26- إشارات في أحكام الكفارات

الثلاثاء 27 جمادى الآخرة 1445هـ 9-1-2024م

26- إشارات في أحكام الكفارات – pdf

  

 

إشارات في أحكام الكفارات

 

تأليف

أ.د/ عبدالله بن محمد أحمد الطيار

 

 

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا﴾ [الأحزاب: 70- 71].

أما بعد:

فقد كانت فكرة هذه الرسالة ثمرة جلسة علمية مع بعض الإخوة طرحت فيها أسئلة حول الكفارات وما يتعلق بها، وألح أحد الإخوة([1]) على إخراج رسالة متوسطة الحجم توضح فيها أحكام الكفارات التي يحتاجها عامة الناس، وأبدى من خلال عمله في جمعية البر جهل كثير من الناس بهذه الأحكام. وقد لاقت هذه الفكرة قبولاً من الحاضرين، وطلبوا وضع هذه الرسالة فاستعنت بالله وبدأت بها، لاسيما أنني قيدت خلال سنوات ماضية بعض الأسئلة التي طرحت حول الأيمان والنذور والكفارات فرجعت إليها وضمنتها هذه الرسالة على شكل مسائل؛ لأني أعلم أنها تمثل حاجة شريحة من المجتمع.

وقد لاحظت كما لاحظ غيري إقدام الناس على الأيمان والنذور والتساهل في ذلك في مجالسهم وأحاديثهم الخاصة وأحياناً في لعبهم ولهوهم، ثم بعد ما يقع الأمر يبحثون عن مخرج لما وقعوا فيه ويعتذرون لأنفسهم بكذا وكذا وكانوا في عافية من الأمر وقد شرع الله جل وعلا الكفارات ستراً للذنوب وتمحيصاً لها وتهذيباً للنفوس وصيانة لها من الوقوع فيما نهيت عنه.

وأغلظ هذه الكفارات إعتاق الرقبة وصيام شهرين متتابعين، وأخفها إطعام ستة مساكين في فدية الأذى وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين.

وهنا أوصي نفسي وغيري بعدم الحلف وعدم النذر، فإن حصل ذلك فلنبادر بالتكفير، لعل الله أن يعفو عن الزلل والتقصير.

وهذه الرسالة التي بين يدي القارئ رسالة لطيفة أوجزت فيها بعض أحكام الكفارات بأسلوب سهل واضح لتكون في متناول عامة الناس، وقد تجنبت الإطالة وذكر الخلاف، وركزت على ما ظهر لي خلال البحث، وقد جعلت هذه الرسالة في مقدمة وسبعة مباحث وخاتمة.

المبحث الأول: كفارة الأيمان.

المبحث الثاني: كفارة النذر.

المبحث الثالث: كفارة القتل.

المبحث الرابع: كفارة الظهار.

المبحث الخامس: كفارة الإيلاء.

المبحث السادس: كفارة الجماع في نهار رمضان.

المبحث السابع: الفدية في الحج.

وأخيراً:

أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا.

وألتمس من كل من يطلع على هذه الرسالة وله ملاحظات أو اقتراحات أن يبديها وله مني الدعاء بالتوفيق والإعانة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.                  

                                                                                                                   كتبه أبو محمد

                                                                                                     عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

                                                                                                        مساء الجمعة 2/ 3/ 1422هـ

 

 

المبحث الأول: كفارات الأيمان

 ويشمل ما يأتي:

تعريف اليمين.

من تصح يمينه.

يمين السكران .

يمين الكافر.

يمين الأعجمي.

تكرار اليمين.

الإكثار من الحلف.

أيهما: أولى البر باليمين أم الحنث؟

اليمين التي يجب الوفاء بها.

اليمين التي يجب الحنث والتكفير عنها.

شروط وجوب الكفارة.

القسم بأسماء الله تعالى

القسم بصفات الله تعالى

القسم بالمصحف.

الحلف بغير الله سبحانه.

الحلف بالحياة.

الحلف بآيات الله تعالى.

الحلف بحق الله تعالى.

الحلف بالذِّمة.

قول: لعمري.

إذا قال: أقسمت بالله أو أقسم بالله.

الحلف بالنبي محمد – صلى الله عليه وسلم -.

اليمين الغموس.

اليمين اللغو.

الاستثناء في اليمين.

شروط صحة الاستثناء في اليمين.

الشك في الاستثناء.

لو حلف أن يقضيه غداً وقضاه قبله.

لو حلف لا يلبس ثوباً من عمل زوجته.

إذا حلف لا يأوي مع زوجته في هذا العيد.

الحلف على الخروج من الدار.

من حلف: لا يدخل دار فلان.

لو حلف فقال: لا أكلت لحم هذا الحمل.

إذا فعل المحلوف عليه ناسياً.

يرجع في الأيمان إلى نية الحالف.

كفارة اليمين وتقديرها.

الإطعام.

الكسوة.

تحرير الرقبة.

الصيام.

اشتراط التتابع في الصوم.

قطع الصيام لعذر ولغير عذر.

من مات ولم يكفر عن يمينه فهل يكفر وليه عنه؟

متى تسقط الكفارة عن الحانث؟

متى يخرج الطلاق مخرج اليمين؟

هل تجزئ القيمة في كفارة اليمين؟

هل تجوز الإنابة في إخراج كفارة اليمين؟

إذا حنث الحالف في يمينه هل يلزمه الكفارة على الفور؟

هل تخرج الكفارة قبل الحنث؟

 

المبحث الأول: كفارات الأيمان

الحكمة في تشريع الأيمان

 الحكمة من تشريع اليمين:

  • التأكيد؛ وذلك إما لحمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف وأنه لم يكذب فيه إن كان خبراً، ولا يخلفه إن كان وعداً أو وعيداً ونحو ذلك.
  • تقوية نفس الحالف على فعل شيء يخشى إحجامها عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها عليه.
  • تقوية نفس الطلب من المخاطب أو غيره وحثه على فعل شيء أو منعه عنه.

تعريف اليمين:

اليمين في اللغة: جمع أيمان، وأصلها الأيمان المعروفة، وتسمى بالحلف.

في الشرع: توكيد حكم بذكر معظم على وجه مخصوص.

حكمها: المشروعية. وثبوت شرعيتها بالكتاب والسنة والإجماع.

أدلة الكتاب:

قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89].

وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].

أدلة السنة:

قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها))؛ رواه البخاري ومسلم.

وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت حكمها.

من تصح يمينه؟

تصح من كل مكلف مختار قاصد لليمين لا من غيرها.

يمين السكران:

إن كان سكره باختياره قاصداً له فإنه تنعقد في حقه الكفارة، وإن كان بعدم اختياره بل مكره عليه، أي إن كان مكرهاً على سُكر لم يتجاوز بشربه ما أكره عليه، فلا تنعقد في حقه الكفارة.

يمين الكافر:

تصح منه وتلزمه الكفارة بالحنث، سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه.

يمين الأعجمي:

 وهو الذي لا يحسن العربية وتصح يمينه بلغته.

تكرار الحلف:

أولاً: حكمها: لا يستحب تكرار الحلف ويكره الإفراط فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10].

فإن لم يخرج إلى حد الإكثار فليس بمكروه.

صوره: له صورتان:

الصورة الأولى: كأن يقسم على شيء واحد أكثر من مرة، فيقول: والله لا أذهب إلى فلان، والله لا أذهب إلى فلان. أكثر من مرة.

والحكم في هذه الصورة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه تجب فيها كفارة واحدة.

الصورة الثانية: كأن يحلف على أشياء متعددة فيقول مثلاً: والله لا آكل، والله لا أشرب، والله لا أنام.

والحكم في هذه الصورة أنه عليه بكل يمين منعقدة كفارة، وبه قال الجمهور.

الإقسام بوجه الله:

الإقسام بوجه الله: قيل بأنه حرام، وقيل بأنه مكروه، والصحيح جواز ذلك؛ لأنه يعبر عن الذات.

ويسن إجابة السائل بذلك وقيل: يجب لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((من سألكم بوجه الله فأعطوه))؛ رواه أحمد.

أيها أولى: البر باليمين، أم الحنث به؟

إن الناظر للأيمان يجد أنها ليست على درجة واحدة؛ فمنها ما يجب الوفاء به، ومنها ما هو واجب الحنث والتكفير عنها، ومنها ما الأمر فيها متساوٍ والأفضل الحنث بها.

وسأذكر لك توضيح ذلك باختصار.

  • اليمين الذي يجب الوفاء بها: مثل أن يحلف على الامتناع عن المعاصي، أو يحلف على فعل الفرائض، كأن يحلف أن يصوم شهر رمضان، أو يحلف أن يصلي الفرائض الخمس، أو يحلف أنه سيدع شرب الدخان، فكل هذه الأيمان وما كان على شاكلتها واجبة يجب البر بها، ولا يجوز الحنث؛ فلو حنث كان آثماً حتى ولو كفر كفارة يمين.
  • اليمين التي يجب الحنث والتكفير عنها: هي التي يترتب عليها ضرر بالأهل أو النفس أو الغير، أو التي تلزمه فعل محرم أو ترك واجب. فهذه يجب عليه الحنث فيها والتكفير عنها.

فمن حلف ليؤذين جاره أو ليقطعن رحمه أو لا ينفق على أولاده وأهله أو حلف ليشربن الخمر أو الدخان فكل هذه وما كان على شاكلتها يجب الحنث فيها والتكفير عنها.

  • اليمين التي ما كان البر بها مكروهاً والحنث بها أوْلى: كأن يحلف على الامتناع عن التصدق على الفقراء، أو أن يحلف على أن لا يصلي نافلة، وما كان في هذا المعنى فاليمين مكروهة، والأولى أن يحنث بها، ويكفر عن يمينه لأن فعلها خير من تركها.
  • ما كان الحنث بها والبر سواء: وهي ما كان على فعل مباح؛ وذلك كالأكل والشرب مثلاً لو قال: (والله لا آكل هذا الرغيف أو هذه الفاكهة أو لا أشرب هذا الماء) ونحوه.

فهذه اليمين البر فيها والحنث سواء، ولا شيء عليه أكثر من إخراج الكفارة التي أوجبها الله تعالى على الحنث في اليمين.

  

شروط وجوب الكفارة.

ولوجوب الكفارة شروط:

أولاً: قصد عقد اليمين: لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].

فلا تنعقد لغواً بأن سبقت على لسانه بلا قصد، ولا من نائم، ولا صغير، ولا مجنون.

ثانياً: كون اليمين على أمر مستقبلي ممكن: فلا تنعقد على ماضٍ كاذباً عالماً به؛ وهي الغموس وسيأتي تعريفها.

وكذا لا تنعقد على زمن مستقبلي ظاناً صدقه؛ فلم يكن كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل فلا كفارة في يمين على غلبة الظن إجماعا([2]) ، وقولنا في هذا الشرط:(على أمر مستقبلي ممكن) يراد بذلك أن اليمين لا تنعقد على وجود فعل مستحيل كشرب ماء الكوز ولا ماء فيه، أو كقتل الميت وإحيائه، وصعود السماء والطيران، فلا كفارة في ذلك كله.

ثالثاً: كون الحالف مختاراً لليمين، فلا تنعقد من مكره عليها؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))([3]).

رابعاً: الذكر؛ فلو حلف ناسياً لم تنعقد يمينه، وكذا لو حنث ناسياً لم يحنث، وهذا قول جمهور أهل العلم([4]).

خامساً: التلفظ باليمين؛ فلا يكفي حديث النفس عند جمهور أهل العلم، لقوله – صلى الله عليه وسلم -:(إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل)([5]).

سادسا: الحنث بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله، كمن حلف على ترك الخمر فشربها أو صلاة فرض فتركها، فيكفر لوجود الحنث.

  

أنواع القسم.

القسم بأسماء الله:

أسماء الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أسماء خاصة به لا يسمى بها غيره مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، ونحو ذلك؛ فالحلف بهذا الاسم يمين بكل حال بالإجماع([6]).

الثاني: أسماء مشتركة بين الله – عز وجل – وغيره لكن يغلب إطلاقه على الله مثل: الرزاق، الملك، الجبار، ونحو ذلك. فإن نوى اسم الله أو أطلقه فهو يمين، وإن نوى به غيره لم يكن يميناً.

الثالث: أسماء مشتركة بين الله – عز وجل – وغيره لكن لا يغلب إطلاقه على الله. مثل: العزيز، الحي، الكريم، المؤمن.

وهذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يمين، ومنهم من قال: إنه ليس بيمين بكل حال.

والصحيح قول جمهور أهل العلم إنه يمين إذا قصد الحلف بالله – عز وجل -، أما إذا أطلق أو قصد غيره فلا يعتبر يميناً)([7]).

القسم بصفات الله:

المراد بالصفات ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله – صلى الله عليه وسلم – فيما صح عنه، وهي قسمان: ثبوتية وسلبية.

فالثبوتية على نوعين:

(1) ثبوتية ذاتية.

(2) وثبوتية فعلية.

والمراد بالصفات الثبوتية ما أثبتها الله لنفسه: كالسمع والبصر والعلم والقدرة ونحوها أو كصفة الاستواء والنزول.

أما الصفات السلبية فالمراد بها ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

وجمهور أهل العلم يرون جواز الإقسام بصفات الله تعالى، وهو الصحيح لكن لا يقسم بالصفات الخبرية كاليد والأصبع والقدم وغيرها التي هي أبعاض لنا، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين – رحمه الله -.

القسم بالمصحف:

يجوز الحلف بالقرآن أو ببعضه أو بسورة منه، وهو قول جمهور أهل العلم، واختلفوا في مقدار الكفارة على من حلف بالمصحف، والصواب ما ذهب إليه الجمهور أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة([8]).

الحلف بغير الله:

يحرم الحلف بغير الله تعالى: لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))([9]). ولكونه شركاً بالله سبحانه، قال – صلى الله عليه وسلم -: ((من حلف بغير الله فقد أشرك))([10]).

أما كفارة الحلف بغير الله فعلى من وقع فيه أن يتوب إلى الله ويستغفره، وأن يأتي بكلمة التوحيد لما رواه البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((من حلف منكم فقال في حلفه: باللات؛ فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق))([11]).

الحلف بالحياة:

لا يجوز الحلف بالحياة كأن يقول الحالف: (وحياتي) أو أن يحلف بحياة غيره كأن يقول: (وحياة الأمير فلان أو برأسه).

قال السجستاني: (إن الجاهل الذي يحلف بروح الأمير وحياته ورأسه لم يتحقق إسلامه)([12]).

الحلف بآيات الله:

آيات الله تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الآيات الكونية: ويراد بها ما خلقه الله وقدره في هذا الكون كالليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك.

فهذه لا يجوز الحلف بها؛ لأنه قسم بمخلوق، والقسم بالمخلوق محرم.

القسم الثاني: الآيات الشرعية: ويراد بها الآيات القرآنية المنزلة بالوحي على عباده، فهذه يجوز الحلف بها، وقد ذكرنا جواز الحلف بالقرآن، وأنه صفة من صفاته سبحانه.

الحلف بحق الله:

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

الأول: أنه حلف بغير الله فلم يكن يميناً.

الثاني: أنه يمين.

والصحيح التفصيل في ذلك.

فإن أراد بحق الله ما هو صفة للمخلوق من العبادة والطاعة فيحرم، وإن أراد ما هو صفة منه – عز وجل – من تكليفه بعبادته فجائز. والله أعلم.

الحلف بالذمة:

إذا قال: بذمتي لأفعلن كذا.

إن أراد به القسم بغير الله فهذا لا يجوز؛ لأنه حلف بغير الله؛ إذ ذمة المخلوق مخلوقة.

وإن أراد بالذمة العهد والمسئولية أي أن هذا على عهدي ومسئوليتي، فيجوز ذلك وليس بقسم([13]).

قول لعمري:

اختلف العلماء في حكم قول: لعمري على قولين:

الأول: أنه ينهى عنه.

والثاني: جواز هذا اللفظ، والصحيح جواز هذا اللفظ لوروده عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لكن هل يعتبر يميناً؟

في ذلك قولان لأهل العلم:

القول الأول: أنه ليس يميناً، وهو قول أكثر أهل العلم([14]).

القول الثاني: أنه يمين فيه الكفارة.

والصحيح أن يقال: إن قصد من هذا اللفظ اليمين فلا يجوز؛ لأنه حلف بحياة الشخص، وإن لم يقصد منه اليمين جاز كما ورد، بهذا تجتمع الأدلة، والله أعلم.

إذا قال: أقسمت بالله، أو أُقسم بالله:

الصحيح من أقوال أهل العلم أنها يمين إن ذكر اسم الله تعالى، فقال: أقسمت بالله.

وإن قال: أقسمت لأفعلن كذا مثلاً، ولم يذكر لفظ الجلالة في قسمه، فإن نوى اليمين انعقدت وإن لم ينوِ فلا تنعقد.

الحلف بالنبي – صلى الله عليه وسلم -:

الحلف بالنبي – صلى الله عليه وسلم -: منه ما هو كفر ومنه ما هو حرام، فإن حلف بالنبي – صلى الله عليه وسلم – معتقداً تعظيمه كتعظيم الله، وذلك بجعل مرتبة النبوة كمرتبة الربوبية فإن هذا كفر.

وكذا إن حلف بالنبي – صلى الله عليه وسلم – استخفافاً واستهزاءً به وانتقاصاً لمنزلته فهذا كفر.

وإن حلف لا يعتقد ذلك، وإنما يعتقد جواز الحلف به، فإن هذا حرام فلا يجوز الحلف به، ولا يعتبر ذلك يميناً ولا يجوز الوفاء به ولو حنث فلا شيء عليه.

فالحلف بالنبي كغيره من الحلف بغير الله، فمن وقع فيه فليقل: (لا إله إلا الله) فلا كفارة فيه إلا هذه الكلمة.

اليمين الغموس:

تعريفها: هي اليمين التي يتعمد صاحبها الكذب فيها، بمعنى أنه يحلف على أمر أنه فعله وهو يعلم أنه لم يفعله أو أن يحلف على أنه لم يفعل الأمر الفلاني وهو يعلم علم اليقين أنه فعله، أو تسأله عندك كذا؟ فيقسم لك أنه لا يملكه، وهو يعلم علم اليقين أنه يملكه.

وفي وجوب الكفارة فيها قولان لأهل العلم، والذي يظهر عدم وجوب الكفارة فيها، وهو قول جمهور أهل العلم([15]).

اليمين اللغو:

اختلف أهل العلم رحمهم الله في لغو اليمين على أقوال: أصحها – والله أعلم – أن لغو اليمين ما جمعت أمرين:

الأول: ما يجرى على لسان المتكلم بلا قصد.

الثاني: اليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه.

وهذا هو قول الحنابلة وشيخ الإسلام وابن القيم وابن حزم – رحمهم الله –([16]).

والقول بأن اليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه فيبين بخلافه من اللغو ذلك من جهة عدم وجوب الكفارة فيها بإجماع أهل العلم([17]).

صورتها: كأن يقول الإنسان لأخيه مثلاً: والله لتفعلن كذا، ولا والله، وبلى والله.

ومثاله أيضاً: كأن يقول المضيف للضيف مثلاً: والله لتأكلن أو لتشربن أو نحوه من باب إكرام الضيف دون إرادة اليمين أو عقد القلب عليه.

حكمها: لا كفارة فيها ولا شيء لعدم انعقاد القلب عليها.

الدليل قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225].

الاستثناء في اليمين:

معناه: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، وذلك بإلا أو إحدى أخواتها.

وصورته: أن يقول الحالف: والله لا أخرج الليلة من داري إن شاء الله، أو أن يقول: والله لا ألبس هذا الثوب إن شاء الله.

قال جمهور أهل العلم: إن هذه اليمين لا يلزم الوفاء بها، فلو خرج من داره أو لبس هذا الثوب المحلوف عليه لا شيء عليه بسبب الاستثناء في القسم.

من فوائد الاستثناء في اليمين:

  • أنه يفيد عدم لزوم اليمين.
  • عدم وجوب الكفارة عليه.
  • خروجه من الكذب.

شروط صحة الاستثناء في اليمين:

  • اتصال الاستثناء في اليمين، فلو فصل بينهما بكلام أجنبي، وطالت المدة بينهما فلا يصح الاستثناء في هذه الحالة.

أما إذا كان آخر الكلام ينسب إلى أوله بمعنى أن المستثنى ينسب إلى المستثنى منه عرفاً فلا يضر ذلك إذا وُجِدَ فاصل من سكوت أو كلام يسيرين، أو كان قطع الكلام لعذر كالعطاس والتثاؤب.

  • أن يكون المستثنى والمستثنى منه صادرين من متكلم واحد.
  • أن ينطق الحالف بالاستثناء: فلو استثنى بقلبه لم ينفعه ولكن لو كتب الاستثناء بدل أن ينطق به لنفعه ذلك أما المظلوم فلا يشترط له النطق بالاستثناء فلو استثنى بقلبه صح.
  • أنه إذا استثنى بالمشيئة لا يقصد مجرد التبرك، ولكن يقصد الاستثناء وهو قول جمهور أهل العلم.

الشك في الاستثناء:

إذا شك الحالف هل استثنى في يمينه أم لا؟

فالمشهور عند الحنابلة أن الأصل عدمه مطلقاً.

أما شيخ الإسلام فيرى أن الأصل عدمه إلا ممن عادته الاستثناء، وهذا قول قوي.

 

باب: جامع في الأيمان

* لو حلف أن يقضيه غداً وقضاه قبله لم يحنث إذا قصد عدم تجاوزه، وإن قصد مطله بمعنى أنه قال: والله لأقضينه غداً يريد مطله ثم قضاه قبله حنث.

* لو حلف لا يبيع الشيء بعدد معين ثم باعه بأقل حنث؛ لا إن باعه بأكثر فإنه لم يحنث.

* لو حلف لا يلبس ثوباً من عمل زوجته فباعه واشترى بثمنه ثوباً آخر حنث.

* إذا حلف لا يأوي مع زوجته في هذا العيد حنث بدخوله قبل صلاة العيد لا بعدها لانقضائه بصلاته، أما إن قال: لا أويت معها أيام العيد فيحنث بدخوله معها في يوم يُعدُّ من أيام العيد.

* وإن قال لزوجته: والله لا تركت هذا الصبي ونحوه يخرج فأفلت فخرج، أو قامت لحاجة فخرج، فإن نوى أن لا يخرج حنث، وإن نوى أن لا تدعه يخرج فلا يحنث.

* إن حلف لوالٍ لا يرى منكراً، إلا رفعه إليه في ولايته، وأمكن رفعه إليه ولم يرفعه حتى انتهت ولايته حنث في الأصح، ولو رفعه إليه بعد نهاية ولايته.

الحلف على الخروج من الدار:

من حلف ليخرجن من هذه الدار أو ليرحلن منها أو لا سكنت فيها، وأقام فيها بعد يمينه زمناً يمكنه الخروج حنث.

أما إن أقام لنقل رحله ومتاعه ففيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يحنث.

الحلف على الدخول في الدار:

من حلف لا يدخل هذه الدار ثم دخلها حنث، وإن حمل بغير أمره فدخلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث على الصحيح، وإن لم يمكنه الامتناع لم يحنث.

وإن أكره بضرب ونحوه فدخل لم يحنث أيضاً.

من حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد باعها أو هي فضاء أو مسجد أو حمام ونحوه قولان، والصحيح أنه لا يحنث.

لو حلف فقال: لا أكلت لحم هذا الحَمَل فصار كبشاً أو هذا الرطب فصار تمراً أو هذا اللبن فصار جبناً ولا آكل هذه الحنطة فصارت دقيقاً أو سويقاً أو خبزاً ولا نية له ولا سبب عند حلفه حنث لبقاء المحلوف عليه.

لو حلف: لا لبست هذا القميص فلبسه وهو رداء أو عمامة أو سراويل حنث على الصحيح، وذلك لبقاء عين المحلوف عليه.

إذا فعل المحلوف عليه ناسياً: قولان لأهل العلم، والصحيح أنه لا يحنث للأدلة الواردة في عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ وكذا الإكراه.

المرتبة الأولى: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ.

مثاله: رجل قال: والله لا أنام الليلة إلا على فراش لين. فخرج الرجل إلى النفود فنام على الرمل فطلع الفجر وهو على ذلك فقلنا له كفِّر. قال ما أكفِّر. قلنا: لماذا؟ قال: لأني نويت بالفراش الأرض، فهذا يصح لأن اللفظ يحتمله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة: 22].

فقيل له: أنت قلت: لين؟ قال: نعم، الرمل لين.

فهذا عند احتمال اللفظ، أما عند عدم احتماله فلا يقبل منه.

المرتبة الثانية: إن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها.

مثاله: قيل لرجل: اذهب معنا نسافر إلى بلاد كذا فقال: البلد الفلاني والله لا أسافر إليه ؛ لعلمه أن هذا البلاد لا تحكم شرع الله ولكثرة المنكرات فيها، فقيل له: إن الوضع قد تغير، وهي الآن تحكم بشرع الله وقد أزيلت منها المنكرات، فلو سافر ليس عليه شيء.

المرتبة الثالثة: فإن عدمت النية وسبب اليمين وما هيجها رجع إلى التعيين، فإذا تعيّن شيء تعلق الحكم به على أي صفة كانت، إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة.

مثاله: قال: والله لا أكلم هذا الصبي. فصار شيخاً فكلمه فإنه يحنث بتعيينه فإذا قال: إنما قصدت ما دام على صباه ثم صار شيخاً فإنه لا يحنث؛ لأن النية مقدمة على التعيين في هذه الحالة.

المرتبة الرابعة: فإن عدم ذلك كله رجع إلى ما يتناوله الاسم، والرجوع فيه يكون أولاً إلى المسمى الشرعي ثم اللغوي ثم العرفي.

مثاله: قال قائل: والله لأصلين الآن قبل أذان العشاء، ثم مد يديه إلى السماء يدعو حتى أذن العشاء، قلنا له: لماذا لم تصل؟ قال: أنا صليت؛ فهذا يحنث؛ لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي. صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن- المسلمين – يحمل كلامنا على المعنى الشرعي.

كفارة اليمين، وبكم تقدر:

كفارة اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مسلمة، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام متتابعة.

أولاً: صفة الإطعام:

الصفة الأولى: إما أن يصنع طعاماً أو يشتري لهم فيطعمهم جميعاً منه، وهذا جائز بخلاف من قال باشتراط التمليك في الإطعام.

الصفة الثانية: ويراد بها التقدير، وهي أن يعطي كل مسكين كيلو وربع الكيلو من الأرز أو القمح أو ما يقوم مقامهما من الطعام فيكون الجميع (12.5) كيلوجراماً. ويحسن في هذه الحالة أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم أو دجاج أودهن أو نحو ذلك، وبه يتم الإطعام.

ثانياً: الكسوة:

بين الله تعالى أنها نوع من الأنواع التي تتم بها الكفارة غير أنه لم يرد دليل شرعي يبين القدر الواجب من الكسوة، ولذا اختلف أهل العلم في قدرها، والذي يظهر- والله أعلم- أن المرجع فيها إلى عرف كل بلد بحسبه. ففي بلادنا مثلاً تكون الكسوة بثوب وغترة وطاقية أو ما ينوب عنها. أما السراويل والفنايل فليست بلازمة ولكنها من الكمال، وفي كثير من البلاد العربية يكفي قميص وبنطال، وفي الهند وما شابهها يكفي إزار ورداء، وهكذا المرجع في الكسوة لكل مكان بحسبه.

ثالثاً: تحرير رقبة:

هذا هو النوع الثالث من أنواع الكفارة، ودليله آية تكفير الأيمان، ولكن هل يشترط كون الرقبة هنا مؤمنة، رجح بعض العلماء عدم الاشتراط، ولكن الأحوط أن يعتقها الحالف مؤمنة، فإن أخرجها كافرة هل تجزئه؟

هذا محل نظر عند أهل العلم.

رابعاً: الصيام:

وهو صيام ثلاثة أيام متتابعات لا انقطاع بينها.

وينبغي أن يعلم أن العدول إلى الصوم لا يكون إلا بعد عدم القدرة على ما سبق، فكفارة اليمين جمعت بين الترتيب والتخيير، فالتخيير فيما سبق أي هو مخير بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، فإن تعذر ذلك رجع إلى الصوم.

لكن هل يشترط التتابع في الصيام؟

قولان لأهل العلم أرجحهما وجوب التتابع، وذلك لقراءة أُبي بن كعب وابن مسعود – رضي الله عنه -ما في قوله كفارة اليمين: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة).

مسألة: إذا قطع صيامه هل يلزم إعادة ما صامه لاشتراط التتابع؟

الجواب: اعلم أن القاطع للتابع لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون له عذر شرعي: كالمرض والسفر والحيض والنفاس والعيدين وجهل ونسيان، ونحو ذلك من الأعذار الشرعية.

فهذه لا يلزمه إعادة ما صامه، بل عليه استكمال صيامه، فإن صام يوماً ثم أفطر لمرض أو سفر ونحوه مما ذكر فعليه استكمال ما تبقى من صيام.

الثانية: أن يفطر لغير عذر شرعي: وفي هذه الحالة انقطع تتابعه باتفاق الأئمة لعدم تأديته المأمور به على الوجه الشرعي، فإذا صام يوماً ثم أفطر لغير عذر وجب عليه إعادة هذا اليوم ليكون صومه متتابعاً.

مسألة: من مات ولم يكفِّر عن يمينه فهل يشرع لوليه أن يكفر عن يمينه؟

الجواب: اختلف أهل العلم في هذا الحكم، ولكن الصحيح – والله أعلم – أنه يلزم وليه أن يكفر عنه من ماله، فإن كان للمتوفى مال وجب على وليه التكفير عنه بالإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يكن له مال صام عنه وليه أو غيره في أصح أقوال أهل العلم، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ محل خلاف بين أهل العلم.

مسألة: متى تسقط الكفارة عن الحانث؟

الجواب: أولاً: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في سقوط الكفارة عن الحانث مع الإعسار.

فذهب الجمهور إلى عدم سقوطها واستقرارها في ذمة الحالف، وذهب الإمام أحمد في رواية عنه أنها تسقط مع الإعسار وهذا هو الصحيح؛ إذ لا تكليف إلا بمستطاع، والمشقة تجلب التيسير، قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

ثانياً: تسقط الكفارة عن الحانث إذا كان معسراً، كأن يكون فقيراً لا يستطيع أن يطعم أو يكسو أو أن يحرر رقبة، وكذلك بأن يكون كبيراً أو مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، فهنا تسقط عنه الكفارة بالصوم، والله أعلم.

مسألة: متى يخرج الطلاق مخرج اليمين؟

تمهيد: اعلم أخي أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية البشر من الانزلاق إلى الهاوية وإلى سفاسف الأمور، ومما جاءت به حماية جناب التوحيد، فنهت عن الحلف بغير الله وجعلت من حلف بغير الله فقد أشرك، ومما جاءت به أيضاً حماية الأسر من الضياع، فعظمت شأن الطلاق وجعلته وقت الهزل والجد سواء، حتى لا يستهين الناس به حماية للأسرة وجمعاً لشملها، قال – صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث جدهن وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة))([18]). ولكن سرعان ما غفل الناس عن النهيين: فوقعوا في الشرك المنهي عنه، ووقعوا في الطلاق المحظور منه.

ولخطورة هذه المسألة ووقوع أكثر الناس فيها سوف نتكلم عنها بإيجاز، وننصح إخواننا بالرجوع إلى الكتب التي توسعت فيها.

الصورة الأولى: أن يقول الرجل بالطلاق: لأفعلن كذا وكذا أو عليّ الطلاق لأفعلن كذا يلزمني كذا، أو يحلف على زوجته فيقول لها: بالطلاق لتخرجن من الدار، ونحو ذلك.

فهذا باتفاق الفقهاء صيغته من صيغ اليمين التي إذا بر بها لا شيء عليه، وإذا حنث فيها فهذا محل خلاف بين أهل العلم.

أرجحها أنه تلزمه كفارة يمين ولا يلزمه الطلاق إذا كان حالفاً بالطلاق.

الصورة الثانية: وهي التي يعلق فيها الطلاق بشرط، مثالها كأن يقول لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق. أو إن خرجت من الدار فأنت طالق، ونحو ذلك مما هو مشروط، ففيه حالتان:

الأولى: أن يكون مريداً للفعل ومريداً للطلاق، فإذا ما فعلته طلقت منه بالاتفاق.

الثانية: أن يكون كارهاً للطلاق ويكره وقوعه، ولكنه للشرط الذي رتب عليه الطلاق أشد كراهية، فهنا يكون يميناً ولكنه يقع عليه ما التزمه من الطلاق.

مثاله: أن يقول لزوجته: إن زنيت فأنت طالق، أو إن سرقت فأنت طالق فكراهيته لزناها وسرقتها أشد فهنا يقع طلاقاً لأنه أخف الضرر عليه.

الثالثة: أن يكون غير مريد الطلاق ولا قاصد له وإنما يقصد الحث على فعل الشيء أو تركه أو المنع من الفعل مثل ما ذكرنا سابقاً.

ومثاله أيضاً: كأن يقول لزوجته إن لم تغسلي لي ملابسي فأنت طالق، أو إن لم تأتيني بالغذاء فأنت طالق، فهذا مقصوده الحث على الفعل وليس وقوع الطلاق، بل هو يكره ذلك.

فهنا مقصود اليمين، ولذلك فإنه يقع يميناً، فإن فعلت لا شيء عليها، وإن لم تفعل حنث في يمينه ولزمته كفارة يمين، ولا يلزمه في ذلك طلاق.

مسألة: هل تجزئ القيمة في كفارة اليمين؟

الجواب: يخطئ بعض الناس في هذه المسألة فيقدرون قيمة الإطعام أو الكسوة، فيخرجونه على هيئة مبالغ مالية، وهذا خطأ ولا يجوز لأن الله أعلم بأحوال عباده، وقد قدَّر الله وحكم بما ارتضاه لعباده وبيَّن لهم الطريقة في إخراج كفارة الأيمان، ثم قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89].

فلا يشرع العدول عنها إلا بدليل شرعي، ولا دليل على إخراج القيمة في ذلك.

مسألة: هل يجوز الإنابة في إخراج كفارة اليمين كإعطائها لجمعية البر مثلاً؟

الجواب: نعم، يجوز ذلك! وعلى من يدفعها لهم أن يخبرهم أنها كفارة يمين، وينيبهم عنه في إخراجها، وعلى القائمين على الجمعيات مراعاة الضوابط الشرعية بصرفها لعشرة من مستحقيها، وهم الفقراء المسلمون.

مسألة: إذا حنث الحالف في يمينه هل يلزمه الكفارة على الفور؟

الجواب: نعم، يجب إخراج الكفارة على الفور! وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وتعليل القول بالوجوب هو أنه لا يدري ما يعرض له؛ فقد يكون غنياً فيفتقر بين يوم وليلة، وهذا مشاهد، وقد يكون صحيحاً معافى ثم يمرض أو يلقى ربه، وهذا أيضاً مشاهد، ومعلوم لدى القاصي والداني، وخير شاهد على ذلك حوادث السيارات التي نسمع عنها يومياً، فالأولى والأحوط القول بوجوبها على الفورية خروجاً من العهدة وإبراء للذمة، والله أعلم.

مسألة: هل يجوز إخراج الكفارة قبل الحنث؟

الجواب: يجوز إخراج الكفارة قبل الحنث ولو كفَّر بالصوم، وبه قال مالك وهو المشهور عنه، لكنه استحب كونها بعده([19]).

ودليل ذلك: ما رواه البخاري من حديث عبد الرحمن ابن سمرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير))([20])، فإذا أخرجها قبل الحنث سميت تحلة اليمين، وإذا أخرجها بعد الحنث سميت كفارة.

 

المبحث الثاني: كفارة النذر

ويشمل ما يأتي:

تعريف النذر.

حكمه.

دليله.

الوفاء به.

صرف النذر لغير الله.

حكم الوفاء بنذر المعصية.

نذر المرء ما لا يقدر عليه.

نذر المرء فيما لا يملك.

حكم الوفاء.

قضاء النذر عن الميت.

حكم النذر الذي لم يسمَّ.

نذر اللجاج والغضب.

كفارة النذر.

 

النــذر

تعريف النذر:

في اللغة: الإيجاب.

وهو: أن يوجب المكلف على نفسه ما ليس بواجبه مما يملكه وليس بمحال.

حكمه: أقل أحواله الكراهة، بل مال شيخ الإسلام إلى تحريمه؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عنه وقال: ((إنه لا يأتي بخير)).

دليله: قوله تعالى في مدحه للمؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: 7].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270].

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه.))([21]).

الوفاء به:

أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالوفاء بالنذر والأمر فيه للوجوب إن كان النذر في طاعة الله أو فيما أبيح. أما إن كان النذر في معصية الله فلا يجوز الوفاء به، بل الواجب عليه تركه؛ ودليلي ذلك حديث أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))([22]).

صرف النذر لغير الله:

الوفاء بالنذر عبادة كسائر العبادات لا يجوز صرفها لغير الله؛ وذلك لأن الأصل فيه التقرب، والتقرب لغير الله في العبادات شرك؛ ولما انصرف الناس عن الصراط المستقيم انتشر فيهم الشرك فما أكثر من ينذر لغير الله تعالى من الصالحين والجن والمقبورين وغيرهم.

حكم الوفاء بنذر المعصية:

لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)).

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: (وإن نذر ما ليس بطاعة مثل النذر لبعض المقابر والمشاهد وغيرها زيتاً أو شمعاً أو نفقة أو غير ذلك فهو نذر معصية، وهو شبيه من بعض الوجوه النذر للأوثان، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فهذا لا يجوز الوفاء به بالاتفاق)([23]).

أما هل تلزمه كفارة يمين؟ قولان لأهل العلم أصحهما القول بوجوب الكفارة عليه.

فإذا نَذَرَ نذر معصية نقول له: لا يجوز الوفاء بهذا النذر وتلزمك كفارة يمين لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا نذر في معصية الله وكفارتة كفارة يمين))([24]).

نذر المرء ما لا يقدر عليه، ونذره فيما لا يملك:

أولاً: نذر المرء ما لا يقدر عليه:

مثاله: أن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا مما لا يستطيعه إطلاقاً أو يقول: لله عليّ أن أفعل كذا في زمن كذا مما يستطيعه في الزمن المعتاد، ولكن لا يستطيعه في الزمن الذي حدده.

هل تلزمه كفارة يمين؟ تقرر في علم الأصول أنه لا تكليف إلا بمقدور، وما خرج عن قدرة الإنسان لا يجب الوفاء به؛ لأنه فيه ضرراً عن الناذر، فيجعله في حكم نذر المعصية.

واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه، والصحيح أنها تلزمه الكفارة.

ثانياً: نذر المرء ما لا يملك:

وله حالتان:

الحالة الأولى:

أن ينذر ما ليس في ملكه ولكن في ملك غيره، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أعتق عبد فلان، أو لله عليّ نذر أن أتصدق بمال فلان إذا وفقت في أمر كذا.

حكم الوفاء به: لا يجوز لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد))([25]).

الحالة الثانية:

أن ينذر فيما يملكه ابتداءً (أي ما ليس في ملكه الآن).

مثاله: أن يقول: لله عليَّ عتق رقبة إن شفى الله مريضي، وهو لا يملك عتق رقبة، أو أن يقول: لله عليّ نذر أن أتصدق بـ100ألف ريال إذا وفقت في أمر كذا، وهو لا يملك هذا المبلغ.

حكم الوفاء به: ففي هذه الحالة يثبت في حقه الوفاء به، فمتى ملك ما يعتق به العبد ثبت في ذمته العتق، ومتى ملك المال الذي ألزمه على نفسه فيجب الوفاء به.

قضاء النذر عن الميت:

الميت له حالتان عند نذره:

الحالة الأولى: أن ينذر نذر طاعة وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والأوْلى أن يقال:

أولاً: إذا كان الميت موسراً فيجب على أوليائه قضاء النذر عنه، وذلك من تركته.

ثانياً: إذا كان معسراً فيستحب لولي المتوفى أو غيره قضاء النذر عنه.

الدليل على ما ذكرنا:

حديث ابن عباس – رضي الله عنه – ما قال: استفتى سعد بن عبادة – رضي الله عنه – رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((فاقضه عنها))([26]).

الحالة الثانية: أن ينذر نذر معصية، وهنا أجمع أهل العلم أنه لا يجوز الوفاء به، ولكن هل يجب على ولي المتوفى التكفير عن هذا النذر؟ الصحيح أنه لا يجب، ولكن يستحب التكفير عنه، وذلك إذا كان المتوفى معسراً (لا مال له).

أما إذا كانت له تركة فيجب على أوليائه التكفير عنه من ماله الذي تركه.

حكم النذر الذي لم يسمَّ:

صفته: لله عليّ نذر إن شفى الله ابني، فهو لم يسمِّ النذر.

حكم هذا النذر:

له حالتان:

الحالة الأولى:

أن تنعقد نيته على شيء ما ولم يتلفظ لسانه بهذا الشيء، فهنا يجب عليه الوفاء بما انعقدت النية عليه.

الحالة الثانية:

أن يكون مبهماً في النية والقول يعني أن يقول: لله عليَّ نذر إن شفى الله مريضي، وليس في نيته شيء، فهذا اختلف فيه أهل العلم.

وأصح الأقوال في ذلك وجوب الكفارة احتياطاً، وذلك لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((كفارة النذر كفارة يمين))([27])، فقوله: النذر عام يشمل ما سمي وما لم يسمَّ، والله أعلم.

نذر اللجاج والغضب:

تعريفه: هو ما يخرج من الإنسان حال غضبه بقصد المنع من شيء أو الحمل عليه أو تصديقه أو تكذيبه.

مثاله: أن يقول حال غضبه: إن دخلت الدار فلله عليَّ صوم سنة، أو لأتصدقن بمالي.

حكمه: في هذه الحالة أكثر أهل العلم يقولون بالتخيير بين الفعل أو الترك مع الكفارة.

وذلك لأن هذا النذر الغالب فيه الحث على فعل شيء أو تركه.

كفارة النذر:

كفارة النذر بينها النبي – صلى الله عليه وسلم -، وذلك فيما رواه مسلم عن عقبة بن عامر الجهني – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((كفارة النذر كفارة يمين)) ([28]).

فكفارة النذر التخيير بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن تعذر ذلك صام ثلاثة أيام على ما ذكرناه في كفارة اليمين.

 

المبحث الثالث: كفارة القتل

ويشمل ما يأتي:

القتل الموجب للكفارة.

القتل شبه العمد.

هل تجب الكفارة في القتل شبه العمد؟

قتل العمد.

هل تجب الكفارة في قتل العمد؟

من قتل نفسه هل تجب الكفارة في ماله؟

قائد السيارة إذا حصل عليه حادث ومات ما حكمه؟

كفارة القتل وأنواعها.

هل تلزم الكفارة بالتسبب؟

هل تجب الكفارة على من قتل ذمياً؟

هل تجب الكفارة في قتل الجنين؟

هل تجب الكفارة في قتل العبد؟

إذا عفى أهل الدم فهل تجب الكفارة؟

هل تذكر الكفارة في صك القاتل؟

  

المبحث الثالث

كفارة القتل

 المسألة الأولى: في بيان القتل الموجب للكفارة.

أولاً: قتل الخطأ:

تعريفه: (هو أن يتسبب في موت شخص لا يقصد قتله مثل أن يقود سيارة ويحصل عليه حادث يموت سببه شخص أو أشخاص أو يدهس شخصاً بسيارته بغير قصد).

هل تجب فيه الكفارة؟

أجمع أهل العلم على وجوب الكفارة في قتل الخطأ. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: 92].

ثانياً: قتل شبه العمد:

تعريفه: (هو أن يقصد شخصاً بعينه فيضربه بما لا يقتل غالباً: إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب فيسرف فيه كأن يضربه بعصا صغيرة أو حجر صغير أو سوط أو وكزه باليد وسائر ما لا يقتل غالباً، فإذا بالشخص المضروب بذلك يموت).

هل تجب فيه الكفارة؟

الصحيح من أقوال أهل العلم وجوبها قياساً على قتل الخطأ؛ وتعليل ذلك لأنها إذا وجبت في الخطأ ولا إثم فيه، فلأن تجب في شبه العمد وفيه الإثم من باب أولى.

ثالثاً: قتل العمد:

تعريفه: (هو أن يقصد شخصاً بعينه فيقتله بما يغلب على ظنه موته به) كأن يضرب بآله حادة أو حجر كبير ونحوه، أو يلقي عليه حائطاً أو يلقيه في نار أو ماء ولا يمكنه التخلص منها.

هل تجب فيه الكفارة؟

على خلاف بين أهل العلم؛ فذهب أبو حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي الظاهرة في مذهبه إلى عدم وجوب الكفارة عليه، وذهب الشافعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد إلى وجوبها قياساً على قتل الخطأ.

والصحيح عدم وجوب الكفارة فيه؛ وذلك لأنه أعظم من أن يكفر، فقد توعد الله فاعله بالخلود في النار والغضب واللعنة؛ والكفارة إنما ترفع ما وقع من طريق الخطأ تخفيفاً من الله ورحمة، ثم إن الله تبارك وتعالى ذكر قتل الخطأ ثم ذكر بعده ما يجب عليه من كفارة، وذكر قتل العمد ولم يذكر شيئاً من الكفارة، فدل على عدمها وأنه لا كفارة فيه.

المسألة الثانية: في حكم من قتل نفسه هل تجب الكفارة في ماله أم لا؟

أولاً: وقد جعلت هذه مسألة نظراً لكثرة ما يحدث في هذا الزمان من انتحار لبعض أفراد الأمة، وللأسف فقد كثرت حالات الانتحار في مجتمعاتنا، ولا أرى ذلك إلا لانتكاس الفطر وسلوك سبل الغي والضلال والجري وراء المدنية الزائفة التي أودت بحياة الكثير من شباب الأمة؛ فكم من قاتل لنفسه من أجل محبوبته؟ وكم من قاتل لنفسه من أجل التخلص من جحيم الحياة على زعمه؟ وغير ذلك من أسباب الانتحار. أسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يهدي شبابهم إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

ثانياً: هل يدخل قائد السيارة الذي يصاب بحادث فيموت بسببه في عداد قاتل نفسه؟

في هذه المسألة تفصيل:

  • أن يصاب بحادث غير أنه لم يتجاوز السرعة المسموح بها ولا يقطع إشارة ونحوه، فهنا لا يعد ممن قتل نفسه.
  • أن يصاب بحادث غير أنه كان مفرطاً في سرعته ولا يبالي بأنظمة المرور ونحوه، فهذا يخشى عليه أن يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ولا شك أنه آثم بتفريطه.

ثالثاً: أما كون الكفارة تجب على قاتل نفسه، فهذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال بعدم لزوم الكفارة على من قتل نفسه، ومنهم من قال بلزوم الكفارة على قاتل نفسه في ماله، لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].

فهو مؤمن معصوم الدم فوجبت الكفارة في ماله وقياساً على قتل الغير، والذي يظهر عدم وجوبها؛ والله أعلم.

المسألة الثالثة: في بيان كفارة القتل.

أولاً: دليلها:

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ [النساء: 92].

ثانياً: أنواعها:

أجمع أهل العلم على أن كفارة قتل الخطأ نوعان:

  • عتق رقبة مؤمنة.
  • فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

ثالثاً: هل ينتقل إلى الإطعام عند العجز عن الصيام في كفارة القتل؟

معلوم أن الله تعالى ذكر نوعين فقط في كفارة القتل، وهما: العتق والصوم، وسكت عن الإطعام فاختلف أهل العلم في ذلك، وأصح الأقوال في ذلك، أنه لا ينتقل إلى الإطعام لعدم ذكره في الآية، إذ لو كان جائزاً لذكره([29]).

المسألة الرابعة: هل تلزم الكفارة بالتسبب؟

كمن حفر بئراً فوقع فيه بعض المارة، أو شهد شهادة زور فقتل من أجلها بعض الناس ظلماً، أو نصب سكيناً فقتل بعض المارة بسببها.

على خلاف بين أهل العلم، والراجح لزوم الدية والكفارة عليه لما فيه من الاحتياط وحفظ النفوس وصيانتها وعدم التفريط فيها، بل لأن ذلك كله داخل في قتل الخطأ الذي تجب فيه الكفارة، فلا تسقط عنه بل تلزمه([30]).

المسألة الخامسة: هل تجب الكفارة على من قتل ذمياً؟

الراجح لزوم الكفارة على من قتل معاهداً ذمياً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].

المسألة السادسة: هل تجب الكفارة في قتل الجنين؟

اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: أصحها وجوب الكفارة على قتل الجنين، وذلك لأنه متى خلِّق أصبح معصوم الدم؛ فمن تسبب في قتله خطأ وجبت عليه الكفارة ردعاً وزجراً له([31]).

المسألة السابعة: في لزوم الكفارة في قتل العبد؟

اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح وجوبها لعدم الفرق بين دم العبد ودم الحر.

المسألة الثامنة: إذا عفا أهل القتيل عن القاتل خطأ شبه عمد فهل تلزمه الكفارة عندئذ؟

نعم تلزمه الكفارة ولا تسقط عنه بعفو الورثة عن الدية لأن الكفارة حق الله، والدية حق الآدمي، ولا دخل لهذه في تلك([32]).

المسألة التاسعة: هل يلزم ذكر الكفارة في صك القاتل خطأ؟

الصحيح أنه لا يلزم، ولكن الأحسن والأولى ذكرها من قبل القاضي في صك الحكم حتى يكون ذلك تذكيراً للقاتل وحثاً له على تأدية حق الله تعالى، ولكي ينتشر هذا الحكم انتشاراً يستفيد منه كل من قرأه أو سمعه، حيث إن كثيراً من الناس لا يعرفون هذا الحكم.

  

المبحث الرابع: كفارة الظهار

ويشمل ما يأتي:

حكمه.

كفارته.

آيات كفارة الظهار وما اشتملت عليه.

إذا عزم المظاهر على وطء زوجته لزمته الكفارة قبل الوطء.

كفارة الظهار على الترتيب.

انعقاد النية عند التكفير.

إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام فهل هذا ظهار؟

إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام، وأراد الطلاق.

إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام، ولم ينوِ طلاقاً ولا ظهاراً ولا يميناً.

إذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، وأراد به الطلاق.

إذا قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت عليّ كظهر أمي.

إعطاء الكفارة لأقل من ستين مسكيناً.

هل يلزم على دم الكفارة أن يستلف ليكفر؟

هل تسقط الكفارة عند العذر.

إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي.

أنواع الظهار.

الجماع هل يقطع التتابع في كفارة الظهار بالصيام؟

 

المبحث الرابع: كفارة الظهار

تعريف الظهار:

هو أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي أو أختي، أو من تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة.

حكمه:

حكم الله سبحانه وتعالى عليه حكماً جازماً، فقال في حقه: ﴿مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ فجمع فيه صفتين.

الأولى: أنه منكرٌ؛ وذلك لأنه حرام.

الثانية: أنه زور؛ وذلك لأنه كذب.

كفارته:

قال الله تعالى في بيان الظهار وكفارته: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 2-4].

ما اشتملت عليه الآيات في بيان صفة الكفارة:

أولاً: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.

هذا النوع الأول من كفارة الظهار، ولكن هناك بعض الشروط وضعها الفقهاء لكي يتم العتق وفق ما اقتضته الشريعة.

الشرط الأول: أن تكون الرقبة المراد تحريرها مؤمنة وذلك قياساً على كفارة القتل.

الشرط الثاني: أن تكون الرقبة سليمة من العيوب التي تضر بالعمل ضرراً بيناً: كالعمى والشلل ليد أو رجل ولا تكون مريضة ميؤوساً منها ونحوه.

ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.

هذا النوع الثاني من كفارة الظهار، وله شروط:

الأول: أن لا يقدر على العتق؛ وذلك إما بعدم إيجاد الرقبة أو بعدم ملك المال الذي يعتق به.

الثاني: صيام الشهرين متتابعين، فإن انقطع صومه لعدم عذر شرعي فإنه يستأنف صومه أي يعيد صومه من جديد لاشتراط التتابع.

فائدة: في بيان بعض الأعذار الشرعية التي تبيح له عدم التتابع: يجوز له أن يفصل بين أيام الصيام وبين الشهرين بصيام واجب كصوم رمضان مثلاً، أو فطر واجب كالإفطار للعيد وأيام التشريق أو الإفطار لعذر يبيحه كمرض وسفر. فالإفطار هنا في هذه الأحوال لا يقطع التتابع.

الثالث: تبييت النية من الليل على كونها كفارة ظهار بالصوم.

ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾.

هذا النوع الثالث من أنواع الكفارة للظهار وله شروط:

الأول: أن لا يقدر على الصيام.

الثاني: كون من أراد أن يطعمه:

  • مسكيناً أي ممن يستحق دفع الزكاة إليه.
  • مسلماً.
  •  حراً.

الثالث: أن يكون مقدار ما يدفع للمسكين لا ينقص عن مد من بر أو نصف صاع من غيره.

تنبيهات هامة على أحكام الظهار:

التنبيه الأول: إذا عزم المظاهر على وطء زوجته يلزمه أن يخرج الكفارة قبل الوطء عند العزم عليه، فتحريم الزوجة عليه باق حتى يكفِّر، وهذا باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3].

التنبيه الثاني: أن كفارة الظهار على الترتيب، وليست على التخيير، فيبدأ المظاهر بعتق رقبة فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها عدل إلى الصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

التنبيه الثالث: يشترط لصحة الكفير انعقاد النية على أن ما يقوم به المظاهر هو كفارة ظهار لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات.))([33]).

بعض المسائل الهامة في الظهار:

المسألة الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام. فهل يكون ظهاراً؟

المشهور من مذهب الحنابلة وأكثر أهل العلم أنه ظهار، واختار شيخنا ابن عثيمين – رحمه الله – أنه ليس بظهار إلا أن ينويه، فإن لم ينوه فالصحيح أنه يمين، فيكفر كفارة يمين لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: 1-2].

قال الشيخ – رحمه الله -: فقوله تعالى: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ف ﴿ما﴾ هنا من صيغ العموم فتشمل حتى الزوجة.

فإذا قال لزوجته: (أنت علىَّ حرام) فهو يمين إذا جامعها وجب عليه كفارة يمين فقط.

المسألة الثانية: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام.، وأراد الطلاق.

الصحيح أنه يكون طلاقاً ما دام أراده؛ لأن هذا اللفظ قابل لهذه النية، ولأن المطلقة حرام على زوجها حتى وإن كانت رجعية فليست كالزوجة، ولقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).

المسألة الثالثة: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام . ولم ينو طلاقاً ولا ظهاراً ولا يميناً.

الصحيح أنه يجعل يميناً، لأن هذا مقتضى اللفظ المطلق، فإذا أُطلق كان يميناً.

المسألة الرابعة: إذا قال لزوجته: أنت علىَّ كظهر أمي. وأراد بذلك الطلاق هل يقع عندئذ طلاقاً؟

الجواب: لا يقع طلاقاً؛ لأنه لفظ صريح في الظهار، ولو جعلناه طلاقاً لوافقنا أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يجعلون الظهار طلاقاً، وهذا لا يجوز إذ هو تغيير للحكم الشرعي، فإذا قال: أنت عليّ كظهر أمي. فهو ظهار بكل حال.

المسألة الخامسة: إذا قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر أمي.

هذا حكمه حكم اليمين ما لم ينو الظهار لأنه ظاهر فيه أن المقصود الحث على عدم الفعل فهو جارٍ مجرى اليمين.

المسألة السادسة: إعطاء الكفارة لأقل من ستين.

  • هل يجوز دفع الكفارة كاملة لمسكين واحد إذا لم يوجد ستون مسكيناً؟

نعم يجوز ذلك إذا تعذر إيجاد ستين مسكيناً، فإذا وُجد ثلاثون مثلاً جاز له أن يطعمهم يومين، فإن لم يجد إلا مسكيناً واحداً جاز له أن يطعمه ستين يوماً، فإن شق عليه أعطاه الطعام دفعة واحدة، وكفى.

  • هل يجوز الاستلاف للكفارة وإعطاؤها للمساكين؟

لا بأس بذلك إذا كان فقيراً ووجد من يقرضه وهو واثق أنه سوف يجد ما يقضي به ذلك القرض.

  • هل تسقط الكفارة عند العذر؟

نعم تسقط الكفارة إذا تعذر عليه أداؤها لفقر أو غيره، مع بقائها في ذمته متى قدر على أدائها أدَّاها، والله أعلم.

المسألة السابعة: إذا قالت الزوجة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أمي هل يعد ظهاراً؟

لا يعد ظهاراً، لأن الظهار لا يقع إلا من الزوج، ولكن يجب عليها كفارة يمين في هذه الحالة.

المسألة الثامنة: في بيان أنواع الظهار:

الظهار قد يكون منجزاً ومعلقاً ومؤقتاً.

المنجز: أن يقول لزوجته: (أنت علىَّ كظهر أمي).

المعلق: أن يقول لزوجته: (إن جاء فلان من الناس فأنت عليَّ كظهر أمي)

مؤقت: أن يقول لزوجته: (أنت عليَّ كظهر أمي شهر رمضان).

فالأول يعد مظاهراً في الحال. والثاني متى جاء فلان من الناس الذي عينه صار مظاهراً فتجب فيه الكفارة عند قدومه. والثالث متى جاء رمضان فإن وطأها فيه وجبت عليه كفارة الظهار وإن لم يطأها فيه فلا كفارة عليه.

المسألة التاسعة: هل يقطع الجماع التتابع في كفارة الظهار بالصوم؟

فيه تفصيل: إن كان ذاكراً عالماً بذلك فإنه يقطعه ويجب عليه إعادة ما صامه، ليكون الصوم متتابعاً.

وإن كان ناسياً ففيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح من قولهم أنه لا يقطع التتابع.

  

المبحث الخامس:  كفارة الإيلاء

ويشمل ما يأتي:

تعريف الإيلاء.

حكمه.

شروطه.

كفارته.

معنى الآيات الواردة في الإيلاء.

هل تخرج كفارة الإيلاء قبل الوطء؟

إذا جامع الرجل المولي زوجته قبل انقضاء الإيلاء فهل تلزمه الكفارة؟

إذا انتهت مدة الإيلاء وأمر الحاكم المولي بالرجوع فهل تلزمه كفارة؟

أحوال المرأة المطلقة بالإيلاء.

  

المبحث الخامس: كفارة الإيلاء

تعريف الإيلاء:

هو حلف زوج يمكنه الوطء، بالله أو بصفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قُبُلها أبداً أو أكثر من أربعة أشهر.

حكمه:

التحريم؛ لأنه يمين على ترك واجب، ألا وهو حق الزوجة وذلك بالوطء.

شروطه:

  • كون الزوج ممن يمكنه الوطء. فإن كان عاجزاً عن الوطء كالمجبوب والمشلول فلا ينعقد الإيلاء عندئذ.
  • كون الزوج حالفاً بالله أو بصفة من صفاته لا بطلاق ولا نذر ونحوه.
  • أن يحلف على ترك الوطء في القبل.
  • أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر.
  • كون الزوجة ممن يمكن وطؤها.

كفارته:

الإيلاء كما ذكرنا نوع من الأيمان؛ إذ هو حلف؛ فكفارته هي كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة؛ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

ما جاء في الكتاب العزيز في حق الإيلاء، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226- 227].

بيان معنى الآيتين الكريمتين:

أي للأزواج الذين يحلفون على ترك وطء زوجاتهم مهلة أربعة أشهر، فإن وطؤوا زوجاتهم وكفروا عن أيمانهم فإن الله يغفر لهم ما حصل منهم، وإن مضت هذه وهم مصرون على ترك وطء زوجاتهم، فإنهم يوقفون ويؤمرون بالوطء والتكفير عن اليمين، فإن أبوا أمروا بالطلاق بعد مطالبة المرأة.

مسائل في الإيلاء:

المسألة الأولى: هل يلزم إخراج كفارة الإيلاء قبل الوطء؟

الصحيح أنه لا يلزم ذلك؛ إذ إنها كفارة يمين، فيجوز إخراجها قبل الحنث، وتسمى عندئذ: (تحلَّة يمين) أو إخراجها بعد الحنث فتسمى: كفارة يمين.

المسألة الثانية: إذا جامع الرجل زوجته قبل انقضاء مدة الإيلاء هل تجب عليه الكفارة؟

الصحيح أن الكفارة تلزمه، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه يمين منعقدة، وقد حنث بها فلزمته الكفارة.

المسألة الثالثة: إذا انتهت مدة الإيلاء وأمر الحاكم أو القاضي المولي بالفيئة أو الطلاق هل تجب عليه الكفارة إذا جامع؟

الصحيح لزوم الكفارة عليه كالمسألة السابقة.

المسألة الرابعة: إذا انقضت مدة الإيلاء وأمر القاضي الزوج بالفيئة فلم يفيء فما الحكم؟

على القاضي أن يأمره بطلاقها عندئذ، ولكن هل يطلقها واحدة أو ثلاثا؟ على خلاف بين أهل العلم ولكن الصحيح – والله أعلم – أن القاضي مخير في هذه المسألة فقد يرى أن المصلحة في تحريمها عليه ومنعه رجعتها، وذلك لعلمه بسوء قصده وحصول المصلحة ببعده.

المسألة الخامسة: في أحوال المرأة المطلقة بالإيلاء؟

الحالة الأولى: أن يطلقها القاضي ثلاثاً، ففي هذه الحالة تحرم عليه تحريم مؤبداً، ولا يحل نكاحها ومراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره.

الحالة الثانية: أن يطلقها مرة واحدة، وهذه لا تخلو من:

  • أن يطلقها القاضي مرة واحدة غير أن زوجها طلقها قبل ذلك مرتين، فبها تنضم هذه إلى الاثنتين وتصبح ثلاثاً، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
  • أن يطلقها القاضي واحدة وقد كان زوجها طلقها قبل ذلك واحدة فهنا تصير اثنين فيجوز للزوج مراجعتها ولكن بعقد ومهر جديد لكونها قد بانت منه بينونة صغرى.
  • أن يطلقها القاضي واحدة ولم يكن الزوج قد طلقها قبل فتكون واحدة، ولكن لابد من عقد جديد ومهر جديد لكونه أصبح خاطباً من الخطاب. والله أعلم.

  

المبحث السادس:

كفارة الجماع في نهار رمضان

ويشمل ما يأتي:

كفارة من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان.

هل تلزم الكفارة من جامع في قضاء رمضان أو في صوم نذر أو تطوع؟

هل تلزم الكفارة من جامع يظنه ليلاً فبان نهاراً؟

من جامع دون الفرج هل تلزمه الكفارة؟

هل تجب الكفارة على المرأة؟

حكم من كان عالماً بتحريم الجماع ويجهل وجوب الكفارة؟

إذا جامع في يومين ولم يكفر؟

إذا تكرر الجماع في يوم واحد؟

هل تجب الكفارة بجماع الخنثى؟

هل تجب الكفارة بوطء البهيمة؟

 من جامع في نهار رمضان وهو معافى ثم مرض.

من جامع في نهار رمضان وهو مقيم ثم سافر.

هل يلحق الأكل والشرب متعمداً بالجماع في وجوب الكفارة؟

الحامل والمرضع إذا أفطرتا في نهار رمضان هل عليهما كفارة؟

الهرم هل تثبت في حقه كفارة؟

المريض مرضاً لا يرجى برؤه؟

حكم من فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر.

حكم من فرط في قضاء رمضان حتى توفى.

بيان القدر الواجب في كفارة الحامل والمرضع والهرم وما شابه ذلك وكيفية إخراجها.

كفارة من أتى حائضاً.

حكم من أتى حائضاً وبيان الكفارة في ذلك.

بيان الكفارة فيمن أتى حائضاً.

بيان القدر الواجب في كفارة إتيان الحائض.

تقدير الكفارات بالريالات.

هل تثبت الكفارة فيمن وطأ بعد الطهر وقبل الغسل؟

هل تلزم الكفارة المرأة؟

هل تلحق النفساء بالحائض؟

  

المبحث السادس: كفارة الجماع في نهار رمضان

كفارة من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان:

دليل مشروعيتها: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت؟! قال: (مالك؟) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول – صلى الله عليه وسلم -: ((هل تجد رقبة تعتقها؟)) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا. قال:(فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟) قال: لا. فمكث النبي – صلى الله عليه وسلم – فبينما نحن على ذلك أتي النبي – صلى الله عليه وسلم – بعرق فيه تمر، – والعرقُ المكتل- قال:(أين السائل؟) قال: أنا. قال:(خذ هذا فتصدق به) فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى بدت أنيابه، ثم قال:(أطعمه أهلك))([34]).

المسألة الأولى: في بيان كفارة من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان؟

كفارة من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان هي على الترتيب الآتي:

– عتق رقبة مؤمنة؛ فإن لم يستطع،

– فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد،

– فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت([35]).

المسألة الثانية: هل تلزم الكفارة على من جامع في قضاء رمضان أو صوم نذر أو صوم تطوع؟

الصحيح هو قول جمهور أهل العلم على عدم وجوب الكفارة في صوم غير صوم رمضان؛ لأن النص إنما ورد فيه دون غيره.

المسألة الثالثة: فيمن جامع يظنه ليلاً فبان نهاراً، هل عليه كفارة؟

الصحيح لزوم الكفارة عليه؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر المجامع بالتكفير من غير تفريق ولا تفصيل([36]).

المسألة الرابعة: إن جامع دون الفرج فأنزل هل تلزمه الكفارة؟

قولان للحنابلة: الراجح منهما عدم لزوم الكفارة بإنزال دون الفرج، وعليه القضاء فقط.

المسألة الخامسة: هل تجب الكفارة على المرأة؟

فيه تفصيل:

أولاً: أن تكون المرأة عالمة بالحكم مطاوعة على الجماع ذاكرة للصوم؛ فإنه تجب عليها الكفارة.

ثانياً: أن تكون معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فلا كفارة عليها.

ولكن هل يلزمها القضاء؟ لأهل العلم أقوال أصحها لزوم القضاء.

المسألة السادسة: من كان عالماً بتحريم الجماع في نهار رمضان ولكن يجهل أن فيه كفارة؟

الصحيح لزوم الكفارة عليه لدلالة الحديث على ذلك؛ حيث جاء الصحابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – مستفسراً مع علمه بتحريم ذلك؛ حيث قال: (هلكت) ولا يقول ذلك إلا لعلمه بتحريم الجماع في نهار رمضان؛ فلما وقع في المحظور مستفسراً عما يجب عليه في ذلك.

المسألة السابعة: إذا جامع في يومين ولم يكفر؟

الصحيح لزوم الكفارة واحدة، وذلك لتداخل الكفارات؛ لأنها من جنس واحد، إلا إذا كان يتحيل بإفساد صومه، فإنه يلزمه بكل يوم كفارة.

المسألة الثامنة: إذا تكرر الجماع في يوم واحد ولم يكفر؟

الصحيح أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة؛ لأن صومه فسد بالجماع الأول.

المسألة التاسعة: هل تجب الكفارة بجماع الخنثى؟

الصحيح عدم لزوم الكفارة وإن أنزل بل يجب عليه القضاء لفساد صومه فقط.

المسألة العاشرة: من جامع بهيمة هل تلزمه الكفارة؟

الصحيح أنه قد فسد صومه بجماعها وعليه القضاء ولا كفارة عليه.

المسألة الحادية عشرة: من جامع في نهار رمضان وهو معافى ثم مرض أو سافر هل تسقط عنه الكفارة؟

الصحيح عدم سقوط الكفارة عنه حتى وإن أفطر ثم سافر لوجوبها عليه واستقرارها في ذمته.

المسألة الثانية عشرة: هل يلحق الأكل والشرب متعمداً بالجماع في إيجاب الكفارة؟

على خلاف بين أهل العلم، فمذهب مالك والأحناف لزوم الكفارة عليه، أما الشافعي وأحمد فيرون عدم لزوم الكفارة، وهو الصحيح؛ لأن النص إنما ورد في الجماع([37]).

المسألة الثالثة عشرة: في الحامل والمرضع إذا أفطرتا في نهار رمضان هل عليهما كفارة؟

في هذه المسألة تفصيل.

أولاً: أن تفطرا خوفاً على نفسيهما لا ولديهما، فيثبت في حقهما القضاء دون الكفارة.

ثانياً: أن تفطرا خوفاً على ولديهما فيلزمهما القضاء والكفارة على الصحيح من كلام أهل العلم([38]).

المسألة الرابعة عشرة: في الهرم، ويراد به الرجل الكبير والمرأة الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصوم هل تثبت في حقهما الكفارة؟

الصحيح من أقوال أهل العلم ثبوت الكفارة عليهما فيطعمان عن كل يوم مسكيناً، قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: (في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً)([39]).

المسألة الخامسة عشرة: في المريض مرضاً لا يرجى برؤه.

الصحيح أنه متى أفطر العاجز عن الصيام بمرض لا يرجى برؤه وجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلاً عنه عند العجز، لأنه معادل له([40]).

المسألة السادسة عشرة: في حكم من فرَّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر.

هذه المسألة لا يخلو صاحبها من حالتين:

الأولى: أن يؤخر القضاء لعذر شرعي كمرض أو سفر أو نحوهما حتى أدركه رمضان الثاني.

فهذا اتفق الأئمة الأربعة على عدم لزوم الكفارة عليه.

الثاني: أن يؤخر القضاء لغير عذر شرعي حتى يدخل رمضان الثاني فهذا محل خلاف، والصحيح هو ما ذهب إليه أحمد ومالك والشافعي بوجوب الكفارة عليه إن كان موسراً، وهي إطعام يوم لكل مسكين مع قضائه([41]).

المسألة السابعة عشرة: في حكم من فرط في قضاء رمضان حتى توفي؟

وفي هذه المسألة لا يخلو المتوفى من حالتين:

الأولى: أن يكون تأخيره لعذر شرعي ومات قبل التمكن من القضاء فلا كفارة عليه.

الثاني: أن يكون تأخيره لغير عذر شرعي ثم مات قبل التمكن من القضاء، فالصحيح أنه يطعم عنه إن كان موسراً مكان كل يوم مسكيناً([42]).

المسألة الثامنة عشرة: في بيان القدر الواجب في كفارة الحامل والمرضع والهرم وما شابه ذلك وكيفية إخراجها.

قد بين الله تعالى ذلك حيث قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. والقدر الواجب في الإطعام هو مد من البر أو الأرز أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب.

وللإطعام صورتان:

الأولى: أن يعطى كل مسكين عن يوم أفطره القدر الواجب عليه من الكفارة في هذا اليوم الذي أفطره.

الثانية: هو أن يصنع طعاماً بقدر الأيام التي أفطرها، ثم يدعو إليه المساكين لإطعامهم به أو يقوم بتوزيعه عليهم.

صورة أخرى للإطعام:

هو أن يعطي جمعية البر مثلاً ما يعادل القدر الواجب عليه من الإطعام مالاً فتقوم الجمعية بإخراجها عنه، ولكن بشرط إشعار الجمعية بأن هذه كفارة إطعام لكي يخرجوها على الوجهة الشرعية. والله الموفق.

كفارة من أتى حائضاً:

المسألة الأولى: حكم من أتى حائضاً وبيان الكفارة في ذلك؟

وهذه المسألة نتناول فيها بعض الأمور:

الأمر الأول: في بيان حكم إتيان المرأة وهي حائض.

وهذا فيه تفصيل:

أولاً: أن يأتيها أي يجامعها بلا حائل ولا إزار، فهذا بإجماع أهل العلم محرم.

لقولة تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، وهذا هو الذي فيه الكفارة على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى.

ثانياً: أن يأتيها وهي متزرة أو ملقية على فرجها حائلاً، فهذا لا خلاف بين العلماء في جوازه لما رواه البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يأمرني فأتزر فيباشرني)([43]).

وعن ميمونة – رضي الله عنها – قالت: (إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين يحتجز به)([44]).

ثالثاً: أن يأتيها بما فوق الركبة ودون السرة بلا حائل:

هذا محل خلاف بين أهل العلم، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة على تحريمه ومنعه، وذهب أحمد إلى جوازه وإباحته لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].

قال: والمحيض اسم لمكان الحيض وهو الفرج.

ولقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((اصنعوا كل شيء غير النكاح))([45]).

والصحيح ما ذهب إليه أحمد ولكن بشرط أن يملك إربه، فإن كان لا يستطيع أن يملك إربه وخشي من الوقوع في المحظور فلا يجوز له ذلك؛ فقد روى البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: (كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، وأيكم يملك إربه كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يملك إربه؟)([46]).

المسالة الثانية: بيان الكفارة فيمن أتى حائضاً؟

ذكرنا فيما سبق أنه لا يجوز للرجل أن يجامع أهله حال الحيض، ويحرم عليه ذلك، ولكن هل إذا جامعها بإيلاج في الفرج هل عليه كفارة في ذلك؟

هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم.

فقال بعضهم: ليس في ذلك كفارة لعدم وجود دليل صريح صحيح في ذلك، بل يبقى عليه الإثم.

وقال بعضهم: إنه تجب عليه كفارة الجماع لورود ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم -.

عن ابن عباس – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الذي يأتي امرأته وهي حائض: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار))([47]).

وكذا جاء عن ابن عباس موقوفاً قال: (إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار)([48]).

وقال بعضهم إنها مستحبة وبه قال أبو حنيفة.

والصحيح: استحباب الكفارة على من أتى امرأته وهي حائض للاختلاف الحاصل في صحة الأدلة، وهذا هو قول الأحناف: – والله أعلم -.

المسألة الثالثة: في بيان القدر الواجب في كفارة إتيان الحائض؟

ذكرنا أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الكفارة تستحب في حق من أتى زوجته وهي حائض، ولكن بقي سؤال وهو: كم قدرها إذاً؟

اختلف أهل العلم في القدر الواجب في كفارة من أتى حائضاً.

ذهب الشافعي في القديم عنه إلى القول بلزوم الكفارة، وقال في قدرها إنها تقدر بدينار إن كان الجماع في إقبال الدم، ونصف دينار إن كان في إدباره، وإقبال الدم أي اشتداده، وإدباره ضعفه وقربه من الانقطاع([49]).

وفي إحدى الروايتين عن أحمد إن كان الدم أحمر فدينار وإن كان أصفر فنصف دينار([50]).

وفي إحدى الروايتين عن أحمد إن كان له مقدرة تصدق بما جاء عن النبي- صلى الله عليه وسلم –([51]).

والصحيح أن كفارة من أتى حائضاً مستحبة على التخيير دينار أو نصف دينار، لأنه هو الثابت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فأيهما أخرج أجزأه.

المسألة الرابعة: في تقدير الدينار بالعملة المحلية أي بالعملة المتداول بها الآن؟

تقرر أنه يستحب إن وطء الحائض أن يكفر بدينار أو نصفه. والدينار كما ثبت لي ثلاثة جرامات([52]) ونصف الجرام (3.5) وقد سألت عن سعر الجرام من الذهب في يوم الثلاثاء: 7/ 3/ 1422هـ فقيل لي إن سعر الجرام (34) ريالاً وبهذا تكون الكفارة بالريال السعودي (119) أو (59.5) ريالاً.

المسألة الخامسة: هل تثبت الكفارة في حق من وطئ بعد طهر وقبل الغسل؟

على خلاف بين أهل العلم، والصحيح عدم ثبوتها لأن الأذى المانع من وطئها قد زال بانقطاع الدم، ولأن الكفارة إنما تجب بالوطء بالحيض ولا تجب في غيره([53]).

المسألة السادسة: في لزوم الكفارة على المرأة.

هذه المسألة فيها تفصيل:

إن كانت المرأة مطاوعة فعليها الكفارة، وإن كانت مكرهة على ذلك فليس عليها كفارة، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))([54]).

المسألة السابعة: هل تلحق النفساء بالحائض في استحباب الكفارة؟

الصحيح استحباب الكفارة عليها كالحائض، لأنها تساويها في سائر أحكامها المتعلقة بالوطء وما يلحق به.

  

المبحث السابع: فدية الأذى

ويشمل ما يأتي:

دليل مشروعيتها.

فدية من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام.

فدية من ترك واجباً من واجبات الحج.

فدية من ارتكب أكثر من محظور أو ترك أكثر من واجب.

فدية قتل الصيد.

كفارة الجماع ودواعيه في الحج قبل التحلل الأول.

فدية المحصر والمتمتع والقارن.

أحوال الفدية مع فاعل المحظورات وتارك الواجب.

أحكام شجر الحرم المكي.

صيد المدينة وشجرها ونباتها.

أقسام محظورات الإحرام بالنسبة للفدية.

قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾.

دم المتعة والقران إذا تعذر الهدي والصيام.

الهدي وشروطه.

الفرق بين دم المتعة والقران وما جعل لفعل محظور أو ترك واجب.

  

المبحث السابع: كفارة الأذى

دليل مشروعيتها:

من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196].

من السنة: عن كعب بن عجرة – رضي الله عنه – قال: وقفت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال (يؤذيك هوامك)([55]) قلت: نعم. قال:(فاحلق رأسك) قال: فيَّ نزلت الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196]. إلى آخرها فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق([56]) بين ستة أو أنسك بما تيسر))([57]).

المسألة الأولى: فيمن ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام؟

من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام كإزالة شعر أو ظفر أو وضع طيب أو مباشرة لشهوة أو لبس مخيط للذكر أو القفازين للمرأة ونحو ذلك.

فتجب عليه الفدية، وهي على التخيير الآتي:

ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام

المسألة الثانية: من ترك واجباً من واجبات الحج؟

من ترك واجباً من واجبات الحج كرمي جمار أو مبيت بمزدلفة أو منى أو ترك طواف وداع أو ترك الإحرام من الميقات وغير ذلك من واجبات الحج، فهذا تجب عليه الكفارة، وهي على الترتيب الآتي:

ذبح شاة فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأهله، فإن لم يتمكن من صيام الثلاثة في الحج صامها مع السبعة إذا رجع إلى أهله.

المسألة الثالثة: فيمن ارتكب أكثر من محظور.

في هذه المسألة تفصيل:

أولاً: إذا كانت المحظورات من جنس واحد كأن حلق ثم حلق أو غطى رأسه ثم غطى رأسه مرة أخرى أو قلم أظافره ثم قلمها مرة أخرى ونحوه، فالحكم هنا فدية واحدة ما لم يكن قد كفّر عن الأول، فهل تجب عليه في الثاني الكفارة مرة أخرى، كأن حلق ثم فدى ثم حلق؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنها لا تلزمه.

ثانياً: أن تكون المحظورات من أجناس مختلفة، كأن يحلق ويقلم أظافره ويغطي رأسه، فهنا يجب عليه بكل محظور كفارة، سواء كفر عن أحد الأجناس أم لم يكفر([58]).

المسألة الرابعة: جزاء قتل الصيد:

فمن فعل ذلك فقد وجبت عليه الفدية، وهي كالآتي:

أولاً: إذا كان للصيد مثل من بهيمة الأنعام يخير بين ثلاثة أشياء:

  • إما ذبح المثل وتفريق جميع لحمه على فقراء مكة.
  • أن ينظر كم يساوي هذا المثل، ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين يوماً.
  • أو أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً.

ثانياً: إذا لم يكن للصيد مثل يخير بين شيئين:

1- أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ثم يخرج ما يقابلها طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع.

2- أو أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.

المسألة الخامسة: في الجماع ودواعيه قبل التحلل الأول:

وتجب فيه الفدية على الترتيب لا التخيير كالآتي:

بدنة، فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذه هي الفدية، ويلزمه في حقه القضاء وفساد النسك والمضي فيه، والإثم.

المسألة السادسة: فدية المحصر والمتمتع والقارن:

وفدية المحصر والمتمتع والقارن عل الترتيب الآتي:

يجب عليه هدي؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

المسألة السابعة: في أحوال الفدية مع فاعل المحظور وتارك الواجب.

فاعل المحظور له ثلاث حالات:

الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، ولكن لمطلق الترفه والزينة؛ فهذا آثم وعليه الفدية.

الثانية: أن يفعل المحظور لحاجة كمرض أو قمل ونحوه؛ فله فعل المحظور وعليه الفدية، ولا إثم عليه لأنه معذور.

الثالثة: أن يفعل المحظور لجهل أو نسيان أو إكراه، فهذا لا إثم عليه، وهل عليه فدية؟ محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح إن شاء الله أنه لا شيء عليه.

المسألة الثامنة: في أحكام شجر الحرم المكي:

أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر([59]) والدليل على ذلك حديث ابن عباس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها([60])، ولا يعضد([61]) شوكها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا من عرَّفها) فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر([62])، فإنه لقينهم([63]) وبيوتهم، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إلا الإذخر))([64]).

إذا ثبت تحريمه هل تجب فيه الفدية؟.

محل خلاف بين أهل العلم، وقد ذهب أحمد والشافعي إلى أن في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة وفيما صغر القيمة. وقال بعضهم: إن فيها القيمة والاحتياط أن عليه الجزاء إن استطاع، فإن لم يستطع فلا شيء عليه.

المسألة التاسعة: في صيد المدينة وشجرها ونباتها:

ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها، وخالف أبو حنيفة في ذلك، وقال: إنه لا يحرم، والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

استدل جمهور أهل العلم بما رواه البخاري ومسلم عن علي – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((المدينة حرم ما بين ثور إلى عير))([65]).

فإذا ثبتت الحرمة بالدليل فهل تثبت فيه الفدية([66])؟

الأحوط هو أن يقال: إن عليه الجزاء أو أن يخرج قيمتها براءة للذمة وخروجاً من العهدة في حال استطاعته، فإن لم يستطع فلا شيء عليه.

مسائل هامة حول الفدية:

المسألة الأولى: محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى خمسة أقسام:

الأول: ما لا فدية فيه وهو عقد النكاح.

الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.

الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.

الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات.

الخامس: ما هو محل خلاف في الفدية كقطع الشجر المكي والمدني وقتل الصيد المدني.

المسألة الثانية: في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: 196].

هل يشترط كون الصيام متتابعاً؟ لأهل العلم قولان أصحهما عدم اشتراط التتابع؛ لأن ما أطلقه الشارع يجب أن يكون على إطلاقه، وإضافة قيد إلى ما أطلقه الشرع تقييد لشرع الله؛ والرسول – صلى الله عليه وسلم – قال لكعب بن عجرة: (صم ثلاثة أيام)([67]) ولم يقيدها([68]).

ولكن هناك أمر هام وهو أنه إذا ابتدأ صيام هذه الثلاثة في أول أيام التشريق لزمه أن تكون متتابعة لأنه لم يبق من أيام الحج إلا ثلاثة أيام ولا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق.

المسألة الثالثة: في دم المتعة والقران إذا تعذر الهدي والصيام هل يعدل إلى الإطعام؟

الراجح من أقوال أهل العلم إذا كان غير قادر على الهدي ولا على الصيام سقط عنه، وليس عليه إطعام؛ لأنه سبحانه لم يذكر إلا الهدي والصيام فقط.

المسألة الرابعة: في الهدي وشروطه:

يشترط فيما يذبح لفعل محظور أو ترك واجب أو دم متعة وقران الآتي:

  • أن يكون من بهيمة الأنعام.
  • أن يبلغ السن المقدر شرعاً؛ فالإبل خمس، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن ستة أشهر.
  • أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء.

المسألة الخامسة: هل هناك فرق بين دم المتعة والقران وما جعل لفعل محظور أو ترك واجب؟

لا فرق بينهما في الشروط السابقة، ولكن هناك فرق بينهما من حيث الزمان والمكان.

فيشترط لدم المتعة والقران التوقيت الزمني والمكاني؛ فالزماني يراد به أيام الذبح وهي يوم العيد وثلاثة أيام بعده، والمكاني يراد به الحرم؛ فلو ذبح في غيرهما لم يجزيء.

أما فدية الأذى لفعل المحظور وترك الواجب فلا يشترط لها التوقيت المكاني ولا الزماني؛ فحيث وجد ذبح.

ومن الفروق أيضاً بينهما:

أن دم المتعة والقران يجوز للناسك أن يأكل منها بخلاف دم المحظور؛ فإنه لا يجوز له أن يأكل منه ولا يهدي منه؛ ولكن يصرف للفقراء.

  

الخاتمـة

هذه خلاصة لما تم تقييده في الصفحات السابقة

الاسم نوع الكفارة حكمها على الترتيب أم التخيير
1- اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم تحرير رقبة مؤمنة صيام ثلاثة أيام متتابعات الوجوب التخيير بين الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فمن لم يجد صام
2- النذر إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم تحرير رقبة مؤمنة صيام ثلاثة أيام متتابعات الوجوب التخيير بين الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فمن لم يجد صام
3- الإيلاء إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم تحرير رقبة مؤمنة صيام ثلاثة أيام متتابعات الوجوب التخيير بين الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فمن لم يجد صام
4- الظهار تحرير رقبة مؤمنة صيام شهرين متتابعين إطعام ستين مسكيناً الوجوب الترتيب
5- من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان تحرير رقبة مؤمنة صيام شهرين متتابعين إطعام ستين مسكيناً الوجوب الترتيب
6- القتل الخطأ تحرير رقبة مؤمنة صيام شهرين متتابعين ـ الوجوب الترتيب
7- كفارة الأذى فعل المحظور ذبح شاة إطعام ستة مسكيناً صيام ثلاثة أيام الوجوب التخيير
8- كفارة الأذى بترك واجب ذبح شاة صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأهله الوجوب الترتيب
9- فدية المحصر والمتمتع والقارن ذبح شاة صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأهله الوجوب الترتيب
10- كفارة قتل الصيد إن كان له مثل ذبح المثل وتفريق جميع لحمه على فقراء مكة ينظر كم يساوي المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاما يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً الوجوب التخيير
11-كفارة قتل الصيد إذا لم يكن له مثل أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ثم يخرج ما يقابلها إطعاماً يفرق على المساكين يصوم عن إطعام كل مسكين يوما ـ الوجوب التخيير
12- في الجماع قبل التحلل الأول بدنة صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأهله الوجوب الترتيب
13- في أحكام شجر مكة والمدينة وصيد المدينة عليه الجزاء إن استطاع فإن لم يستطع فلا شيء عليه الاستحباب ـ
14- في الوطء في الحيض يتصدق بدينار أو نصف دينار([69]) الاستحباب ـ

 

فهرس الموضوعات

الموضوع الصفحة
المقدمة
المبحث الأول: كفارات الأيمان  
الحكمة في تشريع الأيمان  
الحكمة من تشريع اليمين  
تعريف اليمين  
أدلة الكتاب  
أدلة السنة  
من تصح يمينه؟  
يمين السكران  
يمين الكافر  
يمين الأعجمي  
تكرار الحلف  
صورة: له صورتان  
الإقسام بوجه الله  
أيها أولى: البر باليمين، أم الحنث به؟  
شروط وجوب الكفارة  
ولوجوب الكفارة شروط  
أنواع القسم:  
القسم بأسماء الله  
القسم بصفات الله  
القسم بالمصحف  
الحلف بغير الله  
الحلف بالحياة  
الحلف بآيات الله  
الحلف بحق الله  
الحلف بالذمة  
قول: لعمري  
إذا قال: أقسمت بالله، أو أقسم بالله  
الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم  
اليمين الغموس  
اليمين اللغو  
الاستثناء في اليمين  
من فوائد الاستثناء في اليمين  
شروط صحة الاستثناء في اليمين  
الشك في الاستثناء  
باب جامع في الأيمان:  
الحلف على الخروج من الدار  
الحلف على الدخول في الدار  
كفارة اليمين، وبكم تقدر  
أولاً: صفة الإطعام  
ثانياً: الكسوة  
ثالثاً: تحرير رقبة  
رابعاً: الصيام  
لكن هل يشترط التتابع في الصيام؟  
مسألة: إذا قطع صيامه هل يلزم إعادة ما صامه لاشتراط التتابع؟  
مسألة: من مات ولم يكفر عن يمينه فهل يشرع لوليه أن يكفر عن يمينه؟  
مسألة: متى تسقط الكفارة عن الحانث؟  
مسألة: متى يخرج الطلاق مخرج اليمين؟  
مسألة: هل تجزئ القيمة في كفارة اليمين؟  
مسألة: هل يجوز الإنابة في إخراج كفارة اليمين كإعطائها لجمعية البر مثلاً؟  
مسألة: إذا حنث الحالف في يمينه هل يلزمه الكفارة على الفور؟  
مسألة: هل يجوز إخراج الكفارة قبل الحنث؟  
المبحث الثاني: كفارة النذر  
النذر  
تعريف النذر  
دليله  
الوفاء به  
صرف النذر لغير الله  
حكم الوفاء ينذر المعصية  
نذر المرء ما لا يقدر عليه، ونذره فيما لا يملك  
أولاً: نذر المرء ما لا يقدر عليه
ثانياً: نذر المرء ما لا يملك
قضاء النذر عن الميت
حكم النذر الذي لم يسمِّ
حكم هذا النذر
نذر اللجاج والغضب
كفارة النذر
المبحث الثالث كفارة القتل
كفارة القتل
أولاً: قتل الخطأ
هل تجب فيه الكفارة؟
ثانياً: قتل شبه العمد
هل تجب فيه الكفارة؟
ثالثاً: قتل العمد
هل تجب فيه الكفارة؟  
أولاً: دليلها  
ثانياً: أنواعها  
ثالثاً: هل ينتقل إلى الإطعام عند العجز عن الصيام في كفارة القتل؟  
المبحث الرابع كفارة الظهار  
كفارة الظهار  
تعريف الظهار  
حكمه  
كفارته  
تنبيهات هامة على أحكام الظهار  
بعض المسائل الهامة في الظهار  
1-هل يجوز دفع الكفارة كاملة لمسكين واحد إذا لم يوجد ستون مسكيناً؟  
2-هل يجوز الاستلاف للكفارة وإعطاؤها للمساكين؟  
3-هل تسقط الكفارة عند العذر؟  
المبحث الخامس كفارة الإيلاء  
كفارة الإيلاء  
تعريف الإيلاء  
حكمه  
شروطه  
كفارته  
بيان معنى الآيتين الكريمتين  
مسائل في الإيلاء  
المبحث السادس: كفارة الجماع في نهار رمضان  
كفارة من أفسد صومه بجماع في نهار رمضان  
دليل مشروعيتها  
وللإطعام صورتان  
صورة أخرى للإطعام  
كفارة من أتى حائضاً  
المبحث السابع: كفارة الأذى  
كفارة الأذى  
دليل مشروعيتها  
إذا ثبت تحريمه هل تجب فيه الفدية؟  
الخاتمة  
الفهرس  

ــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) هو الشيخ صالح بن عبد العزيز الجبرين سلمه الله.

([2]) (التمهيد 20/267).

([3]) رواه ابن ماجه: (1/659)، والحاكم وصححه: (2/198).

([4]) ((الشرح الكبير)) للدردير: (2/143)

([5]) رواه البخاري: (2528)، باب الخطأ والنسيان.

([6]) ((الإجماع)) (ص137).

([7]) ((مغني الجامع)): (4/321)، الهداية: (2/74).

([8]) ((الشرح الكبير)) للدردير: (2/136)، ((الإنصاف)): (11/8).

([9]) ((صحيح البخاري)): (4/151)، مسلم: (3/1266).

([10]) أخرجه أبو داود: (3251)، والترمذي: (1235).

([11]) معطية الأيمان: (84-85).

([12]) مجمع الأنهر: (1/544).

([13]) ((فتاوى الشيخ ابن عثيمين): (2/221).

([14]) ((زاد المعاد)): (3/61).

([15]) ((بدائع الصنائع)): (4/1600).

([16]) ((مجموع الفتاوى)): (23/212)، ((زاد المعاد)): (5/207)، ((المحلى)): (8/34).

([17]) ((التمهيد)): (2/267).

([18]) أخرجه أبو داود: (2194)، الترمذي: (1/223)، وابن ماجه: (2039) وصححه الترمذي والحاكم، وحسنه الألباني في الإرواء: (6/224).

([19]) ((مواهب الجليل)): (3/275)، ((التفريع)): (1/387).

([20]) ((صحيح البخاري)): كتاب النذور: (4/174).

([21]) أخرجه البخاري: (4/159).

([22]) أخرجه البخاري: (4/159).

([23]) ((مجموع الفتاوى)): (11/354).

([24]) رواه أحمد: (4/433).

([25]) رواه مسلم: (3/ 1262).

([26]) ((فتح الباري)): (11/592)، ((مسلم)): (3/1260).

([27]) رواه أحمد (3/433).

([28]) رواه أحمد (3/433).

([29]) ((قوانين الأحكام)): (377)، ((بدائع الصنائع)): (5/96).

([30]) ((بدائع الصنائع)): (10/4658).

([31]) ((المغني)): (10/38) مغنى المحتاج (4/108).

([32]) ((فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم)): (11/368).

([33]) رواه البخاري انظر فتح الباري (1/10)، ورواه مسلم انظر شرح النووي على مسلم (12/53).

([34]) ((المغني)): (10/38)، ((مغني المحتاج)): (4/108).

([35]) ((مختصر صحيح البخاري)): (208).

([36]) راجع الشروط المعتبرة في كفارة الظهار.

([37]) لحديث أبي هريرة السابق.

([38]) ((بداية المجتهد: (1/302)،((قوانين الأحكام)): (141)، ((المغني)): (1/327).

([39]) ((الصيام أحكام وآداب)) للمؤلف: (93).

([40]) المرجع السابق: (87).

([41]) المرجع السابق: (87).

([42]) ((الشرح الكبير)): (3/81)، ((المهذب)): (1/187).

([43]) المغني: (3/84)، ((المهذب)): (1/187).

([44]) ((مختصر صحيح البخاري)): (64).

([45]) ((صحيح سنن أبي داود)): (1/51).

([46]) ((مسلم)): (1/246).

([47]) ((البخاري)): (64)، ((صحيح أبي داود)): (1/52).

([48]) رواه أبو داود: (264)، والنسائي: (1/55-66-67)، والدارمي: (1/254)، وابن ماجه: (640)، والحاكم (1/171-172)، وصححه الألباني في الإرواء: (1/217-218)، وكذا في صحيح سنن أبي داود: (1/51).

([49]) ((صحيح سنن أبي داود)): (1/51).

([50]) ((معالم السنن)) للخطابي: (1/181).

([51]) ((المغني)): (1/ 417).

([52]) ((المغني)): (1/ 417).

([53]) انظر الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة للمؤلف: (ص91).

([54]) ((المغني)): (1/ 418).

([55]) هوامك: هو ما يدب من الأخشاش، والمراد به هنا ما يلازم جسد الإنسان غالباً إذا طال عهده بالتنظيف، وقد تعين في كثير من الروايات (بالقمل).

([56]) الفرق: مكيال معروف بالمدينة وهو يعادل ثلاثة آصع، والصاع يعادل2.5كم.

([57]) ((مختصر صحيح البخاري)): (1/196).

([58]) ((المغني)): (9/384).

([59]) ((المغني)): (5/185).

([60]) الخلا: الرطب من الكلأ.

([61]) يعضد: يقطع.

([62]) الإذخر: نبات طيب الرائحة.

([63]) القين: الحداد والصانع.

([64]) رواه البخاري: (3/115، 116، 181)، مسلم: (2/986).

([65]) رواه البخاري: (3/26)، (4/124-125)، مسلم: (2/994-995).

([66]) ((المغني)): (5/190).

([67]) سبق تخريجه.

([68]) الممتع شرح زاد المستقنع: (7/192).

([69]) تقدر قيمته (119) ريال أو (59.5) ريال.