصحهما أن صومه صحيح لأنه لا ذنب له ولم يفرط أو يتعد بل هذا أمر خارج عن إرادته.

5ـ وإن نام فاحتلم لم يفطر لأن هذا خارج عن إرادته والله لا يكلف نفساً إلا وسعها وما جعل علينا في الدين من حرج.

6ـ ويصح صوم الرجل والمرأة إذا أصبح الواحد منهم وهو جنب لما روته عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم([114]).

لأنه لما أذن في المباشرة إلى طلوع الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يجوز أن يصبح صائماً وهو جنب([115]).

المجموعة الثالثة: الإفطار بما خرج من الجوف:

1ـ التقيؤ عمداً وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض)([116]).

ولو حصل القيء بدون سبب منه فليس عليه شيء لأنه لا ذنب له وهذا خارج عن إرادته والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

2ـ إخراج الدم بالحجامة ودليل ذلك ما رواه شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم)([117]).

وفي معنى الحجامة إخراج الدم بالفصد وإخراجه من أجل التبرع به.

ولهذا لا يسوغ للمسلم أن يتبرع بدمه في نهار رمضان إلا بشرطين:

الأول: أن توجد ضرورة ملحة كإنقاذ معصوم ولا يوجد من يتبرع له من غير الصائمين.

الثاني: ألا يتضرر المتبرع فمتى توافر هذان الشرطان جاز للشخص أن يتبرع بدمه في نهار رمضان ويفطر ويكون معذوراً وعليه قضاء ذلك اليوم.

أما خروج الدم بالجرح أو قلع الضرس أو الرعاف أو أخذ الدم للتحليل إذا كان يسيراً فلا يفطر به لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها إذ لا يؤثر في البدن كتأثير الحجامة.

3ـ خروج دم الحيض والنفاس يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)([118]).

فمتى رأت دم الحيض أو النفاس بطل صومها ولو كان قبل غروب الشمس بدقائق والله أعلم.

إخواني: حافظوا على الطاعات وجانبوا المعاصي والمحرمات وابتهلوا إلى فاطر الأرض والسماوات وتعرضوا لنفحات جوده، فإنه جزيل الهبات واعلموا أنه ليس لكم من دنياكم إلا ما أمضيتموه في طاعة مولاكم فالغنيمة الغنيمة قبل فوات الأوان والربح الربح قبل حلول الخسران.

اللهم وفقنا لاغتنام الأوقات وشغلها بالأعمال الصالحات اللهم جد علينا بالفضل والإحسان وعاملنا بالعفو والغفران اللهم ارزقنا شفاعة نبينا وأوردنا حوضه وأسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([119]).

  

المجلس الثامن

فصل في:

ـ نعيم القبر وعذابه.

ـ وأقسام الصيام.

  

نعيم القبر وعذابه

الحمد لله الذي شرع الشرائع وأحكم الأحكام. وجعل النعيم والعذاب جزاء عادلاً للأنام. وبين الحلال وحرم الحرام واحتجب في هذه الدار عن سائر مخلوقاته المتفرد باختراع الكون وإيجاده. المتصرف في خلقه بمحض مشيئته ووفق مراده والمحيط علمه بسائر برياته. نبه من شاء من العباد من غفلته ورقاده فأيقن أنه مسافر إلى الله فكان همه إعداد زاده وحكم على من شاء بطرده وإبعاده فصرف همته للعاجلة واشتغل عن حشره ومعاده فسبحان من قسم الفضائل بين خلقه فهذا فضيل وهذا مفضول وهذا مطرود وهذا مقبول وهذا قد رمي بالابعاد والخذلان وهذا قد قرب من مولاه الرحيم الرحمن وأحق البشر في ذلك النبي من نسل عدنان عليه وعلى أله وأصحابه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

أيها الأحبة في الله. . .

حديثنا هذه الليلة عن نعيم القبر وعذابه أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ووالدينا ممن ينعمون في قبورهم ويفسح لهم فيها مد البصر.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة، وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض وجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر(ثلاثاً) ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة ـ وفي رواية المطمئنة ـ اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها.

وفي رواية حتى إذا خرجت روحه ـ صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم ـ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط فذلك قوله تعالى: [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ]([120]) ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال: (فيصعدون بها فلا يمرون ـ يعني ـ بها على ملأ من الملائكة ـ إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمعونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين) فيكتب كتابه في عليين ثم يقال أعيدوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فيرد إلى الأرض وتعاد روحه في جسده فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينتهره فيقول: من ربك وما دينك من نبيك وهو آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله عز وجل: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]([121]).

فيقول ربي الله، وديني: الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال: ويأتيه، وفي رواية يمثل له رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له وأنت فبشرك الله بخير من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله بطيئاً في معصية الله فجزاك الله خيراً ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي: فيقال له: اسكن.

قال وإن العبد الكافرـ وفي رواية الفاجر ـ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسموح من النار فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود، الكثير الشعب ـ من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على  ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا  الروح الخبيث فيقولون: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ]([122]). فيقول الله عز وجل (اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى) ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإنه وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحاً حتى تقع في جسده ثم قرأ: [وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ]([123]). فتعاد روحه في جسده قال فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له من ربك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فلا يهتدي     لا سمه فيقال محمد فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك قال: فيقال: لا دريت ولا تلوت فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوا له من النار وافتحوا له باباً إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه، وفي رواية ويمثل له رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسؤوك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول وأنت فبشرك الله بالشر من أنت  فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث ـ فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله سريعاً إلى معصية الله ـ فجزاك الله شراً ثم يقيض له أعمى أصم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان تراباً فيضربه حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده الله كما كان فيضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار فيقول رب لا تقم الساعة)([124]).

شعراً:

ثم انقضى العمر الذي تهنا به      *** وبدأت في ضعف وفي نقصان
ودنا الفراق ولات حين تهرب *** أين المفر من القضاء الداني
والتف صحبك يرقبون بحسرة *** ماذا تكون عواقب الحدثان
واستل روحك والقلوب تقطعت *** حزناً وألقت دمعها العينان
فاحتاج أهل الدار حزن بالغ *** واجتاح من حضروا من الجيران
وأتى المغسل والمكفن قد أتى *** ليجللوك بحلة الأكفان
وسكنت لحد قد يضيق لضيقه *** صدر الحليم وصابر الحيوان
وسمعت قرع نعالهم من بعد ما *** وضعوك في البيت الصغير الثاني
إن كنت في الدنيا لربك مخلصاً *** تدعوه بالتوحيد والإيمان
فتحت عليك من الجنان نوافذ *** تأتيك بالأنوار والريحان
ويظلك الله الكريم بظله *** والناس في عرق إلى الآذان
والزوج حور في البيوت كواعب *** بيض الوجوه خوامص الأبدان
أبكار شبه الدر في أصدافه *** واللؤلؤ المكنون والمرجان
أما إذا ما كنت فيها مجرماً *** متتبعاً لطرائق الشيطان
فهناك تسحب للجحيم مكبلاً *** بسلاسل ومسربل القطران
فيها الأفاعي والهوام كأنها         *** أعجاز نخل داخل النيران

  

أقسام الصيام

الصيام على أنواع:

منه الواجب، ومنه المندوب، ومنه المكروه، ومنه المحرم.

وسيكون حديثنا هنا عن الصيام الواجب والصيام المحرم فنقول.

الصيام الواجب:

1ـ صوم شهر رمضان ودليله قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([125]).

2ـ صوم النذر: يجب على المسلم أن يصوم الأيام التي نذر أن يصومها طالت أو قصرت تتابعت أم تفرقت. ودليل ذلك قوله تعالى: [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً]([126]). فأثنى جل وعلا على الذين يوفون بالنذر وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)([127]).

فإذا نذر المسلم صيام أيام معينة لزمه صيامها إلا أن تكون مما يحرم صومه كيومي العيدين وأيام التشريق وإن نذر صوم شهر معين لزمه التتابع وإن نذر صيام أيام معدودة كعشرة أو عشرين لم يلزمه التتابع إلا إذا نوى ذلك.

3ـ الصيام الواجب للكفارة، فمتى وجبت الكفارة على المسلم ولم يجد عتق رقبة لزمه صيام شهرين متتابعين وذلك في كفارة القتل الخطأ. يقول تعالى: [وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ]([128]).

والتتابع هنا شرط لصحة الصوم، فمتى قطعه لزمه أن يبدأ من جديد إلا إذا قطعه لعذر شرعي كالحيض والنفاس والسفر غير المقصود تحيلاً فإن سافر لقصد التحليل على قطع الصوم لم يصح. وكالفطر يوم العيد ويوم التشريق، ومثل كفارة القتل الخطأ كفارة الظهار وسائر الكفارات الأخرى على اختلاف في مدة الصيام الواجبة ككفارة الجماع في نهار رمضان وكفارة اليمين وكفارة حلق الرأس للمحرم ومن لم يجد هدى التمتع وجزاء الصيد الذي قتله المحرم فكل هذه الأشياء الصيام فيها واجب.

4_ الصيام المحرم:

1ـ يحرم على المسلم صيام يومي العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى كمال يحرم عليه صيام أيام التشريق الثلاثة بعد عيد الأضحى ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)([129]).

2ـ كما يحرم على المرأة أن تصوم تطوعاً بغير أذن زوجها إذا كان حاضراً.

3ـ ويحرم صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حصل غيم أو قتر إلا لمن كانت له عادة في الصيام فوافق عادته أو صامه قضاء أو عن نذر أو كفارة دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم)([130]). اللهم أنت المدعو بكل لسان والمقصود في كل آن نسألك فأنت المعروف بالإحسان ألا تردنا خائبين ولا من عطاياك مفلسين ولا عن بابك مطرودين وآمنا من فزع يوم الدين اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن وعافنا في الدارين من المحن فها نحن ببابك واقفون وإليك متوجهون فالحقنا بالصالحين واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([131]).

  

المجلس التاسع

فصل في:

ـ العذاب الجسمي للعصاة في القبر.

ـ وبقية أقسام الصيام.

 

العذاب الجسمي للعصاة في القبر

الحمد لله الذي نور بجميل هدايته قلوب أهل السعادة. وطهر بكريم ولايته أفئدة الصادقين فأسكن فيها وداده وحرس سرائر المؤمنين فطرد عنها الشيطان وذاده. ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته فأقبلت منقادة. الحي الذي تعرف بأدلة وحدانيته فتحققت قلوب المؤمنين وجوده ووحدانيته وقدمه وبقاءه وانفراده المجيد الموصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة.

سبحانه من إله رفع السماء بغير عمد وأسكن الأرض على الماء ومهد المنزه عن الصاحبة والوالد والولد الغني فلم يحتج إلى أحد.

أحمده أن بعث لنا خير رسله وخاتم أنبيائه وشرفنا بأن كنا من حزبه وأتباعه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

إخوة الإيمان من الصائمين والصائمات. . سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد. سبق لنا في الفصل الماضي بيان شيء من نعيم القبر وعذابه وسنتناول في هذا الفصل العذاب الجسمي للعصاة في القبر فنقول:

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم من رؤيا فيقص عليه من شاء الله أن يقص وأنه قال لنا ذات غداة: (أنه أتاني الليلة آتيان وأنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وأنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيشعله رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت: سبحان الله ما هذان قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور فأحسب أنه قال فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوو قلت: ما هؤلاء قالا لي: انطل فانطلق فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أنه أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فيفغر له فاه فألقمه حجراً قلت لهما ما هذان قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة أو كأكره ما أنت راء رجلاً مرأى فإذا هو عنده تار يحثها ويسعى حولها قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ما رأيتهم قط، قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها، ولا أحسن قالا لي: ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر وإذا هو نهر معترض بحري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: هذا منزلك قلت لهما بارك الله فيكما فذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا وأنت داخله، قلت لهما: فإني رأيت هذه الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت قالا لي، أما أنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحثها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، وفي رواية البرقاني: (ولد على الفطرة) فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين.  وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم([132]).

شعراً:

والخل في ضيق فذا متشفع *** وهناك مغشي وذاك يعاني
والنار مطبقة وليس بناضب *** لهب لها فاصبر مدى الأزمان
يا ظالماً يا فاسقاً يا مجرماً *** هذا جزاء الظلم والعدوان
يا هاجر القرآن حسبك عبرة *** هذا الجزاء لهاجر القرآن
يا تارك المفروض في أوقاته *** متذرعاً بالشغل والنسيان
هذا مآل الناس فليعمل له *** راجي الجنان وراهب النيران
كل سيحصد غرسه بيمينه *** لا يظلم المولى بني الإنسان
يا رب فارحمنا وخفف وزرنا *** وامنن علينا رب بالإحسان

 

بقية أقسام الصيام

سبق لنا الحديث عن قسمين من أقسام الصيام وهما الصيام الواجب والصيام المحرم، وسيكون حديثنا هنا عن نوعين آخرين، هما الصيام المندوب والصيام المكروه فنقول:

الصيام المندوب:

1ـ صيام ستة أيام من شوال:

من صام رمضان ثم اتبعه بست من شوال متتابعة أو متفرقة فكأنما صام الدهر يدل لذلك ما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)([133]).

ومعنى ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة أشهر الستة أيام بستين يوماً فذلك ثلاثمائة وستون يوماً وهي سنة كاملة. 

والسر في مشروعيتها والله أعلم أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها وتجبر نقصها فكذلك هنا هذه الستة الأيام تكمل ما نقص من شهر الصوم وتجبر ما حصل فيه من التقصير مما عسى المسلم يعلمه أولا يعلمه، والله المستعان.

2ـ صوم عشر ذي الحجة:

أيام عشر ذي الحجة شريفة مفضلة يضاعف العمل فيها، ولذا ينبغي أن يجتهد المسلم فيها ويكثر من الصلاة والصيام والصدقة والذكر وقراءة القرآن يدل لذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)([134]).

3ـ يوم عرفة:

وهو يوم شريف عظيم يستحب صيامه لغير الواقف لحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)([135]).

والسر في صومه والله أعلم أنه تشبه بالحاج وتشوق إليهم وتعرض للرحمة التي تنزل عليهم وخوض في لجتها فهنيئاً لمن قبل الله منه قليل الأعمال وبالسعادة من باهى الله به ملائكته في هذا الموقف العظيم الذي تسكب فيه العبرات وتستمطر فيه الرحمات وتتنزل البركات من لدن رب الأرض والسماوات.

4ـ صيام شهر الله المحرم:

يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)([136]).

5ـ يوم عاشوراء:

آكد أيام المحرم يوم عاشوراء، ويوم قبله أو بعده. يدل ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه)([137]).

6ـ صيام ثلاثة أيام من كل شهر:

يسن يصام ثلاثة أيام من كل شهر ويستحب أن تكون أيام البيض وهي ثلاثة عشرة وأربعة عشر وخمسة عشر.

يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام([138]).

7ـ صيام يومي الاثنين والخميس:

يسن صيام يومي الاثنين والخميس لأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يصومهما يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)([139]).

8ـ صوم يوم وإفطار يوم:

أفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم. يدل لذلك ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص قال أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت فقلت له قد قلته بأبي أنت وأمي. قال: (فإنك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر).  

  قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: (فصم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام وهو أفضل الصيام فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا أفضل من ذلك)([140]).

  

الصيام المكروه

1ـ صيام الدهر:

يكره أن يصوم المسلم الدهر كله لورود النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام الدهر فقال: (لا صام ولا أفطر أو ما صام ولا أفطر)([141]).

2ـ يكره الوصال في الصيام:

وهو ألا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب، وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم لما فيه من الضعف والمشقة يدل لذلك ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تواصلوا)  قالوا: فإنك تواصل. قال: (لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى أو إني أبيت أطعم وأسقى)([142]).

3ـ إفراد الجمعة بالصوم:

يدل ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده)([143]).

4ـ إفراد يوم السبت:

يدل لذلك حديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)([144]).

والحكمة في النهي عن إفراد هذين اليومين والله أعلم أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة فاستحب الفطر فيه ليكون أعون عليها وهو عيد الأسبوع وأما السبت فلأن اليهود كانت تعظمه وتخصه بالإمساك وترك العمل فيه فيصير صومه تشبهاً بهم فإن

صامه مع غيره أو صامه عن نذر أو قضاء لم يكره لزوال المحذور والله أعلم.

اللهم يا من لا تشتبه عليه اللغات ولا تختلف عليه الأصوات ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات على اختلاف اللغات وتفنن المسئولات اجعل مآلنا إلى عالي الجنات ونعمنا بما فيها من الكرامات وارفع لنا عندك الدرجات واغفر عنا جميع السيئات.

اللهم أسلك بنا سبيل الأبرار واجعلنا من عبادك المصطفين الأخيار وامنن علينا بالعفو والعتق من النار وانظمنا في سلك المتقين والأخيار واغفر اللهم ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([145]).

  

المجلس العاشر

فصل في:

ـ الأخوة الإسلامية.

ـ وعلى من يجب الصوم.

 

الأخوة الإسلامية

الحمد لله الذي أحكم الأشياء كلها صنعاً وتصرف كما شاء إعطاءً ومنعاً. أنشأ الآدمي من قطرة فإذا هو يسعى وخلق له عينين ليبصر المسعى ووالى لديه النعم وتراً وشفعاً وضم إليه زوجة تدبر أمر البيت وترعى وأباحه محل الحرث وقد فهم مقصود المرعى.

أحمده سبحانه ما أرسل سحاباً وأنبت زرعاً وأصلى على رسوله محمد أفضل نبي علم أمته شرعاً وعلى أبي بكر الذي كانت نفقته للإسلام نفعاً وعلى عمر ضيف الإسلام بدعوة الرسول المستدعى، وعلى عثمان الذي ارتكب منه الفجار بدعاً، وعلى الذي يحبه أهل السنة جمعاً.

أيها الصائمون والصائمات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد سيكون حديثنا هذه الليلة عن الأخوة الإسلامية وآثارها راجين من الله جلا وعلا أن تتحقق هذه الأخوة في مجتمع المسلمين اليوم كما تحققت في مجتمع المسلمين الأول وباركها رسول البشرية صلى الله عليه وسلم بل شجع على تحقيقها ورعاها أتم الرعاية يوضح ذلك ما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تدابروا ولا يبع بعظكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)([146]). 

أيها الصائمون: العمل بهذا الحديث العظيم من أعظم الأسباب الموصلة للتآلف بين المسلمين وقلة الشحناء بينهم فالمؤمنون أخوة في النسب أبوهم آدم وأمهم حواء لا يتفاضلون إلا بالتقوى. وإخوة في الدين قال تعالى: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]([147])

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)([148]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)([149]).

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا) أي لا يحسد بعضكم بعضاً. والحسد تمني زوال النعمة عن أخيك المسلم وهو حرام لأنه اعتراض على الله في نعمته وقسمته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر)([150]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)([151]).

وقال تعالى: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]([152])ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تناجشوا).

والنجش هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليفر غيره بها وهو حرام لأنه من أسباب العداوة والبغضاء ومن أسباب أكل المال بالباطل ولهذا قال بعض العلماء الناجش آكل ربا خائن غاش… ومن غشنا فليس منا)([153]).

ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تباغضوا) أي لا يبغض بعضكم بعضاً بتعاطي أسباب البغضاء من السب والشتم واللعن والغيبة والنميمة والخمر والميسر قال تعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ]([154]).

وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)([155]).

والتباغض المذموم هو الذي منشؤه التنافس في الدنيا واتباع الأهواء فأما الحب في الله والبغض في الله فذلك أوثق عرى الإيمان وأحب الأعمال إلى الله.

وبناء على هذا يجب عليك أيها المسلم محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصالحين ومحبة ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح لأنك مع من أحببت يوم القيامة. كما يجب عليك بغض الكفر والفسوق والمعاصي وبغض الكفرة والمشركين والعصاة والملحدين.

وصدق الله العظيم: [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]([156]).

ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تدابروا).

والتدابر التهاجر والتقاطع، فإن كلاً من المتقاطعين يولي صاحبه دبره ويعرض عنه ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) معنى البيع على بيع أخيه أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أبيعك مثلها بتسعة والنهي للتحريم لما فيه من الإيذاء الموجب للتباغض، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخواناً) وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بيع بعض كانوا إخواناً أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوان ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب والتضحية بكل حال فكونوا عباد الله إخواناً في المحبة والدين والرفق واللين.

شعراً:

شمر عسى أن ينفع التشمير *** وانظر بفكرك ما إليه تصير
طولت آمالاً تكنفها الهوى *** ونسيت أن العمر منك قصير
قد أفصحت دنياك عن غدراتها *** وأتى مشيبك والمشيب نذير
دار لهوت بزهوها متمتعاً *** ترجو المقام بها وأنت تسير
ليس الغنى في العيش إلا بلغة *** ويسير ما يكفيك منه كثير
لا يشغلنك عاجل عن آجل *** أبداً فملتمس الحقير حقير
ولقد تساوى بين أطباق الثرى   *** في الأرض مأمور بها وأمير

  

على من يجب الصوم

من المعلوم لكل مسلم صغيراً أو كبيراً عالماً أو جاهلاً بل من المعلوم من الدين بالضرورة أن صيام شهر رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([157]). وقال تعالى: [الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]([158]).

وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً)([159]).

وأما الكافر:

فلا يجب عليه الصيام وجوب أداء في الدنيا لأنه لا يصح منه لو فعله وذلك لأن الإسلام شرط من شروط صحته.

وإنما يجب عليه وجوب مؤاخذة في الآخرة بمعنى أن الله يعاقبه على عدم فعله يوم القيامة. يقول تعالى حكاية عن سؤال المؤمنين الكافرين: [مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ]([160]).

وأما الصبي:

فلا يجب الصيام على المسلم الصغير الذي لم يبلغ، لأن القلم رفع عنه إلا أنه إذا فعله الصبي المميز صح منه وأثيب عليه وينبغي لأولياء الأمور أن يأمروا الصغار الذي يطيقون الصيام ويشجعونهم عليه ويضعون لهم الحوافز والجوائز.

وما يفعله بعض الأولياء مع أولاده من منعهم من الصيام رحمة بهم وشفقة عليهم لا أساس له من شرع ولا منطق ولا منظور تربوي راشد، لأن الخير في تعويدهم على الطاعة وحفزهم إليها وتشجيعهم عليها، وهذا كله مرهون بعدم حصول الضرر عليهم وهو منتف ولله الحمد في هذه الأزمنة مع توفر وسائل الراحة من التكييف وغيره.

وأما المجنون:

فلا يجب الصيام عليه لرفع القلم عنه لما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق)([161]).

وبهذا يتبين أن الصيام واجب على المسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع فالمسلم يخرج الكافر إذ لا يجب عليه الصوم كما سبق.

والبالغ يخرج الصغير إذ لا يجب عليه الصوم لكنه يؤمر به تعويداً له عليه وتدريباً له وليسهل عليه إذا بلغ.

وينبغي أن يعلم أن البلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة:

1ـ إنزال المني باحتلام او غيره.

2ـ نبات شعر العانة.

3ـ بلوغ تمام خمس عشرة سنة.

وتزيد الأنثى بأمر رابع وهو الحيض فمتى حاضت فقد بلغت مهما كان سنها.

والعاقل: يخرج المجنون إذ لا يجب عليه الصيام.

والمقيم: يخرج المسافر فهو مخير بين الصيام والفطر إلا إذا شق عليه الصيام فالفطر أفضل وإن تساوا الأمران فالصيام أفضل.

والقادر: يخرج المريض ومن حكمه كالكبير والعجوز الذين لا يطيقان الصيام فهما يطعمان عن كل يوم مسكيناً من غالب قوت البلد.

والسالم من الموانع: يخرج من به مانع يمنعه من الصيام كالحيض والنفاس.

فيجب على المسلم أن يهتم بأمر الصيام هذه العبادة العظيمة التي تتكرر في حياة المسلم كل عام وفيها من المنافع المعلومة المتحققة الشيء الكثير فهنيئاً لمن أدى هذه العبادة على وجهها الصحيح دون سأم أو ملل أو تبرم.

وهنيئاً لمن عمر أوقات رمضان بالطاعة وقضاها بأنواع القربات من ذكر ودعاء وصدقة وتلاوة للقرآن.

ويا لخسارة من تكاسل في هذه الأوقات الفاضلة. وضيع هذه الفرصة الثمينة ففتش عن نفسك أخي المسلم هل أنت ممن أحسنوا قبل رمضان فزادوا فيه إحساناً على الإحسان. أم أنت ممن ضيع قبل رمضان فجاءه رمضان وما غير من أحواله شيئاً تبع هواه فأرداه وأطاع شيطانه فأغواه وغداً سيندم على التفريط يوم لا ينفع الندم.

اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد يا ذا الجلال والإكرام يا منان يا بديع السماوات والأرض يا حي يا قيوم نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى وأن تجعلنا ممن رضي بك رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ونسألك أن تثبتنا على ذلك إلى الممات وأن تغفر لنا الخطايا والسيئات وأن تهب لنا منك رحمة إنك أنت الوهاب وأن تغفر لنا ولوالدينا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلَّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([162]).

 

المجلس الحادي عشر

فصل في:

ـ آداب الصيام.

ـ بر الوالدين.

 

آداب الصيام

 الحمد لله مدبر الليالي والأيام ومصرف الشهور والأعوام الملك القدوس السلام المتفرد بالعز والعظمة والبقاء والدوام المنزه عن النقائص ومشابهة الأنام يعلم ما كان وما يكون ويرى ما في داخل العظام ورب قادر بالمجرمين شديد البطش والانتقام قدر أمور عباده فنظمها أحسن نظام وشرع الشرائع فأحكمها أيما إحكام بقدرته تهب الرياح ويسير الغمام وبحكمته ورحمته يتعاقب الضياء والظلام أحمده سبحانه شرع لعباده الصلاة والصيام وأودع في الصيام من الأسرار ما تحار فيه الأفهام. وأصلي وأسلم على عبده أفضل من صلى وصام وعلى أصحابه وأتباعه في الصحب الكرام.

أيها الأخوة المؤمنون:

لقاؤنا هذه الليلة حول آداب الصيام وسيقتصر الحديث على بعض الآداب الواجبة، ونركز على الغيبة والنميمة وسماع آلات اللهو لأنها هي الكثيرة الشائعة في المجتمع فنقول والله حسبنا ونعم الوكيل.

من الآداب الواجبة على الصائمين وغيرهم أداء الفروض في أوقاتها فبعض المسلمين هداهم الله يتهاون بالصلاة في رمضان فتراه يصوم النهار وينام عن الصلوات وما علم المسكين أن عاص لله سبحانه وتعالى إذا ضيع أهم فروض الإسلام على الإطلاق وهي الصلاة مع جماعة المسلمين ويكفي هؤلاء زجراً ووعيداً قوله تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً]([163]).

ومن الآداب الواجبة أن يجتنب الصائم جميع ما حرم الله جل وعلا من الأقوال والأعمال وأخطر ذلك الكذب.

ويتجنب الغيبة وهي ذكره أخاه بما يكره في غيبته سواء كان في خلقته أو خلقه ويجتنب النميمة وهي نقل كلام شخص في شخص إليه ليفسد بينهما.

ويجتنب الغش في جميع المعاملات من بيع وإجارة صناعة وزراعة ومنه الغش في الامتحانات.

ويجتنب المعازف بجميع أشكالها وأنواعها ففي الحلال ما يغني عن الحرام.

وإليك أخي المسلم طرفاً من النصوص عن المعصوم صلى الله عليه وسلم تؤكد ما سبق.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)([164]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير، أما أحدهما كان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)([165]).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (. . . كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)([166]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة. . . إلى قوله ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه فقال عبدالله بن عمرو هذه التي بلغت بك)([167]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)([168]).

وقد حذر صلى الله عليه وسلم من المعازف وقرنها بالزنا فقال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)([169]).

فيا أخي الصائم ويا أختي الصائمة.

حذار أن تطلقوا ألسنتكم في أعراض إخوانكم المسلمين اتقوا الله فيهم فإن كل كلمة مسجلة. وصدق الله العظيم: [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]([170]).

وحذار من غش المسلمين والتحايل عليهم لأكل أموالهم بالباطل فالحساب عسير والصراط دقيق والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وحذار أيتها الأخت المسلمة من التبرج والسفور، وفي رمضان تصفد الشياطين، لكن شياطين الإنس يغدون ويروحون.

إلزمي بيتك وأرسلي من يحضر حاجتك واتقي الله في نفسك وعرضك وزوجك فسيأتي يوم تندمين فيه ولات ساعة مندم.

شعراً:

ومسندون تعاقروا كأس الردى *** ودعا بشربهم الحمام فأسرعوا
برك الزمان عليهم بجرانه *** وهفت بهم ريح الخطوب الزعزع
خرسى إذا ناديت إلا أنهم *** وعظوا بما يزع اللبيب فأسمعوا
والدهر يفتك بالنفوس حمامه *** فلمن تعد كريمة أو تجمع
عجباً لمن يبقى ذخائر ماله *** ويظل يحفظهن وهو مضيع
ولغافل ويرى بكل ثنية *** ملقى له بطن الصفائح مضجع
أتراه يحسب أنهم أسأروا *** من كأسه أضعاف ما يتجرع

 

بر الوالدين

إخوة الإيمان:

اتقوا الله واعلموا أن بر الوالدين من أوجب الواجبات وأفضل الأعمال والبر من صفات المؤمنين والعقوق من صفات الفسقة والأنذال وقد أمر الله ببر الوالدين فقال: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً]([1]).

على الولد أن يعرف قدر والديه ويحسن إليهما بقوله وفعله ولا يتكبر عليهما ولا ينهرهما. وعليه أن يقوم بما يلزمهما من خدمة وطاعة ويبذل لهما ما يرغبانه ويشتهيانه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ويتحمل منهما كما تحملا منه حال صغره وعجزه عن القيام بنفسه فهما اللذان ربياه بنعم الله وهما السبب في وجوده وتحملا منه حضانة وتغذية وكسوة وقدماه على أنفسهما إن مرض مرضاً وإن سهر سهراً، لقد عانيا من التعب والمشاق رجاء أن يكبر فينفعهما ويخدمهما ويرثهما في العلم والدين والأدب والسكن ويكون رب الأسرة عند عجزهما ولعله يكون صالحاً فيدعو لهما ويكون خير خلف لهما.

فيا أيها الولد الصالح لا تخيب رجاء والديك فيك لا تعقهما فتعاقب بعذاب الله وتعاقب بعقوق أبنائك لك وقد ورد الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبنائكم)([2]).

وقد جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله، فقال له عليه السلام: (أحي والداك) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد)([3]).

وقال رجل: أي الجهاد أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها)، قال: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين)، قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)([4]).

انظر أخي المسلم كيف قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، وذلك لأهمية حق الوالدين، وقال صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف أمرئ أدرك أحد والديه أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة)([5]).

واعلم أخي المسلم: أن هناك ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر فلا يعق والديه إلا رجل عاص لئيم.

إن العقوق من كبائر الذنوب، ومن أعظم المحرمات ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم: العاق لوالديه ومدمن الخمر، والمنان)([6]).

كل الذنوب تؤخر عقوبتها إلا عقوق الوالدين، فالعقوبة تعجل نسأل الله السلامة والعافية. إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع الرحم، فما الظن بالعاق أنه ممقوت عند ربه وعند عباده لا يرغب أحد في مصاهرته ومعاملته.

إن حق الوالدين عظيم فبشراك أيها المسلم البار وهنيئاً لك بر أولادك في الدنيا والأجر الوفير في العقبى هنيئاً لك في بسط الرزق وبركة العمر هنيئاً لك الذكر الحسن في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.

لقد ملأ سمع الناس اليوم حوادث كثيرة تنبئ عن عقوق الأولاد لآبائهم وأمهاتهم. لقد ثبت لنا أن هناك من وضع أمه في الملاجئ زهداً فيها.

لقد ثبت لنا أن هناك من رفض الإفصاح عن أبيه في بعض الولائم لئلا يشوه سمعته.

فوا أسفا على الحمل والرضاع، ووا أسفا على السهر والبكا ويا ضيعة الغذاء والكساء والدواء.

والله لا يحس المسلم في التقصير والتفريط مع والديه إلا إذا ودعهما للمقابر فهنا يسكب الع برات ويتحسر على ضياع الأوقات فاغتنم أخي المسلم ما بقي من عمرك وعمر والديك فبرهما من أقصر الطرق إلى الجنة، وصدق الله العظيم:

[وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ]([7]).

اللهم اجعل بر الوالدين من أجل قرباتنا والقيام بشأنهما من أعظم أعمالنا والسهر على مصالحهما من أفضل حسناتنا ففي ذلك لنا سعة الرزق، وطول العمر وحسن الخاتمة.

اللهم اجعلنا ممن يقوم ببعض حقوق والديه عليه وهيء لنا أسباب رضاهما عنا. اللهم رضهما حتى يسامحانا وأعل درجاتهما في الجنة إكراماً.

اللهم اجمعنا بهما في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

اللهم رب ارحمهما رب ارحمهما رب ارحمهما كما ربياني صغيراً رب اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([8]).

  

المجلس الثاني عشر

فصل في:

ـ آداب الصيام.

ـ وحديث عبدالرحمن بن سمرة.

  

آداب الصيام

الحمد لله الذي جعل صيام رمضان جُنة من العذاب، وفضله على سائر الشهور، وأجزل فيه الأجر للصائمين فجزاهم بغير حساب أضاف الصوم لنفسه وقال الصوم لي وأنا أجزي به، فيا سعادة من صامه وقامه إيماناً واحتساباً جعل شهر رمضان تاجاً على رأس الزمان فيا بشرى لأهل الصبر والاحتساب، شهر أنزل الله فيه الكتاب هدى ورحمة ونوراً لأولي الألباب. شهر رمضان خص الله فيه الصائمين بالدعاء المستجاب أحمده سبحانه حمد معترف لربه قد خر له راكعاً وأناب، وأشكره وقد تأذن بالمزيد لمن شكر وتاب، وأصلي وأسلم على رسوله المصطفى شفيعنا يوم الحساب وعلى آله وأصحابه الطيبين أولي الألباب.

إخوة العقيدة:

يتجدد اللقاء مساء هذه الليلة مع درس من دروس الصيام أسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما نسمع وأن يجعله حجة لنا لا علينا يوم تتطاير الصحف ويُسلَّم الكتاب، درسنا هذه الليلة حول آداب الصيام المستحبة من سحور وتأخيره وفطر وتعجيله وكثرة دعاء وصدقة وتلاوة للقرآن فاستمع أخي جيداً لعلك أن تحظى بالقبول لتفوز على الدوام.

للصيام آداب كثيرة ينبغي على المسلم أن يفعلها لأنها تكمل الصوم وتجمله وتجبر ما عساه يقع من خلل أو تقصير غير مقصود.

من هذه الآداب:

1ـ السحور:

فيستحب لمن يريد الصيام أن يتسحر لما في السحور من البركة والاستعانة على صيام النهار ومخالفة أهل الكتاب كما بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحروا فإن في السحور البركة)([9])

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضل ما بين صيامنا وصيام أهل

الكتاب أكلة السحر)([10]).

ووقت السحور يمتد بين نصف الليل إلى طلوع الفجر ويحصل بكثير المأكول وقليله كما أنه يحصل بالماء والتمر وغيرهما.

ويستحب تأخير السحور إلى آخر الليل ما دام المرء متيقناً بقاء الليل.

روى عبدالله بن عمر وعائشة أن بلالاً كان يؤذن بليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم كلثوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)([11]).

وروى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما قال خمسين آية([12]).

2ـ تعجيل الفطر:

وكونه على تمر أو ماء والدعاء عنده، يستحب للمسلم تعجيل الفطر بغروب الشمس، كما يستحب له أن يكون فطره على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء يدل لذلك كله ما رواه سهل بن سعد أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)([13]).

وعن أبي عطية قال: دخلت أنا مسروق على عائشة فقلنا يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، فقالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، قلنا عبدالله بن مسعود قالت كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم([14]).

وعن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور)([15]).

3ـ الإكثار من الصدقة وتلاوة القرآن وتفطير الصائمين:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة([16]).

وكان جوده صلى الله عليه وسلم يجمع أنواع الجود كلها من بذل العلم والنفس والمال لله عز وجل في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من تعليم جاهلهم وقضاء حوائجهم وإطعام جائعهم وكان جوده يتضاعف في رمضان لشرف وقته ومضاعفة أجره وإعانة العابدين فيه على عبادتهم والجمع بين الصيام وإطعام الطعام، وهما من أسباب دخول الجنة.

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟) قال أبو بكر: أنا، قال: (فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟) قال أبو بكر: أنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:   (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)([17]).

شعراً:

نعت نفسها الدنيا إلينا فأسمعت *** ونادت ألا جدوا الرحيل وودعت
وزمت مطايانا إلى برزخ البلى *** وساقت بنا سوقاً حثيثاً فأسرعت
سلام على أهل القبور أحبني *** لقد بليت أجسامهم وتقطعت
فما مُوِّتَ الأحياءُ إلا ليبعثوا *** يقيناً بليت وتُجزى كل نفس بما سعت

وقال آخر

لا تثق بالحياة من بعد قبري *** كل حي مصيره كمصيري
كنتُ في نعمة وفي خفض عيش  *** فمضى وانقضى كيوم قصير
ثم أفردت في القبور وحيداً *** وجفاني الصديق فوق القبور

 

حديث عبدالرحمن بن سمرة

رضي الله عنه

عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في صفة بالمدينة فقال: (إني رأيت البارحة عجباً رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فطرد الشياطين عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلاً من أمتي فرأيت البنين جلوساً حلقاً حلقاً كلما دنا من حلقة طرد، ومنع فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير في ذلك فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت ستراً بينه وبين النار وظلاً على رأسه ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المؤمنين إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذه بيده فأدخله على الله عز وجل ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه ورأيت رجلاً من أمتي قد خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى فغي النار فجاءته دمعته التي قد بكاها من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصفة فجاءه حسن ظنه في الله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحياناً ويتعلق أحياناً فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة ألا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة)([18]).

وفي الحديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم مر في معراجه إلى السماء على قوم تضرب رؤوسهم بالصخر فسأل عنهم فقيل له هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة، ثم مر على قوم عليهم رقاع يسرحون في الضريع ورضف جهنم فسأل عنهم فقيل: إنهم لا يؤدون صدقة أموالهم ثم مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها فسأل عنه فقيل هذا رجل عليه أمانات الناس وهو يريد أن يزيد عليها ومر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار كلما قرضت عاد فسأل عنهم فقيل له هؤلاء خطباء الفتنة ومر بواد فيه ريح طيبة وأصوات حسنة فقيل هذه الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وما وعدتني فقد كثر سندسي واستبرقي ومرجاني وفضي ومر بواد فيه أصوات منكرة فقيل هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي([19]).

أرأيتم أيها المؤمنون الفرق بين عمل الصالحات والسيئات أرأيتم عاقبة المؤمنين وعاقبة الجاحدين أرأيتم سعادة الأخيار وشقاوة الأشرار. أرأيتم كيف انقضت حياة هؤلاء وهؤلاء، ولكن الغبن والتفاخر والتكاثر في الآخرة أرأيتم سعادة من أطاع ربه وبر والديه ووصل رحمه وحافظ على فرائضه وأحسن الظن بربه وعطف على إخوانه وساهم في مجالات الخير والإحسان.

أي فرق كبير بين هؤلاء وبين من ضيعوا الصلوات وهجروا بيوت الله وآذوا المسلمين في أعراضهم صباح مساء.

أي نتيجة حصل عليها من وقعوا في محارم الله وحاربوا الله في الدنيا وكأنهم سيعمرون فيها. لقد تحقق وعد الله إنه لا يخلف الميعاد. [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ]([20]).

اللهم يا أكرم من رجي ويا أحق من دعي ويا خير من ابتغي امنن علينا بغفرانك وعاملنا بفضلك وإحسانك واجعلنا من ورثة جناتك. اللهم هب لنا من ما وهبته لعبادك الأخيار وأمن خوفنا بيوم لا تنفع فيه الأعذار برحمتك يا كريم يا غفار. اللهم اجعل الجنات لنا داراً. وامنن علينا بصلاح أولادنا واجعلهم صالحين وأخياراً. اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت وإذا استفرجت به فرجت وإذا استنصرت به نصرت أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([21]).

 

المجلس الثالث عشر

فصل في:

ـ فوائد الصيام.

ـ والصبر الجميل.

 

فوائد الصيام

الحمد لله الذي جعل صيام رمضان جُنة من العذاب وفضله على سائر الشهور وأجزل فيه الأجر للصائمين فجزاهم بغير حساب أضاف الصوم لنفسه فقال الصوم لي وأنا أجزي به، فيا سعادة من صامه وقامه عن إيمان واحتساب جعل شهر رمضان تاجاً على رأس الزمان فيا بشرى لأهل الصبر وحسن مآب، شهر أنزل الله فيه الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب، شهر أعز الله فيه الإسلام يوم بدر وهزم الأحزاب، شهر فتح الله فيه مكة وهزم الشرك فولى على الأعقاب، شهر خص الله فيه الصائمين ومنحهم الدعاء المستجاب.

أحمده سبحانه على كل حال حمد معترف بالتقصير يخشى يوم الحساب وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة صفوة الأحباب وعلى جميع الآل والأتباع والأصحاب.

إخوة الإيمان: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

درسنا لهذه الليلة حول فوائد الصوم وهي كثيرة جداً ولكننا نختصر ونقتصر على المهم بمشيئة الله تعالى.

1ـ الصيام رياض للأبرار المتقين للتدرب على وظيفتهم بخلافة الله في الأرض وهو رحمة عظيمة النفع للبدن والروح جميعاً، فيه اجتماع القلب والهم على الله توفير قوى النفس على محبته وطاعته والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفار هي السفلى مهما تنوعت بألقابها وشعاراتها.

2ـ الصيام سبب لزرع تقوى الله في القلوب وكف الجوارح عن المحرمات يؤكد هذا قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([22]). فشرع الصيام لتحصيل التقوى وهي كلمة جامعة لكل خصال الخير ومؤداها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.

3ـ والصيام يعود المسلم الصبر والتحمل والجلد، لأنه يحمله على ترك محبوباته وشهواته وكبح جماح النفس فيه مشقة عظيمة ولهذا كان في الصوم أنواع الصبر الثلاثة صبر على طاعة الله، وصبر على محارم الله وصبر على أقدار الله. ومتى اجتمعت أدخلت العبد الجنة بإذن الله: [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]([23]).

4ـ الصيام يساعد المسلم على التغلب على نفسه الأمارة بالسوء فهي دائماً تدعوه لانتهاك المحرمات والإقبال على الشهوات لكن الصوم يفوت عليها الفرصة إذ يكسر حدة الشهوة فيضعف سلطانها.

5ـ الصيام يضعف مجاري الشيطان وبالتالي يضعف تسلطه على المسلم ويبحث عن مركب سهل يحقق من خلاله أهدافه ومآربه، ومتى أطلق المسلم لشهواته العنان تمكن الشيطان منه وأخذ يوجهه لما يريد.

6ـ الصيام يعرف العبد نعمة ربه عليه فمتى أحس بالجوع والعطش عرف قدر النعمة التي يتقلب بها طول العام.

7ـ الصيام يحمل المسلم على الإحسان للفقراء والمساكين والمحاويج فالصائم إذا جاع أحس بحاجة الجائعين طوال العام وإذا عطش أحس بالظامئين خلال العام فيحفزه ذلك للإحسان إليهم والشفقة عليهم.

8ـ الصيام مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية وعنوان من عناوين تكافلها وترابطها، إمساك في وقت واحد وإفطار في وقت واحد، لا فرق بين أمير ومأمور ولا صغير وكبير ولا شريف ووضيع، وكم بهر مظهر الإفطار الجماعي عقولاً وحيَّر ألباباً فأذعت وانقادت واهتدت بنور الله.

9ـ الصيام يعين على الطاعة ويقرب من الله فكلما عمل المسلم طاعة حفزته لطاعة أخرى وهذا أحد أمارات قبول العمل.

10ـ الصيام يرقق القلب ويجعله يتعلق بالله ويديم ذكره وشكره وكم رأينا من تنافس الشباب والأحباب في حفظ كتاب الله وبذل الصدقات وزيارة البيت العتيق.

11ـ وفي الصيام صحة عظيمة بجميع معانيها صحة بدنية حسية وصحة روحية معنوية. ولو استطردنا في فوائد الصيام لطال بنا المقام ويكفي أن نشير هنا إلى أن الصيام علاج لكثير من الأمراض المزمنة حدثني من أثق به قال كان لي جار في مدينة الرياض وكان يشكو من مرض حير الأطباء ولم يجد له علاجاً في الداخل ولا في الخارج وشكايته في البطن يقول وقدر الله عليه فحصل عليه حادث ومات بسببه شخص فلزمته الكفارة فصام شهرين متتابعين وخلالها بدأ يحس بضمور الألم حتى اختفى ثم أجرى تحليلات دقيقة فقرر الأطباء شفاءه تماماً مما كان يشكو وشكوا في علاجه هنا أو هناك ولكنه أخبرهما أنه لم يستعمل دواء قط إلا أنه صام شهرين متتابعين فكانت المفاجأة أن الحكيم العليم لا يشرع شيئاً إلا وفيه حكمة بالغة عقلناها أو لم نعقلها وما أجمل التسليم وألذ الانقياد وأسمى الطاعة.

شعراً:

وضح البيان وأنت في غرر الهوى *** متشاغل ببطالة وتصابى
ترتاح في حلل المشيب منعماً *** أأخذت ميثاقاً من الأوصاب
كم ناظر قد راق حسناً ناظراً *** أبلاه بالآفات شر مصاب
لم يغن عنه جماله وكماله *** ومقام مُلك في أعز نصاب
وأتاه من حرب المنون مُعاجلُ *** صعب شديد الوهن غير محاب
فرآى اكتساب يديه ليس بنافع *** ودعا ذويه فكان غير مجاب
وحواه لحد ضيق متهدم *** يعلوه كدب جنادل وتراب
فأفق لنفسك والزمان مساعد *** وأطلع نصيحك ساعياً لصواب
وارجع إلى مولاك حقاً تائباً *** من قبل أن يعي برد جواب

 

الصبر الجميل

الصبر ضرورة بشرية وفريضة شرعية تلازم الإنسان في جميع أحواله وتقلباته وهو حبس النفس على طاعة الله وكفها عن المعاصي والرضى بقضاء الله وقدره دون شكوى.

يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([24]).

ويقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]([25]).

ويقول تعالى: [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]([26]).

ويقول تعالى: [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]([27]).

عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)([28]).

الصبر ضرورة في هذه الحياة وما فاز فيها وحصل على مطلوبه إلا الصابرون.

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابر

فلولا الصبر لما حصد الزارع بذره ولما جنى الغارس ثمره وهكذا كل ناجح في الدنيا تجد مطيته الصبر.

إني رأيت وفي الأيام تجربة *** للعبد عاقبة محمودة الأثر
وقـل مــن جَـدَّ فــــي *** واستصحب الصبر إلا فاز

والصابرون لا يدركون مطالبهم بسهولة ويسر ولكنهم يتحملون كل ما يصيبهم ويتخطون كل عقبة في طريقهم.

لا ييأس وإن طالت مطالبه *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

وللصبر شروط منها:

1ـ الإخلاص فالصبر المحمود هو ما كان لله سبحانه وتعالى. يقول تعالى: [وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ]([29]).

ويقول تعالى: [وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً]([30]).

2ـ عدم شكوى الله:

لا يسوغ للمسلم أن يشكو الله إلى خلقه لأن هذا لا يفيده في شيء لكنه يحرمه الأجر ويخرجه إلى دائرة الوزر:

وصدق الشاعر:

وإذا عرتك مصيبة فاصبر لها *** صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما *** تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

3ـ أن يكون الصبر في أوانه:

الصبر المحمود هو ما كان في محله وقبل فوات وقته، أما إذا فات وقته فلا فائدة فيه.

عن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة عند قبر وهي تبكي فقال لخا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقي الله واصبري) فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، قال فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأخذها مثل الموت، قال: فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت يا رسول الله لم أعرفك، فقال صلى الله عليه وسلم: (الصبر عند الصدمة الأولى)([31]).

وللصبر مجالات منها:

1ـ الصبر على بلاء الدنيا:

لا أحد يسلم من بلاء الدنيا من فقدان الأحباب وخسران المال وحصول الآلام والأوجاع والأسقام وهذا لا يخلو منه أحد إلا من يشاء الله ويصيب البر والفاجر والمؤمن والكافر والغني والفقير والصغير والكبير وسائر الخلق أجمعين.

وصدق الله: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ]([32]).

2ـ الصبر عن شهوات النفس:

الابتلاء كما يكون بالشر يكون بالخير ولهذا ينبغي ألا يطلق المسلم لنفسه العنان لتسرح وتمرح في الشهوات والملاذ تأخذ ما لذ وطاب وتغفل عن الشكر والذكر وتلاوة الكتاب[وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً]([33]).

كثير ممن متعهم الله بالصحة والعافية وأغرق النعم عليهم فهم يتقلبون في شهوات نفوسهم كثير منهم ذلك فتنة له أنها نقم وليست بنعم وصدق الله العظيم: [وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى]([34]).

3ـ الصبر على طاعة الله:

الطريق إلى الله يحتاج إلى صبر ومجاهدة لأن فيه عوائق على الطريق هم يصيبك أو حاسد يغبطك أو منافق يؤذيك في نفسك أو عرضك، والطاعة تحتاج إلى مصابرة لأن النفس تتفلت وتنفر من القيود وتطلب الانفلات: [إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ]([35]).

4ـ الصبر في الدعوة إلى الله:

الدعوة إلى الله سبيلها طويل وطريقها شاق تحتاج إلى رجال عزائمهم لا تخور يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر. وهناك صبر عند لقاء العدو وصبر على الزوجة والأولاد وصبر على الأخوة الصادقة وصبر على طلب العلم، وغيرها كثير.

أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الصبر على طاعته والصبر عن معصيته والصبر على أقداره المؤلمة وأسأله تعالى أن يجمعنا ووالدينا وأحبابنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الفائزين برضوانك وتجعل مآلنا إلى جناتك وتعيذنا من عذابك ونيرانك. اللهم ارحم ذلنا يوم قيام الأشهاد وآمن خوفنا من فزع يوم المعاد ووفقنا لما فيه تنجينا في ظلم الألحاد. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين([36]).

 

المجلس الرابع عشر

فصل في:

ـ حق المسلم على أخيه.

ـ والصيام عن اللغو والرفث.

 

 حق المسلم على أخيه 

الحمد لله الذي زحزح همم الأولياء عن السكون إلى العاجلة. وشرح صدور السعداء لإيثار الآجلة، المتفرد بالكمال والكبرياء والجلال والبقاء والعز الذي لا نفاد له، استوى على العرش من غير تكييف وقهر، وعلم ما كان وما يكون من الخافي وما ظهر ونفذت أقداره في الخلائق فكل نفس لما قدر لها عاملة القلوب تعرفه بصنعته والرقاب خاضعة لعزته والعقول في تكييف عظمته حائرة ذاهلة صفاته ثابتة وتخيلات المشبهين باطلة. الملك الكريم الغفور الرحيم الذي يغفر لمن استغفر ويجبر من انكسر، ويقيل من استقاله ويجيب سائله، العفو الذي يستر الزلات ويقيل العثرات وينادي في كل ليلة ليجيب الدعوات ويغفر السيئات ويتوب على من تاب من قبيح الجنايات.

أحمده سبحانه على ما أسبغ علينا من نعمه الشاملة وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إخوة الإيمان:

يتجدد اللقاء في هذه الليلة حول حق المسلم على أخيه ذلك الأمر الذي كادت مشاغل الحياة وتعقيداتها أن تجهز على الكثير منه إلا ما رحم ربك.

فلنستمع أيها الأحباب ولنبادر إلى العمل لعل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم ست)، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: (إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه)([37]).

هذه الحقوق الستة من قام بها في حق المسلمين كان قيامه بغيرها أولى وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله تعالى.

الأولى:

إذا لقيته فسلم عليه، فإن السلام تحية المسلمين وأتم هذه التحية وأكملها السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهو دعاء للمسلم عليه بالسلامة والرحمة والبركة، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، والسلام من محاسن الإسلام ومن حق المسلم على أخيه المسلم، وابتداؤه سنة عند اللقاء على من عرفت ومن لم تعرف، من صغير وكبير وغني وفقير وشريف ووضيع وهو يتضمن تواضع المسلم وأنه لا يتكبر على أحد، فمن بدأ الناس بالسلام فقد برئ من الكبر، وأولى الناس بالله من بدأهم بالسلام وأبخل الناس الذي يبخل بالسلام، وإفشاء السلام من أسباب المحبة والألفة بين المسلمين الموجبة للإيمان الذي يوجب دخول الجنة والنجاة من النار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)([38]).

وعلى المسلم عليه رد السلام بمثله أو بأحسن منه. قال تعالى: [وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا]([39])وهذه التحية في الدنيا والآخرة: [تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ]([40])، [لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً]([41]).

الثانية:

ومن حق أخيك المسلم عليك إذا دعاك فأجبه أي دعاك لدعوة طعام أو شراب فأجبر خاطر أخيك الذي أكرمك بالدعوة وأجبه لذلك إلا أن يكون لك عذر شرعي.

وهنا نهمس في آذان إخواننا المسلمين ونقول ينبغي ألا توقعوا إخوانكم في الحرج وذلك في دعوات الزواج فكثير من الناس يرسل دعوة الزواج لمن عرف ومن لم يعرف، ثم تصل دعوة الزواج وقد يكون عند الشخص غيرها فيجد المسلم حرجاً في عدم إجابة الدعوة ولو كانت الدعوة عبر الهاتف قبل البطاقة وأخذ موافقة المدعو سلفاً لكان أفضل وإذا لم يتيسر ذلك فليضع المسلم في حسابه أن هذه البطاقة لا تعني وجوب إجابة الدعوة لنرفع عن أنفسنا الحرج المرفوع شرعاً، ومتى تعارف الناس على ذلك أصبح ذلك عرفاً طيباً يعملون به والله المستعان.

الثالثة:

ومن حق أخيك المسلم عليك إذا استنصحك فانصح له أي إذا استشارك في عمل من الأعمال هل يعمله أم لا فانصح له بما تحب لنفسك، فإن كان العمل نافعاً من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضراً فحذره منه، وإن احتوى على نفع وضر فاشرح له ذلك ووازن بين المنافع والمضار والمصالح والمفاسد، وكذلك إذا استشارك في عمل من الأعمال أو في اختيار زوجة أو صلاحية زوج أو مناسبة وظيفة ـ ما ـ أو العمل في مدينة ـ ما ـ فكل ذلك يجب عليك أن تمحضه النصيحة وألا تستعجل في إبداء الرأي لئلا توقع أخاك في ورطة هو في غنى عنها.

ثم لينتبه الناصح أن هناك أموراً ينبغي التشجيع عليها وعدم ثني المستشير عنها كمن جاء يستشيرك وقد سمى ولده أو بنته باسم لا شبهة فيه أو كمن جاء يستشيرك وقد اشترى نوعاً من السيارات أو كاد يصدر قراره في وظيفة ما فإذا كانت هذه الأمور لا ضرر فيها فشجعه عليها ولو كان غيرها قد يكون أكثر نفعاً منها، لأن ما سيترتب على ذلك من المفاسد أكثر مما سيتحقق من المصالح بسبب مشورتك والله أعلم. وصدق الحبيب المصطفى (الدين النصيحة ثالها ثلاثاً…) الحديث([42]).

الرابعة:

ومن حق أخيك المسلم عليك إذا عطس فحمد الله فشمته وذلك أن العطاس نعمه من الله بخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان يسر الله لها منفذاً تخرج منه فيستريح العاطس فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة وشرع لأخيه المسلم أن يقول له يرحمك الله وأمره أن يجيبه يهديكم الله ويصلح بالكم فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت، ولا يلومن إلا نفسه، فهو الذي فوت على نفسه النعمتين نعمة الحمد لله ونعمة دعاء أخيه المرتب على الحمد وسمى الدعاء للعاطس بالرحمة تشميت لأنه دعاء له بما يزيل عنه شماتة الأعداء وهي فرحهم بما يصيبه.

الخامسة:

من حق المسلم عليك إذا مرض فعده فإن عيادة المريض وزيارته من حقوق المسلم وخصوصاً من له حق عليه متأكد كالقريب والجار والنسيب والصاحب وهي من أفضل الأعمال الصالحة ومن أخاه المسلم لم يزل يخوض في الرحمة، فإذا جلس عنده غمرته الرحمة ومن عاده في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي ومن عاده آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وينبغي للزائر أن يشرح خاطر المريض بالبشارة بالعافية والدعاء له بالشفاء ويذكره التوبة والإنابة إلى الله والإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار ويأمره بالوصية النافعة ولا يطيل عنده الجلوس إلا إذا طلب منه المريض ذلك فلكل مقام مقال.

السادسة:

من حق المسلم على المسلم اتباع جنازته إذا مات فغن من تبع الجنازة حتى يصلي عليها فله قراط من الأجر، فإن تبعها حتى تدفن فله قيراطان كل قيراط مثل الجبل العظيم واتباع الجنازة فيه حق لله وحق للميت وحق لأقاربه الأحياء.

شعراً:

وما ذاك إلا غيرة أن ينالها *** سوى كفوها والرب بالخلق أعلم
وإن حجبت عنا بكل كريهة *** وحفت بما يؤذي النفوس ويؤلم
فلله ما في حشوها من مسرة *** وأصناف لذات بها يتنعم
ولله برد العيش بين خيامها *** وروضاتها والثغر في الروض يبسم
ولله واديها الذي هو موعد *** المزيد لوفد الحب لو كنت منهم
بذيالك الوادي يهيم صبابة *** محب يرى أن الصبابة مغنم
ولله أفراح المحبين عندما *** يخاطبهم من فوقهم ويسلم
ولله أبصار ترى الله جهرة *** فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجد نضرة *** أمن بعدها يسلو المحب المتيم([43]).

  

الصيام عن اللغو والرفث

ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أيها المسلم أحداً وجهل عليك فليكن جوابك القاطع إني صائم إني صائم.

ما أروعه من جواب تنخلع له القلوب المتعلقة بالله، تحصل الأذية والسباب ويكون الجواب بالإمساك عن الكلام إن الإمساك بزمام اللسان أشد وأخطر من الإمساك بزمام المعدة ولهذا يموت الفتى من عثرة بلسانه والعبادة كالكوكب الوضاء منظر بهي يهدي الحائرين ويرشد التائهين ولكن لماذا لا نتذوق حلاوة العبادة.

نعم كثير من النفوس لا تميل إلى الاستقامة على السير قدماً في الطريق المنير وكثير من الأعين لا تحس أن ترى الضوء وتختفي إذا سطع النور وشأنها شأن الخفافيش التي لا تستطيع الحركة إلا في الظلام. ترى ما أثر الصوم في نفوس هؤلاء ما أثره في نفوس مريضة وأفئدة عليلة وأعين لا ترى وقلوب لا تهتدي وصدق الله العظيم:[وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ]([44]).

هذه النفوس تحتاج أول ما تحتاج إلى الإيمان حتى تعرف معالم الطريق ولا خير في عمل مع الجحود هباء وخسران وصدق الله العظيم: [مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ]([45]).

إن العمل بدون إيمان كبناء على غير أساس على شفا جرف هار كهشيم تذروه الرياح تجد منهم الصائم في النهار ومع صومه يلغ في أعراض الناس ويذكي نار الحسد بينهم بل ويعاقر الجريمة في وضح النهار لا جريمة الأكل والشرب ولكن الترتيب لجلسات الليل ومواعيده أهكذا يصوم المسلمون؟

تأمل أخي المسلم الصوم مع هؤلاء وتأمله مع نفوس عرفته وقلوب أدركته تجد الفرق شاسعاً والبون واسعاً وتدرك حقيقة الصوم إلا من الممسك عن الشهوة وقول الزور وصدق الحبيب المصطفى: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها)([46]).

إن الحياة لا بد فيها من عزيمة صادقة تصدع غوائل الهوى وتردع هواجس الشر وتبطش بالهوى الكذوب وتنطلق بالإنسان إلى حيث العلو والسمو وأي عزيمة أصدق بل أي نظام أحكم من أن ترى المؤمن يمسك زمام نفسه من أن تذل لشهوة، أو تنجرف في تيار الهوى الضال أو تنجرف عن أمانة الكلمة وصدق اللسان وصفاء الجنان، وأي نفس أكرم من النفس المتجهة إلى خالقها الممسكة عن هواها تقرباً إلى الله. إلا ما أروع التسليم في الصوم حين يجوع الصائم ويظمأ وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا طاعة الله وخشيته والرغبة في الثواب والرهبة من العقاب وشتان شتان ما بين صوم تمليه العادة، وصوم تسري فيه روح العبادة، وشتان شتان ما بين صوم يتعدى فيه الصائم حدوده وصوم يلتزم فيه حدوده ذاك سببه مداراة الناس، وهذا دافعه مراقبة رب الناس، ذاك لا يهذب نفساً ولا يعصم لساناً ولا يربي خلقاً.

هذا ينتج الفضائل كلها ويرفع النفس إلى عليين.

ذاك صوم يطلق فيه العنان للسان ينهش أعراض الناس ويفسد فيما بينهم ويأكل لحومهم.

وهذا صوم ينطلق فيه اللسان على سجيته مهللاً مسبحاً ذاكراً حامداً مصلياً داعياً فلا تسمع إلا أنين المستغفرين وحنين المذنبين ورنين المناجين فاتقوا الله يا من تصومون عن الأكل والشرب والجماع وتفطرون على لحوم الناس وأعراضهم اتقوا الله فالحساب عسير ويوم الحشر طويل والعرق سيلجمكم إلى الآذان، ويومذاك لا ينفع نفساً إلا ما علمت وقدمت ذلك يوم التغابن.

اللهم أنت المدعو بكل لسان والمقصود في كل آن نسألك فأنت المعروف بالإحسان ألا تردنا خائبين ولا من عطاياك مفلسين ولا عن بابك مطرودين وآمنا من فزع يوم الدين. اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن وعافنا في الدارين من المحن فها نحن ببابك واقفون وإليك متوجهون ولثوابك متعرضون ولفضلك طالبون فالحقنا بالصالحين واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([47]).

 

المجلس الخامس عشر

فصل في:

ـ فصل في قيام الليل.

ـ وأوصاف اهل الجنة.

  

قيام الليل

الحمد لله الذي أصبحت له الوجوه ذليلة عانية وحذرته النفوس مجدة ومتوانية. ووعظ من آثر الدنيا الحقيرة الفانية على الدار الشريفة الباقية وشوق إلى الجنة قطوفها دانية وأعدها لأهل الهمم العالية، الحامدون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وأولئك هم الصادقون الذين أحيوا ليلهم بالقيام، ونهارهم بالصيام فعاشوا في هذه الدار غرباء، وهم في الحقيقة وحدهم السعداء، هجروا لذيذ المنام وصلوا خاشعين والناس نيام. فلله درهم وهم يكسبون العبرات، والله درهم وهم يرفعون رصيدهم من الحسنات وأولئك هم الرابحون يوم البعث والنشور.

أحبتي في الله ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعد حديثنا هذه الليلة حول قيام رمضان، فضل الليل وعدد ركعاتها وما أحدثه الناس من محدثات فيها ليست على هدى المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار. فنقول:

صلاة القيام هي صلاة التراويح التي يؤديها المسلمون في رمضان وهي ضريبة الوفاء لهذا الشهر العظيم لأنها معلم من معالمه وشارة من شاراته يسعى المسلمون إليها خفافاً ليصلوها في المساجد جماعة فتكتظ بهم بيوت الله وتغمره بهجة وفرحة ويسودها جمال وأنس وتتألق المآذن الشم بالضياء وتزدان حلقات العلم بالخلص الأتقياء وترتقع أصوات القراء وتتلاحم صفوف التراويح بالمتقين الأتقياء وكأنما هذه الصلاة تنشيط للجسم الصائم طول النهار بعد فطور قد يؤدي إلى فتور، وقد ورد في فضل صلاة الليل نصوص كثيرة نجتزئ منها قوله تعالى: [وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً]([48]).

وقال: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([49]).

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)([50])، وقال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) ([51]).

وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)([52])،  ومعنى قوله إيماناً. أي إيماناً بالله وبما أعده من الثواب للقائمين ومعنى قوله احتساباً أي طلباً لثواب الله لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب مال ولا جاه وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها والاهتمام بأدائها على الوجه الصحيح واحتساب الأجر والثواب من الله عليها وما هي إلا ليال معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها وإنما سميت تراويح لأن الناس كانوا يطيلونها جداً فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلاً.

وتشرع جماعة لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة في جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر اهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: (أما فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك([53]).

فلما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار ربه استقرت الشريعة وزالت الخشية وبقيت مشروعية صلاتها جماعة قائمة لزوال العلة لأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.

وأحيا هذه السنة الخلفية الراشد عمر بن الخطاب، كما أخبر بذلك عبدالرحمن بن عبد القارئ، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وكان الناس يقومون أوله([54]).

شــعــراً:

ولله كم من خيرة إن تبسمت *** أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت *** ويا لذة الأسماع حين تكلم
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا اثن *** ويا خجلة الفجرين حين تبسم
فإن كنت ذا قلب عليل بحبها *** فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
ولا سيما في لثمها عند ضمها *** وقد صار منها تحت جيدك معصم
يراها إذا أبدت له حسن وجهها *** يلذ به قبل الوصال وينعم
تفكه فيها العين عند اجتلائها *** فواكه شتى طلعها ليس يعدم

 

أوصاف أهل الجنة

قال الله تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ]([55]).

فأخبر سبحانه وتعالى أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم ثم ذكر أوصاف المتقين فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر والشدة والرخاء فإن من الناس من يبذل في حال اليسر والرخاء ولا يبذل في حال العسر والشدة ثم ذكر كف أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم وحبس الانتقام بالعفو، ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم، وأنها إذا صدرت منهم قابلوهم بذكر الله والتوبة والاستغفار وترك الإصرار فهذا حالهم مع الله وذاك حالهم مع خلقه.

وقال تعالى: [َالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]([56]). فوصفهم بإقامة حقه ظاهراً وباطناً وبأداء حق عباده.

ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: (.. وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال..)([57]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (مر بجنازة فأثنى عليها خيراً فقال نبي الله وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثنى عليها شراً فقال وجبت وجبت وجبت، فقال عمر فداك أبي وأمي، مر بجنازة فأثنى عليها خيراً فقلت وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثنى عليها شراً فقلت وجبت وجبت وجبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار وأنتم شهداء الله في الأرض. .)([58]).

قال ابن القيم رحمه الله: (. . . وبالجملة فأهل الجنة أربعة أصناف ذكرهم الله سبحانه وتعالى في قوله: [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً]([59]). نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه)([60]).

وأكثر أهل الجنة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يدل لذلك ما رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكون شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض)([61]).

ويدخل ثلة من أمة محمد الجنة بغير حساب ولا عقاب. يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعله منهم) فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (سبقك بها عكاشة)([62]).

وقد ورد وصفهم في الحديث الآخر: (. . فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء فخرج عليهم رسوةل الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما الذي تخوضون فيه) فأخبروه فقال: (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)([63]).

وأول من يدخل الجنة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدل لذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم)([64]).

يقول ابن القيم رحمه الله: فهذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان عفي الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم وأسبقهم إلى الجواز على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنة فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد صلى الله عليه وسلم ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته)([65]).

اللهم يا حبيب التائبين ويا أنيس المنقطعين ويا من حنت إليه قلوب الصادقين اجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين اللهم آمن خوفنا يوم البعث والنشور وآنس وحشتنا في القبور ويسر لنا يا ربنا جميع الأمور.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأحبابنا ولمشايخنا وأزواجنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([66]).

 

المجلس السادس عشر

فصل في:

ـ قيام الليل.

ـ وأوصاف أزواج أهل الجنة.

 

قيام الليل

الحمد لله الذي كون الأشياء وأحكمها خلقاً، وفتق السماوات والأرض وكانتا رتقاً، وقسم بحكمته العباد فأسعد وأشقى، وجعل للسعادة أسباباً فسلكها من كان أتقى، ونظر بعين البصيرة إلى العواقب فاختار ما كان أبقى، أحمده وما أقضي له الحمد حقاً وأشكره ولم يزل للشكر مستحقاً. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك الرقاب كلها رقاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل البشر خلقاً وخَلقاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحقهم الصديق الحائز فضائل الأتباع سبقاً، وعلى عمر العادل فما يحابي خلقاً، وعلى عثمان الذي استسلم للشهادة وما توقى، وعلى علي بائع ما يفنى ومشتري ما يبقى، وعلى جميع الصحب الناصرين لدين الله حقاً وسلم تسليماً.

إخــــواني:

مر معنا طرف مما يتعلق بصلاة الليل من حيث فضلها ومشروعيتها وفي هذه الليلة سيكون الحديث حول عدد ركعاتها وعلى الوتر ثم نذكر طرفاً من الأخطاء الشائعة عند بعض الأئمة هداهم الله وردنا وإياهم إلى الصواب رداً جميلاً فنقول وعلى الله نتوكل:

اختلف أهل العلم اختلافاً واسعاً في عدد ركعات صلاة التراويح وقد أفاض العلامة ابن حجر في ذكر الأقوال في كتابه الكبير فتح الباري ومن هذه الأقوال:

1ـ قيل أنها إحدى عشرة ركعة.

2ـ وقيل إحدى وعشرون ركعة.

3ـ وقيل ثلاث وعشرون ركعة.

4ـ وقيل تسع وثلاثون ركعة.

5ـ وقيل إحدى وأربعون ركعة.

6ـ وقيل سبع وأربعون ركعة.

7ـ وقيل تسع وأربعون ركعة.

8ـ وقيل أربع وثلاثون ركعة غير الوتر.

10ـ وقيل ست عشرة ركعة غير الوتر.

11ـ وقيل تسع وعشرون ركعة([67]).

وأرجح هذه الأقوال والله أعلم أنها إحدى وعشرين ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.

يدل لذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة([68]).

وما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني من الليل([69]).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (. . له أن يصلي عشرين ركعة كما هو المشهور عن مذهب أحمد والشافعي وله أن يصلي ستاً وثلاثين كما هو مالك وله أن يصلي إحدى وعشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة وكل حسن فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره)([70]).

وكثير من أئمة المساجد يصلون التراويح وهم لا يطمئنون في القيام ولا في الركوع ولا في السجود والطمأنينة ركن من أركان الصلاة لا تصح بدونه والمقصود الأعظم من الصلاة حضور القلب واتعاضه بما يسمع من كلام الله وتدبره له هذا لا يتأتى بالعجلة المذمومة ولهذا نقول كلما قلت الركعات واطمأن فيها الإمام وحقق أركان الصلاة وواجباتها وسننها فذلك أولى من تكثير الركعات مع تضييع لب الصلاة وأساسها.

فينبغي للأئمة أن يتقوا الله فيمن خلفهم فهم أمانة مسئولون عنهم يوم القيامة فليحسنوا الصلاة ويؤدوها على وجهها المشروع لئلا يتضرر الكبير والمريض والعاجز بالسرعة المفرطة وهنا نقول لإخواننا الذين ينصرفون قبل فراغ الإمام من الصلاة لقد فاتكم خير كثير إذ المتابع للإمام حتى ينصرف يكتب له أجر قيام ليلة كاملة وهذا فضل من الله، ونقول لإخواتنا المؤمنات إن صلاتكن في بيوتكن أفضل وإذا رغبتن في حضور الصلاة مع الجماعة فعليكن بالستر والعفاف والحشمة التامة واحذرن من الزينة والطيب لئلا تقعن في المعصية وأئتن ساعيات للخير.

وعليكن بتسوية الصفوف والاعتناء بها والإنصاف أثناء قراءة الإمام شيئاً من المواعظ وتذكرن أن حضوركن للمسجد القصد منه أداء العبادة فقط وليس تبادل الأحاديث مع هذه وتلك.

أيها الأخوات المؤمنات احرصن بارك الله فيكن على عدم إحضار الأطفال الصغار الذي يزعجون المصلين وقد يسيئون لبيوت الله من حيث لا يشعرون.

شعراً:

وجنات عدن زخرفت ثم أزلفت *** لقوم على التقوى دواماً تبتلوا
بها كل ما تهوى النفوس وتشتهي *** وقرة عين ليس عنها تحول
ملابسهم فيها حرير وسندس *** واستبرق لا يعتريه التحلل
وأزواجهم حور حسان كواعب *** على مثل شكل الشمس أو هن أشكل
ومأكولهم من كل ما يشتهونه *** ومن سلسبيل شربهم يتسلل
يطاف عليهم بالذي يشتهونه *** إذا أكلوا نوعاً بآخر بدلوا
بها كل أنواع الفواكه كلها *** وسكانها مهما تمنوه يحصل
بأسباب تقوى الله والعمل الذي *** أحبوا إلى جنات عدن توصلوا

 

أوصاف أزواج أهل الجنة

قال الله تعالى: [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([71]).

فتأمل أخي المسلم جلالة المبشر ومنزلته وعظمته وصدقه وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة وقدر ما بشرك به وضمنه لك على أسهل شيء عليك وأيسره. وقد جمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه.

والأزواج جمع زوج وهو الأفصح والمطهرة من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر وكل أذى يكون من نساء الدنيا فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة وطهر لسانها من الفحش والبذاء مطهر طرفها من أن تطمح إلى غير زوجها وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو طلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينها ريحاً ولأضاءت ما بينها ولنصيفها على رأسها خير الدنيا وما فيها)([72]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء ولكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب)([73]).

وقد ذكر المفسرون في معنى قوله تعالى: [إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ]([74])، قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار والعذارى عن الاهتمام بأهل النار ومصيرهم. وذكر ابن القيم عن سعيد بن جبير قال: (إن شهوته لتجري في جسده سبعين عاماً يجد اللذة ولا يلحقهم بذلك جناية فيحتاجون إلى التطهير ولا ضعف ولا انحلال قوة بل وطؤهم وطء التلذذ ونعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه) وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها بهم في الدنيا ولكم في الآخرة) فمن استوفى طيباته ولذاته في هذه الدار حرمها هناك، ولهذا نص سبحانه على من أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا وكان الصحابة رضي الله عنهم يخافون من ذلك أشد الخوف. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً فيرجعون إلى أهليهم فيقولون لهم والله لقد ازددتهم بعدنا حسناً وجمالاً)([75]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرؤا إن شئتم: [فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([76]) ([77]).

وعن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم منه)([78]).

وعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن موسى سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة فقال رجل يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رب رضيت فيقول: لك ذلك ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب قال فأعلاهم منزلة أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر)([79]).

اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم وبوجهك الأكرم أن ترزقنا الجنة وتعيذنا من النار فإنك أنت المعروف بالإحسان والصفح عن الأوزار اللهم اجعل في قلوبنا نوراً نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وحرزك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالإعراض عن طاعتك إلهنا لا تفرق جمعنا إلا بذنب مغفور وعمل صالح مبرور وسامحنا فأنت العزيز الغفور، واغفر لنا ولوالدينا وأحبابنا ومن له حق علينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([80]).

  

المجلس السابع عشر

فصل في:

ـ من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان.

ـ الدنيا بين التنافس فيها والإعراض عنها.

 

من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان

الحمد لله المتفرد بكل العز والجلال، المتوحد بالعظمة التي لا تضاهى والكبرياء والكمال تنزه عن الصاحبة والأولاد وتفرد في ملكه بالاختراع والإيجاد وتعالى عن الأنداد والأضداد والشركاء والأشباه والأشكال الملك الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون العالم بسرائر خلقه وما يعلنون.

أحمده حمد معترف بالتقصير وأشكره على واسع فضله الغزير. وأشهد ألا إله إلا الله العلي الكبير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله السراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الجد والتشمير.

أيها المؤمنون الصائمون:

في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون وفرق الله فيها بين الحق والباطل وسمى يومها يوم الفرقان يقول تعالى:   [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. .  إلى قوله:   إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]([81]).

وقال تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]([82]).

لقد مضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر ونزل المسلمون بالعدوة الدنيا.

واقترب كل فريق من الآخرة وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب وهبط الليل فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وسعيد بن مالك في نفر إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر فأصابوا رواية لقريش فيها غلامان فأتوا بهما والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سلم قال أخبراني عن قريش. قالا هم وراء هذه الكثيب الذي تراه بالعدوة القصوى قال كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يوماً تسعاً ويوماً عشراً. قال صلى الله عليه وسلم: (القوم ما بين التسعمائة والألف) ثم قال فمن فيهم من أشراف قريش فسميا له خمسة عشر فأقبل صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها وقرب اللقاء وتجهزت قريش بخيلائها وكبريائها وبطشها وغرورها.

والتفت معلم البشرية إلى أصحابه العصبة المؤمنة فرآهم بين مهاجر باع نفسه لله سبحانه وتعالى وأنصاري ربط مصيره بهذا الدين فآوى صاحب الرسالة والمؤمنين به. وهنا أحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطلعهم على الحقيقة وأن الصدام سيقع وفي مثل المواقف العصيبة والامتحانات المباغتة يتبين الرجال وتتضح المواقف والبطولات ويسهل تقويم الرجال ووزنهم.

استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فكانت النتائج رائعة والمواقف حاسمة لئن خضت بنا البحر فنحن معك. سر ونحن وراءك نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. اظعن حيث شئت وصل من شئت واقطع حبل من شئت وخد من أموالنا ما شئت واعطنا منها ما شئت وما أخذت من أموالنا أحب إلينا مما أبقيت.

هذا هو جواب العصبة المؤمنة فسر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المواقف الإيمانية الخالدة وبشرهم بأن الله وعده إحدى الحسنين. قال تعالى: [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ]([83]).

وقضى المسلمون ليلاً هادئاً وغمرت نفوسهم العزيمة الصادقة والثقة المطلقة بنصر الله سبحانه وتعالى وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يتفقد الرجال وينظم الصفوف ويسدي النصائح ويذكر بالله واليوم الآخر ثم يعود إلى العريش ليستغرق في الدعاء والتضرع إلى الله بطلب النصر والتمكين (اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)([84]).

وأبو بكر يقول له كفاك يا رسول الله سينجزك الله وعده وسينعم المسلمون بالنصر المؤزر إن شاء الله: [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ]([85]).

لقد استجاب الله لعبده وحبيبه وأنزل ملائكته تقاتل مع المؤمنين وكل ذلك من باب البشارة وتطمين المسلمين وإلا فحسبهم أن يبذلوا ما في وسعهم والباقي من عند الله جل وعلا فهو الذي وعد بالنصر ووعده حق وصدق لا يتحول ولا يتبدل [وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ]([86]) ، [إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]([87]).

والتقى الصفان والمؤمنون يقاتلون بشجاعة وبسالة غير معهودة وراع المشركين إقدام المسلمين ونزل نصر الله المؤزر للعصبة المؤمنة وهوت صناديد الكفر وسقطوا في مصارعهم وفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء الله.

شعـــراً:

يا خاطب الحوراء في خدرها *** وطالباً ذاك على قدرها
انهض بجد لا تكن متوانياً *** وجاهد النفس على صبرها
وجانب الناس وارفضهم *** وحالف الوحدة في وكرها
وقم إذا الليل بدا شطره *** وصم نهاراً فهو من مهرها
فلو رأت عينك إقبالها *** وقد بدت رمانتا صدرها
وهي تماشي بين أترابها *** وعقدها يشرق في نحرها
لهان في نفسك هذا الذي
 
*** تراه في دنياك من زهوها

 

الدنيا بين التنافس فيها والإعراض عنها

سمع الأنصار أن أبا عبيدة بن الجراح قدم من البحرين بمال كان قد صالحهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فوافوا الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له وفهم  الرسول صلى الله عليه وسلم مرادهم ومطلبهم فتبسم وقال: (أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء) قالوا: أجل يا رسول الله قال: (أبشروا وأمَّلوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم)([88]).

لم يؤنبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يوبخهم عندما جاءوا طالبين المال، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن لهم في هذا المال حقاً ويعلم حاجتهم إليه والمال من الزينة التي حببها الله إلى عباده: [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]([89])، وهو من الشهوات المركوز حبها في أعماق النفس الإنسانية[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]([90]).

لقد سقط أقوام في مستنقع الحياة الآسن حينما تكالبوا عليها وتنافسوا فيها وجمعوها من الحلال والحرام لم يراعوا اللقمة التي يأكلون ولا الشربة التي يشربون يطعمون أولادهم وأهليهم من الحرام تعاملوا بالربا علنا فحاربوا الله ورسوله ومن يحارب الله ورسوله فهو دونما شك الذليل الخسران.

تجد الواحد منهم يملك الملايين ومع ذلك لا يحس بالأمن ولا يتلذذ بالحياة. يحمل هموم الدنيا ويقاسي آلامها نسي الله فنسيه الله. عبد شهوته وحرم نفسه منع حق الله فعاقبه الله عاجلاً غير آجل. هذا صنف من الناس.

والصنف الآخر استخدم الدنيا في طاعة الله وسخرها في مرضاته وظف أمواله في طرق الخير يبني المساجد يعطي المساكين يغدق على المجاهدين يساعد مشاريع الخير في البلد فنعم المال الصالح في يد الرجل الصالح.

أرأيت أخي المسلم لو أننا رأينا شخصاً يبذل جهده وماله فيما لا فائدة فيه ألا نصفه بضعف العقل وقصور الإدراك وعدم إدراك المسئولية إذاً فكيف بمن يوظف أمواله في الحرام ويعمر فيها أماكن الحرام ويهدم فيها الفضائل ويحارب فيها الدعاة إلى الله أليس هذا هو ضعف العقل وقلة الإدراك وبلادة الإحساس. حدثني من أثق به أن شخصاً جمع أموالاً من طرق متعددة منها الحلال ومنها الحرام. وبعد أن توفي وقبل قسمة تركته ألح أحد أبنائه المراهقين على شراء سيارة له فوافقت الأم تحت الضغط الشديد على أن تكون هذه القيمة من نصيب الوالد من التركة بعد قسمتها. وبعد أن استلم الولد السيارة أخذ يلعب بها يميناً وشمالاً ويؤذي الناس عند أبواب المسجد الذي يصلي فيه والده سابقاً وإثناء خروج الناس من الصلاة اجتمع مجموعة من الشباب حول هذه السيارة يسألون الولد من أين اشتريتها فقال بعظمة لسانه مات العجوز فاسترحنا واشتريناها. أرأيتم أيها الآباء سيكون الحساب على جامع الأموال والمستفيد منها هم الأولاد ومنهم الصالح البار ومنهم الطالح العاق. إن أموالنا هي ما نقدمه ونحن أصحاء أشحاء نأمل الحياة ونرجو الغنى فلنبادر بالصدقة قبل أن نتمناها ولا تتيسر لنا ولنتسابق في أعمال الخير قبل أن يفجأنا الموت: [إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]([91]).

شعــراً:

وفؤاد كلما عاتبته *** في مدى الهجران يبغى تعبي
لا أراه الدهر إلا لا هياً *** في تماديه فقد برح بي
يا قرين السوء ما هذا الصبا *** فنيَ العمرُ كذا في اللعب
وشبابٌ بانَ عني فمضى *** قبل أن أقضيَ منه أربي
وما أرجي بعده إلا الفنا *** ضَيَّقَ الشيبُ عليَّ مطلبي 
ويح نفسي لا أراها أبداً *** في جميلٍ لا ولا في أدب
نفسيْ لا كُنتِ ولا كان الهوى *** راقبي المولى وخافي وارهبي

اللهم يسر لنا طريق النجابة ووفقنا للتوبة والإنابة يا من إذا سأله المضطر أجابه اللهم سلمنا من كل الأسواء وعافنا من الأدواء ولا تجعلنا محلاً للبلوى وطهر أسرارنا من الشكوى وألسنتنا من الدعوى.

اللهم امح من ديوان الأشقياء شقاءنا وأكتبه عندك في عنوان الأخيار يا عزيز يا رحيم يا غفار.

اللهم بارك لنا في الحلال من الرزق واجعله عوناً لنا على طاعتك وهيء لنا من أمرنا رشداً ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً([92]).

  

المجلس الثامن عشر

فصل في:

ــ شهر النصر.

ــ وأحكام القضاء.

شهر النصر

الحمد لله الملك الخلاق الولي فلا ولي من دونه ولا واق الغني الذي لا تفيض خزائنه مع كثرة الإنفاق المحيط علمه بجميع الخلائق في جميع الأفاق الناظر إلى بواطن عبادة وظواهرهم والسميع لأصواتهم في الإشراق والأغساق فسبحانه من إله على عرشه استوى فوق جميع مخلوقاته فلا منازع له ولا مشاق خضعت الأكوان من مخافته وانطفأت النار لطاعته وجلا منه وإشفاقاً أحمده سبحانه له الملك وله الحمد والكمال على الإطلاق وأشكره على إحسانه الذي لا يعد ولا يطاق وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا ند ولا مُشاق شهادة أرجو بها تخفيف كرب السياق وختام حياتنا يوم الرحيل والفراق وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكرم الخلق على الإطلاق وأفضلهم تحلياً بمكارم الأخلاق من أسري به ليلاً على البراق حتى جاوز السبع الطباق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إخوتي الصائمين والصائمات:

الصوم مدرسة جامعة فيه الدروس والعبر للأمة في كل شئونها في الحياة ودرسنا اليوم حول الانتصارات في رمضان وأسبابها فنقول ثلاثون يوماً كل عام في حياة المسلمين يدخلون فيها مدرسة الصوم ليتلقوا فيها أشق التدريبات النفسية يتخرجون بعدها جنوداً للمعركة بل جنوداً للفتح المبين ثم ينطلقون بهذه التدريبات الغالية ليستثمروها في المعارك حتى إذا جاء رمضان من جديد أيقظ فيهم هذه الروح العسكرية مرة أخرى وهكذا يجددون بالصوم عزائمهم وأرواحهم كلما حاولت الحياة ومفاتنها أن تبعدهم عن ساحة الجهاد وبذلك تكون حياة المسلم جندية متجددة وجهاداً متواصلاً.

ومن هنا ارتبط الصوم بالجهاد ارتباطاً وثقياً فهو يعد له ويهيئ له وكل نفس تعجز عن صيام رمضان ليست مؤهلة أن تجاهد في سبيل الله.

لقد حصلت انتصارات كثيرة في رمضان وهذا أمر طبيعي فالأمة المجاهدة الصابرة الصائمة مؤهلة بمشيئة الله لنصر لأنها أخذت بأسبابه.

في السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى في رمضان وتم أعظم انتصار حاسم على الشرك وأهله.

وفي رمضان من السنة الخامسة كان استعداد المسلمين لغزوة الخندق حيث وقعت في شوال من العام نفسه.

وفي رمضان وجه الرسول صلى الله عليه وسلم السرايا لهدم الأصنام فوجه خالد بن الوليد لهدم العزى وعمرو بن العاص لهدم سواع وسعيد بن زيد لهدم مناة فأدى كل واحد منهم رضي الله عنهم مهمته بنجاح تام.

وفي رمضان من السنة الثامنة تم الفتح الأعظم فتح مكة واستسلم سادتها بعد طول عداوة ودخلوا في دين الله أفواجاً وتهاوت الأصنام بعد أن عبدت طويلاً من دون الله  ووقعت معارك حاسمة في رمضان على امتداد التاريخ الإسلامي وكان النصر فيها حليف المسلمين بل لقد لقنوا أعداءهم دروساً بالغة وأظهروا صوراً بطولية رائعة تنم عن صدقة الإيمان وسلامة المعتقد وحسن التوجيه وما هزيمة التتار على أيدي المسلمين في رمضان إلا شاهد واقعي على ما نقول.

لقد أخذ المسلمون بأسباب النصر الحقيقية فاستحقوا إحدى الحسنيين وصدق الله العظيم: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ]([93]).

التمكين في الأرض يستلزم عبادة الله سبحانه وتعالى وإخلاص العمل له ومن ذلك إقامة الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها.

وإيتاء الزكاة بأن تصل إلى مستحقيها كاملة غير منقوصة في وقتها المحدد طيبة بها النفس راغبة في ثواب الله سبحانه وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صوناً للمجتمع من الشرور والآثام وتعميماً للفضيلة فيه وقمعاً للرذيلة لأن المجتمع يعين بعضه بعضاً ويكفي تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم للمجتمع بالبنيان يشد بعضه بعضاً.

فمتى تحققت هذه الأوصاف مع الأخذ بالأسباب المادية المنصوص عليها بقوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ]([94])، ترتب على ذلك حصول النصر بإذن الله ولدينا شاهد واقعي من حياة السلف رضي الله عنهم، فقد أخذوا بأسباب النصر فمكن الله لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم ورفع بهم راية الإسلام خفاقة.

وتلك سنة من سنن الكون لا تتغير ولا تتبدل ولكن أحوال الناس وأوضاعهم هي التي تتغير وتتبدل فمتى أردنا النصر فلنفتش عن أنفسنا ونقوم بإصلاح أحوالنا وأوضاعنا وعند ذاك يتحقق النصر بإذن الله تعالى.

شعــراً:

يا من إليه جميع الخلق يبتهلوا *** وكل حي على رُحْمَاهُ يتكل
يا من علا فرأى ما في الغيوب وما *** تحت الثرى وحجاب الليل منسدل
يا من دنا فسما عن أن تحيط به *** الأفكار طراً أو الأوهام والعلل
أنت الملاذ إذا ما أزمه شملت *** وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة ***  أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الرجاء لمن سدت مذاهبه *** أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة *** عليك والكل ملهوف ومبتهل
فإن غفرت فعن مَنَّ وعن كرمٍ *** وإن منعت فأنت المقسط العدل

  

أحكام القضاء

إذا أفطر المسلم يوماً من رمضان بغير عذر وجب عليه أن يتوب إلى الله ويستغفر لأن ذلك جرم عظيم ومنكر كبير يخشى عليه من مغبته والعياذ بالله ووجب عليه مع التوبة والاستغفار القضاء بقدر ما أفطر بعد رمضان ووجب القضاء هنا على الفور على الصحيح من أقوال أهل العلم لأنه غير مرخص له في الفطر والأصل أن يؤديه في وقته فحكمه حكم تارك الصلاة عمداً والعياذ بالله.

أما إذا أفطر بعذر كحيض ونفاس ومرض وسفر وغير ذلك من الأعذار المبيحة للفطر فإنه يجب عليه القضاء غير أنه يجب على الفور بل على التراخي إلى رمضان الآخر لكن يندب له التعجيل في القضاء لأن فيه براءة لذمته من التكاليف الشرعية ولا يتعين عليه القضاء فوراً إلا إذا بقي على رمضان القادم بقدر الأيام التي أفطرها فهنا يجب عليه القضاء على الفور إلا إذا كان تأخيره لعذر شرعي كأن استمر سفره أو مرضه فلا حرج عليه وليس عليه إلا القضاء ولو بعد رمضان الثاني.

أما إن أخره إلى رمضان الثاني بغير عذر كأن شفي من مرضه أو قدم من سفره ثم تساهل في القضاء حتى جاءه رمضان الثاني فهنا قال أهل العلم عليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم ويبادر إلى التوبة والاستغفار عما اقترفه من التأخير، وقضاء رمضان لا يشترط فيه التتابع بل يصح متتابعاً وغير متتابع ودليل ذلك قوله تعالى: [وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]([95]).

فلم يشترط سبحانه في هذه الأيام التتابع ولو كان شرطاً في القضاء لبينه سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ما حكم إذا مات وعليه قضاء من رمضان؟

إذا مات وعليه قضاء من رمضان فلا يخلو إما أن يكون تمكن من القضاء وتساهل

فيه، ثم مات قبل القضاء فهنا الصيام دين عليه يجب على وليه قضاؤه عنه سواء بالصيام عنه أو بإطعام من تركته عن كل يوم مسكيناً يطعمه مداً من البر أو من غالب قوت البلد وزنته (2/1 562) غراماً وإن أصلح طعاماً للمساكين بعدد الأيام ودعاهم إليه أجزأه، يدل لذلك ما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)([96]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء)([97]).

أخي المسلم:

اعلم أن الناس بالنسبة للقضاء ينقسمون ثلاثة أقسام:

1ـ قسم يجب عليه القضاء فقط ولا فدية عليه وهم المريض والمسافر والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما.

2ـ وقسم يجب عليه الفدية فقط ولا قضاء عليه وهم العاجزون عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه.

3ـ وقسم يجب عليه القضاء والفدية وهم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما. كذا من أخر قضاء رمضان إلى رمضان بعده دون عذر فعليه مع القضاء الفدية والله أعلم.

أرأيت أخي الصائم كيف شرع الله للمسلمين أحكام صومهم دون مشقة أو عنت وهكذا تكاليف الإسلام ليس فيها شيء فوق طاقة المسلم لأن الله رفع عنا الحرج بمنه وكرمه [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([98]).

أجل ذنوبي عند عفوك سيدي *** حقير وإن كانت ذنوبي عظائماً
فما زلت غفاراً وما زلت راحماً *** وما زلت ستَّاراً علي الجرائما
لئن كنت قد تابعت جهلي في الهوى *** وقضيت أوتار البطالة هائماً
فها أنا قد أقررت يا رب بالذي *** جنيت وقد أصبحت حيران نادما
فتب واعف عني يا ألهي تكرماً *** وكن بي يارب البرية راحماً

اللهم اجعلنا على الصراط من العابرين وعلى حوض نبيك من الواردين ولكأسه من الشاربين وأعطنا صحائفنا باليمين واجعلنا يوم العرض من الفائزين اللهم ارفع درجاتنا وامسح سيئاتنا وثقل ميزان حسناتنا برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعي([99]).

 

المجلس التاسع عشر

فصل في:

ـ أهوال يوم القيامة.

ـ وفضل العشر الأواخر من رمضان.

 

أهوال يوم القيامة

الحمد لله الحي القيوم الباقي وغيره لا يدوم، رفع السماء وزينها بالنجوم وأمسك الأرض بجبال في التَّخوم صور بقدرته هذه الجسوم ثم أماتها ومحا الرسوم ثم ينفخ في الصور فإذا الميت يقوم ففريق إلى دار النعيم وفريق إلى نار السموم تفتح أبوابها في وجوههم لكل باب منهم جزء مقسوم وتوصد عليهم في عمد ممددة فيها للهموم والغموم، أحمده سبحانه قسم العباد إلى منتفع ومحروم وجعل منهم من هو مطرود ومن هو مرحوم. وأصلي وأسلم على عبده ورسوله قاهر الفرس والروم وأفضل من سجد لربه الحي القيوم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ما طلعت النجوم وتكاثرت في السماء الغيوم.

أيها الأخوة الصائمون والصائمات:

يتجدد لنا اللقاء في هذه الليلة المباركة لنتذاكر فيما ينفعنا ويقربنا إلى الله ويبعدنا عن النار وبئس القرار، وحديثنا هذه الليلة عن أهوال يوم القيامة يوم الطامة يوم الصاخة يوم الزلزلة يوم التغابن: [يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ]([100]).

إذا قام الناس من قبورهم لرب العالمين ونودوا هلم إلى ربكم وقفوهم أنهم مسئولون خشعت الخلائق وخضعت وذلت للواحد القهار فتراهم يستجيبون مسارعين إلى المنادى لا يعاندون ولا يميلون. قال الله تعالى: [يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً]([101]).

وقال تعالى: [فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ]([102]). أي أنهم يسعون إلى محشرهم في سكون وخشوع لا تسمع منهم صوت الأقدام وإلا الهمس.

ثم يقبض الجبار سماواته بيده اليمنى وأراضيه بيده الأخرى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. قال الله عز وجل: [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ]([103]).

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون)([104]).

صفة أرض المحشر:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ـ الدقيق ـ ليس فيها علم لأحد)([105]).

ويحشر الناس يوم القيامة مشاة حفاة عراة غرلا.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ـ أي غير مختونين ـ قلت يا رسول الله النساء والرجال جميعاً ينظرون بعضهم إلى بعض قال صلى الله عليه وسلم يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)([106]).

يحشر الكفار على وجوههم:

قال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى]([107]).

وقال تعالى: [وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً]([108]).

دنو الشمس من الخلائق:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعرف الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم)([109]).

وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل).

قال سليم بن عامر فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً)([110]).

فتفكر يا عبدالله في الخلائق وذلَّهم وانكسارهم في ذلك اليوم الطويل خوفاً وانتظاراً لما يقضي عليهم من سعادة أو شقاوة فكيف بك يا عبدالله في ذلك اليوم وقد لفظك القبر بعد طول بلاء فنظرت في عملك الذي قدمت فلم تجد شيئاً من الصالحات يذكر ووجدت اللهو والعبث والوقوع في أعراض الناس والغيبة والنميمة والحسد وأكل أموال الناس بالباطل والربا وعقوق الوالدين تذكر ذلك اليوم الذي ستعرف فيه من تحب في هذه الدار أهم الأخيار أم الأشرار والمجالس التي تعمرها أهي مجالس خير أم شر. وبعد هذا الموقف يؤتى بجهنم والعياذ بالله فذلك قوله تعالى: [وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى]([111]).

شعــراً:

أخي ما بال قلبك ليس ينقى *** كأنك لا تظن الموت حقاً
أيا ابن الذين فنوا وبادوا *** أما والله ما بادوا وتبقى
وما أحد بزادك منك أحصى *** وما أحد بزادك منك أشقى
وما للنفس عندك مستقر *** إذا ما استكملت أجلاً ورزقاً

وقال آخر:

قف بنا بالقبور نبكي طويلاً *** ونداوي بالدمع داء جليلاً
فعسى الدمع أن يبرد منا *** بعض لوعاتنا ويشفى الغليلا
وننادي الأحباب كيف وجدتم *** سكرة الموت بعدنا والمقيلا 
لو أطاقوا الجواب قالوا وجدنا *** سكرةً تترك العزيز ذليلاً
بُدَّلوا بعد القصور قبوراً *** ثم بعد اللباس ردماً ثقيلاً

 

فضل العشر الأواخر من رمضان

أيها الأخوة الصائمون:

لقد نزل بكم عشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات والأجور الكثيرة فيها الفضائل المشهورة والخصائص العظيمة.

فمن خصائصها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها يدل لذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره([112]).

وما روته أيضاً قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله)([113]).

وهذا دليل صريح على فضيلة هذه العشر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقراءة للقرآن وذكر ودعاء وصدقة وغير ذلك. لأنه صلى الله عليه وسلم يشد مئزره أي يعتزل أهله ويتفرغ للصلاة والذكر. ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي ليالي هذه العشر بالصلاة والقراءة والذكر طلباً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في هذه العشر وهذا فيه بيان مزية لهذه العشر دون سواها.

ولا شك أن المسلم العاقل يسعى لاغتنام هذه الأوقات لعل الله أن يدركه برحمته.

وإنه لمن الحرمان والعياذ بالله أن تمر هذه الليالي المباركة على الشخص وهو يسرح ويمرح بأصناف الملذات والمحرمات.

وإنه لمن الحرمان أيضاً أن يعمر المسلم نهاره بالنوم وليله بالعبث واللهو واللعب المحرم الذي يجر عليه من المصائب ما الله به عليم.

أخوة الإيمان:

لاحظوا الفرق بين واقعنا وواقع سلفنا الصالح.

كانوا يقضون نهارهم بالصيام وتلاوة القرآن وليلهم بالركوع والسجود والتسبيح والتهليل ويقضي الكثيرون منا نهارهم بالنوم وليلهم باللهو واللعب المحرم وشرب الدخان ولعب الورق وغيرها مما يعود على المسلم بالضرر في عاجله وآجله.

كانوا يجتمعون بين جهادين في شهر رمضان جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام وقاموا بحقوقهما أتم قيام وصبروا عليهما صبراً جميلاً.

والكثير منا جهاده بجمع أصناف المأكولات والمشروبات بعضها من الحلال وبعضها من الحرام الأيدي ممسكة عن الصدقات والألسن مطلقة في أعراض المسلمين والمسلمات والأسماع مرسلة لاستماع الحرام من الأصوات، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

يا من أعطاه الله صحة وعافية بعد العشرين، يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين، يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين، يا من هو في معترك المنايا بين الستين والسبعين ما تنتظر إلا أن يأتيك اليقين، يا من ذنوبه بعدد التراب، أما تستحي من الكرام الكاتبين فتعود إلى رشدك وتصدق مع ربك لعلك تفوز يوم الدين.

أيها الأحباب:

لقد غفل كثير من الناس عن أولادهم فتركوهم يسرحون ويمرحون في الشوارع ويسهرون للعب والسفه ولا يحترمون هذه الليالي ولا تكون لها منزلة في نفوسهم وهذا من سوء التربية وعدم القيام بالواجب، بل لقد حدثت الأذية من هؤلاء الشباب لكثير من المصلين الرجال والنساء وذلك برفع أصواتهم قرب المساجد وملاحقة بعضهم لبعض حتى وجد من المسلمين أهكذا يكون شكر نعمة المنعم علينا بهم.

والله ليأتين يوم يوقف فيه الابن أباه ويحاسبه على تفريطه في تربيته وتقصيره في تأديبه وصدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)([114]).

فالله الله اغتنموا هذه الفضيلة في هذه الأيام القليلة تعقبكم النعمة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطويلة إن شاء الله هذه والله الراحة الوافرة والمنزلة الفاخرة والحالة الرضية والجنة السوية والنعمة الهنية والعيشة الرضية.

إلهي أنت ملاذنا إذا ضاقت الحيل وملجأنا إذا انقطع منا الأمل فلا تخيب رجاءنا ولا تصرف وجهك يوم القيامة عنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وأقر أعيننا بصلاح أولادنا وصالح أعمالنا ولا تؤاخذنا بما كسبت قلوبنا وجنته جوارحنا وتوفنا وأنت راض عنا. اللهم طهر قلوبنا من الحقد والحسد وطهر ألسنتنا من الكذب وأفئدتنا من الرياء وأبصارنا من الخيانة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([115]).

  

المجلس العشرون

فصل في:

ــ وصف النار.

ــ وأحكام الاعتكاف.

 

 وصف النار

الحمد لله رب الأرباب ومسبب الأسباب ومنزل الكتاب حفظ الأرض بالجبال من الاضطراب وقهر الجبارين وأذل الصعاب وسمع خفي النطق ومهموس الخطاب وأبصر فلم يستر نظره حجاب، أنزل القرآن وحث فيه على اكتساب الثواب وزجر عن أسباب العقاب [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]([116]).

أحمده سبحانه وهو المحمود بكل خطاب وأصلي وأسلم على رسوله المبعوث بخير كتاب وعلى صاحبه أبي بكر خير الأصحاب وعلى عمر الذي إذا ذكر في مجلس طاب، وعلى عثمان المقتول ظلماً وما تعدى الصواب، وعلى علي المقدم يوم الأحزاب وعلى جميع الآل والأصحاب وعنا معهم بمنك وكرمك يا وهاب.

إخوتي في الله:

يتجدد اللقاء في هذه الليلة المباركة لنعرف طرفاً من مصير الخلائق يوم القيامة فسعيد إلى الجنة وشقي إلى النار ولا ثالث لهما.

الموت باب وكل الناس داخله *** فليت شعري بعد الموت ما الدار
الدار جنة عدن إن عملت بما *** يرضي الإله وإن فرطت فالنار
هما محلان ما للناس غيرهما *** فانظر لنفسك ماذا أنت مختار

حديثنا في هذه الليلة حول النار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه فنقول:

لقد حذرنا الله جل وعلا من النار وبين أوصافها في كتابه وعلى لسان رسوله وذكر أهوالها وعظائمها بما تتفطر له قلوب وتنخلع منه العقول، وهذا منه سبحانه منة وتفضيلاً لنبتعد عنها ونتجنب أسباب دخولها ونعمل الصالحات لندخل الجنة ففريق في الجنة وفريق في السعير وإليكم طرفاً مما ورد في النار قال تعالى: [وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ]([117]).

وقال تعالى: [إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلاً وَأَغْلالاً وَسَعِيراً]([118]).

وقال تعالى مخاطباً إبليس: [إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ *وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ *لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ]([119]).

وقال تعالى: [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا]([120]).

وقال تعالى: [وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ *تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ]([121]).

وقال تعالى: [وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ *فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ *وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ *لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ]([122]).

وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]([123]).

وقال تعالى: [وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ]([124]).

وقال تعالى: [فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ *يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ *وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ *كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]([125]).

وقال تعالى: [ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ *لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ *فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ]([126]).

وقال تعالى: [وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ *يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ]([127]).

وقال تعالى: [إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ *لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ *وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ *وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ]([128]).

روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)([129]).

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم) قالوا يا رسول الله إنها لكافية. قال: (إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)([130]).

وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبح صبغة في الجنة فيقال يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط هل مر بك من شدة فيقول لا والله يا رب ما رأيت بؤساً ولا مر بي من شدة قط)([131]).

هذه والله دار الذل والهون والعذاب والخذلان دار الشهيق والزفرات والأنين والعبرات لدار أهلها أهل البؤس والشقاء والندامة والبكاء الأغلال تجمع بين أيديهم وأعناقهم والنار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم شرابهم من حميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ومأكلهم من شجر الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون ويسألون ربهم الخروج منها فيقال لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون كيف لو أبصرتهم وهم يسحبون فيها وجوههم وهم لا يبصرون كيف لو سمعت صراخهم وعويلهم وهم لا يسمعون ثم يُلقى المشركون في النار أمة بعد أمة جهنم وأنسهم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اجتمع فيها أهلها جميعاً اشتكت آخرُ أمة إلى الله تعالى أول أمة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل وقالت أول أمة لآخر أمة لقد ضللتم كما ضللنا على الرغم من الحجج الكثيرة التي قامت علينا وعليكم في الدنيا على ألسنة الرسل، ولو هدانا الله لهديناكم سواء علينا وعليكم أصبرنا أم جزعنا مالنا من خلاص فذلك قول الله تعالى: [قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ]([132]).

وقوله تعالى: [وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنْ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ]([133]).

شعــراً:

أما آن يا صاح أن تستفيقا *** وأن تتناسى الحمى والعقيقا
وقد ضحك الشيب فاحزن له *** وصار مساؤك فيه شروقاً
وركب أتاهم وقد عرَّسوا *** على القاع داعي المنايا طروقاً
تدير عليهم كؤوس المنون *** صبوحاً على كربها أو غبوقاً
وما زال فيهم غراب الحمام *** يسمعهم للمنايا نعيقاً
ويحمل من عرصات القصور *** حتى أعاد الفسيحات ضيقاً
ألا فاحرز النفس عن غيها *** عساك تجوز الصراط الدقيقا
ودون الصراط لنا موقف *** به يتناسى الصديق الصدوقاً
فتبصر ما شئت كفا تعض *** وعيناً تسيح وقلباً خفوقاً
إذا أطبقت فوقهم لم تكن *** لتسمع إلا البكا والشهيقا
شرابهم المهل في قعرها *** يقطع أوصالهم والعروقا
أذلك خير أم القاصرات *** تخال مياسمهن البروقا
قُصرن على حب أزواجهن *** فمشتاقة تتلقى مشوقاً

  

أحكام الاعتكاف

الاعتكاف عبادة روحية لتزكية النفس وتطهير القلب والعقل من شواغل الحياة وصوارف العيش فيقطع فيه المسلم الأواب إلى ربه متحنثاً قانتاً قائماً وقاعداً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وهو تشريع قديم يدل لذلك قوله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]([134]).

وفيه تجديد لأسلوب الحياة الرتيب وسلوكها الثابت فنحن مع شهواتنا طوال العام فما أروع أن نعيش لأرواحنا بعض الوقت في رحاب الله حيث صفاء الجو للعبادة وفراغ القلب من شواغل الحياة وإقبال المسلم بكله على الله.

والاعتكاف في اللغة لزوم الشيء والمكث عنده، وفي الاصطلاح لزوم المسجد لطاعة الله.

وهو سنة وقربة إلى الله يدل لذلك الكتاب والسنة والإجماع.

فمن الكتاب قوله تعالى: [وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ]([135]).

ومن السنة ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم  يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله)([136]).

وأجمع المسلمون على مشروعية الاعتكاف في الجملة وفيه تقرب إلى الله تعالى بالمكث في بيت من بيوته وحبس للنفس على عبادة الله وقطع للعلائق عن الخلائق للاتصال بالخالق وإخلاء للقلب من الشواغل عن ذكر الله والتفرغ لعبادة الله بالتفكر والدعاء والذكر وقراءة القرآن والصلاة والتوبة والاستغفار.

والاعتكاف عمل وعبادة لا يصح إلا بشروط:

1ـ النية لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)([137]). وأي عمل لا يقوم على نية سليمة فليس بقربه إلى الله ولهذا قال أهل العلم أن لقبول العمل شرطين أساسيين النية الخالصة والمتابعة الصادقة.

2ـ أن يكون الاعتكاف في مسجد يقول تعالى: [وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ]([138]).

ويؤكد ذلك فعله صلى الله عليه وسلم حيث كان يعتكف في المسجد ولم ينقل عنه أنه اعتكف في البيت، أو غيره.

3ـ أن يكون المسجد الذي يعتكف فيه تقام فيه صلاة الجماعة لأن الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه صلاة الجماعة سيقضي إلى ترك الجماعة أو تكرر خروج المعتكف كل وقت وهذا يناف المقصود من الاعتكاف.

وللمعتكف أن يخرج لما لابد له منه كقضاء الحاجة والطهارة والطعام ولبس الثياب وله أن يخرج لعيادة المريض وتشييع الجنازة إذا كان اشترط ذلك في بدء اعتكافه.

مدة الاعتكاف:

اختلف أهل في مدة الاعتكاف هل هي يوم وليلة على الأقل أم تكفي فيه الساعة. والصحيح إن شاء الله أن أقله يوم ليلة، لأن الاعتكاف مقرون بالصيام ولا يمكن أن يصوم جزءاً من النهار.

مفسدات الاعتكاف:

يفسد الاعتكاف بالجماع لقوله تعالى: [وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ]([139]).

وبالخروج من المسجد لغير حاجة ضرورية وذكر بعض أهل العلم أنه يفسد باقتراف كل كبيرة من المعاصي والمحرمات.

هذا الاعتكاف سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم فاحرصوا بارك الله فيكم على الاقتداء بسنته لعل الله أن يرحمنا وإياكم ويتجاوز عنا وعنكم، فقد كثرت الذنوب ولم يبق إلا علام الغيوب.

جنحت شمس حياتي *** وتدلت للغروب
وتولى ليل رأسي *** وبدا فجر المشيب
رب خلصني فقد لججــ *** ــت في بحر الذنوب
وأنلني العفو يا أقـ *** ـرب من كل قريب

اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار ولا تجعلنا من المخالفين  الفجار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم وفقنا لحسن الإقبال عليك والإصغاء لأوامرك ونواهيك والتعاون على طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الأدب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضى بقضائك والصبر على بلائك والشكر على عطائك برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([140]).

  

المجلس الحادي والعشرون

فصل:

ـ من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان.

ـ أسباب شرح الصدر.

 

من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم

في رمضان

الحمد لله الواحد الماجد العظيم الدائم العالم الحاكم العليم القدير البصير النصير الحليم القوي العلي الغني الحكيم قضى فأسقم الصحيح وعافى السقيم واقدر فأعان الضعيف وأوهى القويم وقسم عباده قسمين طائع وأثيم وجعل مآلهم إلى دارين: دار النعيم، ودار الجحيم، فمنهم من عصمه من الخطايا فهو معافى سليم ومنهم من قضى له أن يبقى على الذنوب يقيم، ومنهم من يتردد بين الأمرين والعمل بالخواتيم. أحمده سبحانه أنعم علينا بالفضل الوافر العميم، وهدانا بمنه إلى الصراط المستقيم وحذرنا بلطفه من العذاب الأليم وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وعلى أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

إخوة الإيمان:

تتجدد لقاءات الخير ومجالس الإيمان، وكم تحلو هذه المجالس وتزين إذا كان الحديث فيها حول سيرة سيد الأولين والآخرين.

حديثنا هذه الليلة حول غزوة الفتح المبين. يقول الحق تبارك وتعالى: [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً]([141]).

ويقول تعالى: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً]([142]).

شغل المسلمون بعد عهد الحديبية بنشر الدعوة وعرض تعاليم الإسلام على الناس ذلك أنهم عقدوا صلحاً مع قريش بعدم الحرب وأن لكل فريق الحق في عقد الحلف مع من شاء من القبائل وكانت بنو بكر حليفة لقريش وخزاعة حليفة للمسلمين.

ولما أراد الله أمراً كان مفعولاً، امتدت بنو بكر وساعدتها قريش على خزاعة فلجأت خزاعة إلى الحرم حيث الأمان لكن بنو بكر تبعوهم وقريش تمدهم بالسلاح وهنا أصبح الصلح كأن لم يكن حيث نقضت قريش عهدها وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يستعد لفتح مكة ولكنه تكتم على الأمر وحدث ما حدث من كتاب حاطب رضي الله عنه فتداركه الرسول صلى الله عليه وسلم ببعث علي والزبير والمقداد فأحضروه من المرأة والقصة مشهورة معروفة، ثم جهز الرسول جيشه واستعد للمسير وسط تكتم بالغ وسار الجيش الإسلامي يطوي الصحراء متوجهاً إلى مكة نزلوا فأضرموا النيران ونصبوا الخيام وكان عدد الجيش في حدود عشرة آلاف مقاتل وخرج أبو سفيان وبعض أشراف قريش يتحسسون أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما رأوا النيران التي ملأت الوادي قالوا ما هذا فتبعوها حتى علموا الخبر ثم كان ما كان من إسلام أبي سفيان وبعض أصحابه ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ظافراً منتصراً وأهلها فزعون مذعورون لا يدرون ماذا يصنع بهم وناشدوا الرسول الأمان فقال قولته الخالدة على مر الزمان: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن)([143]). فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد وأصبحت أم القرى وقد قيد الرعب حركاتها وأصبح الرجال خلف الأبواب ينتظرون مصيرهم المجهول. ودخل الجيش الإسلامي من أنحاء مكة حيث دخل الرسول من أعلاها وهو على راحلته مردفاً أسامة بن زيد ومعه بلال وعثمان بن طلحة ودخل خالد بن الوليد من أسفل مكة، ودخلت سائر الفرق من أنحاء مكة، وهكذا دخل الجيش الإسلامي ظافراً منتصراً وسكنت مكة شرفها الله واستسلم سادتها وقادتها وأتباعها ورجالاتها على اختلاف أجناسهم وعلت كلمة الحق في جنباتها تدوي إلى الابد بمشيئة الله تعالى. ودخل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيده)([144]).

وصعد بلال على ظهر الكعبة ورفع الأذان مدوياً وأعلن سقوط الآلهة المزعومة وعادت الكعبة المشرفة معظمة مقدسة مطهرة تلبية لأمر الواحد المعبود [وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]([145]).

ثم ما لبث الناس بعد لقائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم يطالبون بالعفو والصفح فكان الجواب الخالد من النبي المعصوم المبعوث رحمة للعالمين: (ما ضنكم أني فاعل بكم قالوا: أخ كريم وابن كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). نعم إنه النبي الموحى إليه وليس القائد المظفر الذي يتشفى بمن عانده ولا حقه وطارده إنه الرحمة المهداة الذي لا يحمل إلا الخير حتى لألد أعدائه.

إن الدروس المستفادة من الفتح العظيم كبيرة وكثيرة فهل نعتبر ونتعظ ونحن في انتظار فتح مؤزر بمشيئة الله تعالى على ذرى الأفغان فهل تتحد الجهود وتتظافر وتتعاون الهيئات ولا تتنافر لعل الله أن يجعل بالفرج قريباً وما ذلك على الله بعزيز.

شعــراً:

      قال أبو سفيان:

لعمرك إني يوم أحمل رايه *** لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكا لمدلج الحيران أظلم ليله *** فهذا أوان الحق أهدى واهتدى
هداني هاد غير نفسي ودلني *** إلى الله من طردت كل مطرد
أفر سريعاً جاهداً عن محمد *** وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد
همُ عصبة من لم يقل بهواهم *** وإن كان ذا رأي يُلم ويُفنَّد
أريد لأرضيهم ولست بلافظ *** مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فما كنت في الجيش الذي نال عامراً *** ولا كَلَّ عن خير لساني ولا يدي

 

أسباب شرح الصدر

يقول الحق تبارك وتعالى: [فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ]([146]).

لانشراح الصدر أسباب كثيرة ينبغي على المسلم أن يأخذ بها لعل الله أن يشرح صدره للهدى وطريق الصواب فالأخذ بالأسباب من لوازم الإيمان.

ومن هذه الأسباب ما يأتي:

1ـ من أعظم أسباب شرح الصدر التوحيد وعلى قدر كماله وقوته وصفائه يكون انشراح الصدر والشرك والضلال والخرافات من أعظم أسباب ضيق الصدر عياذً بالله. يقول تعالى: [أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ

مِنْ رَبِّهِ]([147]).

2ـ النور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب ولهذا ترى أن المتمسكين بالإسلام والملتزمين بأحكامه وآدابه هم أكثر الناس طمأنينة وأكثرهم أنساً وسعادة لأنهم يتلذذون بالسعادة الدنيوية بتمام الطاعة والعبادة وهي الموصلة لهم بإذن الله إلى السعادة الأخروية.

3ـ العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه والجهل يورثه الضيق وكلما اتسع علم الشخص كلما انشرح صدره ولهذا تجد العلماء وطلاب العلم هم أشرح الناس صدوراً وأوسعهم قلوباً وأحسنهم أخلاقاً وأطيبهم عيشاً.

 4ـ الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب والإقبال عليه وكلما كان القلب مفرغاً لله كان الصدر أكثر انشراحاً ومن أعظم أسباب ضيق الصدر إعراضه عن الله ووجود محبوب غيره يزاحمه، فمن تفرد قلبه في محبة الله وصدق في الإقبال عليه حصل على رغد العيش وهناءته فلله در أقوام صدقوا في محبة الله وصدقوا في الإقبال عليه وصدقوا في اللجوء إليه فمجالسهم عامرة بذكره لا يحلون في مكان إلا وينفعون ويذكرون بالله واليوم الآخر أولئك هم المؤمنون حقاً نسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم.

5ـ دوام ذكر الله من تسبيح وتحميد وتهليل فللذكر آثار عجيبة في انشراح الصدر وسعة الخاطر وبهجة النفوس.

حدثني أحد طلبة العلم الذين يعالجون بالرقى الشرعية قال على كثرة من قرأت عليه من الناس لم أقرأ على طالب علم ولا عابد مشهور بالصلاح يقول وهذا يعني أن من عرف الله حق المعرفة وقام بحقه من ذكر وتلاوة قرآن فإن الشياطين تنفر منه وتبتعد عنه وصدق الله العظيم: [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ]([148]).

6ـ الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه بأي شكل من أشكال الإحسان، وهذا له سر عجيب في انشراح الصدر وحصول الإنس ولا يعرف ذلك إلا من يجربه، فكم من شخص قضى حاجة ملهوف أو شفع لمحتاج أو أعان مضطراً فحصل له بسبب ذلك الخير الكثير. إن مساعدة الناس وقضاء حوائجهم يزيل الهموم ويطرد الأسقام وخير الناس أنفعهم للناس وأبخل الناس أبخلهم بجاهه.

فاحرص أخي المسلم على نفع الناس وقضاء حوائجهم كلما سنحت لك فرصة لعل الله أن يفرج عنك يوم تتكاثر الخطوب والكروب وصدق الحبيب المحبوب (من نفس عن مسلم كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم   القيامة. . .)([149]).

7ـ إخراج دغل القلب من الحقد والحسد والضغينة، فهذه كلها توجب ضيقه وعذابه وتكثر همومه وغمومه، فمتى تخلص القلب من هذه الأمراض الذميمة وبرأ منها صاحب ذلك انشراحُ في الصدر وسعادة لا تعدلها سعادة.

8ـ ترك فضول الكلام والنظر والنوم والاستماع والمخالطة والأكل، فهذه متى كثرت حبست القلب وضيقت عليه فأصبح يبحث عن المخرج فلا يستطيع. ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم وما أنهم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم([150]).

نسأل الله العلي العظيم أن يرزقنا تمام محبته وذكره ووافر نعمه وشكره، وأن يرزقنا انشراحاً في صدورنا وطهارة في قلوبنا وسلامة في عقولنا وعافية في أبداننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم يا رب الأرباب ومسبب الأسباب ويا أرحم المذنب إذا انطرح بين يديه وأناب ويا مجزل الثواب على الأحباب نسألك أن تعيذنا من الهلكات، ومن دار السعير والدركات، وتباعد بيننا وبين ما فيها من الأغلال واللفحات وأن تجعلنا ممن يتنعم برياض الجنات.

اللهم يا رحمن يا رحيم يا غفار أعذنا من دار البوار وخفف ظهورنا من حمل الأوزار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([151]).

 

المجلس الثاني والعشرون

فصل في:

ـ صيام الجوارح.

ـ يسر الإسلام في الصيام.

  

صيام الجوارح

الحمد لله الذي تسبحه البحار الطوافح والسحب السوافح والأبصار اللوامح والأفكار والقرائح العزيز في سلطانه الكريم في امتنانه سائر المذنب في عصيانه رازق الصالح والطالح يعلم خافية الصدر وما فيه من سر أضمرته الجوارح أنزل القطر بحكمته وصبغ لون النبات بقدرته وخالف بين المطعومات بمشيئته وأرسل لواقح موصوف بالسمع والبصر يرى في الجنة كما يرى القمر والدليل على ذلك جلي واضح.

أحمده سبحانه على تسهيل المصالح وأشكره على ستر القبائح وأصلي على المبعوث رحمة للعالمين أفضل غاد وخير رائح صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

أخوة الإيمان من الصائمين والصائمات.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. . . وبعد.

يتسأل كثير من المسلمين عن صيام الجوارح كيف يكون ونقول لهم إن ملك الجوارح هو القلب فمتى صام صياماً شرعياً فرض ذلك على بقية الجوارح. يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

فصلاح القلب حياة لصاحبه وسعادة في الدنيا والآخرة وموته والعياذ بالله هلاك ودمار في الدنيا وعذاب أليم في العقبى والقلوب تصح وتمرض كالأبدان سواء فهنيئاً لمن حافظ على سلامة قلبه من الأمراض وقاده حتى أوصله إلى أعلى الجنان.

نعم يا أصحاب القلوب السلمية لكل مخلوق قلب ولكنهما قلبان قلب صحيح سليم مشرق بالإيمان مفعم بمحبة الله ورسوله وصالح المؤمنين يعرف المعروف وينكر المنكر.

وقلب ميت تتخطفه سهام المعاصي من كل مكان لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً. قلب المؤمن يصوم في رمضان وغيره وصيامه يكون بتفريغه من المادة الفاسدة من شركيات مهلكة ومن اعتقاد باطل ومن وساوس سيئة ومن نوايا خبيثة ومن خطرات موحشة.

قلب المؤمن يصوم عن الكبر لأن المؤمن يجلله التواضع ويكمله حسن الخلق ويرفعه لين الجانب ويعليه عند الناس قضاء حوائجهم. قلب المؤمن يصوم عن العجب لأنه بداية النهاية وكم من إنسان أعجب برأيه فهلك وهل كان الضلال والبعد عن الطريق المستقيم إلا ناتجاً من العجب والعياذ بالله.

قلب المؤمن يصوم عن الحسد لأن الحسد يحبط الأعمال الصالحة ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

قلب المؤمن ميزان يزن به الناس فيرتفع عنده الصالحون من أي جنس أو لون أو في أي موقع. وينحط أقوام لأنهم بعدوا عن الله ولو كانوا من أقرب الناس إليه وألصقهم به وصدق الله جل وعلا: [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]([152]).

نعم أيها المؤمنون التفاضل بالتقى والعمل الصالح وليس بالجنس والعرق والأرض فكم جرت علينا هذه النعرات من الخراب والدمار وضياع الشرف والعرض وابتعاد الأخيار وطغيان الأشرار.

شعــراً:

ألست الذي قربت قوماً فوافقوا *** ورفقتهم حتى أنابوا وأسلموا
فقلت استقيموا منةً وتكرماً *** وأنت الذي قومتهم فتقوموا 
لهم في الدجى أنس بذكرك دائماً *** فهم في الليالي ساجدون وقوم
نظرت إليهم نظرة بتعطف  *** فعاشوا بها والخلق سكرى ونوم
لك الحمد عاملنا بما أنت أهله *** وسامح وسلمنا فأنت المسلم

  

صيام اللسان

ومن أهم الجوارح وأخطرها اللسان تلك الجارحة التي تنطق بكلمة الإيمان أو الكفر وتعمر أو تدمر وتصلح أو تفسد وتبني شرفاً أو تهدمه.

اللسان يوردك الجنة أو يقذف بك في النار والعياذ بالله وصدق معلم البشرية وقائدها وأطهرها لساناً وأصدقها مقالاً (ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)([153]).

هل تعلم أيها المسلم أن كل كلمة نطقها مسجلة عليك سواء كانت في طريق البناء والإصلاح أو في طريق الضياع والدمار.

هل تعلم أن هناك رقيباً يسجل عليك في كل مجلس تجلسه: (هل حاسبت نفسك يوماً ما وتصورت ما نطقت به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس) [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]([154]).

أيها الصائمون:

هل صام من أكل لحوم الناس ونهش أعراضهم وأفسد فيما بينهم.

هل صام من كانت مجالسه عامرة بأذية المسلمين وهنك محارمهم ونشر الرذيلة بينهم.

هل صام من رأى المنكر فأطرق وكأنه لا يرى؟

هل صام من أطلق لسانه بالقيل والقال وقذف الأبرياء وتشويه سمعة الأتقياء؟

هل صام من أحيا العصبيات الهالكة وهيأ لها الأجواء لتأتي على الأخضر واليابس؟

هل صام من قضى نهاره بالسب والشتم والتستر على المجرمين والدفاع عنهم؟

أيها الصائمون:

رطبوا ألسنتكم بذكر الله وعطروا مجالسكم بتلاوة القرآن وزينوا أوقاتكم بالسعي في إصلاح ذات البين ووجهوا من تحت أيديكم لعل الله أن يرحمنا وإياكم ويأخذ بأيدينا ويهدي الجميع صراطه المستقيم.

 

يسر الإسلام في الصيام

القاعدة العامة أن دين الله يسر ولا عسر فيه وأنه سبحانه لا يكلف النفوس بما يعنتها أو يشق عليها: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([155]).

[يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]([156]).

وتحقيقاً لهذا المبدأ المجمع عليه عند عامة المسلمين جعل الله المسلمين أمام الصوم طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى:

هي طائفة المقيمين الأصحاء القادرين على الصوم بلا ضرر ولا مشقة السالمين من الموانع الشرعية فهؤلاء يجب عليهم أن يصوموا شهر رمضان ومن حاول منهم أن ينتهك حرمة الشهر بالإفطار وبجرح المسلمين في شعورهم فقد باء بسخط من الله ووجب على ولاة الأمر أخذه بالعقوبة الصارمة التي تكون رادعة له ولأمثاله من ضعاف النفوس ومرضى القلب.

وصيام هؤلاء أداء في وقته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]([157]).

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الهــلال فصوموا)([158]).

وأجمع المسلمون على وجوب الصوم إداء على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم سالم من الموانع.

الطائفة الثانية:

وهي طائفة المرضى والمسافرين وهؤلاء إن أفطروا فعليهم قضاء ما أفطروا في أيام أخر يدل لذلك قوله تعالى: [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]([159]).

وهذا تيسير من الله جل وعلا ورفع للحرج والمشقة التي تصاحب السفر عادة لكن متى ما تعرض المريض أو المسافر للضرر من الصيام فيجب عليهما الفطر ولو صاما لكان صيامهما حينئذ إعراضاً عن الرخصة وهي هدية من الله جل وعلا يقدمها لعباده ليرتفقوا بها تخفيفاً عليهم ومن أعرض عن رخصة الله تزمتاً كان عاصياً لأنه يلقي بنفسه في التهلكة ويلزمها شيئاً ليس يلزمها في شرع ولا دين، والله جل وعلا يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تنتهك محارمه، ومن تمام رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يقيد السفر أو المرض الذين يبيحان الفطر بل أطلق ذلك ليكون الفيصل فيهما هو العرف فما عده العرف سفراً جاز فيه الفطر بل أطلق وحده عند عامة أهل العلم ـ إحدى وثمانون ـ كيلو متراً وما عده العرف مرضاً جاز فيه الفطر فلا يفطر بالصداع الخفيف أو الارتفاع البسيط في درجة الحرارة أو وجع العين أو الضرس أو غيرهما مما لا يسمى في عرف الناس مرضاً.

قال البخاري رحمه الله: اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه فقال لي أفطرت يا أبا عبدالله قلت: نعم ، فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة فقلت حدثنا عبدالله بن المبارك عن عبدالله بن جريج قال: قلت لعطاء من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً]([160]).

قال البخاري: (وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق أي أنه كان يرى هذا فهماً من الآية واجتهاداً وقد تأيد الحديث فهي رخصة عظيمة لا يأباها إلا من يضع نفسه موضع المشرع الحكيم)([161]).

هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم أو يفطر في السفر؟

ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صام وأفطر في السفر حسب مقتضيات الأحوال وتغليباً للمصلحة الراجحة.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة)([162]).

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه([163]).

فائدة:

إذا قدم المسافر إلى بلده في وسط النهار وقد أفطر أوله في السفر فهل يلزمه إمساك بقية اليوم أو لا. في ذلك قولان مشهوران لأهل العلم.

أحدهما: قالوا يجب عليه الإمساك بقية يومه ويلزمه القضاء يمسك حرمة للزمن فإن عذره زال بوصوله بلده ويقضي هذا اليوم لأن صيامه فيه غير صحيح إذا لم يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

والقول الثاني: قالوا لا يلزمه الإمساك بقية اليوم إذ لا معنى لصيامه طرف النهار وعليه القضاء وهذا هو الأظهر وهو الذي عليه الدليل شريطة ألا يأكل أمام الناس لئلا يتهم في دينه والله أعلم.

اللهم اجعل التقوى لنا أربح بضاعة ولا تجعلنا في شهرنا هذا من أهل التفريط والإضاعة وآمن خوفنا يوم تقوم الساعة. واجعلنا في رياض الجنة متنعمين وأمتنا على التمسك بهدى خاتم النبيين واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا ومن له حق علينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين([164]).

 

المجلس الثالث والعشرون

فصل في:

ـ صيام بقية الجوارح.

ـ صيام أهل الأعذار

 

صيام بقية الجوارح

الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب، وفتح لهم من خزائن رحمته وجوده كل باب، أنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين نوره حجاب هدى أولئك بفضله ورحمته وأضل الآخرين بعدله وحكمته إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، وأشهد ألا إله إلا الله الملك العزيز الوهاب وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بأجل العبادات وأكمل الآداب ـ صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين المآب.

عباد الله:

وهناك جوارح غير القلب واللسان يجب أن تصوم وتمسك عن الحرام لئلا تكون وبالاً يوم العرض على الله يوم تشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وأفخاذهم وسمعهم وأبصارهم بما كانوا عاملين.

ومن هذه الجوارح العين.

وصيام العين غضها عن الحرام وإغماضها عن الفواحش والآثام إذا رأت منكراً أنكرته وإذا رأت معروفاً باركته وصدق الله: [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ]([165]).

وفي غض البصر وحبسه فوائد:

1ـ طاعة المولى جل وعلا بتنفيذه أمره واجتناب نهيه.

2ـ سلامة القلب وجمع شمله وبعده عن التفكير والتشتت لأن الاقتصار على الحلال جمع للفكر والقلب.

3ـ البعد عن الفتن والخطايا وكم من نظرة كانت سبباً لجريمة عصفت بأسرة كاملة.

4ـ الفتح على البعد بالعلم النافع والعمل الصالح وكلما كان المسلم من ربه قريباً كان لعطائه أهلاً.

5ـ فرقان من الله يعطيه من حبسوا أبصارهم عن الحرام يفرقون به بين الخير والشر والحق والباطل فهنيئاً لهم هذا النعيم وسلام عليهم في الأولين والآخرين.

نعم أيها الصائمون والصائمات:

العين تصوم في كل وقت ولكنها في رمضان تصوم صياماً من نوع خاص تصوم عن الخطرات والنظرات وتحبس نظرها على النافع من المواعظ والزواجر من الآيات.

العين تصوم ليس في إغلاقها عن النظر بل في تسريحها في هذا الكون الفسيح تتأمل وتفكر وتخشع وتخضع لعظمة الخالق الحي القيوم.

صيام الآذان

الأذن رسول للخير إن استخدمت في طاعة الله، ورسول للشر إن صرفت لمعصية الله، الأذن مسئولة عن كل كلمة استمعتها وهمسة أنصتت لها وصدق الله: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً]([166]).

الأذن تصوم عن سماع الفواحش من القول والبذيء من الكلام. وتصوم عن الغناء الداعي إلى الرذيلة وبئس المرام.

الأذن تصوم عن أذية المسلمين والنكاية بالموحدين.

الأذن تفطر على سماع الهدى والذكر وطيب الكلام، الأذن تسمع الخير وتألفه وترغبه، وتلك أذن المسلم النقي، أما أولئك الذين عطلوا هذه الجارحة فلم يسمعوا بها إلا الحرام والعياذ بالله فقد حكى الله عنهم ذلك في قوله: [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ]([167]).

هم يسمعون لكنهم لا يسمعون سماع موعظة ولا يعتبرون ولا يتعظون وبالتالي لا يعلمون ولذا فهم كالأنعام لأنها لا تستفيد مما تسمعه بل نعى الله عليهم وجعلهم أحط قدراً من الأنعام تدعى أحياناً لمكان علفها فتجيب،   وتدعى إلى الماء فتجيب وأما أولئك فيسمعون داعي الهدى لكنهم لا يستجيبون. والبطن يصوم عن اللقمة الحرام فلا يستحر على حرام ولا يفطر على حرام لأن طيب المطعم هو عين الصيام المعنوي ولهذا أرشد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل الذي طلب أن يكون مجاب الدعوة إلى إطابة المطعم (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)([168]).

وذكر في الحديث الآخر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له([169]).

كيف يصوم البطن الذي يأكل الحرام، كيف يصوم البطن الذي امتلأ بالربا والله في محكم التنزيل: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([170]).

ويقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ]([171]).

فاحرصوا بارك الله فيكم على طلب الرزق الحلال من أبوابه المشروعة ليكون صيامكم وعملكم بمشيئة الله متقبلاً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

شعــراً:

وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة *** ليوم به تبدو عياناً جهنم
وينصب ذاك الجسر من فوق متنها *** فهاو ومخدوش وناج مسلم
ويأتي إله العالمين لوعده *** فيفصل ما بين العباد ويحكم
ويأخذ للمظلوم ربك حقه *** فيا بؤس عبد للخلائق يظلم
وينشر ديوان الحساب وتوضع *** الموازين بالقسط الذي ليس يظلم
فلا مجرم يخشى ظلامة ذرة *** ولا محسن من أجره ذاك يهضم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى *** كذاك على فيه المهيمن يختم

 

صيام أهل الأعذار

مر معنا في الفصل طائفتين من طوائف الناس في الصيام.

الطائفة الأولى: يجب عليها الصوم وهم الأصحاء القادرون المقيمون السالمون من الموانع.

والطائفة الثانية: يباح لهم الفطر وأحياناً يستحب لها وأحياناً يجب عليها كما مر وهم المرضى والمسافرون.

والطائفة الثالثة: هم الذين يرخص لهم في الفطر مع الفدية وهم الذين تشير إليهم الآية الكريمة: [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ]([172]).

وهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى شفاؤه فهؤلاء يرخص لهم في الفطر إذا كان الصيام يرهقهم ويشق عليهم مشقة شديدة في جميع فصول السنة وعليهم الفدية وهي إطعام مسكين كما حددت الآية ومقدارها مد من البر الجيد (2/1 562) غراماً حسب ما ظهر لي لأن الصاع يزن كيلوين وربع الكيلو([173]) والله أعلم.

ويطعم المسكين من غالب قوت البلد وله الخيار بين تفريقه حباً على المساكين وبين أن يصنعه ويطعمهم إياه.

روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ] قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً([174]).

الحائض والنفساء:

وهم المعذورين عن صيام الحائض والنفساء فيحرم عليهما الصوم ولا يصح منهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن: بلى قال: فذلك نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها)([175]).

والحيض دم طبيعي يخرج من المرأة ويحبس أحياناً يتغذى به الجنين وهذا من تمام نعمة الله جل وعلا. وهذا الدم الفاسد يتحول غذاء نافعاً للجنين في بطن أمه وللرضيع لبناً طبيعياً خالياً من الأمراض والعلل.

ومتى حاضت المرأة ولو قبيل غروب الشمس بدقائق لزمها قضاء ذلك اليوم ولم يصح صومها فيه.

وإذا طهرت أثناء النهار لم يلزمها الإمساك على الراجح من كلام أهل العلم إذ لا معنى لصيامها بعض النهار وقد أفطرت بعضه.

والنفساء تأخذ حكم الحائض وعليهما القضاء بقدر الأيام التي يفطرانها.

ولو طهرت الحائض أو النفساء قبيل طلوع الفجر لزمها الصيام ولو لم تغتسل لأن الحكم مرتب على وقوف الدم وليس على الاغتسال، وهنا ينبغي أن تحتاط أخواتنا المؤمنات لهذه المسائل إذ كثيراً ما ترد الأسئلة حول الطهارة وتمامها وحول بدء الحيض، وعلى الأمهات أن يتفقدن أحوال بناتهن الصغيرات اللاتي هن مظنة البلوغ إذ قد تستحي الصغيرة ولا تخبر أهلها وهذا خطأ شنيع وكم سمعنا من فتيات بعدما كبرن سألن عن أيام لم يصمنها في بدء بلوغهن فليتق الله أولياء الأمور ويتابعوا من استرعاهم الله عليهم ويدلوهم على الطريق المستقيم ويوضحوا لهم ما خفي عليهم من أحكام الطهارة والصلاة ومن جهل فليسأل: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ]([176]).

الحامل والمرضع:

وممن لهم العذر في ترك صيام رمضان الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما من الصوم فإنهما تفطران وتقضيان.

وهل تطعمان مع القضاء قولان لأهل العلم يدل لذلك ما رواه أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى)([177]).

ويلحق بهؤلاء المعذورين من أفطر لإنقاذ معصوم كمن غرق في ماء أو اشتعلت فيه النار أو سقط عليه بناء وغيرهم إذا توقف إنقاذ المعصوم على فطره وتعين عليه وحده كأن لا يوجد غيره وجب عليه الفطر لكن ينبغي ألا يتوسع الناس في ذلك بل يقتصرون على الأمور الضرورية وخصوصاً العاملين في الدفاع المدني ينبغي لهم ألا يفطروا إلا إذا نالهم مشقة وتعب شديدين، أمال مجرد ذهابهم لإخماد حريق فليس مبرراً لإفطارهم.

اللهم اغفر لنا ذنوباً حالت بيننا وبين ذكرك واعف عن تقصيرنا في طاعتك وشكرك وأدم علينا لزوم الطريق إليك وهب لنا نوراً نهتدي به إليك. اللهم أذقنا حلاوة مناجتك واسلك بنا سبيل أهل مرضاتك اللهم انقذنا من دركاتنا وأيقظنا من غفلاتنا وألهمنا رشدنا وأحسن بكرمك قصدنا اللهم احشرنا في زمرة المتقين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على نبيننا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([178]).

  

المجلس الرابع والعشرون

فصل في:

ـ الرياء.

ـ ووصف الجنة.

  

الريـــاء

الحمد لله الذي عصم أولياءه عن أسباب العذاب وهداهم لما يسعدهم وكشف عن بصائرهم الحجاب وخذل أعداءه وخلا بينهم وبين الهوى والشيطان الماكر الكذاب أرسل رسله مبشرين ومنذرين مبشرين لعباده المؤمنين بالرحمة ومنذرين الكافرين بالعذاب، أحمده حمد معترف لرب الأرباب ومسبب الأسباب وغافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وأشكره على نعمه التي لا تحصى إلى يوم الحساب وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين شرفه ربه بإنزال الكتاب وعلى أصحابه وأتباعه ذوي العقول والألباب.

إخوتي الصائمين والصائمات.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

درسنا لهذه الليلة حول معصية كبيرة وسلاح من أسلحة الشيطان الفتاكة يغزو به الصالحين قبل أهل الفساد ذلك السلاح هو الرياء أعاذنا الله منه.

يقول تعالى: [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً]([179]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جزيء قفد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن تنفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)([180]).

وعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع سمع الله به ومن يراء يراء الله به)([181]).

الرياء:

فعل شيء من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغير الله وهو أنواع كثيرة منها الرياء البدني كإظهار النحول والشحوب ليظهر للناس أن العبادات أثرت عليه.

والرياء العملي كمراءاة المصلي بطول القيام والركوع والسجود.

والرياء بالقول كحفظ طرف من العلوم ليتحدث الناس عن علمه وتحسين تلاوته للقرآن ليقال فلان قارئ، والرياء من جهة اللباس ثياباً غير جميلة ولا نظيفة ليقال فلان زاهد.

والرياء بالأصحاب والزوار كمن يتكلف أن يستزير عالماً ليقال أن العالم زار فلاناً.   اللهم اعصمنا من الرياء بجميع أنواعه ولا تفتنا فيه يا سميع الدعاء.

وأسباب الرياء كثيرة ترجع على أمور ثلاثة:

1ـ حب لذة الحمد.

2ـ الفرار من الذم.

3ـ الطمع فيما في أيدي الناس.

يؤيد هذا ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله. قال صلى الله عليه وسلم (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)([182]).

فقوله يقاتل شجاعة أي ليذكر ويحمد.

وقوله يقاتل حمية أي يأنف من القهر ويفر من الذم.

وقوله يقاتل رياء أي ليرى مكانه طلباً للجاه والمكانة.

وإن من أخطر أبواب الرياء: الرياء العلمي فكثير من الناس يتساهل بالفتوى ويستعجل الإجابة لئلا يقال أنه لم يعرف وهذا هو ديدن أدعياء العلم المتشبعين بما لم يعطوا فليحذر المسلم من ذلك وليعلم أنه يوقع عن الله في إجابته فليحرص أن يخلص نفسه قبل أن يُخلصَ السائل فوالله ليأتين يوم تندم على ما فرطت فيه من إجابة. لقد كان السلف يكرهون الإجابة ويتدافعون الفتيا رغبة في السلامة.

ولكن البلاد إذا اقشعرت *** وصوح نبتها رعي الهشيم

ومن علامات الرياء الشهيرة:

تأخير العبادة عن وقتها: [فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ]([183]).

والقيام بالعبادة بخمول وكسل وعدم إعطائها حقها من أركان وشرائط وواجبات:    [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً]([184]).

وللرياء خطورة كبيرة فهو يهدم العمل الصالح ويقضي عليه ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويؤثر على الفرد والمجتمع تأثيراً عجيباً فهو من أسباب الهزيمة النفسية للأمة يكسوها بالخواء الروحي ويفقدها لذة المناجاة والعبادة.

فليحرص المسلم على علاج نفسه متى أحس بتغلغل الرياء إليها وذلك بمعرفة طرقه ومسالكه وسد الطريق على الشيطان الرجيم وإخفاء العمل وعدم الاكتراث بمدح الناس وثنائهم وبذلك لا يجد الرياء إلى المسلم طريقاً.

أسأل الله أن يعصمنا من هذا الداء الخطير وأن يخلص الأمة من شروره وويلاته.

شعــراً:

يا بائعاً نفسه بيع الهوان لو *** استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب
وبائعاً طيب عيش ما له خطر *** بطيف عيش من الآلام منتهب
غبنت والله غبناً فاحشاً ولدى *** يوم التغابن تلقى غاية الحرب
ووارداً صفو عيش كله كدر *** أمامك الورد حقاً ليس بالكذب
وحاطب الليل في الظلماء منتصباً *** لكل داهية تدنى من العطب
فأفرش الحذ ذياك التراب وقل *** ما قاله صاحب الأشواق والحقب
وأسر في غمرات الليل مهتدياً *** بنفحة الطيب لا بالعود والحطب
وخذ لنفسك نوراً تستضيء به *** يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب

 

وصف الجنة

يقول تعالى: [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ]([185]).

قال ابن القيم رحمه الله: فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفران وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنه من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من هذب وفضة لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن ثمرها فأمثال القلال الين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل وإن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، وإن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، وإن سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور، وإن سألت عن آنيتهم فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير، وإن سألت عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، وإن سألت عن تصفيف الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها، وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع مائة عام لا يقطعها، وإن سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه وسروره وقصوره وبساتينه ألفي عام، وإن سألت عن خيامها وقبابها فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلاً من تلك الخيام، وإن سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وإن سألت عن ارتفعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار، وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب،  وإن سألت عن فرشها فبطائنها من استبرق مفروشة في أعلى الرتب، وإن سألت عن أرائكها فهي الحجال مزررة بأزرار الذهب فما لها من فروج ولا خلال، وإن سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر، وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث وثلاثين على صورة آدم عليه السلام أبي البشر، وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين وأعلى منها خطاب رب العالمين، وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب تسير بهم حيث شاءوا من الجنان، وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب اللاتي جرى في أعضائهن ماء الشباب فللورد والتفاح ما لبسته الخدود وللرمان ما تضمنته النهود وللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور وللرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين وإذا حادثته فما بمحادثة الحبيب وإن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها صيقلها، ويرى مخ ساقها من وراء اللحم ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحاً ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً ولتزخرف لها ما بين الخافقين ولأغمضت عن غيرها كل عين، وصالها أشهى إليه من جميع أمانيها لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً ولا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالاً مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها ولا يخلق ثوب جمالها ولا يمل طيب وصالها قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمع لأحد سواه وقصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته وهواه إن نظر إليها سرته وإن أمرها بطاعته أطاعته وإن غاب عنها حفظته فهو معها في غاية الأماني والأمان. هذا ولم يطمثها قبله إنس ولا جان كلما نظر إليها ملأت قلبه سروراً وكلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤاً منظوماً ومنثوراً وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نوراً وإن سألت عن السن فأتراب في أعدل سن الشباب ، وإن سألت عن الحسن فهل رأيت الشمس والقمر، وإن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور، وإن سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان، وإن سألت عن النهود فهي الكواعب نهودهن كألطف الرمان، وإن سألت عن اللون فكأنه الياقوت والمرجان، وإن سألت عن حسن الخلق فهن الخيِّرات الحسان اللاتي جمع لهن بين الحسن والإحسان فأعطين جمال الباطن والظاهر فهن أفراح النفوس وقرة النواظر، وإن سألت عن حسن العشرة ولذة ما هنالك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج.

وحديثها السحر الحلال لو أنه *** لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي حدثت *** ود المحدث أنها لم توجز([186]).

اللهم ارزقنا الخلود في الجنات وتجاوز عنا كثير السيئات وضاعف لنا قليل الحسنات. وأجزل لنا العطايا والهبات وأنقذنا من حضيض الدركات وارفع لنا ذكرنا في عليين وأعطنا كتابنا باليمين، واحشرنا في زمرة سيد المرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل. اللهم اجمعنا ووالدينا وأحبابنا ومشايخنا ومن له حق علينا وجيراننا وأحبابنا في جنات النعيم يا علي يا عظيم. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  

المجلس الخامس والعشرون

فصل في:

ـ أحكام الزكاة.

ـ من أسباب دخول النار.

  

أحكام الزكاة

الحمد لله الذي يمحو الزلل ويصفح ويغفر الخطل ويسمح كل من لاذ به أفلح وكل من عامله يربح رفع السماء بغير عمد فتأمل والمح وأنزل القطر فإذا الزرع في الماء يسبح والمواشي بعد الجدب في الخصب تسرح وأقام الورقَ على الورَقِ تُسبِّح أغنى وأفقر وربما كان الفقر أصلح فكم من غني طرحه الأشر والبطر أقبح مطرح هذا قارون ملك الكثير لكنه بالقليل لم يسمح نُبه فلم يستيقظ وليم فلم ينفعه اللوم إذ قال له قومه لا تفرح أحمده ما أمسى النهار وما أصبح وأشهد ألا إله إلا الله الغني الجواد منّ بالعطاء الواسع وأفسح، وأشهد  أن محمداً عبده ورسوله الذي جاد الله بنفسه وماله وأبان الحق وأوضح صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما لاح في الأفق برق وألمح.

أيها الأخوة في الله.

درسنا لهذه الليلة حول فريضة من فرائض الإسلام فرط فيها بعض المسلمين وتساهل فيها بعضهم والأمة الإسلامية في هذه الأوقات في أمس الحاجة إلى إقامة هذه الفريضة على وجهها الصحيح.

درسنا هذه الليلة حول الركن الثالث من أركان الإسلام حول الزكاة فنقول: الزكاة حق واجب في مال مخصوص لطائفة معينة في وقت معلوم.

وهي أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام وهي قرينة الصلاة وهما قرينتا التوحيد.

وقد أجمع المسلمون على فريضتها فمن أنكر وجوبها مع علمه فهو كافر خارج من ملة الإسلام ومن بخل بها أو نقص شيئاً منها فهو من الظالمين المعترضين لعقوبة الله ومقته وغضبه والعياذ بالله. يقول الله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]([187]).

ويقول تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]([188]).

ويقول تعالى: [فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ]([189]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلاً)([190]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فلما ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)([191]).

وفي أداء الزكاة تزكية لنفس المؤمن من أوضار الذنوب وآثارها السيئة [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا]([192]).

وفيها كفاية الفقير المسلم وسد حاجته ومواساته وإكرامه.

وفيها تطهير المال وتنميته والمحافظة عليه ووقايته من الآفات.

والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف:

الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار لقوله تعالى : [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ]  وأعظم حقوق المال الزكاة.

وقال صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء أو كان عشرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر)([193]).

ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصاباً وهو خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً والصاع زنته بالبر الجيد كيلوان وربع الكيلو فيكون النصاب ستمائة وخمسة وسبعين كيلو (675). فمال سقي بالكلفة كالمكائن والرشاشات وغيرهما ففيه نصف العشر وما سقي بدون كلفة ففيه العشر كالزرع على مواقع السيول وغيرها.

الثاني: بهيمة الانعام وهي الإبل والبقر والغنم إذا كانت سائمة ترعى المباح أكثر الحول وقد أعدت للدر والنسل فتجب فيها الزكاة إذا بلغت نصاباً. وأقله في الإبل خمس وفي البقر ثلاثون وفي الغنم أربعون فإن كانت سائمة معدة للبيع والشراء فهي عروض تجارة مثلها مثل بهيمة الأنعام الموجودة في المزارع وغيرها وهي معدة للبيع والشراء.

أما إن أعدت للأكل والأضاحي فلا زكاة فيها.

الثالث: الذهب والفضة يقول تعالى: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ]([194])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فاحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد)([195]).

والمراد بحقها الزكاة كما فسرته الرواية الثانية (لا يؤدى منها زكاتها).

وتجب الزكاة في الذهب والفضة والنقود التي تقوم مقامها ونصاب الذهب عشرون مثقالاً والمثقال يزن (2/1 3) جراماً فيكون النصاب بالجرامات سبعين جراماً (70).

ونصاب الفضة مائتا درهم والدرهم يزن(3/10 3) جراماً فيكون النصاب بالجرامات أربعمائة وستين جراماً(460).

وهكذا النقود تأخذ حكم الذهب والفضة مع مراعاة مصلحة الفقير فمن كان عنده عملة ورقية قاسها على النصاب الأقل من النقدين وأخرج ربع عشرها وعلى المسلم أن يزكي الدين في أيدي الناس له وهو مخير بين أن يزكيه كل سنة مع ماله وبين أن يؤخره ويزكيه إذا قبضه لما مضى، وهذا إذا كان الدين على ملئ قادر على الوفاء، أما إذا كان الدين على معسر أو مماطل لا يستطيع استيفاء حقه منه فلا يزكيه إلا إذا قبضه لسنة واحدة فقط ولو جلس الدين عند المعسر أو المماطل عشرات السنين والله أعلم.

ولا زكاة في الحلي المستعمل شريطة ألا يكون خارجاً عن العرف والعادة وأن تستعمله المرأة ولو مرات قليلة خلال العام ما دام في أصله معداً للاستعمال أما أولئك النساء اللاتي يفيض المال في أيديهن فيمسكنه بشراء الحلي فهذا داخل في الكنز فعليهن زكاته كغيره من الأموال.

الرابع: عروض التجارة وهي كل ما أعد للتكسب والتجارة من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات وغيرها من جميع أصناف المال فيقومها كل سنة ويُخرج منها ربع العشر ولا زكاة فيما أعده المسلم لحاجة نفسه من مسكن وملبس وفراش ومركب وحلي مباح مستعمل لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)([196]).

وتجب الزكاة في أجرة ما أعد للأجرة من سيارات وعقارات وغيرها إذا حال عليها الحول فلو قبض أجرة العمارات أو النقليات وأنفقها ولم يحل عليها الحول فلا زكاة فيها والله أعلم.

شعــراً:

نسيت لظى عند ارتكابك للهوى *** وأنت توقى حر شمس الهواجر
كأنك لم تدفن حميماً ولم تكن *** له في سياق الموت يوماً يحاضر

 وقال آخر:

من كان حين تصيب الشمس جبهته *** أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته *** فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
في ظل مقفرة غبراء مظلمة *** يطيل تحت الثرى في غيها اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به *** يا نفس قبل الردى لم تخلفي عبثا

 

من أسباب دخول النار

يقول تعالى: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ]([197])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها من نار جهنم فيكوى بها جنبه وحبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما الجنة وإما إلى النار) قيل يا رسول الله فالإبل قال: (ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصلاً واحداً تطؤه بأخفاقها وتعظه بأفواهها كلما مر عليه أولادها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح بها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها شيئاً ليس عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). قيل: يا رسول الله فالخيل قال ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخراً ونواءً لأهل الإسلام فهي له وزر وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد روثها وأبوالها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله تعالى عدد ما شربت حسنات) قيل: يا رسول الله فالحمر قال: (ما أنزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه]([198]).

أرأيت أخي المسلم كيف يكون مصير مانع الزكاة. أين الذين يتساهلون بهذا الركن العظيم ألا يتعظون ويعتبرون ويخشون الوقوف بين يدي الحي القيوم ألا يتذكرون الصراط وزلته والميزان ورجحته، ألا يعتبرون بمن مات وخلف وراءه الأموال الكثيرة التي صارت وبالاً عليه، عليه غرمها ولغيره غنمها.

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة *** عليه مضي طفل وكهل وأشيب
ولكن علا الرانُ القلوب كأننا *** بما قد علمناه يقيناً نكذب
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها *** وعلَّ الردى مما نرجيه أقرب
ونسعى لجمع المال حلاً ومأثماً *** وبالرغم يحويه البعيد وأقرب
نحاسب عنه داخلاً ثم خارجاً *** وفيم صرفناه ومن أين يكسب

اللهم طهرنا من حقوق خلقك علينا وتجاوز عنا ما لك من الحقوق اللهم خلصنا من ظلامات الخلق وبارك لنا في الرزق وجمل رقابنا بالعتق وزين أقوالنا بالصدق وطهر أفعالنا من الفسق. اللهم أطب مطعمنا وزك نفوسنا وطهر أموالنا. وأعظم عندك قدرنا وثقل يوم العرض موازيننا، اللهم لذنا ببابك فأرحم ضعفنا واجبر كسرنا وأرحم ذلنا اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([199]).

 

المجلس السادس والعشرون

فصل في:

ـ رسالة إلى أختي المسلمة.

ـ ورمضان شهر الجود والكرم.

  

رسالة إلى أختي المسلمة

الحمد لله معز من أطاعه وأتقاه ومذل من أضاع أمره وعصاه مجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهادي من توجه إليه واستهداه ومحقق رجاء من صدق في معاملته ورجاه من أقبل إليه صادقاً تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما تمناه ومن لاذ بحماه حماه ومن توكل عليه كفاه.

أحمده حمداً يملأ أرضه وسماه وأشكره على جزيل فضله وسوابغ نعماه وأشهد ألا إله إلا الله لا معبود بحق سواه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه وأسرى به إلى السماء وأراه من الأسرار ما أراه وقربه إليه وشرفه وأدناه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبع هداه.

أخوة العقيدة:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. . .

يطيب لنا في هذه الليلة المباركة أن يكون درسنا رسالة عاجلة إلى الأخت المسلمة أماً وزوجة وأختاً وبنتاً وقريبة.

أختي المسلمة: إن دخولك المسجد وتأديتك الصلاة مع المسلمين في هذا الشهر المبارك دليل قاطع على سلامة توجهك وحرصك على الخير فهنيئاً لك الأجر الجزيل بمشيئة الله تعالى. يقول تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([200]). المؤمنون والمؤمنات كل منهم عليه مسئولية منوطة به عليه أن يقوم بها على أتم وجه وأكمله.

فمتى قمت أيتها الأخت المؤمنة بواجباتك حصلت لك السعادة في الدنيا والفلاح والفوز في العقبى بمشيئة الله تعالى.

1ـ حافظي على الصلوات الخمس بركوعها وسجودها تطمئنين فيها وتخشعين وتكونين بعيدة عن عبث الأولاد وصخبهم وحذار أيتها الأخت الفاضلة أن تكون الصلاة هي آخر ما في حساباتك تقدمين حاجة البيت عليها ولا تقومين لها إلا مهمومة مغمومة يعلوك الكسل ويجللك الفتور فذلك من شعارات المنافقين والمنافقات عياذً بالله.

2ـ حافظي على السنن والرواتب ولا زمي الأذكار والأدعية ولا تصدري إلا كلاماً طيباً وإياك والدعاء على أولادك والظهور أمامهم بالمظهر غير اللائق من كل وجه.

3ـ طاعة زوجك طاعة تامة بالمعروف وعليك بتلبية مطالبه والقيام بحاجاته وتحسس مرغوباته وتحقيقها قبل طلبها فهذا من تصرف المرأة الحازمة العاقلة واحرصي على تطويق أي خلاف مع زوجك قبل أن يستفحل ويخرج للآخرين والمرأة المخلصة تعرف كيف تعامل زوجها بالأدب والعشرة الكريمة وتكون له أماً وأختاً وزوجة.

4ـ احرصي على تربية أولادك وذلك بتعليمهم ما ينفعهم وتهذيب أخلاقهم وتعويدهم على الجميل من القول والعمل وتحبيب الخير لهم وحثهم على الصدق والالتزام بالوعد وعدم التعدي أو أذية الآخرين ولا تكوني أختي المسلمة ممن تهتم بمأكل أولادها ومشربهم وملبسهم على حساب أخلاقهم وتربيتهم وتعليمهم فكلما أن صحة الولد ونظافته مطلوبة كذلك أخلاقه وسلوكه بل الأخيرة أهم.

وصدق الله العظيم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]([201]).

5ـ القيام بشئون البيت كاملة غير منقوصة وحذاري أن تتساهلي بشيء منه فتلك مهمتك الأولى وأنت الحاكمة فيه فاحرصي أن يكون هادئاً مريحاً يستمتع الزوج بالجلوس فيه والأنس مع من فيه وكلما بدرت شرارة من ضجيج الأولاد وصخبهم فطوقيها قبل أن تزعج رب الأسرة.

6ـ يتأكد عليك أختي المسلمة بر والديك والإحسان إليهما وصلة أرحامك بقدر ما يتيسر لك وهنا ينبغي أن تعلمي أن حقوق الزوج مقدمة على حقوق الوالدين عند المشاحة فلا تخرجي حتى لوالديك إلا بإذن زوجك ورضاه ومن تمام العشرة والحقوق المتبادلة أن يسمح لك بزيارة والديك وصلتهما حسب ما تقتضيه المصلحة والحاجة واعلمي أنك ترسمين منهجك بنفسك فعلى قدر تخطيطك وسلوكك مع زوجك على قدر ما يكون متجاوباً في تلبية طلباتك.

7ـ يتأكد عليك حفظ عرضك وغض بصرك وعدم الخروج من منزلك إلا لحاجة ملحة فمن الخير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال ومن تمام سعادة المرأة أن تلزم بيتها إلا لمصلحة راجحة تقدرينها ويقدرها زوجك.

8ـ احرصي على الستر والعفاف والحجاب الكامل، فالشيطان حريص على إيقاعك وإيقاع غيرك بك وشياطين الإنس كثيرون ولك بنساء السلف خير قدوة كانت الواحدة منهن إذا خرجت لما لا بد لها منه خرجت وهي متسترة متحشمة لا يرى منها إلا السواد.

أسأل الله جل وعلا أن يرزقك الحشمة والستر والعفاف وأن يهب لك ذرية صالحة تنفعك في الحياة وبعد الممات.

شعــراً:

أختاه يا بنت الخليج تحشمي *** لا ترفعي عنك الخمار فتندمي
هذا الخمار يزيد وجهك بهجة *** وحلاوة العينين أن تتلثمي
صوني جمالك إن أردت كرامة *** كيلا يصول عليك أدنى ضيغم
لا تعرضي عن هدى ربك ساعة *** عضي عليه مدى الحياة لتغنمي
حلل التبرج إن أردت رخيصة *** أما العفاف فدونه سفك الدم
العرى مرتعة وخيم فاحذري *** وتداركي البنيان قبل تهدم
حسناء يا ذات الدلال فإنني *** أخشى عليك من الخبيث المجرم

 

رمضان شهر الجود والكرم

يقول تعالى: [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]([202]).

ويقول تعالى: [آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ]([203]).

ويقول تعالى: [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ]([204]).

ويقول تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ]([205]).

ويقول تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]([206]).

من رمضان فيدارسه القرآن فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة([207]).    

 هذا هو ديدن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجود الناس إن أنفق أجزل، وإن منح أغدق وإن أعطى أعطى عطاء من لا يخشى الفاقة ما بيده ليس له، يحرص على البذل والعطاء حتى لكأنه يجود بنفسه التي بين جوانحه.

وكان صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان بفيض من الجود حتى لكأنه يسابق الريح المرسلة التي تنطلق على سجيتها تسوق السحاب ليتفرق في كل اتجاه لينتفع به الناس.

نعم إن رمضان موسم الخيرات والبركات والصدقات. وهيهات هيهات أن يشابه أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله وعطائه.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح

الجود يكون ببذل الصدقة بإلقاء الكلمة الطيبة بتفطير الصائم بالإصلاح بين الناس بأداء حقوق الله في الأموال والأبدان.

وإن من مظاهر الادخار المضمون بذل الحاجة للمحتاجين والصدقة للمساكين [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ] أرأيت قرضاً دفعته لآخر ألا يرده كما كان إن لم يزد محسناً الوفاء وخير الناس أحسنهم قضاء، إذاً ما دام قرضاً مضموناً فلماذا البخل وقد لا ينتفع الشخص بماله قد تفاجئه منيته قبل أن يستفيد منه وهنا سيكون عليه غرمه ولغيره غنمه.

من المظاهر الطيبة في مجتمعنا ما يفعله الناس من تسابق على البذل والعطاء والصدقة على مختلف أشكالها وأنواعها وهذا عمل طيب ومأجور إن شاء الله ولكن ما نتمناه أن يكون هناك أولويات فإذا كانت هناك حاجة ماسة لنوع معين أو أسرة معينة فالمبادرة لسد هذه الحاجة أولى من غيرها وإذا كانت هناك حاجة لإخواننا خارج بلادنا ممن يدافعون عن الأرض والعرض ويرفعون راية الجهاد فالبذل لهم أولى وأحرى بالمضاعفة والقبول. وإذا كانت جهات مأمونة موثوقة تتولى الصدقات وتعرف مظانها فالتعاون معها أكمل وأتم.

أخي المسلم: طرق الخير ميسرة وأبواب الطاعات مفتوحة وقنوات البر والإحسان ممهدة فما عليك إلا أن تبذل وتحسن النية ولا تتقال ما تبذله فكم من ريال سبق مليون ريال وكم من قليل سبق الكثير.

فهنيئاً لمن صدق مع الله فيما بذل وأعطى فقبل منه الله ولو أقل القليل.

أيها الأخوة الصائمون:

كلما شرف الزمان والمكان شرف تبعاً له ما يقع فيع من الأعمال الصالحة والأقوال الطيبة، فالصدقة في رمضان أفضل منها في غيره، والصلاة في الحرم المكي أفضل منها في غيره والبذل على الوالدين والأقارب أفضل منه على غيرهم ومدار الأعمال كلها على النية الصالحة.

فاحرص أخي المسلم على أن تكون أقوالك وأعمالك مقرونة بالنية الصالحة فقبول العمل وعدم قبوله كم أرَّق من نفوس مؤمنة وأسهر من عيون خاشعة وأذكى خوف عباد الله الصالحين. كان السلف يحملون هم قبول العمل أكثر من هم العمل وما ذاك إلا لصدق نواياهم وطهارة قلوبهم وصفاء نفوسهم رزقنا اقتفاء آثارهم.

اللهم وفقنا لاغتنام الأوقات، وشغلها بالأعمال الصالحات.

اللهم يا جزيل الهبات ويا واسع العطيات أسكنا أعلى الجنات. اللهم جد علينا بالفضل والإحسان وعاملنا بالعفو والغفران وأعذنا من عذاب النيران وأسكنا فسيح الجنان. اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([208])

 

المجلس السابع والعشرون

فصل في:

ـ وصف الجنة.

ـ وليلة القدر.

 

 وصف الجنة

الحمد لله الذي رسم في جميع مصنوعاته على وجوده وكماله دليلاً ووسم بالعجز سائر مخلوقاته فكلهم تراه إليه مفتقراً ذليلاً وحسم الأفكار عن الإحاطة بذاته وصفاته فأقرت عقول المؤمنين بالعجز عن تكييفه وآمنت بوجوده وإثباته ولم يجعل للأفكار في الإحاطة به سبيلاً.

هو الله الخالق البارئ المصور أعد لمن خالف أمره عذاباً وتنكيلاً. هو الله الملك الكبير العلي العظيم القدير الذي لا يزال متصدقاً جليلاً. الجبار الذي قهر المتجبرين وجبر كسر المنكسرين وخيراته ما تزال تسح سحاً جزيلاً.

أحمده سبحانه على توالي جوده وإنعامه وأشكره على سابق فضله وإكرامه وأصلي وأسلم على من فضله ربه تفضيلاً.

وخصه من بين سائر خلقه واتخذه خليلاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من كان بلاؤهم صادقاً جميلاً.

أخوة العقيدة:

درسنا هذه الليلة في وصف الجنة جعلنا الله من سكانها بمنه وكرمه. قال تعالى: [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا]([209]).  

وقال تعالى: [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ]([210]). وقال تعالى: [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([211]).

وقال تعالى: [وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ تمشون بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً *وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً *وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً]([212]).

وقال تعالى: [فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ]([213]).

وقال تعالى: [يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ]([214]).

وقال تعالى: [إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ]([215]).

وقال تعالى: [ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([216]).

وقال تعالى: [فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ]([217]).  

وقال تعالى: [فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ]([218]).

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)([219]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة واعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن)([220]).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل يتراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم) قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: (بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)([221]).

وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً)([222]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرأوا إن شئتم [فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ])([223])([224]).

وعن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادي يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم منه)([225]).

شعــراً:

عنا قيد من كرم وتفاح جنة *** ورمان أغصان به القلب مغرم
وللورد ما قد ألبسته خدودها *** فيا عجباً من واحد يتقسم
لها فرق شتى من الحسن أجمعت *** بجملتها أن السلو محرم
تذكر بالرحمن من هو ناظر *** فينطق بالتسبيح لا يتلعثم
إذا قابلت جيش الهموم بوجهها *** تولى على أعقابه الجيش يهزم
فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً *** فهذا زمان المهر فهو المقدم
ولما جرى ماء الشباب بغصنها *** تيقن حقاً أنه ليس بهرم

 

ليلة القدر

قال تعالى:[إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ]([226]).

سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العوام [فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ]([227]).

وقيل لأنها عظيمة شريفة ويدل له قوله تعالى: [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ] وقيل لأنها تكسب من أحياها شرفاً وقدراً أو لأن العمل فيها له قدر عظيم والكل حاصل ومتحقق.

إن من نعمة الله على هذه الأمة أن جعل لها مواسم يتضاعف فيها العمل ومن أخص هذه الأزمنة شهر رمضان لان فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي ما يزيد على ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. الله أكبر إنها نعمة عظيمة عمر كامل للإنسان ولكن ما أكثر المحرومين. 

وصفها الله بأنها ليلة مباركة وشرفها على سائر الليالي وأخبر الرسولصلى الله عليه وسلم أن قيامها سبب لمغفرة ذنوب العبد. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)([228])

وقد اختلف أهل العلم في تحديدها خلافاً واسعاً، ومن أشهر أقوالهم:

1ـ أنها أول ليلة من العشر الأخير من رمضان.

2ـ أنها ليلة اثنين وعشرين من رمضان.

3ـ أنها ليلة ثلاث وعشرين وقال به جمع كبير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

4ـ أنها ليلة أربع وعشرين.

5ـ أنها ليلة خمس وعشرين.

6ـ أنها ليلة سبع وعشرين وهذا قال به أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

7ـ أنها ليلة ثمان وعشرين.

8ـ أنها ليلة تسع وعشرين.

9ـ أنها ليلة الثلاثين.

10ـ أنها في أوتار العشر الأخير([229]).

وخلاصة القول أن ليلة القدر في العشر الأواخر في أوتارها وأرجاها والله أعلم ليلة سبع وعشرين ثم ليلة ثلاث وعشرين ثم ليلة إحدى وعشرين ووقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يدل لذلك قوله: [سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ]([230]).

وقد أخفى الله هذه الليلة على عباده كي يجتهدوا في العبادة ولئلا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، وهذا فضل منه سبحانه ليزداد المسلمون طاعة وتقرباً إليه.

أخي المسلم: عليك بالدعاء في ليلتها أكثر منه وقدم بين يديه التسبيح والتحميد والتهليل واختمه بالصلاة والسلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها قال: (قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)([231]).

إخواني: ليلة القدر أمرها عظيم والخير فيها جزيل عميم وكفى وصفها في القرآن [فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ].

فيها تقسيم الآجال والأعمار فيها يكتب الحجاج والعمار كم جامع ديناراً وأكفانه عند القصار وهو يعمر الدار عمارة مقيم: [فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ].

هذه الليلة فيها التجارة الرابحة والملائكة تملأ الأرض سائحة. هذه ليلة العبرات والزفرات هذه الليلة تجاب فيها الدعوات. هذه ليلة يتنافس فيها المتنافسون ويتسابق فيها المشمرون فيا سعادة الفائزين ويا شقاوة الخاسرين.

حرام على قلبي وإن شفه الضنا *** يميل إلى مولى سواك وصاحب
فزعت إلى باب المهيمن ضارعاً *** مدلاً أنادي باسمه غير هائب
فلم أخش حجاباً ولم أخش منعه *** ولو كان سؤلي فوق هام الكواكب
كريماً يلبي عبده كلما دعا *** نهاراً وليلاً في الدجى والغياهب
يقول له لبيك عبدي داعياً *** وإن كنت خطاء كثير المعائب
فما ضاق عفوي عن جريمة خاطئ *** وما أحد يرجو نوالي بخائب

اللهم يا جابر كسر المنكسرين ويا راحم مذل المساكين ويا مغيث الملهوفين ويا ناصر المستضعفين ويا مالك يوم الدين نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم أقسم لنا في هذه الليلة الشريفة المباركة من خير ما أعددته لعبادك الصالحين.

اللهم اجعلنا لحوض نبيك من الواردين ويوم العرض عليك من الناجين، اللهم يسر أمورنا واشرح صدورنا واختم بالصالحات أعمالنا.

اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك نسألك من الخير كله عاجله وآجله ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ونسألك من خير ما نعلم وما لا نعلم يا علام الغيوب اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المجلس الثامن والعشرون

فصل في:

ـ الأخلاق الفاضلة.

ـ وشغل الأوقات في رمضان.

  

الأخلاق الفاضلة

الحمد لله الذي أرسل رسوله ونذيراً وداعياً بإذنه وسراجاً منيراً واصطفاه من جميع خلقه صغيراً وكبيراً وأنزل معه كتابه المهيمن على جميع الكتب رحمة منه بعباده فهو هدى ونوراً فأشرقت الأرض بنور رسالته براً وبحراً وكان ربك لطيفاً خبيراً فسبحان من اختص بالتوفيق والهداية من شاء من عباده، فكان حظهم موفوراً أحمده سبحانه هدانا للإسلام إنه كان بعباده خبيراً بصيراً وأشهد ألا إله إلا الله لم يتخذ ولداً ولا نصيراً ولا ظهيراً وأصلي وأسلم على عبده المبعوث بشيراً ونذيراً من حطم الشرك والأصنام وطهر مكة منها تطهيراً وعلى آله وأصحابه جند الحق وحماته وسلم تسليماً كثيراً.

إخوتي الصائمين والصائمات:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. . وبعد.

درسنا لهذه الليلة حول الأخلاق الفاضلة الدرع الواقي من الخطر والعدة النافعة يوم المحشر. يقول الله تعالى مثنياً على نبيه عليه السلام: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([232]).

ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن([233]).

إن للصوم رسالته التهذيبية وأثره البالغ على أخلاق المسلم فهو ينشئ عند الصائم خلق المراقبة ويقيم منه حارساً عاماً على نفسه فهو يضبط النفس من الداخل لئلا تخالف أو تحاول فتصدر أعمال المسلم الخارجية خاضعة لهذه الرقابة أترى الصائم يصدق مع ربه ويكذب على الناس أتراه يخلص في صومه ثم ينافق في المجتمع إن الإخلاص كل لا يتجزأ وإن ذروة سنامه0 وملاك أمره الإخلاص مع الله، فمن أخلص مع ربه محال أن يخدع ويخون ويغش ومحال أن يسرق أو يبطش أو يؤذي ولو حصل منه شيء من ذلك على سبيل الخطرات رجع وأناب واعتذر وندم ندماً بالغاً.

إن الصوم عامل أساسي من عوامل تأصيل الأخلاق وتعقيمها وبنائها على أساس متين من الداخل لأن جمال الظاهر لا يغني إذا لم يكن الداخل محكماً ومنيعاً ولهذا أخلاق الصائمين تأخذ صفة الثبات والاستمرار والنمو المتزايد لأنها مصونة من الداخل والخارج.

حدثني من أثق به قال أن مسئولاً نصرانياً عن العمال في الكويت في إحدى حقول البترول لما دخل رمضان قال من أفطر فسنضاعف له الراتب ومن لم يفطر فسيأخذ راتبه فقط. وظن العمال أن قصد هذا الكافر أن الصائمين أقل إنتاجاً والمفطرين أكثر عملاً وتحركاً وإنتاجاً وهنا أخذ الطمع يتصارع مع الإيمان فمن غلبته نفسه أفطر طمعاً في مضاعفة الراتب ومن ثبته الله بقوة الإيمان وعدم الالتفات إلى المال استمر على صومه، وقال قليل مع الطاعة خير من كثير مع المعصية. وأخذ المسئول الكافر يحصي الصائمين والمفطرين يومياً حتى كمل الشهر وعند تسليم الرواتب أعطى الصائمين راتباً مضاعفاً وأعطى المفطرين راتبهم فقط وسرحهم من العمل وقال: إن من يخون ربه يخون الناس وهذا من الكافر ليس حرصاً على الصيام بل هو حريص على العمل لأن المفطرين يسرقون من أوقات عملهم ولا ينتجون لأن عنصر الإخلاص عندهم مفقود، وأما الصائمون فعملهم واحد عند وجود المراقبة وعدمها لأن لديهم مراقبة داخلية من أنفسهم.

إن أخلاق المسلمين ثابتة لا تتغير مهما تغير الموقع ومهما تغير المتعامل معه لا تتلون بلون المصلحة ولا تتزيا بزي المنفعة. أما أخلاق غير المسلمين المصطنعة فهي تدور مع المنفعة وتسير وراء المصلحة وتختلف من وقت لآخر أخلاق مصنوعة تسير خلف الشهوات تتلون حسب مقتضيات الأحوال وليت شعري كيف فتن بعض شبابنا بأخلاق الغرب وما علموا أنها أخلاق تجارية وقتية إذا تغير موقع المتعامل حكم بشريعة الغاب لكنه في بلده محكوم بنظام صارم لا يراعي حلاً ولا حرمة ولا مصلحة عامة بل الأهم كسب السائح والزائر والظهور أمامه بمظهر الأمانة والصدق والنزاهة ووراء الأكمة ما وراءها.

أخي الصائم:

هناك أمور عظيمة وقيم ثابتة ينبغي على المسلم أن يتحلى بها مهما كلفه ذلك من ثمن حياة المسلم كلها حركاته وسكناته ونومه ويقظته في كل شئون حياته المادية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية لا بد أن تكون خاضعة لهذه القيم وتلك المعايير ويومها يعيش المجتمع المسلم بأمن وسلام وطمأنينة ورغد عيش ترفرف عليه ظلال المحبة ويسوده شعار السلام.

أخي الصائم:

هذه توجيهات نابعة من أخ يحبك ويتمنى لك الخير حيث كنت وحيث كان:

1ـ احرص على العلم فعن طريقه تعرف الحلال والحرام وتعرف الحق فتعمل به وتعرف الباطل فتتجنبه وتعرف الخير فتساهم فيه.

2ـ العمل بما تعلم والتطبيق لما نقول.

إن أعظم أدوائنا وأكثر مصائبنا نحن المسلمين أننا نقول ما لا نفعل ونكثر الكلام ونجبن عن العمل وصدق الله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ]([234]).

3ـ الإخلاص في كل ما تأتي وما تذر وصدق الله: [لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ]([235]).

4ـ الأمانة في كل معاملات وأحاديثك وتوجيهاتك وأخص الأمانة مع نفسك وأسرتك.

5ـ الصبر على ابتلاء والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية.

6ـ أن تكون رقيقاً لين الجانب مع الآخرين.

7ـ أن تكون ميسراً مبشراً هاشاً باشاً في وجوه المؤمنين.

8ـ أن تكون ورعاً وهذا أحد أسرار الصوم العجيبة [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ].

9ـ احرص على الشهادة العادلة ولو على نفسك ولا تغتر بكلام الآخرين واحذر  مجالس السوء التي تقوم على أكل لحوم المسلمين فوالله ليأتين يوم يقتص فيه تضيع فيه الحسنات التي جمعت وتذهب للآخرين فوا حسرتى على التفريط والإهمال.

10ـ احرص على التعاون مع الآخرين وعمل الخير في كل مكان واحذر أن تقف في وجه من يعمل الخير مهما اختلف المشارب وتعددت الوسائل وتشعبت السبل.

11ـ ابذل جاهك للآخرين واشفع لهم فيما فيه الخير وساعد المحتاج وأعن الضعيف لعل الله أن يقيك بذلك من لفح جهنم.

12ـ لا تغفل عن إخوانك المجاهدين في شتى بلاد المعمورة فكل مسلم يرفع كلمة الإخلاص أنت مسئول عنه إن قدرت على مد يد العون له وصدق الله العظيم: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]([236]).

شعــراً:

نور الكتاب أضاء فيمن قبلنا *** فمحى الشكوك وبدد الأوهاما
صاغ الجنود على هدى من شرعه *** قمماً تضيء وترفع الأعلاما
فتحوا البلاد ليملؤها عزة *** كسوا الوجود محبة وسلاما
من فوق مئذنة الحضارة أذنوا *** للحق لحناً أيقظ النواما
الله أكبر رددوها للورى *** فصحا الجميع وحققوا الأحلاما

وقال الشاعر/

ركب من الأخيار جند محمد *** دكوا القيود وحطموا الأسوارا
ركب تبوأ فجره رغم الدجى *** فالنور كان بأرضه معيارا
ركب إلى الرحمن يهرع في الوغى *** يلقي المية إن دنت مختارا

 

شغل الأوقات في رمضان

قالوا الوقت من ذهب إن لم تحرص عليه ذهب لكننا نقول أن الذهب يعوض فإذا ضاع مرة حصل أخرى ولا يقيس الحياة بالذهب إلا الناس الماديون الذين لا يعيرون وزناً للثواب والعقاب وقالوا الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ونحن نقول هذه عبارة صائبة لكنها لا تدل على المراد من تحصيل النفع والاستفادة من الوقت ولهذا فوقت المسلم حياته يحاسب على كل خطرة ولحظة وحركة وسكون: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]([237]).

وكل يوم يمر على المسلم هو خلق جديد وعلى عمله شهيد وإذا مضى فلن يرجع ويعود.

وصدق الشاعر:

دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني

الوقت حلقة في سلسة الحياة وخطوة لا ندري ماذا كتب بعدها من خطوات تتلاشى سريعاً كما يتلاشى الجليد الذي صهرته حرارة الشمس المحرقة لكن هذه الخطوة وتلك السلسة مسئولون عنها ومستوقفون حولها وصدق معلم البشرية صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعلمه ماذا عمل به)([238]).

ينبغي أن يسأل المسلم نفسه سؤالاً عادياً نتهرب منه دائماً.

ما الذي استفدناه ولأمتنا خلال عام مضى بدقائقه وساعاته وأيامه ولياليه هل اهتدينا في رمضان الماضي إلى أسلوب صحيح حتى جاء رمضان هذا العام فإذا نحن أزكى نفوساً وأصفى أرواحاً وأطهر أخلاقاً.

إننا ما زلنا كما كنا بل إن التقصير عمنا والتفريط شملنا ولم نكترث بعام مر وانصرم ولم نعتبر برمضان الماضي وهذا من قسوة القلوب والعياذ بالله.

شهر رمضان دائماً يذكرنا بقيمة الوقت في الإسلام إنه لا فراغ في حياة المؤمن.

لا فراغ والإسلام قائم بالنفوس.

لا فراغ والإيمان يعمر القلوب.

لا فراغ في حياة أمة لها غاية.

لا فراغ في حياة مجتمع حياته كلها عبادة.

لا فراغ في حياة مسلم يتقلب من طاعة إلى طاعة خطراته وحركاته وسكناته وأكله وشربه ونومه وذهابه وإيابه عبادة لله.

متى تحققت النية الخالصة والمتابعة الصادقة: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]([239]).

أخي الصائم:

لقد وهبك الله سبحانه عمراً وجعل له خاتمة ونهاية ولا ريب أن المؤمن الكيس الفطن يحس في أعماقه بأنه في سباق مع هذه النهاية يحاول أن يسجل فيها أكبر قدر من العمل الصالح وصدق الله العظيم: [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً]([240]).

فموقفك أخي المسلم يوم الحساب مرتبط بالزمن وذلك اليوم يفوز أقوام استغلوا أوقاتهم في طاعة الله ويخسر آخرون فرطوا وتكاسلوا وضيعوا أعمارهم سبهللا.

وصدق الله: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]([241]).

لقد أعطانا الله عماراً محدودة وأنفاساً معدودة وكلفنا حفظها فيما ينفع في ديننا ودنيانا ووكل بنا ملائكة حافظين كراماً كاتبين يحفظون أعمالنا ويكتبون أقوالنا وأفعالنا من خير وشر، فإذا كان يوم القيامة شهدت علينا الحفظة وشهدت علينا الجوارح وشهدت علينا بقاع الأرض التي عملنا فوقها وينشر الديوان الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وصدق الله العظيم: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه]([242]).

[يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([243]).

[وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ]([244]).

[وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً]([245]).

أخي الصائم لقد أظلك شهر عظيم مبارك فاجتهد فيه بالأعمال الصالحة من فرائض ونوافل من صلوات وصدقات وبذل معروف وإحسان وصبر على طاعة الله وعمارة نهاره بالصيام وليله بالقيام وساعاته بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل ومجالسة الأخيار والصالحين والإقبال على العلم النافع فوالله إن المحروم من حرم الخير في هذا الشهر والشقي من نسي الله فنسيه والمفلس من يدخل عليه رمضان ويخرج وهو لم يغير من حاله ويستعد لمآله.

اللهم وفقنا لاغتنام أوقاته وعمارة دقائقه وساعاته واجعلنا من الفائزين يوم تشهد الدواوين ويقوم الناس لرب العالمين: [يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ]([246]).

اللهم علمنا من ديننا ما جهلنا واقبل بفضلك قليل ما علمنا واستر عيوبنا. واكشف كروبنا وأزل همومنا وأحزاننا وتوفنا وأنت راض عنا. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([247]).

  

المجلس التاسع والعشرون

فصل في:

ـ أسباب دخول النار.

ـ ونصائح وتوجيهات.

  

أسباب دخول النار

الحمد لله الذي لم يزل رحيماً راحماً وخبيراً بالأسرار عالماً قرب من شاء فجعله صائماً قائماً وطرد من شاء فجعله في بيداء الضلال هائماً يفعل ما يريد وإن يأبى العبد راغماً ويقبل توبة التائب إذا أمسى نادماً أحمده حمداً من التقصير سالماً وأشكره شكراً لنعمه ملازماً وأصلي وأسلم على نبي الرحمة المهداة والقدوة المصطفاة وعلى صاحبه أبي بكر القوي الشجاع، وعلى عمر الذي يأمر فيطاع وعلى عثمان الذي اشترى في سبيل الله وباع وعلى علي قامع الشرك والابتداع وعلى جميع الصحب والأتباع.

إخوتي المؤمنين.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

درسنا لهذه الليلة حول أسباب دخول النار أعاذنا الله منها ووالدينا وأحبابنا بمنه وكرمه وجوده وإحسانه.

ويقول الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً]([248]).

إن لدخول النار أسباباً كثيرة منها ما يوجب الخلود فيها ومنها ما يقضي بدخولها ثم الخروج منها رحمة من الله وفضلاً.

ومن الأسباب الموجبة للخلود في النار:

1ـ الشرك بالله بأن يجعل لله شريكاً في ألوهيته أو ربوبيته أو يكفر بالله عز وجل أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره فمتى أنكر شيئاً من أركان الإيمان الثابتة جاحداً ذلك مكذباً فقد حرم الله عليه الجنة وكتب له النار: [إِنَّهُ مَنْ

يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ]([249]).

[إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً]([250]).

2ـ من أنكر شيئاً من فروض الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة أو أنكر تحريم شيء من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة فهذا كافر لأنه مكذب لله ورسوله وهو من حطب جهنم إن مات على ذلك والعياذ بالله.

3ـ الاستهزاء بالله سبحانه وتعالى أو بدينه أو برسوله أو بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا مزلة قدم يتساهل به كثير من الذين يحبون أن يضحكوا الآخرين فيطلقوا الكلمات اللاذعة التي تمس المؤمنين في سلوكياتهم وأفعالهم التي هي مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *ا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ]([251]).

4ـ الحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه الأصلح للخلق والأحسن في تحقيق العدل والافضل لقيام شئون الحياة: [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ]([252]).

5ـ النفاق وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر: [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً]([253]).

ومن أسباب الموجبة لدخول النار دون الخلود فيها:

1ـ عقوق الوالدين وذلك بأن يقطع ما يجب لهما من البر والصلة أو يسيء إليهما بالقول أو الفعل.

2ـ قطيعة الرحم وهي أن يمنع الشخص ما يجب لقرابته من الحقوق البدنية أو المالية.

3ـ أكل الربا وهو من أكثر المعاصي انتشاراً في هذه الأزمان يقول تعالى: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([254]).

4ـ أكل مال اليتيم والتلاعب به وعدم رعاية المصالح المتعينة فيه. يقول تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ]([255]).

5ـ شهادة الزور وهي من السبع الموبقات.

6ـ الرشوة وقد ورد لعن الراشي والمرتشي والرائش وهو الساعي بينهما.

7ـ القضاء بين الناس بغير علم أو بجبور متعمداً ظلم أحد لصالح أحد. فمن عرف الحق وحكم به فهو في الجنة ومن عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ومن قضى عن جهل فهو في النار نسأل الله العفو والعافية.

8ـ الغش للرعية وعدم النصح لهم وعمل ما ليس في مصلحتهم بل فيه ضررهم في العاجل والآجل وصدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسترعيه الله على رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)([256]).

فليحذر المسلم من هذه المعاصي الكبيرة وغيرها لئلا يتعرض لعذاب الله ووعيده. نسأل الله بمنه وكرمه أن يجنبنا المعاصي ما ظهر منها وما بطن.

شعــراً:

لله در أناس أخلصوا العملا *** على اليقين ودنوا بالذي أمروا
أولاهم نعماً فازداد شكرهم *** ثم ابتلاهم فأرضوه بما صبروا
وفوَّ له ثم وافوه بما عملوا *** إذاً سيوفهم يوماً إذا نشروا

وقال آخر:

وقفنا فمن باك أجابت دموعه *** ومعتصم بالصبر لم يملك الصبرا
ومن ساتر أجفانه بيمينه *** وملق على أحشائه يده اليسرى
ومن طائش لم يُسعد الدمع وجده *** وشر البكا ما استنفد الأدمع الغزرا
وقد ملقت خوص الركاب لبيتنا *** فلم نستطيع ضعفاً لشاردها زجراً

 

نصائح وتوجيهات

أخي المسلم أدعوك لسماع مجموعة من التوجيهات والنصائح لعل الله أن ينفعنا بها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

1ـ كثير من المسلمين يهتم في رمضان بمختلف صنوف الطاعات فإذا ودع الشهر هجر هذه الطاعات وكأنه لا يعرف الله إلا في رمضان وكأن رب رمضان ليس رباً لشوال وبقية العام.

هناك من قبل على كتاب الله في رمضان وبختمه مراراً وقد هجره طوال العام.

هناك من يحافظ على الصلوات المكتوبة وصلاة الليل وهو لا يعرف المسجد في غير رمضان.

هناك من يلازم حلقات العلم والدرس وهو لا يطيقها في غير رمضان.

أهكذا يكون المسلم الحق أم أنها المفاهيم الخاطئة والممارسات المرفوضة التي يتعامل بها بعض المسلمين اليوم.

2ـ الصائم حين يمسك عن الطعام والشراب يشعر بأنه يفعل ذلك لأجل الله تعالى وفي ظل من مراقبته كيف لا وهو يجد الطعام الشهي والماء الهنئ أمام عينه فيغالب ويجاهد ويعف لا يخشى إلا الله وحده طالباً مغفرته ورضاه.

هذا هو الصيام الحقيقي أما أولئك الذين أفرغوا الصيام من محتواه وجعلوه ظاهراً بلا روح فهؤلاء لم يؤدوا العبادة على وجهها المشروع ذلك أنهم أطلقوا لقلوبهم وعقولهم حرية ما يصدر عنها من خطرات السوء وتصورات الشر والفساد رياء وحقداً وغلاً وظناً سيئاً وأرخوا لجوارحهم العنان فخاضت ألسنتهم في المحرم من القول مراء ومجادلة ومزاحاً وخصومة وسباً وفحشاً وسخرية وكذباً وغيبة ونميمة وأيماناً فاجرة وصوبوا أبصارهم نحو ما حرم الله النظر إليه وأمر بغض البصر عنه وفتحوا آذانهم لسماع اللغو واللهو والقيل والقال.

هؤلاء أخذوا مظهر الصيام فقط فامتنعوا عن الأكل والشرب والجماع ولكنهم وقعوا فيما هو مثل هذه المفطرات أو أشد.

3ـ إن مسؤولية الأهل نحو أبنائهم أمانة عظيمة في أعناقهم إن أحسنوا التعامل معها والتحمل لتبعاتها وأداء واجباتها كان العطاء عظيماً للحاضر والمستقبل.

ومن أهم الأمور التي تندرج في تربية الطفل وتأديبه تعويده العبادات عموماً والصوم خصوصاً منذ الصغر وقبل أن يبلغ سن التكليف.

عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطراً فليتم بقية صومه ومن أصبح صائماً فليصم فكنا نصومه بعد ونصوَّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن ــ الصوف المصبوغ ـ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار([257]).

ففي هذا الحديث تمرين الصبيان على الصيام وتعويدهم عليه ليكونوا مستعدين عند بلوغهم ويسهل عليهم فهل يعي الآباء والأمهات ذلك ويحرصوا عليه لأنه عين الرحمة بهم والشفقة عليهم. لأن نور الطاعة يملأ جوانحهم ويذكي بواعث الخير في نفوسهم فتنساق له دون تكلف أو إجهاد.

4ـ تكثر أسئلة الصائمين حول وقت الإمساك والفطر والأكل أثناء الأذان من صلاة الفجر ونقول لهؤلاء السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور ولكن ليس إلى الحد الذي يوقعك في الشبهة والحرج فتذهب تسأل عن الحكم فعليك أخي الصائم أن تمسك قبيل الأذان لدقائق لأن هذا أسلم وأحواط، وإن كنت في مكان تعتمد فيه على رؤية الفجر بنفسك فإن كانت هناك ساعة فالأمر محسوم وإلا فارقب الفجر ومتى بان لك حسب ما يظهر لك فأمسك ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ونقول لإخواننا الذين يتعجلون في أذان المغرب ولا يتثبتون فيوقعون المسلمين في الحرج عليكم بالتثبت وراقبوا الله جل وعلا فمعرفة الوقت وضبطه أمانة عظيمة سيترتب عليها عبادات كثيرة إذ قد تفطر مجموعة بسبب هذا الأذان وقد تصلي نساء في غير الوقت وهكذا.

5ـ بعض الناس يتبعون الإمام الذي يخفف في الصلاة فيهجرون مساجدهم القريبة ويذهبون لمساجد بعيدة وهنا نهمس في أذن هؤلاء ونقول الأولى لكم أن تصلوا في مسجد الحي الذي تصلون فيه الأوقات الأخرى لأن جماعة المسجد يشجع بعضهم بعضاً ويكثر عددهم وفي هذا تشجيع لأولادهم وإمامهم.

ونقول لإمام الذي الحي الذي يذهب عنه بعض جماعته ابحث عن الأسباب وأصلحها وإذا كنت ممن يطيل إطالة ترهق الناس فخفف وعليك بالوسط فخير الأمور أواسطها.

ونقول للإمام الذي يخفف فيخل بالصلاة اتق الله فهذه أمانة ستسأل عنها يوم القيامة وحذار أن تغتر بكثرة الجماعة ومجيئهم لك من بعيد فقد يكون ذلك فتنة لك والعياذ بالله.

واحرص على القراءة الواضحة الخاشعة وأتم الركوع والسجود وجميع الأركان وحافظ على الطمأنينة لتسلم يوم أن تسأل عما استرعاك الله عليه.

6ـ بدأت في السنوات الأخيرة ظاهرة لها جانبان سلبي وإيجابي هذه الظاهرة هي طول دعاء القنوت والختمة وتنويعه واختيار السجع المتكلف فيه بل وقراءته من ورقة أحياناً، ونقول لهؤلاء إن الاقتصار على ما ورد أفضل ولا حرج أن يكون معه غيره من الدعاء المشروع لكن أن يجاوز ذلك وقت الصلاة كلها أو يماثله فهذا ما لا نعرف له أصلاً من كلام أهل العلم.

لقد صليت ذات مرة مع إمام هداه الله وعافنا مما ابتلاه. كانت صلاته سريعة جداً لا يطمئن فيها ولا يقيم الركوع والسجود على الوجه المطلوب ولما بدأ بالقنوت أخذ يمد ويعيد ويردد حتى مل الناس من صنيعه وكانت صلاته نصف ساعة وقنوته في حدود ربع ساعة إن الذين لن يؤثر فيهم القرآن ويؤثر فيهم هذا الدعاء المسجوع المتكلف يخشى عليهم فالله قال عن كتابه: [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]([258]).

ونفس الكلام نقوله في دعاء ختم القرآن فالله الله أخي الإمام بالاتباع واحذر الابتداع وما ليس فيه سنة ثابتة لا تلتزمه وعليك بالعمل بالسنة وإحيائها وتعويد جماعتك عليها لأنها تصبح مألوفة لهم أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياك للخير وأن يأخذ بأيدينا جميعاً لما فيه صلاحنا وفلاحنا وفوزنا يوم القيامة.

اللهم اسلك بنا سبيل المتقين الأخيار.

وجنبنا طريق العصاة والفجار والكفار.

وأسكنا فسيح الجنان وباعد بيننا وبين النار.

وخفف عن ظهورنا من ثقل الأوزار.

وسامحنا وتجاوز عنا يا عزيز يا غفار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين([259]).

  

المجلس الثلاثون

فصل في:

ـ صدقة الفطر.

ـ ووداع رمضان.

  

صدقة الفطر

الحمد لله الذي فرض الزكاة طهرة وتزكية للنفوس والأموال ووعد على الإنفاق في سبيله خلفاً عاجلاً وثواباً في الحال والمآل، أعطى الكثير وفرض القليل ليتبين أهل البخل من أهل السخاء والكمال نحمده ونشكره على ما أولاه من النعم ودفع من النقم فله الحمد المطلق الكامل لأنه الكبير المتعال. لقد أكرمنا بالإسلام والإيمان والصحة في الأبدان والأمن في الأوطان والأزواج والعيال، لا يحصى ثناء عليه فهو الرحيم بأوليائه المنتقم من أعدائه شديد المحال.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ادخرها ليوم تتراكم فيه الخطوب والأفزاع والأهوال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المخصوص بأشرف الخصال، إمام الموحدين وقدوة المتعبدين فهو الأسوة في جميع الأعمال، اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله وأصحابه واجمعنا بهم يا ذا الكرم والإجلال.

أيها الأخوة في الله:

حديثنا هذه الليلة بمشيئة الله حول صدقة الفطر فنقول صدقة الفطر هي الصدقة الواجبة على أعيان المسلمين بحلول عيد الفطر المبارك شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة بعد أن فرض عليها الصيام وسميت بذلك لأنها تجب بالفطر أي يوم العيد وقيل لأنها صدقة للخلقة أي الفطرة تطهيراً للصائم وجبراً لصيامه.

وهي صدقة بدن متعلقة بكل بدن من أبدان المسلمين صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً أحراراً وعبيداً، وهي واجبة على كل مسلم بدليل ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين)([260]).

ولهذه الصدقة فضل عظيم حيث أناط الله بها وبصلاة العيد بعدها فلاح المؤمن وفوزه بسعادة الدارين فقال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى]([261])،  ووصفها نبي 65وأتم الركوع والسجود وجميع الا الركوع والسجود وجميع الاركان وحافظ على الطمأنينة لتسلم يوم أن تسأل عمنا استراعاك الله عليه, جد الرحمة بأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث وهذا مبني على أن فلاح العبد متوقف على زكاة نفسه وطهارتها بما شرع الله من صالح الأقوال والأعمال وزكاة الفطر من بينها فهي مما يؤهل المسلم لأن ينال فلاح الآخرة وفوزها وكفى هذا شرفاً وفضلاً. ولعل من أبرز معالمها التشريعية وأسرارها الظاهرة أنها تزكي نفس المؤمن وتطهرها مما قد يعلق بها من آثار اللغو والرفث أثناء صيام رمضان.

أنها تصون كرامة المؤمن وتحفظ له عزته فالمؤمن الجائع قد يضطره جوعه إلى أن يسأل الناس يوم العيد وفي ذلك من الذلة والانكسار ما يتنافى مع عزة المؤمن وبهجة العيد وسروره.

وأنها تحافظ على المجتمع المسلم مترابطاً متعاوناً متكافلاً يشعر الغني بشعور الفقير ويحس بإحساسه يمثلون بنياناً واحداً يشد بعضه بعضاً وهنا لا مجال للحقد والحسد ولا للضغينة والبغضاء لأن الغني يبذل للفقير فيدعو الأخير للأول بالبركة في المال والرزق.

وعلى المسلم أن يخرج الغالب من طعام أهل بلده من تمر أو أرز أو بر أو زبيب أو أقط أو غير ذلك المهم أن يكون طعاماً للآدميين ولا يجوز إخراجها من الثياب والفرش والأواني وسائر الأمتعة.

كما لا يجزئ إخراج القيمة الأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولأنه لا يسوغ لنا أن نغير وقتها فكذا لا نغير جنسها. ولأن إخراجها نقوداً يبعدها عن كونها شعيرة ظاهرة يحسن بالمسلم ان يكيلها أمام أهل بيته ليروها ويسروا بإخراجها.

وقدرها كيلوان وربع الكيلو من البر الجيد أو ما يعادله لأن زنه الصاع بعد التتبع كيلوان وربع الكيلو وهناك من أهل العلم من أوصله إلى ثلاث كيلوات ومنهم من جعله كيلوين وأربعين غراماً والله أعلم بالصواب ووقت وجوب صدقة الفطر غروب الشمس من ليلة العيد فمن كان من أهل الوجوب حينذاك وجبت عليه وإلا فلا. فمن مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته ومن مات بعد الغروب وجبت.

ووقت إخراجها يوم العيد قبل الصلاة وهذا أفضل أوقاتها وللمسلم أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين إذا كان إخراجها يوم العيد يشق عليه.

ومصرفها مصرف الزكاة فلا يسوغ للمسلم أن يصرفها في غير مصرفها الشرعي ونحن نلاحظ تساهل كثير من الناس في صرف صدقة الفطر فهذا يعطي جيرانه وذاك يعطي أقاربه وثالث يعطي أصدقاءه ولو كانوا كلهم غير فقراء والله جل وعلا حدد مصارف الزكاة وتولى قسمتها بنفسه لئلا يكون لأحد مطمع فيها. قال تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]([262]).

شعــراً:

دع البكاء على الأطلال والدار *** واذكر لمن بان من خل ومن جار 
واذر الدموع نحيباً وابك من أسف *** على فراق ليال ذات أنوار
على ليال لشهر الصوم ما جعلت *** إلا لتمحيص آثام وأوزار
يا لائمي في البكا زدني به كلفاً *** واسمع غريب أحاديث وأخبار
ما كان أحسننا والشمل مجتمع *** منا المصلي ومنا القانت القاري
وفي التراويح للراحات جامعة *** فيها المصابيح تزهو مثل أزهار
شهر به ليلة القدر التي شرفت *** حقاً على كل شهر ذات أسرار
مُنَزل الروح والأفلاك  قاطبة *** بإذن رب غفور خالق باري

 

وداع رمضــان

أخي الصائم: من منا نحن المسلمين لا تؤلم نفسه لحظات الفراق ومن منا نحن المؤمنين لا تجرح مشاعره ساعات الغياب.

بدموع الفرح استقبلناه وكأنني بك تطلق العبرات والزفرات لسماع أول موعظة في أول الشهر وها أنت بدموع الأثر والتأثر تودعه وكأنني بك نادم كل الندم على التقصير.

أخي الصائم: وأنت تودع شهر الصيام تذكر أن رمضان جاء وها هو يذهب وقد طوى دفاتره وسوى حساباته ومن فاز بالربح وكسب الجولة وختم كشوفه مع من خسر الصفقة وغبن في البيع الحسنة تضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف لكنها في رمضان تضاعف إلى ما شاء الله لأن الصوم له وحده وهو الذي يجزي عليه.

ليقف كل واحد منا مع نفسه:

1ـ كيف استقبل ضيفه.

2ـ هل أطعم جاراً هل زار أخاً في الله هل عاد مريضاً.

3ـ هل فطر صائماً.

4ـ هل نصر مظلوماً وأعانه على تخطي ظلامته.

5ـ هل مسح على رأس يتيم وآواه وما أكثرهم في عالمنا الإسلامي الواسع.

6ـ هل صادف ضالاً فعمل على هدايته وتوجيهه والأخذ بيده ليتوب إلى رشده.

7ـ هل جبر جرح مكسور وواساه وأدخل السرور عليه.

8ـ هل طيب خاطر محروم.

10ـ هل تذكر إخوانه المجاهدين هنا وهناك فادخر لهم شيئاً من كسب يده لعل الله أن يدفع به عنه مكائد الأعداء.

11ـ هل بر بوالديه وقام بصلة رحمه وقدَّر معلميه وحفظ عرض إخوانه.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها ونحن نودع هذا الشهر ليتبين الفائز من العاثر والرابح من الخاسر.

عباد الله:

اختموا شهركم بالتوبة النصوح واسكبوا غزير الدموع لعل الله أن يرحمكم برحمته الواسعة فكم من شخص جاء بالقليل وتوج بالقبول وكم من شخص عمل الكثير ولكنه مني بالحرمان والعياذ بالله.

السلام عليك يا شهر رمضان السلام عليك يا شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن. السلام عليك يا شهر التجاوز والغفران. السلام عليك يا شهر البركة والإحسان. السلام عليك يا شهر التراويح. السلام عليك يا شهر الأنوار والمصابيح. السلام عليك يا شهر المتجر الربيح. السلام عليك يا شهراً يترك فيه القبيح.

شهر رمضان شهر العتق من النيران.

شهر تغل فيه مردة الجان.

شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من لم يتب في رمضان فمتى يتوب من لم يرجع إلى ربه في رمضان فمتى يؤوب. من لم يأخذ بحظ وافر في هذه الليالي فمتى يحصل على المطلوب.

سلام من الرحمن كل أوان *** على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه *** أمان من الرحمن كل أمان
لئن كنت يا شهر الصيام منوراً *** لكل فؤاد مظلم وجنان
ترحلت يا شهر الصيام بصومنا *** وقد كنت أنواراً بكل مكان
لئن فنيت أيامك الزهر بغتة *** فما الحزن من قلبي عليك بفان
عليك سلام الله كن شاهداً لنا *** بخير رعاك الله من رمضان

اللهم أهل القبور رهائن ذنوب لا يطلقون وأسارى وحشة لا يفكون وغرباء سفر لا ينتظرون محت دراسات الثرى ومحاسن وجوههم وجاورتهم الهوام في ملاحد قبورهم فهم جيران قرب لا يتزاورون وفيهم محسنون ومسيئون ومقصرون ومجتهدون اللهم فمن كان منهم مسروراً فزده كرامة وحبوراً ومن كان منهم ملهوفاً فبدل حزنه فرحاً وسروراً,

اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله فبارك لنا فيه وإن قضيت بقطع آجالنا فأحسن الخلافة على باقينا وأوسع الرحمة على ماضينا وعمنا جميعاً برحمتك وغفرانك. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([263]).

 

الخاتمة

بحمد لله وتوفيقه تم ما أردت تسطيره من أحكام الصيام وآدابه وفوائده ومواعظه. وقد تجولت بالقارئ والمستمع خلال ثلاثين فصلاً من الأحكام والمواعظ والآداب والتوجيهات التي تهم المسلمين عامة صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً حكاماً ومحكومين وما كتبته فهو جهد المقل وما كان فيه من صواب فهو تسديد من الله وما كان فيه خلاف ذلك فهو من نفسي ومن الشيطان.

على كل مسلم ناصح يقف على شيء منه أن يفيدني وله مني الدعاء بالتوفيق والسداد.   أسأل الله جل وعلا أن يجعله خالصاً لوجهه وأن يثقل به ميزاني يوم العرض عليه وأن يعيذني من فتنة القول وفتنة العمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.

[سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]([264]) وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فهرس الموضوعات

الموضوع الصفحة
تقديم معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
المقدمة
المجلس الأول
فصل في فضل رمضان
حكم الصيام
فمن الكتاب
ومن السنة
ومن الإجماع
ومن المعقول
المجلس الثاني
فصل في فضل الصيام
حكم من أفطر في رمضان بغير عذر 
1-الصوم جنة
2-الصوم يدخل الجنة
3-الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما
4-الصيام كفارة
5-الريان للصائمين
الترهيب من الفطر في رمضان بغير عذر
المجلس الثالث
فصل في فضل تلاوة القرآن
بم يثبت دخول شهر رمضان المبارك؟
المجلس الرابع
آداب تلاوة القرآن
أيها الصائمون ويا أيتها الصائمات
ومن أهم آداب التلاوة
صيام يوم الشك
أحكام النية
هل تكفي النية أول الشهر؟
إذا لم يعلم بخبر الصيام إلا في وسط النهار
هل النية واجبة في الفرض والنفل؟
المجلس الخامس
أركان الصوم ومكانته في الإسلام
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المجلس السادس
التوبة
مفسدات الصوم
المجموعة الأولى: الإفطار بما دخل في الجوف
المجلس السابع
التوبة
بقية مفسدات الصوم
المجموعة الثانية: الأعمال الجنسية
المجموعة الثالثة: الإفطار بما خرج من الجوف
المجلس الثامن
نعيم القبر وعذابه
أقسام الصيام:
الصيام على أنواع
الصيام الواجب
الصيام المحرم
المجلس التاسع
العذاب الجسمي للعصاة في القبر
بقية أقسام الصوم
الصيام المندوب
1-صيام ستة أيام من شوال
2-صيام عشر ذي الحجة
3-يوم عرفة
4-صيام شهر الله المحرم
5-يوم عاشوراء
6-صيام ثلاثة أيام من كل شهر
7-صيام يومي الاثنين والخميس
8-صوم يوم وإفطار يوم
الصيام المكروه
1-صيام الدهر
2-يكره الوصال في الصيام
3-إفراد الجمعة بالصوم
4-إفراد يوم السبت
المجلس العاشر
الإخوة الإسلامية
على من يجب الصوم
الكافر
الصبي
المجنون
المجلس الحادي عشر
آداب الصوم
بر الوالدين
المجلس الثاني عشر
آداب الصوم
من هذه الآداب
1- السحور
2-تعجيل الفطر
3-الإكثار من الصدقة وتلاوة القرآن وتفطير الصائمين
حديث عبد الرحمن بن سمرة
المجلس الثالث عشر
فوائد الصوم
الصبر الجميل
المجلس الرابع عشر
حق المسلم على أخيه
الصيام عن اللغو والرفث
المجلس الخامس عشر
قيام الليل
أوصاف أهل الجنة
المجلس السادس عشر
قيام الليل
أوصاف أزواج أهل الجنة
المجلس السابع عشر
من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان
الدنيا بين التنافس فيها والإعراض عنها
المجلس الثامن عشر
شهر النصر
أحكام القضاء
المجلس التاسع عشر
أهوال يوم القيامة
صفة أرض المحشر
يحشر الكافرين على وجوههم
دنو الشمس من الخلائق
فصل العشر الأواخر من رمضان
المجلس العشرون
وصف النار
أحكام الاعتكاف
مدة الاعتكاف
مفسدات الاعتكاف
المجلس الحادي والعشرون
من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان
أسباب شرح الصدر
المجلس الثاني والعشرون
صيام الجوارح
صيام اللسان
يسر الإسلام في الصوم
المجلس الثالث والعشرون
صيام بقية الجوارح
صيام أهل الأعذار
صيام الآذان
صيام أهل الأعذار
الحائض والنفساء
الحامل والمرضع
المجلس الرابع والعشرون
الرياء
وصف الجنة
المجلس الخامس والعشرون
أحكام الزكاة
من أسباب دخول النار
المجلس السادس والعشرون
رسالة إلى أختي المسلمة
المجلس السابع والعشرون
وصف الجنة
ليلة القدر
المجلس الثامن والعشرون
الأخلاق الفاضلة
شغل الأوقات في رمضان
المجلس التاسع والعشرون
أسباب دخول النار
من الأسباب الموجبة للخلود في النار
من الأسباب الموجبة لدخول النار دون الخلود فيها
نصائح وتوجيهات
المجلس الثلاثون
صدقة الفطر
وداع رمضان
الخـــاتـمــة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة الإسراء الآيتان 23 ـ 24.     

([2]) قال في مجمع الزوائد ج8 ص138: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال  الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد غير منسوب  والظاهر أنه من المكثرين من شيوخه.

([3]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4 ص71، وصحيح مسلم ج8 ص3. 

([4]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص89، ورواه البخاري ج4 ص17.  

([5]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص5.   

([6]) رواه أحمد. المسند ج3 ص28، ورواه النسائي، سنن النسائي ج5 ص80، وقال في مجمع الزوائد ج6 ص257،

    ورواه أحمد والطبراني والنسائي وفيه جابان وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح.    

([7]) سورة الأحقاف آية 15.     

([8]) الصوم رفعت عبد المطلب ص43، الصوم للدوسري ص16.

([9]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص38، وصحيح مسلم ج3 ص130.

([10]) رواه مسلم.  صحيح مسلم ج3 ص130.

([11]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج3 ص37.

([12]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص37، وصحيح مسلم ج3 ص131.

([13]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص47، وصحيح مسلم ج3 ص131.

([14]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص131.

([15]) رواه أحمد. المسند ج4 ص17، والطبراني ج6 ص334، والترمذي ج3 ص46، وقال: حديث سلمان بن عامر حديث حسن.

([16]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص24، وصحيح مسلم ج7 ص73.

([17]) رواه مسلم ج3 ص92. 

([18]) ذكره ابن كثير. انظر: التفسير ج2 ص535 وقال القرطبي: بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه حديث عظيم ذكر فيه أعمالاً خاصة أورده هكذا في كتابه التذكرة. قال ابن تيمية: هذا حديث عظيم شواهد الصحة عليه، وقال في مجمع الزوائد ج7 ص180 رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي وكلاهما ضعيف.

([19]) ذكره ابن كثير في التفسير ج3 ص17ـ 21، وهو طويل جداً في أربع صفحات ثم قال: (. . . وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة وتكاره شديدة وفيه شيء من حديث المنام في رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري ويشبه أن يكون مجموعاً من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء. والله أعلم. 

([20]) سورة فصلت الآيات 30ـ 32.  

([21]) الصوم رفعت عبد المطلب، ص43، الصوم للدوسري ص16.   

([22]) سورة البقرة آية 183.    

([23]) سورة الزمر آية 10.     

([24]) سورة آل عمران آية 200.

([25]) سورة البقرة آية 153. 

([26]) سورة الأنفال آية 46.  

([27]) سورة الزمر آية 10.   

([28]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص227.    

([29]) سورة المدثر آية 7.   

([30]) سورة الرعد آية 22.    

([31]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج2 ص105، وصحيح مسلم ج3 ص40.     

([32]) سورة البقرة آية 155.      

([33]) سورة الأنبياء آية 35.       

([34]) سورة طه آية 13.      

([35]) سورة هود آية 12.     

([36]) إتحاف أهل الإيمان ص33، الصبر الجميل ص27.      

([37]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج7 ص3.       

([38]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص53.       

([39]) سورة النساء آية 86.

([40]) سورة الأحزاب آية 44. 

([41]) سورة الواقعة آية 25، 26. 

([42]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص53.  

([43]) حادي الأرواح ص22.   

([44]) سورة النور آية 40.  

([45]) سورة إبراهيم آية 18.   

([46]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص22، وصحيح مسلم ج3 ص157.    

([47]) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ص90، نفحات رمضان ص242.     

([48]) سورة الفرقان آية 64.     

([49]) سورة السجدة آية 16، 17.      

([50]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص169.      

([51]) رواه أحمد. المسند ج1 ص451، والترمذي في سننه ج4 ص287، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.       

([52]) رواه البخاري ومسلم ـ صحيح البخاري ج1 ص17، وصحيح مسلم ج2 ص177.

([53]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص40، وصحيح مسلم ج2 ص177.       

([54]) رواه البخاري ج3 ص58.

([55]) سورة آل عمران الآيات 133ـ 136.

([56]) سورة الأنفال الآيات 2ـ 4.  

([57]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص159.

([58]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج2 ص121 وصحيح مسلم ج3 ص53.

([59]) سورة النساء آية 69. 

([60]) حادي الأرواح ص105.

([61]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص138. 

([62]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص136. 

([63]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج1 ص138. 

([64]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج2 ص7. 

([65]) حادي الأرواح ص99ـ 100.  

([66]) فتح الباري ج4 ص250، بداية المجتهد ج1 ص202.  

([67]) فتح الباري ج4 ص253.  

([68]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج2 ص67.   

([69]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج2 ص64.   

([70]) مجموع الفتاوى ج23 ص113.   

([71]) سورة البقرة آية 25.    

([72]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4 ص21، وصحيح مسلم ج6 ص36.     

([73]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4 ص141، وصحيح مسلم ج8 ص147.     

([74]) سورة يس آية 55.      

([75]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص145.      

([76]) سورة السجدة آية 17.       

([77]) رواه أحمد. المسند ج2 ص438، وقد روى البخاري ومسلم بعضه بروايات مختلفة ص143، وصحيح مسلم ج8 ص143.

([78]) رواه أحمد. المسند ج4 ص333، وابن ماجه ج1 ص67، والترمذي ج4 ص687، قال أبو عيسى: هذا الحديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه . 

([79]) رواه البخاري لكن بغير هذا اللفظ ج8 ص146.      

([80]) فتح الباري ج4 ص250، بداية المجتهد ج1 ص202، حادي الأرواح ص103.      

([81]) سورة الأنفال الآيات 5ـ 12.       

([82]) سورة الأنفال آية 41.        

([83]) سورة الأنفال آية 9.         

([84]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج5 ص156ـ 157.          

([85]) سورة الأنفال آية 9.           

([86]) سورة الصافات آية 173.            

([87]) سورة محمد آية 7.            

([88]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4 ص117، وصحيح مسلم ج8 ص212.             

([89]) سورة الكهف آية 46.     

([90]) سورة آل عمران آية 14.      

([91]) سورة التغابن الآيتان 15ـ 16.

([92]) مختصر سيرة ابن هشام ص202، ونفحات رمضان ص189، وجولة في رياض العلماء ص33. 

([93]) سورة الحج الآيتان 40ـ 41.  

([94]) سورة الأنفال آية 60.   

([95]) سورة البقرة آية 185.   

([96]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص46، وصحيح مسلم ج3 ص155.    

([97]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص46، وصحيح مسلم ج3 ص156.    

([98]) سورة الحج آية 78.     

([99]) المجموع ج6 ص334، المغني ج3 ص102، هكذا نصوم ص111.      

([100]) سورة الحج آية 2.       

([101]) سورة طه آية 108.        

([102]) سورة المعارج الآيات 42ـ 44.         

([103]) سورة الزمر آية 67.          

([104]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج8 ص35، وصحيح مسلم ج8 ص126.           

([105]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج8 ص135، وصحيح مسلم ج8 ص127.           

([106]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج8 ص136، وصحيح مسلم ج8 ص156.           

([107]) سورة طه الآيات 124، 126.            

([108]) سورة الإسراء آية 97.             

([109]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج8 ص138.              

([110]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص158.               

([111]) سورة الفجر آية 23.                

([112]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص176.                

([113]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص41، صحيح مسلم ج3 ص176.                 

([114]) رواه الترمذي في سننه ج3 ص660، وقال هذا حديث حسن صحيح.                  

([115]) حاشية الروض ج3 ص467، أهوال يوم القيامة ص37.                  

([116]) حاشية الروض ج3 ص467، أهوال يوم القيامة ص37.                   

([117]) سورة آل عمران آية 131.                  

([118]) سورة الإنسان آية 4.                   

([119]) سورة الحجر الآيات 42ـ 44.

([120]) سورة الزمر آية 71.

([121]) سورة الملك الآيات 6ـ 8.

([122]) سورة الواقعة الآيات 41ـ 44.

([123]) سورة التحريم آية 6.

([124]) سورة إبراهيم الآيتان 49ـ 50.

([125]) سورة الحج الآيات 19ـ 22.

([126]) سورة الواقعة الآيات 51ـ 54.

([127]) سورة إبراهيم الآيتان 16ـ 17.

([128]) سورة الزخرف الآيات 74ـ 77.

([129]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص149.

([130]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4 ص147، وصحيح مسلم ج8 ص149.

([131]) رواه مسلم صحيح مسلم ج8 ص135.

([132]) سورة الأعراف الآيتان 38ـ 39. 

([133]) سورة غافر الآيات 47ـ 50.  

([134]) سورة البقرة آية 125.   

([135]) سورة البقرة آية 187.

([136]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج3 ص42.

([137]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج1 ص4. وصحيح مسلم ج6 ص48. 

([138]) سورة البقرة آية 187.  

([139]) سورة البقرة آية 187.

([140]) مواهب الجليل ج2 ص454، المغني ج3 ص183، المجموع ج6 ص407. 

([141]) سورة الفتح الآيات 1ـ 3.  

([142]) سورة النصر الآيات 1ـ 3.   

([143]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج5 ص170/ 171.

([144]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج5 ص173.

([145]) سورة الحج آية 26. 

([146]) سورة الأنعام آية 125.  

([147]) سورة الزمر آية 22.   

([148]) سورة الحجر آية 42.    

([149]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص71.     

([150]) أفاض العلامة ابن القيم في شرح أسباب شرح الصدر في كتابه العظيم (زاد المعاد) فليراجعه من شاء ج1 ص216 وما بعدها.     

([151]) مختصر سيرة ابن هشام ص332، زاد المعاد ج1 ص216، ونفحات رمضان ص220.      

([152]) سورة الحجرات آية 13.      

([153]) رواه أحمد. المسند ج5 ص236 وقال في مجمع الزوائد ج10 ص300، ورواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.

([154]) سورة ق آية 18. 

([155]) سورة الحج آية 78.  

([156]) سورة البقرة آية 185.

([157]) سورة البقرة آية 185.

([158]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص24. وصحيح مسلم ج3 ص122.

([159]) سورة البقرة آية 184. 

([160]) سورة البقرة آية 184. 

([161]) هكذا نصوم ص227، ثلاثون درساً للصائمين ص28/ 29.  

([162]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص30، وصحيح مسلم ج3 ص145.   

([163]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص141.    

([164]) حاشية ابن عابدين ج5 ص421، مجموع الفتاوى ج25 ص213.    

([165]) سورة النور الآيتان 30ـ 31.    

([166]) سورة الإسراء آية 36.     

([167]) سورة الأعراف آية 179.      

([168]) قال في مجمع الزوائد ج10 ص291 رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفهم.       

([169]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص85.       

([170]) سورة آل عمران آية 130.        

([171]) سورة البقرة الآيتان 278ـ 279.         

([172]) سورة البقرة الآيتان 278ـ 279.         

([173]) قدره شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين بكيلوين وأربعين غراماً فيكون الربع عنده (510 غراماً أي نصف كيلو وعشرة غرامات). والله أعلم بالصواب.           

([174]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج6 ص30.          

([175]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج6 ص31.          

([176]) سورة النحل آية 43.            

([177]) رواه أبو داود ج2  ص796، والنسائي ج4  ص190، والترمذي ج2  ص109، وحسن الحديث وقال ولا يعرف لابن مالك هذا عن النبي  صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد. . .         

([178]) المحلى ج6 ص562، العدة على أحكام الأحكام ج3 ص366، حاشية الروض المربع ج3 ص376.           

([179]) سورة النساء آية 142.           

([180]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج6  ص47.            

([181]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج8  ص130، وصحيح مسلم ج8  ص223.             

([182]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج6  ص46.              

([183]) سورة الماعون الآيات  4 ـ 7.               

([184]) سورة النساء آية 142.               

([185]) سورة محمد آية 15.                

([186]) حادي الأرواح ص219ـ 220، الرياء ذمه وأثره السيء في الأمة ص17.                

([187]) سورة البقرة آية 110.                

([188]) سورة البينة آية 5.                  

([189]) سورة التوبة آية 11.                 

([190]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج   ص8. وصحيح ج1 ص34.                  

([191]) رواه البخاري . صحيح البخاري ج2 ص90.                   

([192]) سورة التوبة آية 103.

([193]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج2 ص155. 

([194]) سورة التوبة الآيتان 34ـ 35.

([195]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص70. 

([196]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج2 ص149. وصحيح مسلم ج3 ص67.  

([197]) سورة التوبة الآيتان 34ـ 35.

([198]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج3 ص70. 

([199]) الزكاة ص103، وزكاة الحلي في الفقه الإسلامي ص118.  

([200]) سورة التوبة آية 71.  

([201]) سورة التحريم آية 6.   

([202]) سورة البقرة آية 245.    

([203]) سورة الحديد آية 7.     

([204]) سورة الحديد آية 11.      

([205]) سورة البقرة الآيتان 261ـ 262.       

([206]) سورة آل عمران الآيتان 133ـ 134.        

([207]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3  ص24، وصحيح مسلم ج7  ص73.

([208]) المرأة المسلمة ص79، نفحات رمضان ص264. 

([209]) سورة الرعد آية 35.  

([210]) سورة محمد آية 15.   

([211]) سورة البقرة آية 25.    

([212]) سورة الإنسان الآيات 14ـ 20.     

([213]) سورة الغاشية الآيات 10ـ 16.      

([214]) سورة الحج آية 23.      

([215]) سورة الدخان الآيات 51ـ 55.       

([216]) سورة الزخرف الآيتان 70ـ 71.        

([217]) سورة الرحمن الآيات 56ـ 58.         

([218]) سورة الرحمن الآيات 70ـ 72.          

([219]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج3 ص22، وصحيح مسلم ج3 ص157.           

([220]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج4 ص19.            

([221]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج8 ص143، وصحيح مسلم ج8 ص145.               

([222]) رواه مسلم. صحيح مسلم ج8 ص148.                

([223]) سورة السجدة آية 17.                 

([224]) رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ج4  ص143، وصحيح مسلم ج8  ص143.        

([225]) رواه أحمد. المسند ج4  ص333، وابن ماجه ج1  ص67. والترمذي ج4  ص687. قال أبو عيسى: هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه..

([226]) سورة القدر كاملة 1ـ 5. 

([227]) سورة الدخان آية 4.  

([228]) رواه البخاري. صحيح البخاري ج3  ص59.   

([229]) بسط الأقوال وأدلتها في سطوع البدر بفضائل ليلة القدر ص69 وما بعدها.   

([230]) سورة القدر آية 5.    

([231]) رواه أحمد. المسند ج6  ص171 والترمذي صحيح الترمذي ج5  ص534 وابن ماجه سنن ابن ماجه ج2  ص1265 والحاكم في المستدرك ج1  ص530. وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.     

([232]) سورة ن آية 4.     

([233]) رواه أحمد. المسند ج6  ص91، والبيهقي في السنن ج2  ص499، وأصله في مسلم ج7  ص74.      

([234]) سورة الصف الآيتان 2ـ 3.      

([235]) سورة الحج آية 27.       

([236]) سورة آل عمران آية 103.        

([237]) سورة الأنعام آية 162ـ 163.         

([238]) رواه الترمذي سنن الترمذي ج4  ص612 وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح. وذكره الألباني في الصحيحة برقم 946 ج1  ص266.          

([239])  سورة الأنعام الآيتان 162ـ 163.           

([240])  سورة آل عمران آية 30.            

([241])  سورة الذاريات آية 56.             

([242])  سورة الزلزلة الآيتان 7ـ 8.              

([243])  سورة النور آية 24.               

([244])  سورة فصلت الآيتان 21ـ 22.               

([245])  سورة الكهف آية 49.                

([246])  سورة الحج آية 2.                

([247])  أخي الصائم ص101، هكذا نصوم ص33، نفحات رمضان ص236.                 

([248])  سورة الأحزاب الآيات 64ـ 68.                  

([249])  سورة المائدة آية 72.   

([250])  سورة النساء الآيتان 150ـ 151.

([251])  سورة التوبة آية 65، 66.

([252])  سورة المائدة آية 44.

([253])  سورة النساء آية 145.

([254])  سورة البقرة آية 275.

([255])  سورة النساء آية 10.

([256])  رواه مسلم ج6  ص9. 

([257])  رواه مسلم. صحيح مسلم ج3  ص152.

([258])  سورة الحشر آية 21.

([259])  مجالس شهر رمضان ص127. الصيام محدثاته وحوادثه ص36.

([260])  رواه مسلم. صحيح مسلم ج3  ص68. 

([261])  سورة الأعلى الآيتان 14ـ 15.  

([262])  سورة الأعلى الآيتان 14ـ 15.  

([263])  المغني ج3  ص55، أخي الصائم ص224.   

([264])  سورة الصافات الآيات 180ـ 182.