59 – مباحث في العقيدة – ج3

الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31-1-2024م

59 –  مباحث في العقيدة – ج3 pdf

 

 

مباحث في العقيدة

(الجزء الثالث)

 

 تأليف

أ.د عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فإن توضيح العقيدة الصحيحة وبيانها، وتجلية أمرها، والدعوة إليها هو أهم المهمات، وأعظم الواجبات، لأنها الأساس الذي تبنى عليه أعمال الناس، فلا تصح ولا تقبل إلا إذا كانت مبنية على معتقد صحيح سليم خال من الشوائب والمكدرات، وهذا ما كان عليه رسل الله جميعاً ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وكذلك أتباعهم بإحسان، وهذا ما دعا إليه وأكد عليه خاتم الرسل محمد e، وكذا تابعوه إلى يومنا هذا، فقد أكدوا على إصلاح العقيدة، والبعد عن كل ما يناقضها، وهذا هو مسلك القرآن  الكريم الذي جاءت معظم سوره تؤكد على هذه العقيدة، وتبين معالمها، وقد تنزل هذا الكتاب العظيم  طيلة العهد المكي على رسولنا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى التوحيد، وإصلاح العقيدة، وبيان ما يضادها من جميع الجوانب.

إن العقيدة الإسلامية هي التي بعث الله من أجلها رسله، وأنزل بها كتبه، ولا يقبل من أحد عملاً إلا بها، كما أخبر عن ذلك ربنا ـ جل وعلا ـ بقوله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}([1]).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ}([2]) .

ومتى تمسك المسلم بهذه العقيدة الصحيحة فقد عصم دمه وماله في الدنيا، كما أخبر عن ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)([3]) .

ومن تمسك بها فإنها تنجيه يوم القيامة من عذاب الله، كما جاء في الحديث (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)([4]).

وهذه العقيدة الصحيحة هي سبب قبول الأعمال، ومغفرة الذنوب، قال الله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([5]).

أما أصحاب المعتقد الفاسد فعملهم حابط باطل، كما أخبر ربنا ـ جل وعلاـ {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}([6]).

وقال تعالى {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}([7]).

هذه الأمور وغيرها جعلت أمر العقيدة ذا أهمية قصوى، فوجب تعلمها وتعليمها، ولذا اهتم بها أهل العلم سلفاً وخلفاً، بينوا أصولها، ووضحوا مسائلها، وركزوا على ما يناقضها.

وإن التعليم في بلادنا الغالية ـ المملكة العربية السعودية ـ يتميز على غيره بالاهتمام بالعقيدة، والتركيز عليها في مختلف مراحل الدراسة للبنين والبنات.

ولقد شرفتني كلية التربية للبنات في محافظة الزلفي بتدريس مادة العقيدة في سنوات الكلية، وأخبروني أن المقرر على الطالبات (شرح الطحاوية) ولما كان هذا الكتاب يصعب فهمه على كثير من الطالبات استخرت الله  في تيسير بعض مباحثه وعرضها بأسلوب سهل، وألقيت ذلك على الطالبات خلال عامي (1423، 1424هـ).

وكانت مجموعة منهن يكتبن هذه المحاضرات ،وقد اطلع عليها بعض أعضاء هيئة التدريس من الرجال والنساء الذين يدرسون هذه المادة في كليات مماثلة، ورغبوا في طباعتها، وألحّ عليّ مندوب مكتبة الرشد، وذكر لي حاجة الطالبات لذلك، وهاتفني أكثر من مرة ملحاً على سرعة إنجازها، وهنا استخرت الله وعزمت على إخراجها بعد أن أعدت النظر فيها، وأضفت لها بعض الإضافات اليسيرة، فما كان فيها من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله من كل ذنب وخطيئة، وأسأل الله أن ينفع بها كاتبها والمطلع عليها، كما أسأله أن يبارك في جهود المخلصين الصادقين.

وإني بهذه المناسبة أزجي خالص شكري وتقديري للمسئولين عن كلية التربية للبنات في محافظة الزلفي عميدة ووكيلة ورئيسات أقسام، وكذا المسئولين عن إدارة تعليم البنات بالمحافظة على جهودهم المباركة، كما أسأله أن يوفقنا جميعاً لخيري الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

                                                                                     وكتب أبو محمد

                                                                             عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

                                                                                           1/ 8/ 1425هـ

 

المبحث الأول: الروح:

المطلب الأول: ملك الموت يتولى قبض الأرواح.

المطلب الثاني: ما هي الروح؟

المطلب الثالث: معاني الروح في القرآن.

المطلب الرابع: هل الروح محدثة مخلوقة،  ودليل ذلك؟

المطلب الخامس: حقيقة النفس والروح.

المطلب السادس: هل النفس واحدة أم ثلاث؟

المطلب السابع: ما هي أنواع تعلق الروح بالبدن؟

المطلب الثامن: هل تموت الروح.

المطلب التاسع: كيفية نزع الروح؟

المطلب العاشر: خروج روح المؤمن واحتضاره.

المطلب الحادي عشر: خروج روح الكافر واحتضاره.

المطلب الثاني عشر:

كيف تتمايز الأرواح بعد مفارقة الأجساد؟

المطلب الثالث عشر: الروح في البرزخ.

المطلب الرابع عشر: تخاصم الروح والجسد يوم القيامة.

المطلب الخامس عشر:مستقر الأرواح.

المطلب السادس عشر: هل تتزاور أرواح الموتى؟

المطلب السابع عشر: معرفة الموتى بأحوال الأحياء.

المطلب الثامن عشر: هل خلقت الروح قبل الجسد؟

المطلب التاسع عشر: ما ينفع الميت من الأعمال.

المطلب العشرون: إهداء ثواب العبادات للغير.

المطلب الحادي والعشرون:

قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت.

المطلب الثاني والعشرون:

الاستئجار لقراءة القرآن وإهداؤه للميت.

المطلب الثالث والعشرون:

من أعظم ما ينفع الميت (الدعاء والصدقة).

 

المطلب الأول:

ملك الموت يتولى قبض الأرواح؟

قال الله تعالى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}([8])، وقال تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}([9])، لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه، وقدره، وحكمه.

وفي حديث البراء بن عازب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ([10])مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ (وفي رِوَايَةٍ: المُطْمَئِنْة) اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا..)

(وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ (وفي رِوَايَة: الفَاجِرْ) إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ (غِلاظٌ شِدَادٌ) سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ([11]) (مِنْ النَارِ) فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (الكَثِيرِ الشُعَب) مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ (فَتَقَطَعْ  مَعَهَا العُرُوقُ والعَصَب)، فَيَأْخُذُهَا..)([12]).

وما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا تبارك وتعالى عن حال المحتضر فقال:{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ}([13])، والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت،وإن كانوا لا يرون ملائكة الرحمن التي تسل روحه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاتُبْصِرُونَ}.

كما قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ}([14]).

وقد صرح الحديث بأن ملك الموت يبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان  ويبشر الكافر أو الفاجر بسخط الله وغضبه، وهذا قد صرحت به نصوص كثيرة في كتاب الله، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}([15])، وهذا التنزل يكون في حالة الاحتضار كما قال ذلك ـ مجاهد والسدي ـ رحمهما الله ـ.

ولا شك أن الإنسان في حالة الاحتضار يكون في موقف صعب، يخاف فيه من المستقبل الآتي، فتأتي الملائكة ـ أي ملائكة الرحمة _ لتؤمنه مما يخاف ويحزن  وتطمئن قلبه وتقول له: لا تخف من المستقبل الآتي في البرزخ والآخرة، ولا تحزن على ما خلفت من أهل وولدٍ أو دين، وتبشره بالبشرى العظيمة.

أما الكفرة  الفجرة  فإن  الملائكة  تتنزل  عليهم  بنقيض  ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}([16]).

وقد نزلت هذه الآية كما أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في فريق أسلم، ولكنه لم يهاجر فأدركه الموت أو قتل في صفوف الأعداء، فإن الملائكة تقرع هؤلاء في حالة الاحتضار وتوبخهم، وتبشرهم بالنار، وقد حدثنا ربنا تبارك وتعالى عن توفي الملائكة للكفرة في معركة بدر:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}([17]).

قال ابن كثير رحمه الله في  تفسير  الآيات: (ولو  عاينت يا محمد صلى الله عليه وسلم حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً عظيماً فظيعاً منكراً، إذ يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ})([18]). وقد أشار المفسر المدقق العلامة ابن كثير رحمه الله إلى أن هذا وإن كان في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}([19]).

 

المطلب الثاني:

ما هي الروح؟

قيل: هي جسم؛ وقيل: عرَض؛ وقيل: ما ندري ما الروح، أجوهر أم عرض؟

وقيل: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس.

والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل أنها: جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء.

فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف سارياً في هذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه  بسبب  استيلاء الأخلاط الغليظة  عليها  وخرجت عن قبول تلك الآثار فارقت الروح البدن، وانفصلت إلى عالم الأرواح، والدليل على ذلك قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}([20])، ففيها الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها.

وقوله تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ…}([21])، ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها إلى ربها.

وقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ…}([22])،ففيها توفي الأنفس بالليل،وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت.

وقوله تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي}([23])، ففيها وصفُها بالرجوع والدخول والرضا.

وقال صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ)([24]). ففيه وصفه بالقبض، وأن البصر يراه، وقال صلى الله عليه وسلمفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ)([25]) ففيه وصفها بالقبض والرد، وقالصلى الله عليه وسلم:(إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ)([26])، ففيه كونه طائراً، وتعلقها في شجر الجنة.

وأقول: الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه، فلا تحيط به العقول البشرية، ولذلك لما سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة الروح امتحاناً له وتعجيزاً لم يجبهم بالحقيقة، بل أجابهم بقول الله تعالى:{قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي..}([27])؛ أي أن العالم بحقيقة الروح وكنهها من شأنه تعالى وحده.

قال ابن القيم رحمه الله:(وكل ما يؤْثر عن العلماء في معنى الروح إنما هو من قبيل ذكر الأوصاف التي هي من باب الآثار والأحكام، لا من قبيل الكشف عن الحقيقة الذاتية)([28]).

 

المطلب الثالث:

معاني الروح في القرآن:

ورد لفظ الروح في القرآن الكريم في آيات كثيرة لمعانٍ مختلفة منه:

ما به حياة البدن؛ وهو أمرٌ خفي استأثر الله بعلمه، قال تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}([29]) .

القرآن؛ الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}([30])، والقرآن فيه حياة القلوب.

3ـ الوحي؛ الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، قال تعالى:{يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ}([31])، فالروح هو الوحي، وسمي روحاً لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد فتحيا القلوب به، كما تحيا الأجساد بالأرواح.

جبريل؛عليه الصلاة والسلام قال تعالى:{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}([32])، وقال تعالى:{تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}([33]).

القوة والثبات والنصر؛ الذي يؤيد الله به بعض عباده المؤمنين: قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ…}([34]).

المسيح ابن مريم؛ قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}([35]).

وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته.

ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقدت روحه، وهي الروح التي يؤيد بها أهل ولايته وطاعته، ولهذا يقول الناس فلان فيه روح، وفلان ما فيه روح (بَوَّا)([36]) وهو قصبة فارغة ونحو ذلك.

فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح، والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت فمنهم من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانياً، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضياً بهيمياً، والله المستعان.

 

المطلب الرابع:

هل الروح محدثة مخلوقة، ودليل ذلك؟

أجمعت الرسل عليهم الصلاة والسلام على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبَّرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدَث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون، ومن بعدهم.

 وقد زعم بعض من قصر فهمهم، وضعف إدراكهم أن الروح قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق! وبأن الله أضافها إليه بقوله:{قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي..}([37])، وبقوله:{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}([38]).

والجواب على ذلك أن الأمر هنا بمعنى المأمور، أي الروح مخلوق مأمور، فهي هنا مصدر أريد به اسم المفعول، وأما إضافتها إليه سبحانه فهي من إضافة المخلوق لخالقه، وهي تفيد اختصاص المضاف إليه وتميزه وتشرفه على غيره.

واتفق أهل السنة والجماعة على أنها مخلوقة، وممن نقل الإجماع على ذلك: محمد بن نصر المرزوي، وابن قتيبة وغيرهما.

ومن الأدلة على أن الروح مخلوقة قوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}([39])، وقوله:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ…}([40])، فهذا  عام لا تخصيص فيه بوجه ما؛ فالله عز وجل بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق، ومن ذلك الروح.

 

المطلب الخامس:

حقيقة النفس والروح:

اختلف العلماء في النفس والروح، هل هما شيء واحد أم شيئان متغايران  والأول رأي جمهور العلماء، وهو الذي رجحه ابن القيمرحمه الله، وغيره من المحققين.

قال هؤلاء: إن النفس والروح مترادفان في معنى واحد، وهي التي بمفارقتها للبدن يموت الإنسان، ويشهد لهذا القول ما ثبت في بعض النصوص من إطلاق كل من النفس والروح على الآخر.

ومن ذلك ما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره؛ فأغمضه ثم قال:(إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ)([41]).

وقد روى مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَلَمْ تَرَوْا الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ)، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ)([42]).

وهذا  دليل صريح واضح أن الروح والنفس اسمان لمسمى واحد، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الروح غير النفس. قالوا فالروح هي التي بها النفس والحياة، والنفس هي التي بها العقل والتمييز، فيتوفيان عند الموت، وتتوفى النفس وحدها عند النوم.

قال في شرح الطحاوية:(فالتحقيق أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح فيتحد مدلولها تارة، ويختلف تارة)([43])

قيل: سميت النفس روحاً لحصول الحياة بها، وسميت نفساً إما من الشيء النفيس لنفاستها وشرفها، وإما من تنفس الشيء إذا خرج؛ فلكثرة خروجها ودخولها في البدن سميت نفساً، ومنه النّفس بالتحريك فإن العبد كلما نام  خرجت منه فإذا استيقظ رجعت إليه، فإذا مات خرجت خروجاً كلياً، فإذا دفن عادت إليه؛ فإذا استيقظ رجعت إليه، فإذا  بُعث رجعت إليه، فالفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات.

 

المطلب السادس:

هل النفس واحدة أم ثلاث؟

قال بعض أهل العلم: إن لابن آدم ثلاث أنفس له (نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمَّارة).

ومنهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه، ويستدلون لذلك بقول الله تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}[44])،وقوله:{وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}([45])،  وقوله:{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}([46]).

قال ابن القيم رحمه الله:(والتحقيق أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات فتسمى باعتبار طمأنينتها وعبوديتها لربها، وتسمى لوامة باعتبار التقلب والتلون، وهذا سر ضعفها لأنها مخلوقة ضعيفة، وتسمى أمارة باعتبار طبيعتها إذ تأمر بكل سوء إلا ما وفقها الله وثبتها وأعانها، وقل من يسلم من شر نفسه إلا من رحم الله)([47]).

وقيل في شرح الطحاوية:(والتحقيق: أنها نفس واحدة، لها صفات، فهي أمّارة بالسوء،فإذا عارضها الإيمان صارت لوّامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنةً. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:(مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ)([48]).

مع قوله:(لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)([49]))([50]).

 

المطلب السابع:

ما هي أنواع تعلق الروح بالبدن؟

الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام:

أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً: ويدل عليه الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق:(إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ..)([51]).

الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض: ويدل عليه قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً}([52])، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:(مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا)([53]).

الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه: ويدل عليه قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([54]).

الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً: ويدل عليه حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار،فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: (اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ:(إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ،ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا؛ فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ،حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا؛ فَلا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ)([55]).

الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع التعلق، وهذا  التعلق لا يقبل موتاً ولا نوماً، ولا فساداً: ويدل عليه قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ([56])، وقوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}([57]).

 

المطلب الثامن:

هل تموت الروح؟

 اختلف أهل العلم في ذلك، فقالت طائفة إن الروح تموت لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}([58])، وقال تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}([59]).

قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت.

وقال آخرون: لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان. وقالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها.

والصواب أن يقال:(موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تُعدم وتفنى بالكلية فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب)([60]).

فإن قيل: فبعد النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي أو تموت ثم تحيا؟ قيل: قد قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ..}([61]) فقد استثنى الله سبحانه بعض من في السماوات ومن في الأرض من هذا الصعق. فقيل هم الشهداء، وهذا قول أبي هريرة،وابن عباس وسعيد بن جبير([62])، وقيل:هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهذا قول مقاتل وغيره([63]).

وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل النار من أهل العذاب وخزنتها قاله أبو اسحق بن شاقلا ([64]وغيره.

وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الحور العين([65]) والولْدان لا يموتون عند النفخ في الصور، وقد أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الجنة {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}([66])، وهذا نص على أنهم لا يذوقون غير تلك الموتة الأولى، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان، وأما قول أهل النار {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ}([67])، فتفسير هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}([68]) فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها ففي الحديث الصحيح:(لا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ ([69])) فهذا صعق في موقف القيامة إذا جاء الله تعالى لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}([70]) ولو كان هذا الصعق موتاً لكانت موتة أخرى.

وقد قال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عند نفخ الصور.

 

المطلب التاسع:

كيفية نزع الروح:

أخبر الله تعالى عن نزع الروح في عدة آيات، منها قوله تعالى:{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ}([71]).

قوله تعالى:{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ}:أي النفس، ولم يتقدم لها ذكر، لأن المعنى معروف، كقوله تعالى:{كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي}([72])، وكقوله تعالى:{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}([73]): يعني الشمس؛ وهو أسلوب عربي معروف، كقول حاتم:

أماوي ما يغني الثراء عن الفتى
** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

قوله تعالى:{الْحُلْقُومَ} وهو الحلق، وذلك حين الاحتضار، {وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}: أي إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت،{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ}: أي بملائكتنا {وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ}:أي ولكن لا ترونهم  كما قال تعالى في الآية الأخرى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}([74]))([75]).

وقال تعالى:{كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}([76]).

{كَلاَّ} ردع وزجر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف فقال: {إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي}: أي بلغت النفس أو الروح التراقي، والتراقي جمع ترقوة، وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر،وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر موضع الحشرجة ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت مثله قوله:{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ}

وقيل:{كَلاَّ}: معناه حقاً؛ أي حقاً أن المساق إلى الله {إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي}: أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي  والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت، قال دريد بن الصمة:

ورب كريهة دافعت عنها
** وقد بلغت نفوسهم التراقي([77])

وقال تعالى:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}([78]) اختلف في معنى هذه الآية على أقوال، وقد جمعها ابن كثير وبيَّن الراجح منها فقال:(قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً}: الملائكة، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعهم، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط وهو قوله: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} قاله ابن عباس _ رضي الله عنهما _.

وعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ {وَالنَّازِعَاتِ} هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} الموت، وقال الحسن وقتادة:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} هي النجوم، وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ}، {وَالنَّاشِطَاتِ}: هي القسي في القتال، والصحيح الأول وعليه الأكثرون([79]).

وقد ذكر هذه الأقوال أيضاً الشوكاني رحمه الله ورجح الأول موافقاً ابن كثير، وقال:(وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم)([80]).

وقال تعالى:{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}([81]) قال ابن منظور:(سكرة الموت: شدته، قوله:{سَكْرَةُ الْمَوْتِ} سكرة الميت غشيته التي تدل الإنسان على أنه ميت)([82]). وهذه السكرة والشدة لا يسلم منها أحد، ولو سلم منها أحد لسلم منها نبينا صلى الله عليه وسلم.

عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ:(لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ:(فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ)([83]).

ومما تقدم يتبين لنا أن الإنسان إذا دنا أجله فإن الروح ترتقي إلى أعلى الجسم عند النحر حتى تخرج من جسده، وهذا الخروج للروح ليس بالأمر الهين _ حتى للمؤمن _ بل له سكرات وشدائد ومشقات، ثم تنتزع الروح، وهذا النزع يختلف شدةً ويسرا  بحسب إيمان العبد.

 

المطلب العاشر:

خروج روح المؤمن واحتضاره:

إن الله تعالى بفضله وكرمه يمن على عبده المؤمن عندما تتنزل عليه ملائكة الرحمة ومعهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة، ويرى بياض وجوههم كأن وجوههم الشمس، فيستبشر بالخير، وييسر الله له خروج روحه من جسده، فتسهل عليه، ويبشر عند ذلك بالنعيم والجنان والسعادة والرضوان؛ فيفرح ويسعد وتقر عينه. قال تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([84]).

ذكر الطبري والبغوي وابن كثير([85]) وغيرهم رحمهم الله في قوله:{لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} على قولين:

الأول: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه:{لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}قال:(هي الرُؤْيَا الصَالِحَةَ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ)([86]) وهو قول كثير من الصحابة.

الثاني: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، ويدل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنهعَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:(إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ..)([87]).

قال ابن جرير:(وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله _ تعالى ذكره _ أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج روحه فتقول لروحه أخرجي إلى رحمة الله ورضوانه)([88]).

وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}([89]) أي أن الذين أخلصوا عملهم لله،واستقاموا على هدي النبيصلى الله عليه وسلم هم الذين يبشرون بهذه البشرى.

وقوله:{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ} فيه أقوال ثلاثة:

الأول: عند الموت، وهو قول مجاهد والسدي وغيرهم، ويدل عليه حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وفيه: إن الملائكة تقول لروح المؤمن:(أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ (وفي رِوَايَةٍ: المُطْمَئِنْة) اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا..) ([90]).

والثاني: يوم خروجهم من قبورهم، وهو قول ابن عباس ويؤيده قوله تعالى: {لا يَحْزُنُهُمْ  الْفَزَعُ  الأَكْبَرُ  وَتَتَلَقَّاهُمْ  الْمَلائِكَةُ  هَذَا  يَوْمُكُمْ  الَّذِي  كُنتُمْ تُوعَدُونَ}([91]).

الثالث:البشرى تكون في القبر،قاله ابن زيد،أي يبشرونه بعد سؤاله بالجنة.

والراجح: هو أنهم يبشرون في هذه المواطن الثلاثة؛ قال بيان الحق النيسابوري: (يبشرون في ثلاثة مواضع:عند الموت،وفي القبر،ويوم البعث)([92]).

وهو قول وكيع وزيد بن أسلم ورجحه ابن كثير وغيره جرياً على القاعدة، وهي إذا لم يكن في الأقوال معارضة فتحمل الآية على الجميع.

 

المطلب الحادي عشر:

خروج روح الكافر واحتضاره:

عندما يحتضر الكافر أو المنافق تأتيه ملائكة العذاب، سود الوجوه، معهم كفن من النار،فتبشره بالعذاب والنكال،فينكر ويقول: ما كنت أعمل من سوء؛ فلا ينفعه هذا الإنكار لأنه قد كتب عليه كل شيء، وشهد الله عليه، فعندما يطلب الرجعة ليعمل صالحاً فلا يجاب لذلك، فيعلم أن العذاب واقع به لا محالة فتتفرق روحه في جسده هرباً من الملائكة،ولكن ليس له مهرب ولا منجا،فتضربه الملائكة على وجهه ودبره، ثم تنتزع روحه كما ينتزع الشوك من الصوف، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}([93]).

قوله تعالى:{فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}: أي كرباته وسكراته، وقوله: {وَلَوْ تَرَى} جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمراً عظيماً، (وهذه عبارة عن التعنيف في السياق والشدة في قبض الأرواح)([94]).

وقوله تعالى:{بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب، وقال الضحاك وأبو صالح:(باسطو أيديهم أي بالعذاب).

وقال تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}([95])، ولهذا قال: {وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم:{أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ} وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب القهار العظيم، فتفرق روحه في جسده وتعصى وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على الله وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله)([96]).

ثم يبشرون بالعذاب:{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}، وهذا كقوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً}([97]) أي حرام محرم عليكم دخول الجنة.

وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنهالطويل:(وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ (وفي رِوَايَة: الفَاجِرْ) إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ (غِلاظٌ شِدَادٌ) سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ(مِنْ النَارِ) فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (الكَثِيرِ الشُعَب) مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ (فَتَقَطَعْ  مَعَهَا العُرُوقُ والعَصَب)، فَيَأْخُذُهَا..)([98]).

وقال تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}([99])، (يخبر الله تعالى في هذه الآية عن حال الكفرة عند الاحتضار أن الملائكة تتوفاهم، فإذا رأوا الملائكة واستسلموا للموت وعرفوا الحق وأنهم كانوا على باطل حاولوا الكذب فأخذوا يقولون: ما كنا نعمل من سوء،يعني بل نحن صالحون،فردت عليهم الملائكة وبينت لهم أن هذا الكلام لا ينفع لأن الله مطلع عليهم وعليم بما يفعلون، ثم يبشرونهم بالعذاب ويقولون لهم: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين)([100]).

وقال تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}([101])، (وفي هذه الآية يتكلم الله تعالى عن صورة أخرى للمحتضر الكافر أو المفرط، حيث إنه إذا رأى الحق وانقطعت حججه ورأى أنه لا مفر ولا مهرب أخذ يصرخ نادماً يطلب الرجعة ليعمل صالحاً، فيجاب أن الله تعالى قضى في هذه الأرض أن من مات فإنه لا يرجع إلا يوم القيامة، فهناك حاجز وبرزخ منيع يمنعه من الرجوع إلى هذه الدنيا، فتزداد حسراته)([102]).

وقال تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}([103]) وهذه الآية فيها التصريح بضرب الكافرين على وجوههم وأدبارهم عند النزع، وقال تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}([104])، قال القرطبي رحمه الله:(أي اتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة)، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، وقال الشعبي رحمه الله وغيره:(المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب)،وقال قتادة رحمه الله:أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى، وقال سعيد بن المسيب والحسن ـ رحمهما الله ـ أيضاً:(هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن)، وقال زيد بن اسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت)، وقال الحسن رحمه الله أيضاً:(ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما جوَّالاً)، وقال النحاس رحمه الله:(القول الأول أحسنها).

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما:{وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله، أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، والدليل على هذا قوله تعالى:{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ})، وقال مجاهد:(بلاء ببلاء، يقول: تتابعت عليه الشدائد).

وقال  الضحاك  وابن  زيد:(اجتمع  عليه  أمران  شديدان: الناس  يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق)([105]).

 

المطلب الثاني عشر:

كيف تتمايز الأرواح

بعد مفارقة الأجساد؟

الروح ذاتٌ قائمة بنفسها تصعد وتنزل، وتتصل وتنفصل، وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن، وقد وصفها الله تعالى بالدخول والخروج، والقبض والتوفي، والرجوع، وصعودها إلى السماء،وفتح أبوابها لها،وغلقها عنها، فقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ}([106])، وقال تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}([107]) وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد، وقال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}([108]).

فأخبر سبحانه أنه سوّى النفس، كما أخبر أنه سوّى البدن في قوله:{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}([109])، فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه، بل سوى بدنه كالقالب لنفسه؛ فتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضوع لها كالقالب لما هو موضوع له.

 وتأخذ من بدنها صورة تتميز بها عند غيرها، وتتأثر وتنفعل عن البدن كما يتأثر البدن وينفعل عنها، فيكتسب البدن الطيب والخبث منها كما تكتسبها منه، ولهذا يقال لها عند المفارقة اخرجي أيتها (النفس) وفي رواية: (الروح) الطيبة كانت في الجسد الطيب، واخرجي أيتها (النفس) وفي رواية: (الخبيثة) كانت في الجسد الخبيث.

وتميزها بعد مفارقة الجسد أظهر من تميز الأبدان والاشتباه بين الأرواح بعد مفارقة الأجساد أبعد من اشتباه الأبدان، وكثيراً ما تتشابه الأبدان، أما الأرواح فقلما تشتبه.

مثال ذلك: نحن لم نشاهد أبدان الأنبياء، ولا العلماء السابقين، وخيار الأئمة، ومع ذلك فهم عندنا متميزون أظهر تمييز، كل واحد عندنا يختلف عن غيره، وليس ذلك راجعاً إلى مجرد أبدانهم فنحن لا نعرف شيئاً عنها بل ذلك راجع إلى ما عرفناه من صفات أرواحهم.

ومثاله أيضاً: أخوان مشتبهان غاية الاشتباه في أبدانهما كالتوأمين لكن روحيهما متباينتان غاية التباين، وهكذا.

وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميِّزاً بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم، وكذلك الجن، فتميز الأرواح البشرية أولى.

 

المطلب الثالث عشر:

الروح في البرزخ:

البرزخ في كلام العرب: الحاجز بين الشيئين([110])، قال تعالى:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي حاجزاً.

والبرزخ في الاصطلاح: الدار التي تعقب الموت إلى البعث، قال ابن زيد في قوله:({ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}البرزخ ما بين الموت إلى البعث)([111]).

قال مجاهد رحمه الله:(البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة)([112]).

وقيل للشعبي رحمه الله:(مات فلان؛ قال: ليس هو في دار الدنيا، ولا في الآخرة).

وقال ابن القيم رحمه الله:(عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو مابين الدنيا والآخرة، قال تعالى:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة)([113]).

لذلك فالبرزخ هو المدة الفاصلة بين الحياة الدنيا، والحياة الآخرة؛ فإذا مات الإنسان فقد انتقل إلى البرزخ وبقي فيه حتى يبعث من في القبور، وقد ورد ذكره في كتاب الله قال تعالى::{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}([114]).

فالروح في البدن حال الحياة تجعله يتحرك ويدرك، وتحصل له لذة وألم، وهنا يقال إنه حي؛ فإذا مات انتهت حركته وإدراكه وفني بدنه، وبقيت روحه في البرزخ في دائرة أوسع عما كانت عليه في البدن في الدنيا، لأن البدن كالسجن والقفص والروح محبوسة فيه: وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم إخوانه من الأنبياء ليلة الإسراء  وصلى بهم.

 

المطلب الرابع عشر:

تخاصم الروح والجسد يوم القيامة:

يتخاصم الناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول له أنت فعلت، ويقول الجسد للروح أنت أمرت وسوَّلت، وإنما مثلهما كمثل أعمى ومقعد، قال المقعد إني أرى ثمرة ولا أستطيع أن أصل إليها، قال الأعمى أنا أحملك ودلني عليها، فحمل الأعمى المقعد إلى الثمرة فأكلا منها.

فهنا أيهما المعتدي؟ هل هو الأعمى أو المقعد؟ الصواب كلاهما، وهكذا الروح والجسد.

 

المطلب الخامس عشر:

مستقر الأرواح:

اختلف أهل العلم في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة:

فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار.

وقيل: أرواح المؤمنين بِفِنَاء الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.

وقيل: على أفنية قبورهم.

وقال بعضهم: الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت.

وقيل: أرواح المؤمنين عند الله.

وقيل: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة.

وقيل:أرواح المؤمنين ببئر زمزم،وأرواح الكافرين ببئر برهوت بحضرموت.

وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكافرين عن شماله.

وقال بعضهم: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح  عامة المؤمنين على أفنية قبورهم.

وبهذا يتبين أن الأرواح في البرزخ متفاوتة تفاوتاً عظيماً، فمنها: أرواحٌ في أعلى عِلِّيِّين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء _ صلوات الله وسلامه عليهم _ وهم متفاوتون في منازلهم، وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في آخر لحظات حياته يقول:(اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)([115]).

ومنها: أرواحٌ الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}([116])، وقد سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: (إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ)([117])، وهذه أرواح بعض الشهداء لا كل الشهداء، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (الْجَنَّةُ)، فَلَمَّا وَلَّى؛ قَالَ:(إِلا الدَّيْنُ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام آنِفًا)([118]).

ومنها: أرواح المؤمنين الصالحين: تكون طيوراً تعلق في شجر الجنة، ففي الحديث الذي يرويه عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ)([119]).

ومن الأرواح من يكون محبوساً على باب الجنة،  كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ حُبِسَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ)([120])، ومنهم من يكون محبوساً في قبره، ومنهم من يكون محبوساً في الأرض.

ومنها أرواح تعذب بسبب بعض المعاصي التي وقع فيها العبد في الدنيا، مثل:

(الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق يعذب بكلوب من حديد يدخل في شدقه حتى يبلغ قفاه، والذي نام عن الصلاة المكتوبة يشدخ رأسه بصخرة، والزناة  والزواني يعذبون في ثقب مثل التنور ضيق أعلاه وأسفله واسع توقد من تحته النار، والمرابي يسبح في بحر من دم وعلى الشط من يلقمه حجارة، وأيضاً الذي كان لا يستنزه من بوله، والذي يمشي بالنميمة بين الناس، والذي غلَّ من الغنيمة، إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم في مستقر الأرواح،وكل ذلك تشهد له السنة)([121]).

 

المطلب السادس عشر:

هل تتزاور أرواح الموتى:

الأرواح المعذبة _ عياذاً بالله _ في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتزاور وتتلاقى وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، فتكون كل روح مع من تحب، وروح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى، قال الله تعالى:{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً}([122]).

وهذه المحبة ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب كما ورد في الحديث([123]) في هذه الدور الثلاثة.

وعن مسروق رحمه الله قال:(قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ! ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو مت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..})([124]).

وقال الشعبي رحمه الله: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضْيَ اللهُ عَنْهُمَا:(أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي لأُحِبُّكَ حَتَّى إِنِّي لأَذْكُرُكَ, فَلَوْلا أَنِّي أَجِيءُ فَأَنْظُرُ إِلَيْكَ ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسِي تَخْرُجُ, فَأَذْكُرُ أَنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ صِرْتُ دُونَكَ فِي الْمَنْزِلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ, وَأُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الدَّرَجَةِ, فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}, فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم, فَتَلاهَا عَلَيْهِ)([125]).

وقال تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}([126]) أي ادخلي في جملتهم  وكوني معهم، وهذا يقال للروح عند الموت.

وفي قصة الإسراء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم، وموسى، وعيسى _ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين _ فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم فسألوه عنها  فلم يكن عنده منها علم، ثم بموسى _ عليه السلام _ فلم يكن عنده منها علم، حتى أجمعوا الحديث إلى عيسى، فقال عيسى _ عليه السلام _:(عهد الله إليَّ فيما دون وجبتها، فذكر خروج الدجال، قال:(فأهبط فأقتله، ويرجع الناس إلى بلادهم فتستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه، ولايمرون بشيء إلا أفسدوه فيجأرون إليَّ فأدعو الله فيميتهم فتجأر الأرض إلى الله من ريحهم، ويجأرون إليَّ فأدعو، فيرسل الله السماء بالماء فيحمل أجسامهم فيقذفها في البحر ثم ينسف الجبال، ويمد الأرض من الأديم، فعهد الله إليَّ إذا كان كذلك فإن الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً)([127]). وهذا نص في تذاكر الأرواح العلم.

وقد أخبر  الله _ سبحانه وتعالى _ عن الشهداء  بأنهم  أحياء  عند  ربهم  يرزقون وأنهم يستبشرون  بالذين لم يلحقوا  بهم من خلفهم، وأنهم  يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.

الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم.

الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضاً؛ مثل يتباشرون.

وقد تواترت المرائي بذلك فمنها ما ذكره صالح بن بشير قال: رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت له: يرحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا، فقال: أما والله لقد أعقبني ذلك فرحاً طويلاً، وسروراً دائماً، فقلت: في أي الدرجات أنت؟ قال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وقد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح وتعارفها؛ فعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:(لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاةُ أَتَتْهُ أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنْ لَقِيتَ فُلانًا فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلامَ، قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ؛ نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ قَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:(إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ)، قَالَ: بَلَى؛ قَالَتْ: فَهُوَ ذَاكَ)([128]).

وقال صالح المري رحمه الله:(بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول: أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك، وفي أي الجسدين كنت في طيب أم خبيث؟ ثم بكى حتى غلبه البكاء).

وقال عبيد بن عمير رحمه الله:(إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما يستخبر الركب ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فإذا قال: توفي، ولم يأتهم قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية).

 

المطلب السابع عشر:

معرفة الموتى بأحوال الأحياء:

يرى بعض أهل العلم أن أرواح الموتى يعرفون أحوال الأحياء، فيتألمون من السيء، ويستبشرون بالحسن، ويفرحون به.

قال مجاهد رحمه الله:(إن الرجل ليبشر في قبره بصلاح ولده من بعده)،وقال عمرو بن ديناررحمه الله:(ما من ميت يموت إلا ويعلم ما يكون في أهله بعده).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(استفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله، وأحوال أهله، وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه)([129]).

وقد ورد في الصحيحين عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:(يَا فُلانُ بْنَ فُلانٍ، وَيَا فُلانُ بْنَ فُلانٍ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ)([130]) وثبت عَنْ أَنَسٍرضي الله عنهعَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)([131])

وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول:(السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)([132])، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد.

فعن ابن شماسة المهري قال:(حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وسلم مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ؛ فَبَسَطَ يَمِينَهُ،قَالَ:فَقَبَضْتُ يَدِي؛قَالَ:(مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)،قَالَ:قُلْتُ:أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ:(تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)، قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ:(أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ،ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي)([133]) فدل على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم.

وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ:(اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)([134]) فأخبر أنه يسأل حينئذ، وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين.

وعن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فأتيت ابنة ثابت بن قيس ابن شماس فذكرت قصة أبيها، قالت:(لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}([135])، وآية {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}([136])، جلس أبيّ في بيته يبكي، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أمره، فقال: إني امرؤ جهير الصوت، وأخاف أن يكون قد حبط عملي، فقال:(لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ، وتَمُوتُ بِخَيْرٍ، ويُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ)، فلما كان يوم اليمامة مع خالد بن الوليد استشهد، فرآه رجل من المسلمين في منامه، فقال: إني لما قتلت انتزع درعي رجل من المسلمين وخبأه في أقصى العسكر وهو عنده، وقد أكب على الدرع برمة([137])، وجعل على البرمة رحلا، فائت الأمير فأخبره، وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، وإذا أتيت المدينة فائت فقل لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، قال: فأتاه فأخبره الخبر فوجد الأمر على ما أخبره، وأتى أبا بكر فأخبره فأنفذ وصيته، فلا نعلم أحدا بعدما مات أنفذ وصيته غير ثابت بن قيس بن شماس)([138])، وعلى ذلك فالسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.

 

المطلب الثامن عشر:

هل خلقت الروح قبل الجسد؟

تنازع الناس في هذه المسألة، فقال أكثرهم إن الروح خلقت قبل الجسد، واستدلوا بقوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا}([139])،فخلقها مقدم على أمر الملائكة بالسجود لأن ثُمَّ تقتضي الترتيب.

وقال آخرون: بل الجسد مخلوق قبل الروح، وقد بسط ابن القيم رحمه الله الخلاف في ذلك في كتابه الروح، فقال رحمه الله:(فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلام رحمه الله وغيره، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي، وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعاً، ونحن نذكر حجج الفريقين، وما هو أولى منها بالصواب:

القول الأول: قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا}، قالوا: (ثُمَّ) للترتيب والمهلة، فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم، ومن المعلوم قطعاً أن أبداننا حادثة بعد ذلك فعلم أنها الأرواح.

وقالوا ويدل عليه قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}([140]).

قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، ففي الموطأ([141]) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَة:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}([142])، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ)([143]).

 وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ([144]) قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمْ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلام أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا اعْلَمُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرِي وَلا رَبَّ غَيْرِي فَلا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي قَالُوا شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا لا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبِّ لَوْلا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ قَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ وَرَأَى الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلُ السُّرُجِ([145]) عَلَيْهِمْ النُّورُ خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} كَانَ فِي تِلْكَ الأَرْوَاحِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ فَحَدَّثَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا)([146]).

القول الثاني: قالوا الدليل على أن الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى}([147])، وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين، وأصرح منه قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ..}([148]) وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.

فإن  قيل: فهذا  لا ينفي تقدم  خلق الأرواح على أجسادها، وإن خلقت  بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة، قيل: سنبين إن شاء الله تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً.

وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقاً مستقراً ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله أبو محمد ابن حزم فهل تحمل الآثار مالا طاقة لها به؟ نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لاتزيد عليه ولا تنقص.

فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه.

وعلى كل تقدير فهذه الآية لا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقاً مستقراً، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر، واستنطاقهم ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد، وأما استدلال أبي محمد بن حزم بقوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ}([149]).

فما أليق هذا الاستدلال بظاهريته لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا،والخطاب للجملة المركبة من البدن والروح،وذلك متأخر عن خلق آدم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ({وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني آدم {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} لذريته).

ومثال هذا ما قاله مجاهد:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ}يعني آدم و{صَوَّرْنَاكُمْ} في ظهر آدم، وإنما قال: {خَلَقْنَاكُمْ} بلفظ الجمع وهو يريد آدم كما تقول ضربناكم، وإنما ضربت سيدهم.

واختار أبو عبيد في هذه الآية قول مجاهد لقوله تعالى بعد:{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا} وكان قوله تعالى للملائكة اسجدوا قبل خلق ذرية آدم وتصويرهم في الأرحام، وثم توجب التراخي والترتيب.

والدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا، فإن الله سبحانه أرسل جبريل فقبض من الأرض ثم خمرها حتى صارت طيناً، ثم صوره، ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره، فلما دخلت الروح فيه صار لحماً ودماً حياً ناطقاً، ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما فرغ _ عز وجل _ من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس ملكاً على سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس خازناً فوقع في صدره،وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي، وفي لفظ: (لمزية لي على الملائكة) فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}([150]).

قالوا: ربنا وما يكون حال الخليفة، وما يصنعون في الأرض؟ قال الله تعالى: تكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}([151]) يعني من شأن إبليس فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، فأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء، ولذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به قبل الرب _ عز وجل _ حتى عاد طيناً لازباً، واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة:{إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}([152]) فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعاً إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ}([153]) ويقول: لأمرٍ ما خُلقتَ. ودخل من فيه فخرج من دبره، فقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد، وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله _ جل ثناؤه _ أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: له الله يرحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام قبل أن يبلغ الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول:{خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}([154])، وذكر باقي الحديث([155]).

فيقال والله أعلم:(خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاماً قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالاً كالفخار، ولم تمسه نار)، فيقال: والله أعلم لما انتهى الروح إلى رأسه عطس، فقال: (الحمد لله)، وذكر الحديث.

فالقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده، فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح، ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه، ولما تعجبت من خلق النار، وقالت: لأي شيء خلقتها؟ وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن، والكافر، والطيب، والخبيث، ولَمَا كانت أرواح الكفار كلها تبعاً لإبليس، بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره، فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر بعد خلق بدن آدم وروحه، ولم يكن قبل ذلك كافراً، فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة، وهو لم يكن كافراً إذ ذاك؟.

وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه، فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره، إلا أن يقال: كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه، والذي احتجوا به على تقديم خلق الأرواح يخالف ذلك.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في تخليق العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم تأخر خلق بني آدم إلى يوم الجمعة، فعن أبي هريرة قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي فَقَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ،وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ)([156]) ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام، فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية، وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة، وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين.

ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما.

ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها وهي بين ملأ من الأرواح، ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما. وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما كانت عليه ها هنا مع أنها اكتسبت بالبدن أموراً عاقتها عن كثير من كمالها، فلأن تشعر بحالها الأول وهي غير معروفة هناك بطريق الأولى، إلا أن يقال تعلقها بالبدن واشتغالها بتدبيره منعها من شعورها بحالها الأول.

فيقال: هب أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال، فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن، ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كانت عليه قبل ذلك.

وأيضاً فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمة حية ناطقة عاقلة، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئاً فشيئاً، وهذا لو كان لكان من أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا؟ وقد قال الله تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([157])، فهذه الحال التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة، والقوة طارىء علينا حادث فينا بعد أن لم يكن، ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئاً البتة إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به.

فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي عليه الآن من طيب وخبث، وكفر وإيمان، وخير وشر لكان ذلك ثابتاً لها قبل الأعمال، وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها، واستعانت عليها بالبدن فلم تكن لتتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك الأعمال.

وإن كان قدر لها قبل إيجادها ذلك ثم خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها فنحن لا ننكر الكتاب والقدر السابق لها من الله، ولو دل دليل على أنها خلقت جملة ثم أودعت في مكان حية عالمة ناطقة ثم كل وقت تبرز إلى أبدانها شيئاً فشيئاً لكنا أول قائل به، فالله سبحانه على كل شيء قدير، ولكن لا نخبر عنه خلقاً وأمراً إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر عنه بذلك، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح:(أن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح)([158])، فالملك وحده يرسل إليه فينفخ فيه، فإذا نفخ فيه كان سبب حدوث الروح فيه، ولم يقل يرسل الملك إليه بالروح فيدخلها في بدنه، وإنما أرسل إليه الملك فأحدث فيه الروح بنفخته فيه لا أن الله سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان الطويل مع الملك، ففرق بين أن يرسل إليه ملك ينفخ فيه الروح، وبين أن يرسل إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملك، وتأمل ما دل عليه النص من هذين المعنيين)([159]).

 

المطلب التاسع عشر:

ماينفع الميت من الأعمال:

اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين:

أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.

الثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة، والحج.

واختلف أهل العلم في العبادات البدنية كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر.

فذهب جمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب مالك والشافعي عدم وصولها.

وذهب بعض أهل البدع _ كما يقول شارح الطحاوية _إلى عدم وصول شيء البتة،لا الدعاء ولا غيره، وقولهم مردود بالكتاب والسنة، وقد استدل هؤلاء المبتدعة ببعض المتشابه من قوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}([160])، وقوله:{وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([161])، وقوله:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ([162]).

والذي يظهر أن الميت ينتفع بما يأتي:

الصدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به،والولد الصالح يدعو له، والمصحف الذي تركه إرثاً، والمسجد الذي بناه، والبيت الذي بناه لابن السبيل والنهر الذي أجراه، والسنة الحسنة فعلها وسنها فعمل بها من بعده، وكذا دعاء المسلمين واستغفارهم،كل ذلك ينفع الميت بإذن الله، وقد شهدت له نصوص وردت في هذا الباب فمنها:

عن أبي هريرة رضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)([163]) ، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدل على أنها منه، فإنه هو الذي تسبب إليها.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)([164]).

وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)([165]).

 

المطلب العشرون:

إهداء ثواب العبادات للغير:

قال بعض أهل العلم إن الميت لا ينتفع بالعبادات التي لا تدخلها النيابة مثل الإسلام، والصلاة، والصوم وقراءة القرآن، فهذا كله يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه، كما أنه في حال الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.

ولكن الصواب: أن الميت ينتفع بإهداء الثواب ولاسيما إذا دعا الحي بعد العبادة للميت، وقد تضافرت الأدلة على ذلك. 

الدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه:

1_ الدعاء؛ قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}([166])، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء.

وفي السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)([167]).

وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول:(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)([168])، والأحاديث كثيرة في الدعاء للميت ولغيره من المسلمين.

2_ الصدقة: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله:(إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ )([169]).

وعن ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ:(نَعَمْ)، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا)([170]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهأَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالا وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ) ([171]).

3_ الصوم: ففي الصحيحين عن عائشة _ رضي الله عنها _ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ )([172]).

وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال:(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا فَقَالَ:(لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:(فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)([173]) .

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:(جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ:(يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ)([174]) أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: (أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا)؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ)([175]) .

4_ الحج: فعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ:(نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا؛ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؛ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ)([176]).

وروي عنه أيضاً رضي الله عنهما قال: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ:(أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ)([177]).

وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أنه ينفعه ويبرأ منه، كما يسقط ذمة الحي، فإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء.

قال شارح الطحاوية:(وكل ذلك جارٍ على قواعد الشرع وهو محض القياس، فإن الثواب حق العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله له في حياته وإبرائه له منه بعد وفاته)([178]).

وقال ابن القيم رحمه الله:(وبالجملة فأفضل مايهدى إلى الميت العتق، والصدقة، والاستغفار له، والدعاء له، والحج عنه)([179]).

 

المطلب الحادي والعشرون:

قراءة القرآن، وإهداء ثوابها للميت:

هذا محل خلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً، قال ابن القيم رحمه الله: (وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة، فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج)([180]).

قال شارح الطحاوية:(فإن قيل هذا لم يكن معروفاً في السلف، ولا أرشدهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم. فالجواب: إن كان مورد هذا السؤال معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن، وليس كون السلف لم يفعلوه حجّة في عدم الوصول ومن أين لنا هذا النفي العام)([181]).

وقال بعضهم: الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد الصحابة إلى الصوم، والحج، والصدقة دون القراءة.

ويجاب على ذلك فيقال: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم. فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر.

قال ابن القيم رحمه الله:(وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير للعلماء)([182]).

ومسألة انتفاع الميت بتلاوة القرآن كثر فيها النزاع، والحق الذي لا مراء فيه أن القراءة تصل إلى الميت، فإذا ثبت وصول الدعاء، والحج، والصوم ثبت وصول القراءة بلا شك لأن الكل عبادة، والتفريق بين هذه وتلك تحكم لا دليل عليه، بل في حديث الحج إخبار بوصول القرآن إلى الميت لأن الحج يتضمن صلاة ركعتي الطواف وهي تشتمل على قراءة القرآن قطعاً.

قال ابن عابدين في حاشيته([183]):(أقول ما ورد عن الشافعي هو المشهور عنه، والذي حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت).

ولا داعي لتقييد وصول الثواب والإحسان إلى الميت بقول القارىء (وهبت قراءتي لفلان)، وإنما يقرأ ثم يدعو بعد القراءة لأن الرحمة تتنزل على قراءة القرآن، فيكون أقرب إلى الله تعالى، وبالتالي أقرب إلى القبول.

 

المطلب الثاني والعشرون:

الاستئجار لقراءة القرآن، وإهداؤه للميت:

قال شارح الطحاوية:(وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه.

 والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف. وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير.

والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله،وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون له من ثوابه ما يهدى إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت، لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، فيجوز)([184]). والفرق بين هذه المسألة التي قلنا بمنعها، والمسألة السابقة التي قلنا بجوازها أن القراءة تطوعاً وإهداء الثواب جائز، أما الاستئجار للقراءة وإهداء الثواب فهو غير جائز.

 

المطلب الثالث والعشرون:

من أعظم ما ينفع الميت

(الدعاء والصدقة):

هذا محل اتفاق بين أهل العلم، فالميت ينتفع بعد موته بالدعاء له، والصدقة عليه، ويدل على ذلك قول الله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}([185])، فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاع الأموات باستغفار الأحياء.

وكذلك ما ثبت من انتفاع الميت بصلاة الجنازة، والدعاء بعد الدفن.

فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال:(اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)([186]).  

وكذا الدعاء للأموات عند زيارة القبور، ومثل الدعاء الصدقة، فقد جاءت النصوص مستفيضة في وصول ثوابها إلى الميت.

فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر وأجاب بانتفاع الميت بالصدقة، ومن ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله:(أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:(نَعَمْ)([187]).

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله عنه تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا، قَالَ:(نَعَمْ)، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا)([188]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)([189])

                                     

المبحث الثاني:

عذاب القبر ونعيمه

المطلب الأول:

مشروعية قبر الإنسان ودفنه.

المطلب الثاني:

سؤال الميت في قبره (فتنة القبر).

المطلب الثالث:عذاب القبر.

المطلب الرابع:

هل السؤال والعذاب للروح

وحدها أم لها وللجسد؟.

المطلب الخامس:نعيم القبر.

المطلب السادس: الدور ثلاثة.

المطلب السابع: سؤال منكر ونكير.

المطلب الثامن:

هل يمتحن الأطفال في قبورهم؟.

المطلب التاسع: أسباب عذاب القبر؟.

المطلب العاشر:

الأسباب المنجية من عذاب القبر؟.

المطلب الحادي عشر: زيارة القبور.

المطلب الثاني عشر:

القبور لا تأكل أجساد الأنبياء.

المطلب الثالث عشر: هل يدوم عذاب القبر؟.

المطلب الرابع عشر: ضغطة القبر.

 

المطلب الأول: مشروعية قبر الإنسان ودفنه:

يظن بعض المسلمين أن قبر الميت ودفنه في التراب مما أخذ بالوراثة، حتى إن بعضهم أنكر وجود دليل على مشروعية دفن الميت في التراب، وجعل هذا من أمور العادات؛ فدفن الميت وحرقه وإغراقه سواء عندهم!!.

والصحيح أن الميت يدفن في التراب، إلا للضرورة، والضرورة لها أحكامها.

وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمن كتاب الله قوله تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}([190])،وقوله تعالى:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}([191]) وقوله تعالى:{أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتاً}([192])، وقوله تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}([193])، وقوله تعالى:{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ..}([194]).

ومن السنة: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:(بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ، فَقَالَ:(مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ)، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ:(فَمَتَى مَاتَ هَؤُلاءِ؟)، قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ:(إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ)، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ:(تَعَـوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ:(تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)([195]).

ودفن الميت إكرام له لأجل حمايته من السباع والهوام، وحتى لا يسرع التعفن إليه، وحتى لا يتأذى الناس من رائحته عند تعفنه، فأجساد الناس ليست كأجساد الأنبياء، حيث إن أجساد الأنبياء لا تبلى بسبب الموت.

وأيضاً ما ورد عن أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ يَقُولُونَ: بَلِيتَ، فَقَالَ:(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)([196]).

 

المطلب الثاني: سؤال الميت

في قبره (فتنة القبر):

إذا دفن الميت ووضع في قبره جاءه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيوفق المؤمن ويُثَبَّتُ قلبه ويأتي بالجواب على وجهه، وأما الكافر فإنه يضل ولا يهتدي للجواب، قال تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا..}([197]).

وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ  وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ})([198]).

وأخرج الإمام أحمد رحمه الله عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى جِنَازَةٍ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْقَبْرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَهُوَ يُلْحَدُ لَهُ، فَقَالَ:(أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قَالَ:(إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا تَنَزَّلَتْ إِلَيْهِ الْمَلائِكَةُ كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمْ الشَّمْسَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ كَفَنٌ وَحَنُوطٌ فَجَلَسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ قَالُوا: رَبِّ عَبْدُكَ فُلانٌ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُوهُ؛ فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَإِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ، فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ،فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ لَهُ:صَدَقْتَ،ثُمَّ يَأْتِيهِ آتٍ حَسَنُ الْوَجْهِ،طَيِّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ الثِّيَابِ،فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِكَرَامَةٍ مِنْ اللَّهِ، وَنَعِيمٍ مُقِيمٍ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ؛ كُنْتَ وَاللَّهِ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ، وَبَابٌ مِنْ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ عَصَيْتَ اللَّهَ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ هَذَا، فَإِذَا رَأَى مَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ: رَبِّ عَجِّلْ قِيَامَ السَّاعَةِ كَيْمَا أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي، فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ.

وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ، فَانْتَزَعُوا رُوحَهُ كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الْكَثِيرُ الشِّعْبِ مِنْ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ، وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ، فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ لا تَعْرُجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ قَالُوا: رَبِّ فُلانُ بْنُ فُلانٍ عَبْدُكَ، قَالَ أَرْجِعُوهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي؛ فَيَقُولُ لا دَرَيْتَ، وَلا تَلَوْتَ، وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلا الثَّقَلَيْنِ) قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ)([199]).

وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ قَالَ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ صَدَقْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ اسْكُنْ وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا يَقُولُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولَ لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَيَقُولُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا اهْتَدَيْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ثُمَّ يَقْمَعُهُ قَمْعَةً بِالْمِطْرَاقِ يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ إِلا هُبِلَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ})([200]).

 

المطلب الثالث:  عذاب القبر:

عذاب القبر ونعيمه حق كما صرحت به النصوص من الكتاب والسنة، والإيمان بهما واجب، فالمرء إذا مات إما أن يكون في نعيم أو عذاب، وإن الروح تبقى بعد مفارقة البدن إما منعمة، أو معذبة، وعند البعث تعاد الأرواح إلى الأجساد، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}([201])، فهذه الآية تدل على تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتضار.

وقال تعالى:{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}([202]) فقوله غدواً وعشياً:أي صباحاً ومساءً،وذلك في النار، فدل أن لهم عذاباً قبل قيام الساعة، وذلك في قبورهم.

قال القرطبي رحمه الله:(الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ)([203]).

ومن الإشارات الواضحة الدالة على فتنة القبر وعذابه قوله تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ..}([204]).

ففي الحديث الذي يرويه البراء بن عازب _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}([205])، وفي رواية أخرى: وزاد {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا..} نزلت في عذاب القبر)([206]).

وقد روت عائشة _ رضي الله عنها _ أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ:(نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ)، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلاةً إِلا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)، زَادَ غُنْدَرٌ: (عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ)([207]).

وعنها _ رضي الله عنها _ قالت: (دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ؛ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ:(صَدَقَتَا؛ إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا) فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاةٍ إِلا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)([208]).

وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالتعوذ من عذاب القبر.

وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ..)([209]). ويدل على سماع الرسول صلى الله عليه وسلم للمعذبين في قبورهم الحديث الذي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين، فقال:(إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ..)([210]).

وعذاب القبر هذا هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قُبر أو لم يُقَبر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رماداً، أو نسف في الهواء، أو غرق في البحر، وصل روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى موتى القبور.

قال شارح الطحاوية رحمه الله:(وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما يحيله المعقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا)([211]).

 

المطلب الرابع:

هل السؤال والعذاب للروح

وحدها أم لها وللجسد؟:

يرى أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر ونعيمه يكون للروح والجسد معاً، فالنفس تنعم وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به، وليس السؤال في القبر للروح وحدها؛ فهذا القول فاسد، وأفسد منه قول من قال: إن العذاب على الجسد وحده دون الروح، وينبغي أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها.

ومن الأدلة على ثبوت عذاب القبر على الروح والجسد معاً ما روى البراء  ابن عازب رضي الله عنه أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}([212]))([213])، وفي لفظ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلمفَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}([214]).

وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولاً، وقد صرح في هذا الحديث بإعادة الروح إلى البدن، وباختلاف أضلاعه، وهذا بيّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. ومن أراد الزيادة فليراجع ما ذكرناه سابقاً في الأدلة الواردة في المطلب الأول (عذاب القبر ونعيمه).

 

المطلب الخامس: نعيم القبر:

دلت الآيات السابقة بمفهومها على نعيم القبر؛ فإن كان القبر للكافر عذاباً فهو للمؤمن نعيم، وقد دل على هذا المفهوم صراحة موضع واحد في كتاب الله، وهو قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}([215]).

اختلف العلماء في وقت هذا التنزل وهذه البشارة على ثلاثة أقوال([216]):

الأول: أن هذا يكون عند الاحتضار، لأن الملائكة تتنزل في وقت الاحتضار ويراها المحتضر، ويدل عليه حديث البراء المتقدم:(إن الملائكة تقول لروح المؤمن: (اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ)([217]).

الثاني: أن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم، قال جعفر ابن سليمان: (سمعت ثابتا قرأ سورة {حم السجدة} حتى بلغ:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ}([218]) فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله من قبره، يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن،{وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}قال: فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه، فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين، لما هداه الله، ولما كان يعمل له في الدنيا)([219]).

الثالث: أن هذه البشارة تكون في قبره بشارة له ببداية النعيم.

والراجح: قول زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث([220]).

قال ابن كثير رحمه الله:(وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جدّاً وهو الواقع)([221]).

 

المطلب السادس: الدور ثلاث:

الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار.

وقد جعل الله لكل دار أحكاماً تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها؛ فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً.

قال شارح الطحاوية رحمه الله:(فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم)([222]).

ويشبه ذلك في الدنيا حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلاً والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيراً مشاهداً، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه أكل أو شرب فيستيقظ ويجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والعطش، وهكذا إذا كان هذا معلوماً لنا في الدنيا فأمر البرزخ أعظم وأعجب، وهذا مما اختص الله بعلمه.

فالدار الأولى: هي دار الدنيا التي خلق الله العباد للعيش فيها، فأرسل لهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، حتى تقوم حجة الله عليهم، وهي الدار التي ذكرها الله لنا في كتابه، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}([223])،{وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ}([224]).

وقال أيضاً:{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ…}([225]) أي التي يعيش فيها الناس الوقت الذي حدده الله لهم فيها.

ثم بعد ذلك ينتقلون بعد الموت إلى الدار الثانية: وهي دار البرزخ الذي فيه إما عذاب وإما نعيم حتى تقوم الساعة، كما قال تعالى في آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}([226])، فقد أثبت المولى جل وعلا أن آل فرعون يعذبون في دار البرزخ قبل يوم القيامة، وهناك نصوص أخرى وردت في عذاب القبر ونعيمه سبق ذكرها.

ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الدار الثالثة: وهي دار القرار التي ذكرها الله تعالى في قوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}([227]) التي فيها يجازى كل الناس بما عملوا وقدموا  ففريق في الجنة وفريق في السعير، فيدخل الكفار والمنافقين النار فتكون لهم دار الخزي والبوار، ويدخل المؤمنين الجنة فتكون لهم نعم الدار والقرار. فقد أثبت أهل السنة والجماعة أنهم ينتقلون من الدار الأولى: وهي دار الدنيا، إلى الدار الثانية: وهي دار البرزخ، ثم ينتقلون إلى الدار الثالثة: وهي دار القرار.

 

المطلب السابع: سؤال منكر ونكير:

هل هذا مختص بهذه الأمة، أو يكون لها ولغيرها؟

هذا محل خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: هذا خاص بهذه الأمة لأن الأمم قبلنا كانت رسلهم تأتيهم، فإذا امتنعوا عن الإيمان كفت الرسل عنهم واعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب.

ولما بعث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم الرءوف بأمته الذي قال الله عنه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}([228])، وقال:{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([229])  وأمته فيهم المؤمن والمنافق فأمسك عن عذابهم لظاهر أحوالهم فشرع السؤال لهم بعد موتهم لتمييز الخبيث من الطيب وهنا: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}([230]).

وقال بعضهم: هذا السؤال عام لهذه الأمة ولغيرها من الأمم.

وتوقف آخرون في هذا الأمر، قال ابن القيم رحمه الله:(والظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة)([231]).

وهل السؤال في القبر خاص بالمؤمنين والمنافقين أم يشمل الكفار.

ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاص بالمؤمنين والمنافقين الذين يظهرون الإسلام، وقال إن الكافر لا حاجة إلى سؤاله.

والصواب الذي تدل عليه الأدلة من القرآن والسنة أنه عام للمؤمنين، والمنافقين، والكفار، قال تعالى:{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}([232]).

قال ابن القيم رحمه الله:(والكافر من جملة المسؤولين وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الكافر يسأل يوم القيامة، قال تعالى:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ}([233])، وقال تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([234])، وقال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} ([235])؛ فإذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم).

وفي السنة عن أنس بن مالك رضي الله عنهعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ..)([236])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم:(إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ..)([237]).

وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم:(فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ..)، وأما العبد الكافر أو الفاجر:(وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ..)([238]).

ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم في أول الأمر أن هذه الأمة تفتن في قبورها، ثم أوحى الله له بهذا العلم، فقد حدث عروة بن الزبير عن خالته عائشة رضي الله عنها قالت:(دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ:(إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ)، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ،ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟)، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)([239]).

فكل هذه الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن عذاب القبر، وفتنة القبر، وسؤال الملكين واقع على المؤمن، والمنافق، والكافر، وهذا ما ذهب إليه عبد الحق الأشبيلي، وابن القيم، والقرطبي، والسفاريني وغيرهم.

 

المطلب الثامن:

هل يمتحن الأطفال في قبورهم؟:

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

فقيل: إن الأطفال يسألون في قبورهم كغيرهم من الكبار العقلاء، قالوا: لأن الأطفال تشرع الصلاة عليهم، والدعاء لهم، وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر وفتنته، لما روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على صبي أو صبية، فقال:(لو كان نجا أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي)([240]).

وعن حماد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن البراء بن عازب، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم: أن صبياً دفن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي)([241]).

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول:(اللهم أعذه من عذاب القبر)([242]).

قال هؤلاء: والله يكمل لهم عقولهم ليعرفوا بذلك منزلتهم ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، وقد دلت الأحاديث الكثيرة أنهم يمتحنون في الآخرة، فكذلك في القبر، فلا فرق بين الامتحانين.

وقال آخرون: بل السؤال خاص بالكبار الذين عقلوا الرسالات والرسل فهم الذين يسألون هل أطاعوا هذا النبي أم لا؟ أما الصغار فلا معنى لسؤالهم لأنهم لم يتمكنوا من معرفة الرسول، فكيف يسألون عن ذلك؟ إذ لا فائدة في هذا السؤال، بخلاف السؤال في الآخرة، فالله يرسل لهم رسولاً ويأمرهم بطاع أمره، وعقولهم معهم، فمن أطاعه منهم  نجا، ومن عصاه أدخله النار.

فهذا السؤال عن أمر في ذلك الوقت لا أنه سؤال عما مضى كسؤال الملكين.

وأما ما ورد من الدعاء له فهذا لا يراد به العقوبة للطفل على فعل فعله، بل يراد به الألم الذي يحصل للميت فيتوجع  ويتألم منه، وإن لم يكن عقوبة له، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ)([243]).

قال ابن القيمرحمه الله:(ولاريب  أن  في  القبر  من الآلام،والهموم،والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل، فيتألم به، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب)([244]).

 

المطلب التاسع:

أسباب عذاب القبر:

(الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصّل.

أمَّا المجمل:فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه)([245]).

أما المفصل: فإن النصوص الواردة في ذلك كثيرة، وهي تختلف بحسب اختلاف المعاصي التي ارتكبها الإنسان في حياته، ولم يتب منها، فيعاقب عليها إما في القبر، وإما يوم القيامة، وهناك بعض الذنوب من الكبائر يعاقب عليها الإنسان في قبره قبل يوم القيامة، وقد دلت الأحاديث على ذلك، فمن هذه الذنوب:

1_ عدم الاستتار من البول، والنميمة: روي في الصحيحين عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ:(بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَـا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَارَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ:(لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا)([246]).

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً:(عامة عذاب القبر من البول)([247])، ورواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظ: (أكثر عذاب القبر من البول)([248]).

2_ الغُلُول: ومن الذنوب التي يعذب بها صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك أكثر من حديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى وَادِي الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمإِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ، حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ:هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ)([249]).

وعن عبد الله بن عمرو _ رضي الله عنهما _ قال:(كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(هُوَ فِي النَّارِ)فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا)([250]).

3_ الكذب، وهجر القرآن، والزنا، والربا: أرى الله رسول صلى الله عليه وسلم أنواعاً مما يعذب به بعض العصاة، ففي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ:(مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟)قَالَ:فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا،فَيَقُولُ:(مَا شَاءَ اللَّهُ)، فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ:(هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟) قُلْنَا: لا، قَالَ:(لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ، قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ،قَالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ)([251]).

4_ حبس المدين في قبره بدينه: ومما يضر الميت في قبره ما عليه من دين، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنهأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، وفي رواية: صلى الصبح  فلما انصرف قال: (أَهَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلانٍ أَحَدٌ؟)  فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا، فقال ذلك مراراً _ ثلاثاً لا يجيبه أحد _، فقال رجل: هو ذا، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ أَنْ تَكُونَ أَجَبْتَنِي أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكَ إِلا لِخَيْرٍ إِنَّ فُلانًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مَاتَ إِنَّهُ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ)، قَالَ: قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَهْلَهُ وَمَنْ يَتَحَزَّنُ لَهُ قَضَوْا عَنْه حَتَّى مَا جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ)([252]).

5_ عذاب الميت ببكاء أهله: وللعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري رحمه الله في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله:(باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}([253])، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، فَإِذَا  لَمْ  يَكُنْ  مِنْ سُنَّتِهِ  فَهُوَ  كَمَا  قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:{لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([254]))([255]).

وممن ذهب هذا المذهب الترمذي رحمه الله، فإنه روى حديث عمر رضي الله عنه بلفظ: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه)([256]) ثم قال: قال أبو عيسى حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: (أرجو إن كان ينهاهم في حياته أن لا يكون عليه من ذلك شيء)([257]).

وقالت طائفة من أهل العلم: إن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([258]).

والصحيح أن الإنسان في قبره يعذب بسبب ما يفعله غيره لاسيما إذا لم يكن ينهى عن ذلك في حياته، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:(أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَا جَبَلاهْ وَا كَذَا وَا كَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ،فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلا قِيلَ لِي:آنْتَ كَذَلِكَ؟!) فلما مات لم تبك عليه([259]).

بل إن هذا المعنى ورد صريحاً في الحديث  الذي يرويه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ  فَيَقُومُ  بَاكِيهِ  فَيَقُولُ وَاجَبَلاهْ وَاسَيِّدَاهْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إِلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ أَهَكَذَا كُنْتَ)([260]).

وقال الحافظ في التلخيص بعد سياقه لهذا الحديث:(ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير)([261]).

وقال ابن تيمية رحمه الله:(وينبغي أن ينبه هنا أنه ليس كل ميت يناح عليه يعذب بالنياح عليه، فقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، ثم ذكر أن أحاديث الوعيد يذكر فيها السبب،وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك، إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية،وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته، وبين في الختام أن ما يصيب الميت المؤمن من عذاب في قبره بما نيح عليه يكفر الله به عن سيئاته)([262]).

 

المطلب العاشر:

الأسباب المنجية

من عذاب القبر؟

من أعظم ما ينجي من عذاب القبر صدق التوبة، واللجوء إلى الله، ومحاسبة النفس، والعزم على ترك الذنوب، وعدم العودة إليها، مع الإكثار من الذكر، والدعاء، والاستغفار.

ولو أن كل مسلم ومسلمة فعل ذلك دائماً ليلة لسلم من الذنوب والمعاصي.

وقد جاء في الأحاديث فضل بعض الأعمال التي تقاوم العذاب وترده، ومنها بر الوالدين، وذكر الله، والصلاة والصيام، والحج، والعمرة، والصدقة، وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الخلق، والخوف من الله، والبكاء من خشيته، وشفاعة الأفراط الصغار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة المنجية من عذاب القبر، نسأل الله أن ينجينا ووالدينا وأزواجنا من عذاب القبر.

الأسباب المنجية من عذاب القبر على قسمين:

مجمل ومفصّل:

أمَّا المجمل: فهو تجنب تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وذلك بأن يجلس المسلم عند النوم ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحاً بينه وبين الله؛ فينام على تلك التوبة، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة،وإن استيقظ، استيقظ مستقبلاً للعمل مسروراً بتأخير أجله حتى يستقبل ربه، ويستدرك ما فاته، وليس للعبد أنفع من هذه التوبة، ولاسيما إذا أتبع ذلك بذكر الله، واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند النوم حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك.

وأما الجواب المفصل فنذكر بعض الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ينجي من عذاب القبر: فمنها ما رواه مسلم في صحيحه عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)([263]).

وعن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلمأن رجلاً قال يا رسول الله: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال:(كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)([264]).

وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ )([265]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أن سورة ثلاثين آية شفعت في صاحبها حتى غفر له {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}([266]))([267]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه:(مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ)([268]).

 

المطلب الحادي عشر:

زيارة القبور:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر عن زيارة القبور للرجال والنساء،ثم أذن بها للرجال، وبقي النهي في حق النساء.  جاء في الحديث:(كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الآخِرَةَ)([269]).

وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور كما جاء في الحديث:(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ)([270]). وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم زيارة القبور، والدعاء لأهلها، وكان يقول في دعائه: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ)([271]). وكان يقول أيضاً صلى الله عليه وسلم:(السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَإِنَّا بِكُمْ لاحِقُونَ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ)([272]).

ويشرع للزائر أن يدعو دعاءً عاماً للأموات، وإن رغب زيارة خاصة لقريبه، استقبل وجهه ووقف أو جلس ودعا له دعاءً خاصاً مثل: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله وارفع درجته، وافسح له في قبره، ونور له فيه، وهكذا.

حكم زيارة النساء للقبور:

اتفق أهل العلم على أن زيارة القبور في أول الإسلام كانت محرمة على الذكور والإناث، ثم جاء الإذن في ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالزيارة بعد استقرار التوحيد في قلوبهم؛ ففهم منه بعض أهل العلم أن الإذن خاص للرجال، وأما النساء فهن باقيات على أصل التحريم، وفهم بعضهم الآخر بأن الخطاب للذكور والإناث.

ولذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:

القول الأول: الإباحة: واستدل هؤلاء بما يلي:

1_ قوله صلى الله عليه وسلم:(نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا)([273]). فقالوا: الخطاب هنا للرجال والنساء.

2_ أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر، فَقَالَ:(اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي) قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ:(إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)([274]).

قال ابن حجر رحمه الله:(فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء)، وقال أيضاً معلقاً على الحديث:(واستدل به على جواز زيارة القبور سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة)([275]).

3_ عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال:(أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين،من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان قد نهى، ثم أمر بزيارتها)([276]).

وروي عنها _ رضي الله عنها _ في الحديث الطويل أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله!؟ قال: قولي:(السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)([277])، فلو كانت الزيارة للمرأة محرمة ما سألت عائشة عن ماذا تقول عند الزيارة، وما أجابها الرسول صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على جواز زيارة المرأة للقبور.

القول الثاني: الكراهية: وهو قول الجمهور كما حكاه النووي([278]):

ويستدل أصحاب هذا المذهب بعدة أدلة منها: عن أم عطية _ رضي الله عنها _ قالت: (نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا )([279]).

قال النووي رحمه الله: (معناه  نهانا  رسول  الله  عن  ذلك  نهي  كراهة  تنزيه  لا نهي عزيمة  تحريم، ومذهب أصحابنا أنه مكروه ليس بحرام لهذا الحديث)([280]).

وقال ابن الملقن:(وعندنا: أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث)([281]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله:(ولم يعزم علينا) أي: ولم يؤكد علينا في المنع، كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم)، وقال القرطبي رحمه الله: ظاهر سياق أم عطية رضي الله عنها أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم)([282]).

2_ قال الترمذي رحمه الله: قال بعضهم:(إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن)([283]).

القول الثالث: التحريم: واستدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة:

1_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن زوارات القبور)([284]).

2_ وعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ قال:(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ)([285]).

قالوا: اللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولاسيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها السرج، وقد لعن في مرض موته من فعله.

3_ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:(بينما نحن نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أبصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها فقال:(ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟) قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم، فقال:(فلعلك بلغت معهم الكدى([286])) قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال:(لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك)([287]).

4_ قال عمر رضي الله عنه:(نهينا النساء لأنّا لا نجد أضل من زائرات القبور)([288]).

5_ ورأى عمر رضي الله عنه نسوة مع جنازة فقال:(ارجعن مأزورات غير مأجورات، فوالله ما تحملن ولا تدفن يامؤذيات الأموات، ومفتنات الأحياء!)([289]).

6_ قال ابن عمر رضي الله عنه:(ليس للنساء في اتباع الجنائز أجر)([290]).

وممن ذهب إلى القول بالتحريم أبو إسحاق الشيرازي، وهو قول للمالكية، ورواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واختيار ابن القيم، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، وقال بهذا السيوطي، والسندي، وابن حجر الهيثمي، وصديق حسن الغنوجي، وأحمد شاكر وغيرهم.

 

المطلب الثاني عشر:

القبور لا تأكل أجساد الأنبياء:

الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وهذا من فضل الله على أنبيائه فكما أنه أكرمهم في الدنيا بالنبوة وفضلهم على غيرهم فهذا من فضله عليهم في حياة البرزخ أن الأرض لا تأكل أجسادهم.

عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ يَقُولُونَ: بَلِيتَ فَقَالَ:(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)([291]).

قال شارح الطحاوية:(وحرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء،كما روي في السنن([292])، وأما الشهيد فقد شوهد منهم بعد مددٍ من دفنه كما هو لم يتغير([293])، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، وكأنه والله أعلم كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل كان بقاء جسده أطول)([294]).

 

المطلب الثالث عشر:

هل يدوم عذاب القبر؟:

عذاب القبر نوعان: منه ما هو دائم، كما قال الله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}([295]). ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن سمرة بن جندب قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال:(مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) قَالَ:فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ:(مَا شَاءَ اللَّهُ…)([296]).

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال:(إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ:(لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)([297]).

ويدل على ذلك ما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة الكافر بعد موته (.. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّـقُ عَلَيْهِ قَبْـرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ..)([298]).  والأدلة على دوام عذاب القبر كثيرة جدا.

والنوع الثاني:له مدة ثم ينقطع،وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه،وقد ينقطع عن بعضهم العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءة تصل إليه من بعض أقربائه أو غيرهم.

 

المطلب الرابع عشر:

ضغطة القبر:

للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهذه الضغطة أو الضمة تكون بعد سؤال الميت في قبره، ويختلف هذا الضم أو الضغط حسب عمل المرء، فالصالح يضمه كما تضم الأم الحنون ولدها.

والرجل الطالح يضمه القبر ويضغط عليه حتى تختلف أضلاعه.

وقيل في سببها إنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب فتدركه هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة. وقد ورد في الأحاديث أن القبر ضم سعد بن معاذ، وهو الذي تحرك لموته العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد جنازته سبعون ألفاً من الملائكة.

ففي سنن النسائي عن ابن عمر _ رضي الله عنهما _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ)([299]).

وفي مسند أحمد عن ابن عمر _ رضي الله عنهما _ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ)([300]).

وفي معجم الطبراني الأوسط عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدُ بن مُعَاذٍ، وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ رُخِّيَ عَنْهُ)([301]).

ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان أن الصبيان لا ينجون منها، ففي معجم الطبراني الكبير عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بإسناد صحيح، وهو في معجمه الأوسط، وفي الكامل لابن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لأَفْلَتَ هَذَا الصَّبِيُّ)([302]).

وقد جاء في القبر:

فهم في بطون الأرض بعد ظهورها
** محاسنهم فيها بوال دوائر
تخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها
** وضمتهم تحت التراب الحفائر
خلت دورهم منهم وأقوتْ عراصهم
** وساقتهم نحو المنايا المقادر
وأنت على الدنيا حريص منافس
** أتدري أيا مغرور فيما تخاطر
وإنَّ امرءاً يسعى لدنياه جاهداً
** ويذهل عن أخراه لاشك خاسر

 

 

المبحث الثالث:

يوم القيامة

المطلب الأول: قرب قيام الساعة

كونها تأتي فجأة.

المطلب الثاني:

أسماء يوم القيامة وصفاته

والسر في كثرة أسمائه.

المطلب الثالث:

متى يبدأ يوم القيامة.

 

المطلب الأول:

قرب قيام الساعة

وكونها تأتي فجأة:

ذكر الله تعالى في كتابه العزيز آياتٍ كثيرة تدل على قرب قيام الساعة، وكونها تأتي فجأة، والحكمة من ذلك _ والله أعلم _ هو حث الناس على التزود بالأعمال الصالحة، والمسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى استغلال الأوقات في الباقيات الصالحات حيث إن القيامة قريبة جداً، وليست فقط قريبة بل تأتي فجأة.

فمن هذه الآيات، قوله تعالى:{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([303])، وقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}([304])، وقال تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}([305])، وقال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}([306])، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}([307])، وقال تعالى:{إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}([308]).

وأما الآيات التي تدل على أن الساعة تأتي فجأة وبغتة؛ فمنها قوله تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}([309])، وقوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}([310])، وقوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([311])، وقوله تعالى:{أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}([312])، وقوله تعالى:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}([313])، قوله تعالى:{وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}([314])، وقال تعالى:{لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}([315])، وقوله تعالى:{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}([316]).

 

المطلب الثاني:

أسماء يوم القيامة وصفاته

والسر في كثرة أسمائه:

أولاً: أسماء يوم القيامة:

(1) اليوم الآخر؛ قال تعالى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}([317])، وقال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}([318]).

(2) يوم الآزفة؛ يعني القريبة: قال تعالى:{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ}([319])، وقال تعالى: {أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}([320]).

(3) يوم البعث؛ قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}([321])

(4) يوم التغابن؛ قال تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}([322]).

(5) يوم التلاقِ؛ قال تعالى:{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ([323]).

(6) يوم التناد؛ قال تعالى:{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}([324]).

(7) يوم الجمع؛ قال تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ…}([325]).

(8) الحاقة؛ قال تعالى:{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}([326]).

(9) يوم الحساب؛ قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}([327]).

(10) يوم الحسرة؛ قال تعالى:{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}([328]).

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ؛ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} وَهَؤُلاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ})([329]).

وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}،قَالَ: يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ حَتَّى يُوقَفَ عَلَى السُّورِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ  وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ،فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَيَاةَ فِيهَا وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا فَرَحًا، وَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لأَهْلِ النَّارِ الْحَيَاةَ فِيهَا وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا تَرَحًا)([330]).

(11) اليوم الحق؛قال تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}([331]).

(12) يوم الخروج؛ قال تعالى:{يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ}([332]).

(13) يوم الدين؛ قال تعالى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}([333]).

(14) الساعة؛ قال تعالى:{اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}([334])، {بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} ([335]).

(15) الصاخة؛ قال تعالى:{فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ} ([336]).

(16) الطامة الكبرى؛ قال تعالى:{فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}([337]).

(17) الغاشية؛ قال تعالى:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}([338]).

(18) يوم الفتح؛ قال تعالى:{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}([339]).

قال الفراء والقتبي:(يعني فتح مكة)([340]): قال ابن كثير:(ومن زعم أن المراد هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء وقد كانوا قريباً من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى:{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل، كقوله:{فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً}([341])، وكقوله:{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ..}([342])، وقال تعالى:{وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}([343])، وقال تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}([344])، وقال تعالى:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ}([345])) ([346]). ورجحه أيضاً القرطبي([347])، والشوكاني([348]).

(19) الفزع الأكبر؛ قال تعالى:{لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}([349]).

(20) يوم الفصل؛ قال تعالى:{وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}([350])، وقال تعالى:{لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ}([351])، وقال تعالى: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}([352]).

(21) القارعة؛ قال تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ}([353])، وقال تعالى: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}([354]).

(22) يوم القيامة؛ قال تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}([355]).

(23) المعاد؛ قال تعالى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}([356]). قال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن:(إن المعنى لرادك إلى يوم القيامة، وهو اختيار الزجاج، يقال: بيني وبينك المعاد، أي يوم القيامة، لأن الناس يعودون فيه أحياء)([357]).

(24) اليوم الموعود؛ قال تعالى:{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}([358])، أي اليوم الموعود به، وهو قسم آخر، وهو يوم القيامة من غير اختلاف بين أهل التأويل قال ابن عباس: وعد أهل السماء والأرض أن يجتمعوا فيه)([359]).

(25) الواقعة؛ قال تعالى:{إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ}([360])، وقال تعالى:{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ}([361]).

(26) الوعد الحق؛ قال تعالى:{وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}([362]).

(27) يوم الوعيد؛ قال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}([363]).

(28) يوم الوقت المعلوم؛قال تعالى:{ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}([364]).

فهذه الأسماء التي ذكرها الله تعالى ليوم القيامة في القرآن تدل دلالة واضحة على عظم شأن هذا اليوم، وكثرة الأسماء تدل على تعظيم الشيء، كما هي العادة عند العرب، فقد كانوا إذا عظموا شيئاً أكثروا  له من الأسماء، كالسيف والأسد، ومن هذا القبيل كان للرب سبحانه أكثر من تسعة وتسعين اسماً.

قال الإشبيلي رحمه الله:(واعلم أن العرب قد تسمي الشيء بأسماء كثيرة وتجعل له ألقاباً عديدة تعظيماً لشأنه، وإكباراً لأمره، وقد سمى الله تبارك وتعالى يوم القيامة بأسماء كثيرة، ولعله من هذا، وهو تبارك وتعالى أعلم)([365]).

ثانياً: صفات يوم القيامة:

وهي على نوعين، صفات لليوم وصفات للناس فيه:

أما صفات ذلك اليوم فمنها:

* أنه عظيم؛ قال تعالى:{أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ *يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}([366])، {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}([367]).

* يوم عقيم؛ قال تعالى: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}([368]).

* يوم عسير؛ قال تعالى:{الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً}([369])، {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}([370])،{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}([371]).

* يوم ثقيل؛ قال تعالى:{إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً}([372]).

* يوم كبير؛  قال تعالى:{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}([373]).

* يوم محيط؛ قال تعالى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}([374])، فهذه الآية والتي قبلها تحتمل أن المقصود بذلك عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، ولا منافاة بين الاحتمالين، والقاعدة أن الآية التي تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فإنها تحمل عليهما، وحتى لو حمل على المعنى الأول فقط _ وهو عذاب الدنيا _ فإن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا فيكون فيه مثل عذاب الدنيا  وأكثر.

* الآخرة داهية مُرَّة:{بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}([375]).

* تخفض أناساً وترفع آخرين:{خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ}([376]).

* يوم لا يستطيع رده وكشفه أحد:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}([377])، {أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}([378]).

صفات الناس في ذلك اليوم:

* يوم تتقطع فيه الأرحام والقرابات والصداقات ويتفرق الجميع كل لـه شــأن يغنيــه بنفســه عن غيره؛ قال تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}([379]) ، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ}([380]) {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ}([381])،{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}([382])، {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}([383]).

* يوم يبرزون لله فيه وتظهر الأسرار وتهتك الأستار؛ قال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}([384])،{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ* فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ}([385])،{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى}([386]).

* يوم لايتكلم فيه إلا بإذن الرحمن؛ قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}([387]).

* يوم يشيب فيه الولدان؛ قال تعالى:{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً}([388]).

* يوم تذهل كل مرضعة، وتضع كل ذات حمل، ويكون الناس فيه سكارى؛ قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ  وَتَضَعُ كُلُّ  ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا  وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى  وَمَا هُمْ بِسُكَارَى  وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}([389]).

* يوم يجمع الناس فيه ويوم مشهود؛ قال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}([390]).

 

المطلب الثالث:

متى يبدأ يوم القيامة:

يوم القيامة يوم مغيب عن الناس علمه، فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلا، ولا مخلوقاً من مخلوقاته.

قال تعالى:{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ}([391]) يعني قل يا محمد وما أدري أقريب أم بعيد هذا الوعد، ومثله قوله تعالى:{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً}([392]).

وقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا}([393]).

وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل أن علم الساعة لا يعلمه أحد، ومثله قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([394]).

وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مَا الإِيمَانُ قَالَ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ قَالَ مَا الإِسْلَامُ قَالَ الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ مَا الإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)([395]).

فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم  متى تقوم الساعة، وكذلك جبريل _ عليه السلام _ لا يعلم  ذلك  لقوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)؛ فإن كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر، وجبريل وهو أفضل الملائكة لا يعلمان متى الساعة فغيرهم من باب أولى.

وهذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم أمام جمع من الصحابة، وتناقلوه بلا نكير بينهم؛ فقد رواه ثمانية من الصحابة حتى عده بعض العلماء من المتواتر([396]).

قال ابن كثير عن ما بقي من الدنيا:(لا يعلم مقداره على اليقين إلا الله تعالى)([397]).

والحكمة في إخفاء الساعة ظاهرة؛ وهي أن ينشط الناس في الطاعات والعبادات ويتركوا المعاصي والموبقات استعداداً  لذلك اليوم المجهول الموعد، فالمؤمن بذلك يجتهد  والشاك يكسل والجزاء عند الله:{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}([398]).

 

المبحث الرابع:

النفخ في الصور

المطلب الأول: النفخ في الصور.

المطلب الثاني: الصور الذي ينفخ فيه.

المطلب الثالث: النافخ في الصور.

المطلب الرابع:

اليوم الذي تكون فيه الصعقة.

المطلب الخامس:

كم مرة ينفخ في الصور.

المطلب السادس:

الذين لا يصعقون

عند النفخ في الصور.

 

المطلب الأول:

النفخ في الصور:

ورد النفخ في الصور صراحة في كتاب الله العزيز في آيات كثيرة، منها: قول الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}([399])، وقال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}([400])، وقال تعالى:{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}([401])، وقال تعالى:{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ}([402]).

وكذلك ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ)، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُمْ:( قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)([403]).

وهذا الكون العجيب له نهاية حيث يهلك الله فيه جميع الأحياء إلا من يشاء، قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}([404])، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}([405]).

وعندما يأتي ذلك اليوم ينفخ في الصور، فتنهي هذه النفخة الحياة في الأرض والسماء، قال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ}([406]).

وهذه النفخة كما ذكر الله تعالى نفخة هائلة مدمرة يسمعها الناس فلا يستطيعون معها أن يوصوا بشيء، بل لا يقدرون أن يرجعوا إلى أهليهم وأحبابهم قال تعالى: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}([407]).

وقد أخبرنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم عن سرعة هلاك العباد حين تقوم الساعة، فقال: (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلا يَتَبَايَعَانِهِ وَلا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلايَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلا يَطْعَمُهَا)([408]).

 

المطلب الثاني:

الصور الذي ينفخ فيه:

ورد الصور في القرآن الكريم بإسمين:

الأول: قوله تعالى:{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}([409])

وقد سماه الله تعالى أيضاً: الناقور؛ كم قال تعالى:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}([410]).

قال ابن عباس _ رضي الله عنهما _ :(الناقور: الصور)([411]).

فالصور والناقور اسمان لمسمى واحد، ولكن ما هو الصور؟

الصور في لغة العرب: القرن.

وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصور، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال:(الصور قرن ينفخ فيه)([412]).

وقال بعضهم: الصور جمع صورة، وقالوا: والمراد النفخ في الأجساد لتعاد مرة إليها الأرواح، وهذا غير صحيح لقوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}([413]).

فقد أخبر الله جل وعلا أنه ينفخ في الصور مرتين، ولو كان المراد بالصور النفخ في الصور التي هي الأبدان لما صح أن يقال:{ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} لأن الأجساد تنفخ فيها الأرواح عند البعث مرة واحدة.

وقد جاء وصف الصور بأوصاف كثيرة، ذكرها بعض أهل العلم، ولكن لم يذكروا لذلك أدلة من السنة، ولذا ينبغي الوقوف عند النصوص الشرعية الواردة ولاسيما في مسائل الإيمان باليوم الآخر.

وقد سمى الله تعالى الصوت الذي يخرجه إسرافيل من الصور بأسماء هي:

(1) النفخة: قال تعالى:{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}([414]).

(2) الصيحة: قال تعالى:{مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ}([415]).

(3) الراجفة: قال تعالى:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}([416]).

(4) الزجرة: قال تعالى:{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}([417]).

فإسرافيل ينفخ نفخة وزجرة _ وهي النفخة بغضب _ تحدث صيحة عظيمة ترجف لها الأرض والقلوب.

 

المطلب الثالث:

النافخ في الصور :

ذكر ابن حجر في فتح الباري أنه اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل _ عليه الصلاة والسلام _ ووقع التصريح به في بعض الأحاديث، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن صاحب الصور مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن طَرْف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طَرْفه، كأن عينيه كوكبان دٌرّيان)([418]).

وفي هذا الزمان الذي اقتربت فيه الساعة، أصبح إسرافيل أكثر استعداداً وتهيؤاً للنفخ في الصور.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ)،  قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟  قال: قولوا:(حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا)، وقال الترمذي: حديث حسن([419]).

 

المطلب الرابع:

اليوم الذي يكون فيه الصعقة:

تقوم الساعة في يوم الجمعة، جاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)([420]).

وجاء في حديث آخر في السنن، عن أوس بنت أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ…)([421]).

ولهذا كان هذا اليوم العظيم يوم الجمعة هو اليوم الذي تشفق فيه الخلائق خوفاً وهلعاً، إلا الجن والإنس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا وَهِيَ مُسِيخَةٌ([422]) يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إِلا الْجِنَّ وَالإِنْسَ)([423]).

 

المطلب الخامس:

كم مرة ينفخ في الصور؟:

الذي دلت عليه الآيات والأحاديث أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين، الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث، قال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}([424]). وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، قال تعالى:{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}([425]).

وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة، وصرح في الثانية بالنفخ في الصور.

قال تعالى:{مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}([426]).

وقد جاءت الأحاديث مصرِّحة بالنفختين، جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما بين النفختين أربعون)، قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يوماً، قال: أبيت، قال: أربعون سنة، قال: أبيت، قال:أربعون شهراً، قال: أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق)([427]).

وهذا الحديث صريح بأنها نفختان.

وفي صحيح مسلم عند عبد الله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا قَالَ وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ قَالَ فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوْ الظِّلُّ ـ نُعْمَانُ الشَّاكُّ ـ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ})([428]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئاً كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار؛ فقام فلطم وجهه وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهداً، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره؛ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي في وجهه؟ ثم قال:(لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي؟)([429]).

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:(لا تُخَيِّــرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ  النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ  فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟)([430]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ)([431]).

فالنفخة الأولى لهلاك العباد، والنفخة الثانية لبعثهم من قبورهم، وقد رجح هذا الذي دلت عليه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم، منهم القرطبي، وابن حجر العسقلاني.

وقال بعض أهل العلم: بل هي ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة البعث.

قالوا: وقد ذكر الله نفخة الفزع فقال:{وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ..}([432]).

وقد جاءت النفخات الثلاث مصرحاً بها في بعض الأحاديث:(ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات:نفخة الفزع،ونفخة الصعق،ونفخة القيام لرب العالمين)([433]).

أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة على أن هذه نفخة ثالثة، إذ لا يلزم من ذكر الحق تبارك وتعالى للفزع الذي يصيب من في السماوات والأرض عند النفخ في الصور أن تجعل هذه نفخة مستقلة، فالنفخة الأولى تفزع الأحياء قبل صعقهم، والنفخة الثانية تفزع الناس عند بعثهم، وأما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب، كما ذكر ابن حجر العسقلاني  رحمه الله، ونقل تضعيفه عن البيهقي([434]).

وذهب ابن حزم الظاهري إلى أن النفخات يوم القيامة أربع:(الأولى نفخة إماتة، والثانية نفخة إحياء يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب، والثالثة نفخة فزع وصعق، فيفيقون منها كالمغشي عليه لا يموت منها أحد، والرابعة نفخة إفاقة من ذلك الغشي)([435]).

قال ابن حجر متعقباً كلام ابن حزم:(هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعاً ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، فالأولى  يموت فيها كل من كان حياً، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله، والثانية: يعيش بها من مات،ويفيق بها من غشي عليه، والله أعلم)([436]).

 

المطلب السادس:

الذين لا يصعقون

عند النفخ في الصور :

أخبر الله _ جل وعلا _ أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يصعقون عندما يصعق من في السماوات ومن في الأرض، قال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ}([437]).

وقد اختلف أهل العلم في هؤلاء الذين استثناهم الله _ جل وعلا _ على أقوال منها:

1_ قال ابن حزم رحمه الله: هم جميع الملائكة لأنهم أرواح لا أرواح فيها فلا يموتون أصلاً، وهذا غير مسلم، فالملائكة خلق من خلق الله كغيرهم، فخالقهم قادر على إماتتهم وإحيائهم.

وقد جاءت الأحاديث مصرحة أنهم يصعقون إذا تكلم الله بالوحي، ومن جاز عليه صعق الغشي جاز عليه صعق الموت.

2_ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الذين استثناهم الله {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} هم جبرائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وحملة العرش.

وقد جاءت في ذلك أحاديث لكنها لا تصح، كما ذكر ابن حجر وغيره.

3_ وذهب بعضهم ومنهم الإمام أحمد إلى أن المراد بالاستثناء الذين في الجنة من الحور العين، والولدان. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:(وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت).

4_ وقال بعضهم: بل هم الأموات كلهم، لكونهم لا إحساس لهم فلا يصعقون، وهذا غير مسلم، لأن الصعق غير الموت.

5_ وقال  بعضهم: بل هم الأنبياء والشهداء، ذلك أن الأنبياء لا تأكل أجسادهم الأرض، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

6_ وذهب بعضهم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله لعدم ورود النص الذي يدل على المراد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم توقف في موسىصلى الله عليه وسلم، وهل هو داخل في الاستثناء أم لا؟ وإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثناهم الله، فغيره من باب أولى، وصار هذا الأمر كالعلم بوقت الساعة، لا ينال إلا بالخبر)([438]).

 

المبحث الخامس:

البعث

المطلب الأول: التعريف بالبعث.

المطلب الثاني: البعث خلق جديد.

المطلب الثالث: أول من تنشق عنه الأرض.

المطلب الخامس: المكذبون بالبعث.

المطلب السادس: أدلة البعث

والرد على المكذبين.

 

المطلب الأول: التعريف بالبعث:

البعث لغةً: الإرسال والنشر([439])، وأصل البعث إثارة الشيء([440]).

قال ابن جرير الطبري:(وأصل البعث إثارة الشيء من محله، ومنه قيل: فلان بعث راحلته، إذا أثارها من مبركها  للسير)([441]).

وشرعاً:(إحياء الأموات يوم القيامة)([442]) كقوله تعالى:{وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}([443]).

قال ابن كثير رحمه الله:(البعث: هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة)([444]).

وقال السفاريني:(أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني؛ فإنه المتبادر عند الإطلاق؛ إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره)([445]).

وقال البيجوري:(البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم)([446]).

وقال السيد سابق عن البعث:(هو إعادة الإنسان روحاً وجسداً كما كان في الدنيا)([447]). وذلك أن الله تعالى إذا أذن لنافخ الصور أن ينفخ  النفخة الثانية  وهي نفخة البعث؛ فتبدأ  الأرض تهتز والقبور تبعثر فتقذف الأرض ما فيها من الجثث فيخرج الناس من هول ما يرون بعد نفخ الروح فيهم، يخرجون يجرون لا يدرون أين يذهبون،وشبههم الله بالفراش المبثوث المنتشر،قال تعالى:{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}([448])، {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ}([449])، وقال تعالى:{وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}([450]) {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}([451])، فيخرجون من القبور حفاة عراة غرلاً بهماً، ويساقون ويجمعون إلى الموقف لمحاسبتهم؛ فينال كل مخلوق ما يستحقه من الجزاء العادل.

وهذا ما أشارت إليه كثير من الآيات الواردة في كتاب الله عز وجل، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}([452]).

وقوله تعالى:{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}([453])، وقوله تعالى:{وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}([454]).

وبالمقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة (البعث) والمعنى اللغوي لها: نجد ترابطاً ظاهراً، وذلك أن من معاني البعث في اللغة الإثارة لما كان ساكناً من قبل، وكذا الإرسال كما في قوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ}([455])، وهذا ما جاء في كلمة البعث مراداً بها معناها الشرعي الذي هو إرسال الحياة إلى الأموات وإثارتها من جديد لتتهيأ لما يراد منها من الانطلاقة إلى الموقف للحساب.

وقال تعالى:{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}([456])،{يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}([457])، وبعث الناس قبل حشرهم، فهم يبعثون ثم يحشرون إلى أرض الحشر الأولى.

والمراد بالبعث: المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد والنشور، فإذا شاء الله _ سبحانه وتعالى _ إحياء العباد أمر إسرافيل فنفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}([458]).

وقد أخبر الله _ عز وجل _ عن مشهد البعث الغريب العجيب، فقال تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}([459]).

وجاء في بعض الأحاديث أنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء تنبت منه أجساد العباد، جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(… يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوْ الظِّلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ…)([460]).

وإنبات الأجساد من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي تنبت منه يماثل إنبات الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء الدنيا، ولذا كثيراً ما يضرب الله _ سبحانه وتعالى _ المثل ببعث الناس من قبورهم بإحياء الأرض بالغيث،قال تعالى:{كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى}([461])، وقال تعالى:{كَذَلِكَ النُّشُورُ}([462]).

والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير هو عجب الذنب، وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([463]).

وفي رواية لمسلم، قال:(إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْمًا لا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(عَجْبُ الذَّنَبِ)([464]).

وهناك بعض الألفاظ التي توافق معنى البعث، وهي:(النشور، المعاد، الحشر) جاءت فيها نصوص تدل على معنى البعث.

 

المطلب الثاني:

البعث خلق جديد:

يعيد الله العباد أنفسهم، ولكنهم يخلقون خلقاً مختلفاً عما كانوا عليه في الحياة الدنيا، فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء، قال تعالى:{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}([465]).

ومن ذلك إبصار العباد ما لم يكونوا يبصرون، فإنهم يبصرون في ذلك اليوم الملائكة، والجن، وما الله به عليم، ومن ذلك أن أهل الجنة لا يبصقون، ولا يتغوطون، ولا يتبولون.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(النشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر، ولهذا جعل المعاد هو المبدأ، وجعله مثله أيضاً.

فباعتبار اتفاق المبدأ أو المعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله، وهكذا. كل ما أعيد فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ أو المعاد)([466]).

وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله:(البعث إعادة وليس تجديداً، بل هو إعادة لما زال وتحول؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب، والعظام تكون رميماً؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق، حتى يتكون الجسد، فتعاد الأرواح إلى أجسادها وأما من زعم أن الأجساد تخلق من جديد؛ فإن هذا زعم باطل يرده الكتاب والسنة والعقل: أما الكتاب؛ فإن الله _ عز وجل _ يقول:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}([467]) أي: يعيد ذلك الخلق الذي ابتدأه.

وفي الحديث القدسي، يقول الله تعالى:(.. وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ..)([468]) فالكل على الله هين.

وقال تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}([469])، وقال تعالى:{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}([470])، وقال تعالى:{مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}([471]).

وأما السنة؛ فهي كثيرة جدّاً في هذا، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا)([472]) فالناس هم الذين يحشرون وليس سواهم.

فالمهم أن البعث إعادة للأجساد السابقة.

فإذا قيل: ربما يؤكل الإنسان من قبل السباع، ويتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه، وتخرج في روثه وبوله؛ فما الجواب على ذلك؟

قال رحمه الله: إن الأمر هين على الله _ عز وجل _ يقول: كن  فيكون، ويتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلطت بها، وقدرة الله _ عز وجل _ فوق ما نتصوره؛ فالله على كل شيء قدير)([473]).

 

المطلب الثالث:

أول من تنشق عنه الأرض:

أول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)([474]).

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود؛ فقال المسلم: والذي اصطفى محمد على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي؛ فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال:(لا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ)([475]).

وفي رواية لهما:(.. فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي…)([476]).

 

المطلب الرابع:

المكذبون بالبعث:

كذَّب كثير من الناس قديماً وحديثاً بالبعث والنشور، وبعض الذين قالوا بإثباته صوَّروه على غير الصورة التي أخبرت بها الرسل _ عليهم الصلاة والسلام _.

وقد ذكر القرآن قول المكذبين وذمهم وكفرهم وتهددهم وتوعدهم،قال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([477]).

وقال تعالى:{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}([478]).

وقد تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لبيان أنواع المكذبين بالبعث والنشور من اليهود والنصارى والصابئة والفلاسفة ومنافقي هذه الأمة.

فقال: (هناك طوائف من اليهود، والنصارى ينكرون النعيم الحقيقي في الجنة، وهناك طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم يجعلون النعيم والعذاب للأرواح فقط، وهناك طوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، وأما المنافقون من هذه الأمة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون هذه أمثال ضربت، وحقيقة قول هؤلاء تكذيب الله في أخباره عن حقائق ما في المعاد.

ويمكن أن نصنف المكذبين بالبعث والنشور إلى ثلاثة أصناف:

الأول: الملاحدة الذين أنكروا وجود الخالق، ومن هؤلاء كثير من الفلاسفة، ومنهم بعض الشيوعيين في عصرنا الذين ينكرون وجود الخالق بالكلية.

الثاني: الذين يعترفون بوجود الخالق، ولكنهم يكذبون بالبعث والنشور، ومن هؤلاء الذين قال الله عنهم:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ..}([479]).

وهم القائلون أنفسهم فيما حكاه الله تعالى عنهم:{أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}([480])  وهؤلاء هم الذين أكثر الله من ضرب الأمثال لهم، وبيان قدرته على الإحياء بعد الإماتة، والاستدلال على ذلك بالنشأة الأولى.

الثالث: الذين يؤمنون بالمعاد،ولكن على غير الصفة التي جاءت بها النصوص الشرعية)([481]).

 

المطلب الخامس: أدلة البعث،

والرد على المكذبين في ذلك:

إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام.

ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد  من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع على ذلك المسلمون.

والمتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي:

أولاً: ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر: كما قال تعالى:{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ…}([482]).

وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}([483]).

فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله.

فلا إيمان إذاً لشخص _ وإن قال إنه مؤمن بالله _ حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لاحظ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر، فلم ينفعهم ذلك الإيمان وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار.

ويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)([484])، وقال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)([485])، وقال صلى الله عليه وسلم:(لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)([486]).

والإيمان بالمعاد دل عليه القرآن والسنة، بل القرآن مملوء من فاتحته إلى خاتمته بذكر أحوال اليوم الآخر، وتفاصيل ما فيه، وتقرير ذلك بالأخبار الصادقة، والأمثال المضروبة للاعتبار والإرشاد وقد رد القرآن على منكريه، وبين أكاذيبهم ودحض افتراءاتهم.

والفطر السليمة تدل على البعث، ولا صحة لدعاوى الضالين الذين يزعمون أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، والأنبياء _ عليهم الصلاة والسلام _ لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وفرق بين ما يحيِّر العقول وبين ما تحيله العقول.

ومن الأدلة على البعث والنشور ما يأتي:

أولاً: إخبار الله _ جل وعلا _ بوقوع القيامة:

أعظم الأدلة الدالة على وقوع المعاد إخبار الله _ عز وجل _ بذلك فيمن آمن بالله،وصدق بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم،فلابد له أن يؤمن بالبعث، والجزاء،والحساب والجنة والنار.

وقد نوع الله تعالى أساليب الإخبار عن ذلك ليكون أوقع في النفوس، وآكد في القلوب.

أ _ ففي مواضع يؤكد ذلك (بإنَّ واللام):{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}([487]).

وقال تعالى:{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ}([488])،وقال تعالى:{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}([489])

ب _ وفي مواضع يقسم الله على وقوعه، قال تعالى:{الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}([490]).

ج _ وفي مواضع يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإقسام على وقوع البعث وتحققه:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}([491])، وقال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ}([492])، وقال تعالى:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}([493]).

ففي هذه الآيات البينات يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقسم على وقوع البعث والجزاء وأنه كائن لا محالة، ومعلوم أنه لو لم يقسم صلى الله عليه وسلم على وقوع البعث لتلقى المؤمنون خبره بالتصديق التام وعدم وجود أدنى شك في ذلك، ولكان ذلك الإخبار كافياً لصحة ثبوته، ولكن الله سبحانه  وتعالى أراد _ زيادة في التأكيد والإيضاح والبيان _ أن يقرن ذلك الإخبار بالقسم، فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بهذا الجواب في مقابلة استهزائهم وإنكارهم لأمر البعث، الذي سيعلمون إذا ماتوا ووقفوا أمام ربهم وبينت لهم الحقيقة أنهم كانوا على ضلال وجهل في نفيهم ذلك حين زعموا أنهم لن يبعثوا زعماً يدل على مكابرتهم وعنادهم للحق.

وقد ذكر الرازي في تفسيره الفائدة من هذا القسم على وقوع البعث من وجوه:

الأول: أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد، ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد.

الثاني: أن الناس طبقات: فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي بل ينتفع بالأشياء الإقناعية نحو القسم؛ فإن الأعرابي الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم، فكذا ها هنا)([494]).

د _ وفي مواضع يذم المكذبين بالمعاد، قال تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}([495]).

هـ _ وأحيانا يمدح المؤمنين بالمعاد، قال تعالى:{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}([496]).

و _ وأحيانا يخبر _ سبحانه _ عن قرب وقوعه:{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}([497]).

ز _ وأحيانا يبين _ سبحانه _ أنه سهل عليه ميسور، وإن كان العباد يعجزون عنه:{مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}([498]).

ثانياً: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى:

أكثر القرآن من الاستدلال على الخلق الثاني بالخلق الأول؛ فالقادر على خلق العبد في أول مرة قادر على إعادة خلقه، وصدق الله العظيم:{وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً}([499]). وها نحن نشاهد يومياً حياة جديدة وخلقاً جديداً، أطفال يولدون، وطيور تخرج من بيضها، وحيوانات تولد، وأسماك وغيرها نراها بـأم أعيننا؛ فكيف يجرؤ العبد أن ينكر هذا الأمر.

وكثيرا ما يشير القرآن إلى خلق آدم _ عليه الصلاة والسلام _ وأنه خلق من تراب؛ فالقادر على جعل التراب بشراً، لا يعجزه أن يعيد البشر الفاني مرة ثانية، وصدق الله العظيم:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ}([500])، وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}([501])،وقال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}([502]).

ثالثاً: القادر على خلق الشيء الأعظم قادر على خلق ما دونه وهو (الأقل):

القادر على حمل الكثير لا يعجزه حمل اليسير، والذي يغلب الرجل القوي لا يقال له أنت تعجز أن تغلب هذا الرجل الضعيف، وهذا أمر مقرر عند البشر.

والله جل وعلا_ وله المثل الأعلى_ قادر على خلق السماوات والأرض؛ فكيف لا يخلق ما دونهما، قال تعالى:{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}([503])،{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً}([504])، وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ}([505])، وقال تعالى:{أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}([506])، وقال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}([507])، وقال تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}([508])،وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}([509])، وقال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}([510])، وقال تعالى:{فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}([511])، وقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ}([512]).

قال شارح الطحاوية:(فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما وكبر أجسامهما وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي العظام وقد صارت رميماً، فيردَّها إلى حالتها الأولى)([513]).

رابعاً: قدرته _ سبحانه وتعالى _ على تحويل الخلق من حال إلى حال:

الذين يكذبون بالبعث يرون هلاك العباد، ثم فناء هم في التراب؛ فيظنون أن إعادتهم مستحيلة بعد ذلك. وقد أشار القرآن إلى قدرة الله _ جل وعلا _ وأنه قادر على تحويل الخلق من حال إلى حال، فهو يحيي ويميت، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ}([514]).

خامساً: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة:

شاهد بعض البشر في فترات مختلفـــة عودة الحياة إلى الجثث الهامــدة والعظـــام البالية، بل شاهدوا الحياة تدب في بعض الجماد، وقد قص علينا القرآن من هذا الشيء الكثير، فقوم موسى لما قالوا:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}([515])، أماتهم ثم أحياهم فقال:{فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([516]).

وقتل  قتيل في بني إسرائيل واتهم فيه أقوام فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزء منها ففعلوا، فأحياه الله وأخبر عمن قتله:{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}([517]).

وهكذا  قصة الذين فروا من ديارهم وهم ألوف خشية الموت فأماتهم الله ثم  أحياهم، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ..}([518]).

 وهكذا الذي مر على القرية، قال تعالى:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([519]).

وهكذا قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع الطيور،قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([520]).

وقصة أصحاب الكهف،في قوله تعالى:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً}([521]).

وعصا موسى التي تحولت إلى حية تسعى، وغيرها كثير، وفي هذه الآيات البينات دلالات واضحة على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.

سادساً: ضربه المثل بإحياء الأرض بالنبات:

ضرب الله تعالى في كتابه أمثلة كثيرة لإعادة الحياة إلى الجثث الهامدة، والعظام البالية بإحيائه الأرض بعد موتها بالنبات، قال تعالى:{فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([522])، وقوله تعالى:{ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}([523])، وقال تعالى:{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}([524])، وقال:{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([525])، وقال: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}([526])، والآيات في هذا كثيرة جدا.

سابعاً: حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب:

الله خلق الخلق لعبادته، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، والحكمة تقتضي مجازاتهم المطيع له الجنة، والعاصي له النار قال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ}([527]). وقال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}([528]).

وربنا _ جل وعلا _ بين في كتابه الأدلة الواضحة على المعاد، والبعث والنشور، وأنه حق لا مرية فيه، قال تعالى:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([529])، وقال تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}([530])، وقال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً}([531]).

فهنا بين الله _ سبحانه وتعالى _ ما أجيب الكفار به عن كل سؤال من أسئلتهم التي يعرضونها تعجيزا، وتكذيباً؛ فأجابهم الله تعالى بما يناسب كل سؤال، فمن هذه الأسئلة قولهم:{أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم، ولا رب، فهلا كنتم خلقاً لا يفنيه الموت، كالحجارة والحديد، وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟! فإن قلتم: كنا خلقاً على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم، وبين إعادتكم خلقاً جديداً.

ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر يتضمن جواباً عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميماً، عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لابد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة، بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، فقال:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ}([532]) فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتليء بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم، ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجلِّ الأعظم، على اليسير الأصغر؛ فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فقال:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ..}([533]) فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض، قادر على أن يحيي العظام وقد صارت رميما، فيردها إلى حالتها الأولى، ثم ختم _ سبحانه وتعالى _ هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله:{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}([534])، ومن هذا قوله سبحانه:{أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}([535])، فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملاً عن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}([536]) إلى آخر السورة،فإن من نقله من النطفة إلى العلقة،ثم إلى المضغة،ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى، والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة، التي هي أتمُّ الصور، وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى؟ كلا والذي فطر السماء إن ذلك لا يليق بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته.

 

المبحث السادس:

الحشر:

المطلب الأول: تعريف الحشر.

المطلب الثاني: أصناف المحشورين.

المطلب الثالث: حشر الناس حفاة عراة.

المطلب الرابع: حشر الكفار على وجوههم.

المطلب الخامس: صفة الحشر.

المطلب السادس: أرض المحشر.

المطلب السابع: حشر الخلائق والحيوانات.

المطلب الثامن: كسوة العباد في ذلك اليوم.

المطلب التاسع: حشر الكفار إلى النار.

 

المطلب الأول: تعريف الحشر:

الحشر لغةً: بمعنى الحشد: أي الجمع، إلَّا أن الحشر فيه معنى الجمع مع السوق([537]). ومن استعمالها اللغوي في القرآن الكريم قوله تعالى:{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}([538]).

وشرعاً: هو جمع العباد يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم في صعيد واحد على أرض المحشر، ويكون ذلك بعد البعث، ومن استعماله بالحقيقة الشرعية قوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}([539])، وقوله:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}([540])، وقوله:{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}([541])، وقوله:{يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}([542]).

ويحشر كل إنسان على ما عمل من خير أو شر، كما جاءت بذلك الآيات، والأحاديث الصحيحة.

قال الله تعالى:{وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([543]).

وسمى الله يوم الدين بيوم الجمع، لأن الله يجمع العباد فيه جميعاً، قال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}([544])، ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون:{قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}([545]).

وقال تعالى:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}([546]).

 

المطلب الثاني:

أصناف المحشورين:

 تساق الخلائق إلى أرض المحشر وهم في ذلك متفاوتون على قدر أعمالهم؛ فمنهم الراكب، ومنهم الماشي، ومنهم من يحشر على وجهه، وهكذا.

يكونون ثلاثة أصناف، بيَّنهم الله تعالى في كتابه، منهم السابقون، ومنهم أصحاب اليمين، ومنهم أصحاب الشمال.

فالسابقون هم الأنبياء والرسل، والصديقون، والشهداء؛ فهؤلاء يحشرون ركباناً كما قال تعالى:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً}([547]).

وسائر المؤمنين يحشرون على أقدامهم، والكفار والمنافقون يحشرون على وجوههم، قال تعالى:{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}([548]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ صِنْفًا مُشَاةً وَصِنْفًا رُكْبَانًا وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ) قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ:(إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ)([549]).

وجاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)([550]).

هذا وإن المؤمنين يحشرون بيض الوجوه مستنيرة وجوههم مسرورة، وأما الكافرون والمنافقون والمجرمون فإنهم يحشرون سود الوجوه مغبرة وجوههم من الخزي والخذلان.

قال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}([551]).

وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يبعث الله يوم القيامة ناسا في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا)([552]).

 

المطلب الثالث:

حشر الناس حفاة عراة:

يحشر الناس في هذا اليوم العظيم حفاة عراة غرلا، لكن لا يلتفت بعضهم إلى بعض، ولا ينظر بعضهم إلى بعض.

ثبت عن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟قَالَ صلى الله عليه وسلم:(يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)([553]).

وعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا ثُمَّ قَرَأَ { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}([554])([555]).

وقد جاء في بعض النصوص أن كل إنسان يبعث في ثيابه التي مات فيها، فقد روى أبو داود وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا)([556]).

وقد وفق الإمام البيهقي بين هذا الحديث وسابقه بثلاثة أوجه:

الأول: أنها تبلى بعد قيامهم من قبورهم، فإذا وافوا الموقف يكونون عراة، ثم يلبسون من ثياب الجنة.

الثاني: أنه إذا كسي الأنبياء ثم الصديقون، ثم من بعدهم على مراتبهم فتكون كسوة كل إنسان من جنس ما يموت فيه، ثم إذا دخلوا الجنة لبسوا من ثياب الجنة.

الثالث: أن المراد بالثياب ها هنا الأعمال، أي يبعث في أعماله التي مات فيها من خير أو شر، قال الله تعالى:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}([557])، وقال:{وَثِيَابَكَ  فَطَهِّرْ}([558]). واستشهد البيهقي على هذا الجواب الأخير بحديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) ([559])، ولا يفقه منه أن العبد يبعث في ثيابه التي كفن فيها أو مات فيها، وإنما يبعث على الحال التي مات عليها من الإيمان والكفر، واليقين والشك.

فالذي يموت وهو محرم يبعث يوم القيامة ملبيا، ففي صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن عبد الله بن عباس _ رضي الله عنهما _ قال: أَنَّ رَجُلا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا)([560]). والشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب،اللون لون الدم،والريح ريح المسك.

ومن هنا استحب تلقين الميت (لا إله إلا الله) لعله يموت على التوحيد، ثم يبعث يوم القيامة ناطقاً بهذه الكلمة الطيبة.

 

المطلب الرابع:

حشر الكفار على وجوههم:

الكفار والمنافقون والمجرمون يحشرون على وجوههم يوم القيامة، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ يَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}([561]). وقال تعالى:{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}([562]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ:(أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا)([563]).

ومشهد الحشر على الوجوه فيه من الإهانة والتحقير، ما يقابل التعالي والاستكبار والإعراض عن الحق، إنه مشهد يذل الكبرياء، ويزلزل العناد، ويهز الكيان:{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً}([564]).

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده _ رضي الله عنهم _ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالا وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ)([565]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ صِنْفًا مُشَاةً وَصِنْفًا رُكْبَانًا وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ)، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ:(إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ)([566]).

 

المطلب الخامس:

صفة الحشر:

يحشر الناس حفاة عراة غرلاً: أي غير مختونين، قال تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}([567]).

ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها ثم قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا)([568]).

وقيل إن المراد بالثياب ها هنا الأعمال، أي يبعث في أعماله التي مات فيها من خير أو شر، كما ثبت (يبعث كل عبد على ما مات عليه)([569]).

فالمحرم يبعث يوم القيامة ملبياً، والشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

فإذا قام الناس من قبورهم لرب العالمين ونودوا هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون،خشعت الخلائق، وخضعت وذلت للواحد القهار، فتراهم يستجيبون مسارعين إلى المنادي:{يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}، لا يعاندون، ولا يميلون بل يسعون إلى محشرهم في سكون وخشوع لا تسمع منهم إلا أصوات الأقدام، وإلا الهمس، قال تعالى:{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ *  يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} ([570]).

 

المطلب السادس:

أرض المحشر:

الأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}([571]).

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأرض فقال:(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ) قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ)([572]).

والعفراء خالصة البياض، والنقي: الدقيق الخالي من الغش، والمعلم: العلامة التي يهتدى بها في الطريق.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} أي يزاد فيها وينقص منها،ويذهب آكامها وجبالها، وأوديتها وشجرها.

وعن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} قَالَ: تُبَدَّلُ الأَرْض أَرْضًا كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَام وَلَمْ يُعْمَل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح وَهُوَ مَوْقُوف؛ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا وَقَالَ: الْمَوْقُوف أَصَحّ([573]).

وعن عكرمة قال: (بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الَْرْض يَعْنِي أَرْض الدُّنْيَا تُطْوَى وَإِلَى جَنْبِهَا أُخْرَى يُحْشَرُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَيْهَا)([574]).

وفي حديث الصور الطويل:(تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ فَيَبْسُطُهَا وَيُسَطِّحهَا وَيَمُدّهَا مَدّ الأَدِيم الْعُكَاظِيّ لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا . ثُمَّ يَزْجُر اللَّه الْخَلْق زَجْرَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الأَرْض الْمُبَدَّلَة فِي مِثْل مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الأَوْلَى مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَمَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا كَانَ عَلَيْهَا)([575]).

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يبدل من الأرض إنما هو صفاتها فحسب، فمن ذلك حديث عبد الله بن عمرو _ رضي الله عنهما _ الموقوف عليه، قال: (إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مُدَّتْ الأَرْض مَدَّ الأَدِيمِ وَحُشِرَ الْخَلائِقُ)، ومن حديث جابر رفعه:(تُمَدُّ الأَرْضُ مَدَّ الأَدِيمِ ثُمَّ لا يَكُون لابْنِ آدَم مِنْهَا إِلا مَوْضِع قَدَمَيْهِ) ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزهريِّ في صَحَابِيِّهِ([576]).

وقد قال بعضهم: إن هذا الوقت الذي تبدل فيه الأرض غير الأرض هو وقت مرور الناس على الصراط، وقد جاء في ذلك النص عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

فقد سألت عائشة _ رضي الله عنها _ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:(عَلَى الصِّرَاطِ)([577]).

وفي صحيح مسلم أيضاً عن ثوبان رضي الله عنه قال: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلا تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ قَالَ:أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ،فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعُودٍ مَعَهُ،فَقَالَ: سَلْ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ)([578]).

 

المطلب السابع:

حشر الخلائق والحيوانات:

يحشر الله الخلائق جميعهم حيثما هلكوا، لأنه _ سبحانه _ قادر على الإتيان بهم مهما كان مكان هلاكهم سواء كانوا في أعلى الفضاء، أو في أعماق الأرض، أو أكلتهم الطيور، أو الأسماك في البحار، وصدق الله العظيم:{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([579])، وقال تعالى:{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}([580]).

والجميع يحشرون، الإنس والجن، والملائكة، حتى البهائم يتناولها الحشر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(وأما البهائم فجميعها يحشرها الله _ سبحانه _ كما دل عليه الكتاب والسنة)([581])، قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}([582])، وقال تعالى:{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}([583])، وقال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}([584]).

وذكر القرطبي في التذكرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله:(يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم، والطير، والدواب، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً؛ فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار:{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}([585]) ونحوه)([586])، وصدق الله  العظيم: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}([587])، وقوله:{ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}([588]) .

 

المطلب الثامن:

كسوة العباد في ذلك اليوم

ـ يوم الحشر ـ:

يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة ثم يكسى العباد،فالصالحون يكسون الثياب الكريمة، والطالحون يسربلون بسرابيل القطران ودروع الجرب من الملابس الفظيعة.

وأول من يكسى من عباد الله نبي الله إبراهيم خليل الرحمن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ)([589]).

قال ابن حجر:(وأخرج البيهقي من طريق ابن عباس نحو حديث الباب وزاد: (وَأَوَّل مَنْ يُكْسَى مِنْ الْجَنَّة إِبْرَاهِيم يُكْسَى حُلَّة مِنْ الْجَنَّة وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَح عَنْ يَمِين الْعَرْشِ ثُمَّ يُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ الْجَنَّة لَا يَقُوم لَهَا الْبَشَر)([590]).

وذكر أهل العلم أن تقديم إبراهيم _ عليه الصلاة والسلام _ على غيره بالكسوة في يوم القيامة لأنه لم يكن في الأولين والآخرين أخوف لله منه، فتعجل له الكسوة، أماناً له ليطمئن قلبه.

وقيل: لأنه أول من لبس السراويل إذا صلى مبالغة في الستر، وحفظاً لفرجه أن يماسَّ مصلاه، ففعل ما أمر به، فجزي بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة.

وقيل: بل لأن الذين ألقوه في النار جردوه من ثيابه على أعين الناس، فجزي بكسوته في يوم القيامة أول الناس على رؤوس الأشهاد، والله أعلم.

 

المطلب التاسع:

حشر الكفار إلى النار:

جاءت النصوص الكثيرة تبين حشر الكفار إلى النار على وجوه عديدة في مراحل متعددة، تقريعاً وتبكيتاً وإهانة لهم لسوء صنيعهم في الدنيا، ومن ذلك:

1_ أنهم يحشرون كقطعان الماشية جماعات جماعات، ينهرون ويغلظ عليهم، ويصاح بهم من هنا وهناك، كما يفعل الراعي مع الغنم والبقر، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً}([591]).

وقال تعالى:{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً}([592])، وقال:{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}([593])، ومعنى يوزعون: أي يجمعون، تجمعهم الزبانية أولهم على آخرهم.

     2_ وجاء في بعض النصوص أنهم يحشرون على وجوههم بدل أرجلهم التي كانوا يمشون عليها في الدنيا، والذي أقدرهم على المشي على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، قال تعالى:{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً}([594]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ:(أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا) ([595]).

ومع حشرهم على هذا المنظر الفظيع على وجوههم، فإن الله تعالى يحشرهم أيضاً عمياً لا يرون، وبكماً لا يتكلمون، وصماً لا يسمعون، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}([596]).

3_ ويحشر الكفار مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم، وأتباعهم، قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}([597]).

4_ ويحشرون وهم أذلاء صاغرون مقهورون، مغلوبون، قال تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}([598]).

5_ وقبل وصولهم إلى النار يسمعون صوت النار، فتمتلىء قلوبهم خوفاً وهلعاً ورعباً، قال تعالى:{إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}([599]).

6_ وإذا وصلوا إلى النار ورأوا أهوالها ندموا وخافوا وتمنوا العودة إلى الدنيا، ولكن هيهات.. هيهات!! قال تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}([600])، وقال تعالى:{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} ([601]).

7_ وعندما يقفون على النار يؤمرون بالدخول فيها:{فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} ([602])، ولا ينجوا من النار أحد من الجن والإنس إلا الأتقياء، الذين آمنوا  بربهم، وصدقوا رسله، واتبعوا ما أنزل إليهم من بارئهم:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} ([603]).

يُقْسِمُ الله سبحانه بنفسه، وهو أعظم قسم وأجله؛ أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ}، ولن يكونوا وحدهم:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} فهم والشياطين سواء، وهنا يصور ربنا جل وعلا صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشدَّ عتوا وتجبراً {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً}، والله جل وعلا هو أعلم بمن هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافاً من هذه الجموع التي أحصاها الله تعالى فرداً فرداً:{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً}.

وقد غيرت هذه الآية {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات.

ذكر ابن كثير رحمه الله أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها.

وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رؤي ضاحكاً حتى لحق بالله.

وقال ابن عباس _ رضي الله عنهما _ لرجل يحاوره: أمَّا أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟([604]).

 

المبحث السابع:

العرض والحساب والجزاء:

المطلب الأول:

المراد بالعرض والحساب والجزاء.

المطلب الثاني: مشهد الحساب.

المطلب الثالث:

هل يسأل الكفار، ولماذا يسألون؟.

المطلب الرابع:

قواعد يحاسب على ضوئها العباد.

المطلب الخامس:

أول ما يحاسب عليه العبد (من أعماله).

المطلب السادس: أنواع الحساب.

 

المطلب الأول:

المراد بالعرض والحساب والجزاء:

المراد بالعرض:

عرض الرب ذنوب عبده عليه، فعن عبد الله بن عمر _ رضي الله عنهما _ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}([605]))([606]).

ففي قوله:(فيضع عليه كنفه): أي ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطبه خطاب ملاطفة ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول ممتناً عليه ومظهراً فضله لديه، فإني قد سترتها عليك في الدنيا: أي لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم.

وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز آيات كثيرة تشير إلى هذا الأمر العظيم الذي يكون يوم العرض على الله، قال تعالى:{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}([607]). وقال تعالى:{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ..}([608]). وقال تعالى:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا}([609]).

والمراد بالحساب والجزاء:

أن يوقف الله _ جل جلاله _ عباده بين يديه، ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في حياتهم الدنيا من إيمان وكفر، واستقامة وانحراف، وطاعة وعصيان، وما يستحقونه على ما قدموه من ثواب وعقاب، ثم يؤتيهم كتبهم على قدر أعمالهم، فآخذ كتابه باليمين إن كان صالحاً، وآخذ كتابه بشماله إن كان طالحاً.

قال تعالى:{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ  أُوتِيَ  كِتَابَهُ  وَرَاءَ  ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو  ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ  كَانَ  فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً}([610]).

وقال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ}([611]). ويشمل الحساب ما يقوله الرب لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من الحجج والبراهين، وشهادة الشهود على أعمالهم.

قال تعالى:{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}([612])، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى..}([613]). والحساب منه العسير، ومنه اليسير، ومنه التكريم، ومنه التوبيخ، ومنه الفضل والصفح، ومنه المعاقبة والمناقشة، وكل ذلك يتولاه أكرم الأكرمين، وأحكم الحاكمين، العليم الخبير.  

 

المطلب الثاني:

مشهد الحساب:

أفاض القرآن في ذكر هذا المشهد، وصوره أبلغ تصوير، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}([614]). وحسبنا أن نعلم أن المحاسب في ذلك اليوم العظيم هو الحكم العدل، قيوم السماوات والأرض، الذي يعلم كل شيء، ويطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

والله يجيء لفصل القضاء على وجه يليق به، قال تعالى:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}([615])

وهو موقف عظيم تحضره الملائكة ومعها كتب الأعمال التي أحصت أعمال الخلائق وسجلتها فيها، وهذه الكتب لا تغادر أي عمل صغير أو كبير، الكل محصى فيها ومكتوب، قال تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}([616]).

وقال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ([617]).

وقال تعالى:{مَنْ  جَاءَ بِالْحَسَنَةِ  فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  وَمَنْ جَاءَ  بِالسَّيِّئَةِ  فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}([618]).

فالرسل في هذا اليوم العظيم يخبرون عن تبليغ الأمانة التي تحملوها، ويشهدون على أقوامهم، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}([619]).

وهكذا الأشهاد من الملائكة، قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}([620]) يشهدون على العباد بما عملوا، ولشدة هذا اليوم العظيم يجثو العباد على الركب خوفاً وهلعاً.

وقال تعالى:{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([621]). إنه مشهد عظيم نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن ينجينا ووالدينا وذرياتنا في هذا اليوم العظيم.

 

المطلب الثالث:

هل يسأل الكفار

ولماذا يسألون؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمن قائل إنهم لا يحاسبون لأنه لا فائدة في ذلك فهم حطب جهنم فأعمالهم باطلة ومصيرهم حتمي فلا جدوى من مساءلتهم وتقريرهم، ومن قائل إنهم يحاسبون كغيرهم، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

واستدل عليه بقوله تعالى:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}([622]). وقوله تعالى:{ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين}([623])، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}([624]).

وهذه النصوص كلها في الكفار.

أما لماذا يحاسبون وتوزن أعمالهم وهي حابطة مردودة فلأمور منها:

1_ إقامة الحجة عليهم، وإظهار عدل الله فيهم، فهو يسألهم ويحاسبهم ويطلعهم على أعمالهم لإقامة الحجة عليهم، ولإظهار حكمته وعدله سبحانه، وهنا تنقطع حجتهم ولا تقوم لهم قائمة، قال تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}([625]).

قال القرطبي رحمه الله:(والباري _ سبحانه وتعالى _ يسأل الخلق في الآخرة تقريراً لإقامة الحجة وإظهاراً للحكمة)([626]).

2_ يحاسبهم ربهم لتوبيخهم وتقريعهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يراد بالحساب عرض أعمال الكفار عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد به أيضاً موازنة الحسنات بالسيئات، وهذا من واقع الكفار)([627]).

قال تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}([628])، وقال تعالى:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}([629]). وقال ابن كثير رحمه الله:(وأما الكفار فتوزن أعمالهم، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم يقابل بها كفرهم لإظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق).

    3_ الكفار مكلفون بأصول الشريعة وفروعها؛ فيسألون عما قصروا فيه من ذلك، قال القرطبي رحمه الله:(وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها، (أي فروع الشريعة) مسئولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}([630])، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}([631]) فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان والبعث،وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،وأنهم مسئولون عنها مجزيون بها)([632]).

 4_ الكفار يتفاوتون في كفرهم وذنوبهم وعذابهم على قدر ذلك، فالنار دركات بعضها تحت بعض، وبعضهم يكون في الدرك الأسفل من النار، وهم المنافقون، قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ}([633]).

 

المطلب الرابع:

قواعد يحاسب على أساسها العباد:

الله جل جلاله له التصرف المطلق في عباده، فلو عذبهم لما كان ظالماً لهم، ولكنه فضلاً منه ومنَّة ورحمة يحاكم عباده محاكمة عادلة عل قدر أعمالهم، وهذه المحاكمة تقوم على أسس رئيسية:

1_ العدل التام الذي لا يشوبه ظلم:

فالرحيم الرحمن سبحانه يوفي عباده أجورهم كاملة غير منقوصة، ولا تظلم نفس شيئا، ولو كان مثقال ذرة، قال تعالى في وصية لقمان:{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}([634])، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}([635])، فقد أخبر الله تعالى أنه يوفي كل عبد عمله، وأنه لا يضيع منه، ولا ينقص منه مقدار الذرة.

2_ لا يؤاخذ أحد بذنب غيره:

هذه هي القاعدة الأساسية في الحساب والمجازاة، كل يجازى بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لا يحمل أحد وزر غيره، قال تعالى:{وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}([636])، وهذا هو العدل الذي لا عدل فوقه، المهتدي يلقى جزاءه، والشقي يلقى مغبة أعماله. قال القرطبي رحمه الله في تفسير  قوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها، وأصل الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى:{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}([637]) وهو هنا الذنب)([638]).

3_ إطلاع العباد عل ما قدموه من أعمال:

من إعذار الله لخلقه وعدله في عباده أن يطلعهم على ما قدموه من صالح أعمالهم وطالحها حتى يحكموا على أنفسهم، فلا يكون لهم بعد ذلك عذر، قال تعالى:{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([639])، وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً}([640])، وقال تعالى:{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}([641]) وإطلاع العباد على ما قدموه يكون بإعطائهم صحائف أعمالهم، وقراءتهم لها.

وقد علم أن لكل إنسان ملكين يسجلان عليه صالح أعماله وطالحها،كما قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}([642]) فإذا مات خُتم على كتابه، فإذا كان يوم القيامة أُعطي العبد كتابه، ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم حسيبا، كما قال تعالى:{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}([643]).

وهذا الكتاب شامل لجميع ما عمله العبد في الدنيا، فلا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وجدها مسجلة عليه، كما قال تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}([644]).

4_ مضاعفة الحسنات دون السيئات:

ومن رحمة الله ولطفه وفضله وكرمه أن يضاعف أجر الأعمال الصالحة، قال تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ([645])، وأقل ما تضاعف به الحسنة عشرة أضعاف، قال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}([646])، وأما السيئة فلا تجزى إلا مثلها، قال تعالى:{وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} ([647]) وهذا مقتضى عدله _ سبحانه وتعالى _، والنصوص الواردة في تضعيف الحسنات كثيرة جدا.

بل إنه _ جل وعلا _ يغفر السيئات، ولو لقيه العبد بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئاً لقيه ربه بقرابها مغفرة، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: قال الله تعالى:(يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )([648]).

ومن الأعمال التي تضاعف عشرة أضعاف قراءة القرآن، ففي الحديث الذي  يرويه الترمذي والدارمي بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ)([649]).

وروى البخاري وغيره في حديث الإسراء عندما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يشير عليه موسى صلى الله عليه وسلم في كل مرة أن يرجع إلى ربه فيسأله أن يخفف عنه من الصلاة، حتى أصبحت خمساً بعد أن كانت خمسين، قال في نهاية الحديث: قال الجبار _ تبارك وتعالى _ (إِنَّهُ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ كَمَا فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْـكَ فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ كَيْفَ فَعَلْتَ فَقَالَ خَفَّفَ عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ)([650]).

وقد يضاعف الله بأكثر من ذلك، فقد تصل المضاعفة إلى سبعمائة ضعف وأكثر من ذلك، ومن هذا أجر المنفق في سبيل الله، قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([651]).

ومن الأعمال التي تضاعف أضعافاً لا تدخل تحت حصر، ولا يحصيها إلا الذي يجزي بها: الصوم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)([652]).

ومن فضل الله تعالى أن العبد المؤمن الذي يهم بفعل الحسنة ولكنه لا يفعلها تكتب له حسنة تامة، والذي يهم بفعل السيئة ثم تدركه مخافة الله فيتركها تكتب له حسنة تامة، فعن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه _ عز وجل _ قال:(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)([653]).

ومن فضل الله أيضاً على عباده ورحمته بهم هو تبديله سيئاتهم حسنات يوم القيامة، فعندما يأتي العبد يوم القيامة وتعرض عليه ذنوبه، فيعترف بها ولا يستطيع الإنكار ويظن أنه قد هلك، فيشمله كرم الله تعالى وجوده، فبدلاً من أن يعذبه عليها إذا هو يبدلها له حسنات.

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ فَيُقَالُ عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فَيَقُولُ رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَا هُنَا فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) ([654]).  

5_ إقامة الشهود على الكفرة والمنافقين:

أعظم الشهداء في يوم المعاد هو الخالق للعباد وفاطرهم ومدبر أمورهم، الذي لا تخفى عليه خافية من  أحوالهم وأعمالهم، قال تعالى:{وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ..}([655]). وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}([656]). ولكن مع ذلك يبعث الله شهداء على العباد لئلا يكون للجاحدين والكافرين والمنافقين حجة أو عذر، قال تعالى:{وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ}([657])، وقال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}([658])، وقال تعالى:{وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}([659])، وقال تعالى:{وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ}([660]).

ثم إن الأمم تكذب رسلها،وتقول كل أمة ما جاءنا من نذير،فتأتي هذه الأمة:

أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشهد للرسل بالبلاغ، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} ([661])، وقد أورد البخاري في صحيحه في كتاب التفسير الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}([662]) ) ([663]).

بل إن الأعضاء تشهد على الإنسان فلا يستطيع أن يتهرب، أو ينكر، أو يراوغ لأن الشاهد من نفسه، قال تعالى:{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}([664]). وقال تعالى:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([665]).

 

المطلب الخامس:

أول ما يحاسب عليه

العبد من أعماله:

أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله _ تبارك وتعالى _ الصلاة، فإن صلحت أفلح وأنجح، وإلا خاب وخسر، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ)([666]).

فلماذا حصلت هذه الفريضة على هذا القدر العظيم والشرف العالي من بين العبادات الأخرى حتى جعل الله تعالى السؤال عنها بين يديه أول الأعمال يوم القيامة؟!!.

نقول: إن للصلاة في الإسلام منزلة كبيرة لا تصل إليها أية عبادة أخرى، فهي الركن الثاني بعد الشهادتين، بها يفرق بين المسلم والكافر، فهي مظهر الإسلام، وعلامة الإيمان، وقرة العيون، وراحة الضمير، وهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، وفي الحديث الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ…)([667]).

من أجل ذلك كان السؤال عنها يوم القيامة، فمن وفق لأدائها على الوجه الذي يرضي به ربه _ تبارك وتعالى _ حصل له الرضا والقبول، ومن فرط فيها وضيعها، ولم يقم بحقها حصل له الخزي والخسران.

 

المطلب السادس:

أنواع الحساب:

يتفاوت حساب الناس على قدر أعمالهم، فبعضهم يكون حسابه عسيرا، وهؤلاء هم الكفرة والمجرمون والمنافقون الذين تمردوا على شرع الله وكذبوا رسله.

وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويشتد بسبب كثرة ذنوبهم وعظمها وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم السبعون ألفاً، وهم من صفوة الأمة، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز الله عنها.  ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا عُذِّبَ)([668]). فالحساب المذكور في الآية هو عرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوها عنه في الآخرة.

وقد وردت نصوص في مشاهد العرض والمناقشة والمعاتبة التي تكون من الله لعباده، ومن هذه النصوص ما يلي:

1_ مناقشة المرائين: روى مسلم عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة رضي الله عنهفقال له ناتل أهل الشام: أيها الشيخ حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)([669]).

2_ عرض الرب ذنوب عبده عليه: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ([670]))([671]).

3_ معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟)([672]).

 

المبحث الثامن:

الميزان:

المطلب الأول: تعريف الميزان.

المطلب الثاني:

المراد به عند أهل السنة..

المطلب الثالث:

ما الذي يوزن في الميزان؟.

المطلب الرابع:

الأعمال التي تثقل في الميزان.

المطلب الخامس:

كتابة الأعمال وإيتاء الكتب.

 

المطلب الأول: تعريف الميزان:

في اللغة: قال الليث:(الوزن ثقل شيء بشيء مثله)([673]).

وقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان، فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته، أو خسة الشيء وسقوطه.

وفي الاصطلاح: هو ميزان عظيم ينصب في ختام يوم الحساب لوزن أعمال العباد، لأن الوزن للجزاء، وهو بعد المحاسبة، فالمحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها([674]).

وهو ميزان حقيقي حسي لا يقدِّرُ قدره إلا الله، وهو ميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص، قال تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}([675]).

وقال تعالى:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ  خَفَّتْ  مَوَازِينُهُ  فَأُوْلَئِكَ  الَّذِينَ  خَسِرُوا  أَنفُسَهُمْ  بِمَا  كَانُوا  بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} ([676])، وقال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}([677]).

وقد اختلف أهل العلم في وحدة الميزان وتعدده:

فذهب بعضهم: إلى أن لكل شخص ميزاناً خاصاً. وقيل: لكل عمل ميزان.

وقال بعضهم: بل الميزان واحد، والجمع في الآية باعتبار تعدد الأعمال والأشخاص. قال شارح الطحاوية:(والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان، ودليله حديث البطاقة حين ترجح لا إله إلا الله بجميع أعماله فيدخل الجنة)([678]).

 

المطلب الثاني:

المراد به عند أهل السنة:

الميزان عند أهل السنة:

ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد، وخالف في ذلك المعتزلة، وبعض الطوائف.

وقد نقل ابن حجر وغيره إجماع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له كفتان ولسان، ويميل بالأعمال.

وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة، وقد رد عليهم علماء أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

وقد استدل ابن تيمية رحمه الله بالكتاب والسنة على أن الميزان غير العدل، وأنه ميزان حقيقي توزن به الأعمال، فقال:(الميزان: هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}([679])، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}([680])، وقوله:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}([681]). والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الميزان يوم القيامة، فمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله _ عز وجل_)([682]).

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)([683]).

وروى الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما في الرجل الذي يؤتى به، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدَّ البصر، فيوضع في كفة، ويؤتى ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فتوضع في الكفة الأخرى، فتثقل الشهادة.

فعن عبد الله بنت عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ)([684])

وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين يتبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس،فهو ما به يتبين العدل. والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا.

وأما كيفية تلك الموازين فهي بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب)([685]).

 

المطلب الثالث:

ما الذي يوزن في الميزان:

اختلف أهل العلم في الذي يوزن في ذلك اليوم على أقوال:

الأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان:

وقد جاءت نصوص كثيرة في ذلك، فسبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم ثقيلتان في الميزان، كما ورد ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)([686]).

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)([687]).

وهذا القول رجحه ابن حجر رحمه الله ونصره، فقال:(والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.(مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)([688]).

وقد جاءت بعض النصوص الدالة على أن الأعمال تأتي يوم القيامة بصور متعددة، كما ورد ذلك في السنة المطهرة.

فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)([689]).

وعن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ)([690]).

ومن ذلك ما جاء في حديث البراء _ في قصة سؤال القبر _ وفيه أن المؤمن يمثل له عمله في صورة:(رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي)، وكذلك الكافر؛ فإنه يمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول:(أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ)([691]).

الثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه:

فقد جاءت النصوص دالة على أن العباد يوزنون في يوم القيامة فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم لا بضخامة أجسامهم، فقد جاء في بعض النصوص أن الرجل السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَءُوا {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} ([692]))([693]). وقد  يكون  الرجل  النحيف  أثقل من الجبال، فعن ابن مسعود رضي الله عنه(أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنْ الْأَرَاكِ وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتْ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(مِمَّ تَضْحَكُونَ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ) ([694]).

وما أحسن ما قال الشاعر:

ترى الرجل النحيف فتزدريه
* * وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير فتبتليه
* * فيخلف ظنك الرجل الطرير

الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال:

ويدل على ذلك حديث البطاقة حينما تزن شهادة أن لا إله إلا الله بجميع السجلات والذنوب المسجلة على العبد. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ)([695]).

قال  شارح الطحاوية: (فثبت  وزن  الأعمال  والعامل  وصحائف  الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات)([696]).

والذي يظهر والله أعلم أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله، وهذا هو مقتضى دلالة النصوص جميعاً.

 

المطلب الرابع:

الأعمال التي تثقل في الميزان:

إن الله _ تبارك وتعالى _ من رحمته بعباده، وخاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أَنْ فضَّلها بأعمال كثيرة تثقل بها موازينهم، ويحصل لهم بها الثواب العظيم، ويوم القيامة تأتي هذه الأعمال فتوضع في الميزان فيكون لها وزن وثقل ترجح به كفة حسنات العبد بين يدي ربه تعالى ومن الأعمال التي وردت بها النصوص:

أولاً: قول: (لا إله إلا الله):

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(قال موسى _ عليه السلام _: يارب ! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يارب كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة؛مالت بهن لا إله إلا الله)([697]). فدل هذا الحديث على فضل(لا إله إلا الله) وأنها أعظم عند الله تعالى من السماوات والأرض ومن فيهن، لأنها تميل بهن وترجح.

ثانياً: حسن الخلق:

فأثقل ما يوضع في ميزان العبد المسلم يوم القيامة من حسن خلقه، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)([698]).

ثالثاً: قول: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم):

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)([699]).

رابعاً: قول:(الحمد لله):

فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ…)([700]).

خامساً: من احتبس فرساً في سبيل الله:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([701]).

 

المطلب الخامس:

كتابة الأعمال، وإيتاء الكتب:

إن الله تعالى من حكمته وعدله أن جعل لكل عبدٍ في الدنيا ملكين يشهدان عليه، ويكتبان ما يعمل، قال تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}([702])، وقال تعالى:{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}([703])، وقال تعالى:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}([704]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)([705]).  والنصوص في هذا كثيرة.

حتى إذا استوفى أجله وأكمل عمله ختم على كتابه، فإذا بعث الله تعالى الناس للحشر والسؤال، وقف كل عبد ينتظر أخذ كتابه إما بيمينه، وإما بشماله، فإذا طارت الكتب، وأخذ كل واحد كتابه، وجد فيه كامل أعماله التي عملها في الدنيا مسجلة عليه، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كما قال تعالى:{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ  عَلَيْكَ  حَسِيباً}([706])، وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ  فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}([707]).

فإذا أمر الله تعالى ملائكته بإعطاء الكتب وقف العباد لاستلام كتبهم،وكل منهم خائف وجل من هذا الموقف، لا يدري أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله.

فأما المؤمن فإذا أخذ كتابه بيمينه من أمامه، فيفرح أشد الفرح، ويرى أن هذا اليوم هو أسعد أيام حياته، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد، وصالح الأعمال سُرَّ واستبشر، وأعلن عن ذلك ورفع به صوته كما قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}([708]).

وأما الكافر والمنافق وأهل الضلال فإنهم يأتون كتبهم بشمائلهم أو من وراء ظهورهم، وعند ذلك يدعون بالويل والثبور، وعظائم الأمور كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ}([709])، وقال تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً}([710]). فإذا أعطى العباد كتبهم يقال لهم:{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([711]).

 

المبحث التاسع:

المقام المحمود:

 

المقام المحمود:

من الفضائل العظيمة التي وعد بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وقد اختلف أهل العلم في المراد به على أقوال:

الأول: قال جمهور أهل العلم إن المقام المحمود هو الشفاعة، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الأحاديث.

فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ أَكْلَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَكِنْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ قَالَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ قَالَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ).

قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ:(فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ).

قَالَ قَتَادَةُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:(فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ).  قَالَ قَتَادَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:(فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) قَالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}. قَالَ وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم)([712]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما:(إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ يَا فُلانُ اشْفَعْ يَا فُلانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ)([713]). قال ابن حجر رحمه الله:(قال ابن الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة)([714]).    

الثاني: أن المقام المحمود هو إعطاؤه صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة.

وقد جمع العلامة الشوكاني في تفسيره بين هذا القول والذي قبله، فقال: (ويمكن أن يقال إن هذا لا ينافي القول الأول، إذ لا منافاة بين كونه قائماً مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد)([715]).

الثالث: أن المقام المحمود جلوس النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه على كرسيه، وقد قال بذلك بعض أهل العلم في تفسير قوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} ([716]) قالوا: يجلسه معه على عرشه.

والراجح: هو القول الأول، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، وكفى بالشفاعة مقاماً محموداً، وخاصية للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أحجم عنها أولوا العزم من الرسل.

 

المبحث العاشر:

الشفاعة:

المطلب الأول: تعريف الشفاعة.

المطلب الثاني: من يملك الشفاعة.

المطلب الثالث: من الذي يشفع.

المطلب الرابع: شروط الشفاعة.

المطلب الخامس: أنواع الشفاعة.

المطلب السادس:

ثبوت الشفاعة في بعض الأعمال.

المطلب السابع:

الأمور التي تمنع الشفاعة.

المطلب الثامن: أهلها.

 

المطلب الأول:

تعريف الشفاعة:

بعد أن يحشر الناس إلى أرض المحشر حفاةً عراةً غرلاً، تدنو الشمس من الرؤوس مقدار ميل، ويغرقهم العرق أو يكاد، ويصبح الناس في عذابٍ وهمٍّ وغمٍ وضيقٍ وشدةٍ، فعند ذلك يفزعون إلى الأنبياء والمرسلين حتى يشفعون عند الله تعالى ليبدأ الحساب.

أولاً: تعريف الشفاعة:

الشفاعة في اللغة: الانضِمامُ إلى آخَرَ ناصراً له وسائلاً عنه وأكثرُ ما يُستعمَلُ في انضِمامِ مَن هو أعلى مَرْتَبةً إلى من هو أدنى ومنه الشَّفاعَةُ في القيامة ([717]).

وشرعاً: سؤال التجاوز عن الذنوب والآثام.

وأهل السنة والجماعة يثبتون الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والملائكة والشهداء وصالحي المؤمنين، حسبما وردت به الأدلة في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع نفي الشفاعة التي نفتها الأدلة من الكتاب والسنة.

ومن أقوال علماء السنة في ذلك:

قال الإمام النووي رحمه الله عن القاضي عياض رحمه الله أنه قال عن الشفاعة: (وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها)([718]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(وأما شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع)([719]).

وعقد ابن خزيمة باباً مطولاً في كتابه التوحيد بعنوان:(باب ذكر أبواب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي خُصَّ بها دون الأنبياء سواه صلوات الله عليه وسلامه لأمته، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء _ صلوات الله عليهم _ وشفاعة بعض أمته لبعض أمته ممن أوبقتهم خطاياهم وذنوبهم فأدخلوا النار، ليخرجوا منها بعد ما قد عذبوا فيها بقدر ذنوبهم وخطاياهم التي لا يغفرها الله لهم، ولم يتجاوز لهم عنها بفضله وجوده……. ثم ساق رحمه الله الأحاديث التي تثبت الشفاعة)([720]).

وقال السفاريني رحمه الله عند كلامه عن الشفاعة:(انعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة)([721]). وقد استدل هؤلاء وغيرهم من أهل السنة بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة على إثبات الشفاعة.

فمن الكتاب:

1_ قوله تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}([722]).

2_ وقال تعالى:{يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً}([723])

3_ وقال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}([724]).

ومن السنة:

1_ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ….) إلى أن قال: (… اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي…)([725]).

2_ وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا)([726]).

3_ وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا )([727]).

4ـ وحديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلمقال:(يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ) ([728]).

 

المطلب الثاني:

من يملك الشفاعة:

الشفاعة لله وحده يعطيها من يشاء من عباده ممن رضي عنهم، ويحرمها من لا يرضى عنهم {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}([729])، فقوله تعالى: {جَمِيعاً} يعني لا يملكها أحد غيره سبحانه، وقد صرح بهذا المفهوم في آية أخرى فقال تعالى:{وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}([730]).

فقطع بها آمال المشركين الذي يرجون في آلهتهم الشفاعة والنفع، وقوله:{إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا الاستثناء يحتمل أنه منقطع، والمعنى: لكن من شهد بالحق _ وهو التوحيد _ وهم يعلمون ما تضمنه هذا التوحيد من إفراد الله تعالى بالعبادة، فهؤلاء الموحدون يأذن الله لهم بالشفاعة.

المطلب الثالث:

من الذي يشفع:

ذكر الله تعالى في كتابه ثلاثة أشخاص هم الذين يشفعون:

الأول: الملائكة؛ قال تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}([731]).

وقال تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}([732]).

الثاني: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ يشفع الشفاعة العظمى وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه كما قال سبحانه {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} ([733]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)([734]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)([735]).

الثالث: الأنبياء والصالحون: قال تعالى:{وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}([736]).

وهذه يدخل فيها بعض الأنبياء الذين عُبِدوا من دون الله كعيسى ابن مريم، ويدخل فيها بعض الصالحين الذين عُبِدوا من دون الله كعزير {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}([737]).

قال القرطبي رحمه الله:(قوله تعالى:{إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} في موضع الخفض، وأراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} عيسى وعزيراً والملائكة)،وفي موضع آخر قال: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} يعني المؤمنين إذا أذن لهم)([738]).

ومن الأحاديث الجامعة في هذا: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا) وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ أَلا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ قَالَ:(فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ثُمَّ يَقُولُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُ رِضَايَ فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا)([739]).

 

المطلب الرابع:

شروط الشفاعة:

الشفاعة التي وردت النصوص الشرعية بإثباتها، وردت مقيدة بشرطين أساسيين لا تتحقق الشفاعة إلا بوجودهما، وهما:

الأول: الإذن من الله للشافع كي يشفع لأن الشفاعة ملك لله وحده {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}([740])، وليس للشافع حق في طلبها إلا بعد الإذن من المالك لها وهو الله.

الثاني: الرضا عن المشفوع فيه بأن يكون أهلاً للشفاعة لأن المشرك لا تنفعه  الشفاعة، قال تعالى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}([741]).

وقد جاء هذان الشرطان في قوله تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}([742]).

فالشرط الأول: أن يأذن الله لمن يشاء .

والشرط الثاني: ويرضى عن المشفوع له.

 

المطلب الخامس:

أنواع الشفاعة:

قسَّم علماء أهل السنة أنواع الشفاعة فقالوا: هي على قسمين:

النوع الأول: ما اختص به الرسول صلى الله عليه وسلم وهي:

1_ الشفاعة العظمى في الخلائق كلهم ليخلصوا من هول الموقف، وليقضى بينهم حين يقف الناس خاضعين أمام القهم ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم إلى  الله في تخليصهم من كربات هذا اليوم العظيم وينتهي السؤال إليه صلى الله عليه وسلم فيقول:(أنا لها..).

فعن أبي هريرة رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلام فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ يَامُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَبْــوَابِ ثُمَّ  قَالَ  وَالَّذِي  نَفْسِي  بِيَدِهِ  إِنَّ  مَا بَيْنَ  الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)([743]).

وهذا يدل دلالة واضحة على عظم قدر النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه _ تبارك وتعالى _ وأن هذا المقام الذي حصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من فضل ربه عليه لمحبته إياه وتفضيله على غيره من الأنبياء والمرسلين، ويدل أيضاً على محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ورحمته بهم، حيث خبأ دعوته في الدنيا لتنتفع بها أمته يوم القيامة، فأكرمه الله تعالى  بها واستجاب له.

2_ شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة ليدخلوها بعد الفراغ من حسابهم، ودليل هذا النوع: ما رواه مسلم عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَجْمَعُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ قَالَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم لَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا فَيَأْتُونَ مُوسَى صلى الله عليه وسلم َيَقُولُ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ فَيَقُولُ عِيسَى صلى الله عليه وسلم لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ قَالَ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا قَالَ وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا)([744]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(.. فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَبْوَابِ..)([745]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(.. يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ..)([746]).

3_ شفاعته صلى الله عليه وسلم لتخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، وهي خاصة في أبي طالب دون غيره لما كان يقوم به من حمايته والدفاع عنه، حيث يشفع له، وقد وردت أحاديث صحيحة في تخفيف العذاب عنه بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ شفاعة تخفيف لا شفاعة إخراج من النار.

كما جاء ذلك عن العباس رضي الله عنهأنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم(مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ:(هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([747]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم _ وذكر عنده عمه _ فقال: (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)([748])، ومع أنه في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه؛ لكنه في الواقع أهون أهل النار عذاباً، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)([749]).

4_ الشفاعة لأهل الكبائر من أمته صلى الله عليه وسلم، فذلك حينما يمر الناس على الصراط على قدر أعمالهم؛ فتأخذ الكلاليب الموضوعة على جنبتي الصراط من أمرت بأخذه من أهل الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم صلى الله عليه وسلم، كما روى ذلك عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:(.. ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ..)([750])، وفي رواية:(يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)([751]).

5_ شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، قال ابن عباس _ رضي الله عنهما _:(السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد  يدخل  الجنة  برحمة الله، والظالم  لنفسه  وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم)([752]).

6_ الشفاعة في رفع درجات بعض المؤمنين من أهل الجنة، كما دعا لأبي سلمة حينما قبض الله روحه، فقد روى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال:(إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ)، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ:(لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)([753]) وهذه  شفاعة منه صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة.

7_ الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة من غير حساب ولا عقاب، مثل عكاشة بن محصن، حيث دعا له أن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، ومصداق ذلك ما جاء عن حصين قال: كنت عند سعيد بن جبير رضي الله عنه فقال: حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِي قَالَ لا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ:(اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ:(سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)([754]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ:(اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ)، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَارَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ:(سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)([755]).

8_ شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن سكن في المدينة المنورة ومات بها: وهذه الشفاعة فيها إكرام للمدينة المنورة ولمن سكن بها صابراً على لأوائها مفضلاً لها على غيرها، وقد شرفها الله بميزات عديدة ليس هذا موضع ذكرها، ومن ذلك أن جعلها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاصمة دولة الإسلام الأولى، وأن يأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها([756]).

ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا وَقَالَ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ  مِنْهُ  وَلا يَثْبُتُ  أَحَدٌ  عَلَى  لأْوَائِهَا  وَجَهْدِهَا  إِلا  كُنْتُ  لَهُ  شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([757]).

 

المطلب السادس:

ثبوت الشفاعة في بعض الأعمال:

وردت أحاديث تثبت الشفاعة لمن يتصف بأحد الأسباب الآتية:

(1) طلب الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، والإكثار من الصلاة عليه، فمن فعل ذلك فقد وجبت له الشفاعة،كما  ورد  ذلك  عن  جابر  بن  عبد الله  رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([758]).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)([759]).

(2) قول العبد: لا إله إلا الله وموته عليها موحداً؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ:( لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ)([760]).

وأيضاً يشفع عليه الصلاة والسلام لمن قال:لا إله إلا الله وإن دخل النار بذنوبه؛ فقد ورد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في صفة الشفاعة:(ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)([761]).

وفي حديث آخر عن أنس رضي الله عنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خروج أهل لا إله إلا الله مهما كانت قلة عملهم، وإن كان شيئاً حقيراً لا قيمة له؛ فإن الله يجعل فيه البركة؛ فيحل به رضا الله تعالى فلا يستهن أحد بعمل الخير مهما كان قليلاً؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنْ الْخَيْرِ ذَرَّةً)([762]).

النوع الثاني: الشفاعة المشتركة: التي يشاركه صلى الله عليه وسلم فيها الملائكة، والنبيون، والمؤمنون، وهي نوع واحد فقط وهي الشفاعة في أهل الكبائر ممن دخل النار، ودليل ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ)([763]).

 

المطلب السابع:

الأمور التي تمنع الشفاعة:

من أعظم الأشياء التي تمنع من الشفاعة يوم القيامة ما يأتي:

(1) الإشراك بالله تعالى، كما نص عليه كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فالمشرك لا شفاعة له، وليس لأحد أن يشفع فيه، ولم يخالف في هذا أحد ممن ينتمي إلى الإسلام، ويكفي أن نذكر قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}([764]). فإذا حُرِمَ الكفار من الغُفْران؛ فمن باب أولى أن يُحْرَمُوا من الشفاعاتِ.

(2) كثرة اللعن؛ فإن اللعان لا يستحق أن يكون شافعاً؛ لأنه في الدنيا كان يدعو على الخلق بالطرد والإبعاد من رحمة الله؛ فيجازى يوم القيامة بعدم إكرامه بالشفاعة فيهم، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ اللَّعَّانِينَ لا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([765]).

قال النووي رحمه الله في معنى:(لا يكونون شفعاء): أي لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار)([766]).

(3) التكذيب بالشفاعة: كما نص عليه السلف:

ذكر الآجري رحمه اللهعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:(من كذب بالشفاعة فليس له فيها نصيب)([767]). قال ابن حجر رحمه الله:(وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال:(من كذَّب بالشفاعة فلا نصيب له فيها)([768])، والجزاء من جنس العمل، فكما أنه نفى حصول  الشفاعة؛ فإنه يحرم منها.

 

المطلب الثامن: أهلها:

لقد تكرم الله تعالى فجعل الشفاعة باباً واسعاً؛ فبالإضافة إلى ثبوتها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإعطائه فيها المقام الأعلى ثبتت كذلك لغيره من الخلق  كالأنبياء الآخرين على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وكذا الملائكة، والشهداء، والصالحين والأولاد لآبائهم، وثبتت كذلك للقرآن الكريم.

قال البرديسي رحمه الله:(أجمع أهل السنة على ثبوت الشفاعة له صلى الله عليه وسلم ولسائر الرسل والملائكة والعلماء والشهداء، يشفع كل واحد بقدر جاهه عند الله تعالى)([769]).

وذكر البيجوري رحمه الله أن الله تعالى يقبل شفاعة الأخيار كالأنبياء والمرسلين والملائكة والصحابة والشهداء والعلماء العاملين)([770]).

وفيما يلي ذكر أهل الشفاعة الذين اختصهم الله تعالى من دون خلقه:

(1) شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا أدلة ذلك في أنواع الشفاعات الثابتة له صلى الله عليه وسلم، مما يدل على منزلته العظمى عند ربه، وذلك بإكرام الله له بكثرة شفاعاته.

(2) شفاعة الأنبياء الآخرين غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ومن إكرام الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه قبول شفاعتهم فيمن يشفعون له ممن سبقت لهم الرحمة، فيتقدمون بطلب شفاعتهم إلى ربهم في إخراج أقوام من النار دخلوها بذنوبهم ليخرجوا منها.

وقد ثبتت هذه الشفاعة بما جاء في الصحيحين من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:(فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا)([771]).

وليس معنى هذا أن الله يخرجهم من النار وهم كفار؛ بل المعنى أنهم (لم يعملوا خيراً سوى الشهادتين)([772]) ولولاهما لما خرجوا؛ شأنهم شأن غيرهم من الكفار.

وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَةُ الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ قَالَ فَيُنْجِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ قَالَ ثُمَّ يُؤْذَنُ لِلْمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا فَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ) وَزَادَ عَفَّانُ مَرَّةً فَقَالَ أَيْضًا:(وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنْ إِيمَانٍ)([773]).

(3) شفاعة الملائكة؛ ولا خلاف في ذلك بين الفرق الإسلامية، فقد ثبتت شفاعتهم بالأدلة الصحيحة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثبت أنهم يشفعون لمن أذن الله له ورضي عنه.

والملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله من نور، وأسكنهم السموات؛ خلقهم لعبادته، للقيام بمصالح البشر، وغير ذلك مما أراد الله تعالى منهم.

والقول بأنهم خلقوا من نور هو ما بينه الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(خُلِقَتْ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)([774]).

ومن الأدلة على شفاعتهم من القرآن الكريم قوله تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}([775])، وقوله تعالى:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى}([776]).

أما ورود ذلك في السنة فقد قدمنا في مطلب شفاعة الأنبياء، أن الملائكة والأنبياء يشفعون.

(4) شفاعة الشهداء؛ ومن الشفعاء الذين أكرمهم الله تعالى بقبول شفاعتهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وضحوا بأنفسهم وأموالهم من أجل إعلاء كلمة الله تعالى.

ومن الأدلة على شفاعتهم ما رواه أبو داود عن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام،فقالت: أبشروا؛ فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)([777]).

وعن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)([778]).

(5) شفاعة الوِلْدَان؛ ومن الشفاعات ما جاء في شفاعة الوِلْدَان في آبائهم وأمهاتهم إذا احتسبوهم عند الله تعالى بنية صادقة؛ رحمة من الله تعالى وكرماً منه؛ لجبر قلوب الآباء والأمهات بما لحقهم من فقد أولادهم.

ومن الأدلة على ذلك ما أورده مسلم عن أبي حسان قال: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهإِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا قَالَ قَالَ: نَعَمْ (صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ أَوْ قَالَ بِيَدِهِ كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا فَلا يَتَنَاهَى أَوْ قَالَ فَلا يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ)([779]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاثَةُ أَوْلادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ الْجَنَّةَ قَالَ يُقَالُ لَهُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا فَيُقَالُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ )([780]).

(6) شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض؛ وثبت كذلك أن الصالحين من المؤمنين يشفعون في إخوانهم الذين في النار وهم الذي خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ فدخلوا النار تطهيراً لهم.

ومن الأدلة على ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال:(.. يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ…)([781]).

(7) شفاعة القرآن الكريم لأهله؛ ومن مظاهر رحمة الله تعالى وكرمه على عباده المؤمنين أن جعل القرآن الكريم أيضاً من الشفعاء المقبولة شفاعتهم، وليس ذلك فقط بل أيضاً يطلب المزيد من الإكرام لصاحبه.

وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله تعالى وتقدس، وهو حبله المتين وصراطه المستقيم، أنزله على أفضل خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وسلموجعل تلاوته ثواباً في الدنيا؛ بكل حرف عشر حسنات، وأيضا شفاعته في يوم القيامة.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار)([782]).

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ)([783]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ حَلِّهِ فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ فَيُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً)([784]).

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(.. وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولانِ بِمَ كُسِينَا هَذِهِ فَيُقَالُ بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلا)([785]).

كما ورد أيضاً تخصيص بعض السور في الشفاعة لأصحابها:

أخرج مسلم وغيره عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ) وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ:(كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا)([786]).

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ)([787]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إِنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)([788]).

 

المبحث الحادي عشر:

الحوض:

المطلب الأول: تعريف الحوض.

المطلب الثاني: الإيمان به.

المطلب الثالث:

الأدلة على إثبات الحوض.

المطلب الرابع: الذين يردون الحوض،

والذين يذادون عنه.

المطلب الخامس: مسافة الحوض.

المطلب السادس:

صفة الحوض ومزاياه.

 

المطلب الأول:

تعريف الحوض:

قبل أن نتكلم عن تعريف الحوض، نريد أن نبين فضل الله تعالى وكرمه على عباده المؤمنين لحبه لهم ولطفه بهم في الآخرة، ومن ذلك حوض نبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو أشهر الأحواض،وأكثرها وارداً يوم القيامة، وأوسعها، لكثرة أتباعه الذين يردون حوضه صلى الله عليه وسلم، فهو مكرمة ومنة عظيمة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ليواصل المؤمنون به الشرب الحسي، كما شربوا في الدنيا الشرب المعنوي من الاهتداء والإقتداء به صلى الله عليه وسلم، ولا يشرب ذلك الشرب الحسي في عرصات القيامة إلا من شرب الشرب المعنوي في الدنيا، وإلا فإنه يذاد عنه ويطرد جزاءً وفاقاً؛ لأنه أعرض عن الاهتداء والاقتداء بمن اصطفاهم الله لتبليغ رسالته في الحياة الدنيا، فيجازى بطرده في الآخرة عن الشرب منه.

تعريف الحوض لغةً واصطلاحاً:(هو مُجْتَمَعُ الماءِ، وحَوْضُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَسْقِي منه أُمَّتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ. حَكَى أَبُو زَيْدٍ: سَقَاكَ اللهُ بِحَوْضِ الرَّسُولِ ومِنْ حَوْضِهِ ولما ظهر لأم إسماعيل ماء زمزم جعلت تحوِّضه، أي تجعل له حوضاً يجتمع فيه.  والجمع: حِيَاضٌ وأَحْوَاضٌ)([789]).

وشرعاً: ما أثبته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من وجود حوض يجمع الماء النازل من نهر الكوثر في عرصات القيامة، وهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.

 

المطلب الثاني: الإيمان به:

الإيمان بالحوض مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة.

قال الإمام أحمد رحمه الله:(والإيمان بالحوض وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضاً يوم القيامة ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه)([790]).

ونقل الآجري رحمه الله عن محمد بن الحسين رحمه الله قال:(ألا ترون إلى أنس بن مالك رحمه الله يتعجب ممن يشك في الحوض إذ كان عنده أن الحوض مما يؤمن به الخاصة والعامة حتى إن العجائز يسألن الله عز وجل أن يسقيهن من حوضه صلى الله عليه وسلم فنعوذ بالله ممن لا يؤمن بالحوض ، ويكذب به…) ([791]).

 

المطلب الثالث:

الأدلة على إثبات الحوض:

استدل أهل السنة والجماعة على إثبات الحوض بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب: قول الله تعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}([792]).

روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:(أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟) فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ:(فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ)([793]).

وهذه الآية تثبت أمرين:

الأول:الكوثر وهو نهر من أنهار الجنة وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وخص به دون غيره.

الثاني: إثبات الحوض، وهو  مجمع مصب ماء نهر الكوثر في عرصات القيامة يرد عليه من تمسك بسنته صلى الله عليه وسلم ليشرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً.

ومن السنة: فقد وردت أحاديث في الحوض متواترة، لاشك في تواترها عند أهل العلم، وقد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسين صحابياً، وقد ذكر ابن حجر أسماء رواة أحاديثه من الصحابة([794])، ومن ذلك:

حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ)قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ ابْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ قَالَ:(إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي)([795]).

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر، فقال:(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا )([796]).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)([797]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)([798]).

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ:(اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا)([799]).

وفي رواية أخرى عن ثوبان قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرابه، فقال:(أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ يَغُتُّ([800]) فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ) أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل يغت، فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق)([801]).

ووجه الدلالة إثبات الحوض للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

 

المطلب الرابع: الذين يردون الحوض،

والذين يذادون عنه:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم صفة الذين يردون على حوضه، والذين يمنعون من الشرب منه، وهذا بعض ما ورد منها:

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)([802]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)([803]).

وعن أبي حازم رحمه الله عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ ابْنُ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا فَأَقُولُ:(إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)([804]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ([805]) عَنْ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى)، وفي رواية:(فيجلون)([806]).

وللبخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقُلْتُ أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ هَلُمَّ قُلْتُ أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى فَلا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ([807]))([808]).

ولمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا قَالَ نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلا يَصِلُونَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ هَؤُلاءِ مِنْ أَصْحَابِي فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ فَيَقُولُ وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)([809]).

وقد ورد عن القرطبي رحمه الله في كتاب التذكرة بعض الأحاديث التي سقناها ثم قال:(قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه مالا يرضاه الله، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون.

وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع.

ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا يكون نور الوضوء يعرفون به، ثم يقال لهم: سحقاً، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقال لهم: سحقاً سحقاً، ولا يخلد في النار إلا كل جاحد مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)([810]).

 

المطلب الخامس:

مسافة الحوض:

وردت أحاديث عديدة تشير إلى مسافة الحوض وسعته، فمن هذه الأحاديث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ وَإِنَّ فِيهِ مِنْ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ)([811]).

وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا)([812]).

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ) قَالُوا يَارَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ:(نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنْ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ)([813]).

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أَلا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ كَأَنَّ الأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ)([814]).

وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء مسيرة شهر، عرضه كطوله، فيها مرزابان ينبعثان من الجنة من ورق وذهب، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، فيه أباريق عدد نجوم السماء)([815]).

وعَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ:سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ (كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ)، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَارِثَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ:(حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ) فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ الأَوَانِي قَالَ لا قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ)([816]). والأحاديث في ذلك كثيرة ولله الحمد.

 

المطلب السادس:

صفة الحوض ومزاياه:

وردت صفات كثيرة جاء ذكر بعضها فيما تقدم من الأحاديث، ولتمام الفائدة نذكر بعض ما ورد من صفاته ومزاياه، مستقاة من الأحاديث الشريفة: (فهو حوض عظيم، ومورد كريم، لا يعلم سعته على الحقيقة إلا الله تعالى، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأشد برداً من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، وهو في غاية الاتساع، كلما شرب منه زاد واتسع، ينبت من خلاله المسك والرضراض([817]) من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر، وفيه من الأباريق كعدد نجوم السماء في الليلة الظلماء المصحية، آنيته من ذهب وفضة)([818]).

وكل هذه الصفات سمعية ينبغي الإيمان بها كما وردت، ونحن نعلم أن أحوال الآخرة مختلفة عن أحوال الدنيا، والاسم هو الاسم والحقيقة غير الحقيقة.

وقد يقال: إذا ثبت أن الحوض من شرب منه من المؤمنين شربة لم يصبه الظمأ أبداً، فأي حاجة بعد ذلك إلى الشرب في الجنة من نهر الكوثر؟

وقد أجاب العلماء عن هذا فقالوا: إن أهل الجنة لا يشربون نتيجة لعطش يصيبهم، وإنما يشربون تلذذاً وشهوة لا لدفع الجوع والعطش([819]).

 

المبحث الثاني عشر:

الصراط:

المطلب الأول: تعريف الصراط.

المطلب الثاني: الإيمان بالصراط.

المطلب الثالث: الأدلة على الصراط.

المطلب الرابع: صفة الصراط.

المطلب الخامس: مرور الناس عليه.

المطلب السادس:

هل يمر جميع الخلق على الصراط؟.

المطلب السابع: الورود على الصراط.

المطلب الثامن:

أول من يجوز على الصراط.

المطلب التاسع:

ضرب السور بين المؤمنين والمنافقين.

المطلب العاشر: القنطرة:

المطلب الحادي عشر: حاجة المسلم إلى شفاعة

الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصراط:

 

المطلب الأول: تعريف الصراط:

الصراط في اللغة: الطريق الواضح المستقيم.

ونقل ابن جرير: (أن الأمة أجمعت على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وأن هذا الاستعمال كذلك في جميع لغة العرب)([820]) وذكر أن الشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

ومن معانيه أيضاً:

1_ بيان طريق الهداية والإرشاد، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما .

2_ القرآن الكريم؛ وهذا رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

3_ الإسلام، وهذا رأي جابر بن عبد الله، ورواية أخرى عن ابن عباس، ورأي ابن مسعود، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والنواس بن سمعان الأنصاري.

4_ دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وهذا رأي ابن الحنفية([821]).

وهناك أقوال أخرى في معنى الصراط ذكرها أهل العلم من علماء التفسير وغيرهم.

والواقع أن هذه الأقوال ليست متباينة، فإن لفظة الصراط تصدق عليها جميعاً؛ لأنها ترجع إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ابن كثير([822]).

وفي الشرع: جسر منصوب على متن جهنم بين الجنة وأرض المحشر، عليه  يمرُّ الناس على قدر أعمالهم.

وقد بين شارح الطحاوية معتقده في الصراط المذكور في الأحاديث فقال: (ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال:(هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ)([823]))([824]).

ويقول النووي في تعريف له:(وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب حالهم أي: منازلهم والآخرون يسقطون فيها)([825]).

وقال السفاريني:(والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة وهو محمول على ظاهره بغير تأويل، كما ثبت في الصحيحين، والمسانيد والسنن والصحاح مما لا يحصى إلا بكلفة، من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق)([826]).

 

المطلب الثاني:

الإيمان بالصراط:

الإيمان بالصراط واجب، وقد قام الدليل على وجوده، ولا يجوز لأحد أن ينكره، وهذا مذهب أهل الحق من سلف هذه الأمة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.

فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(..وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ عَلَيْهِ كَلالِيبُ وَحَسَكٌ يَأْخُذُونَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ…)([827]).

وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه:(ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من يجوز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)([828]).

وقال الإمام أحمد بن حنبل:(الصراط حق وضع على سواء جهنم ويمر الناس عليه والجنة ، نسأل _ الله عز وجل _ السلامة في الجواز)([829]).

وقال الطحاوي: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان)([830]).

قال شارح الطحاوية في الصراط:(ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: (هُمْ في الظُّلْمَة دُونَ الْجِسْرِ)([831]).

وقد بين السفاريني رحمه الله موقف الفرق من الصراط، وهل هو صراط مجازي أم حقيقي؟ ثم قرر مذهب أهل الحق الذي دلت عليه النصوص فيه، فقال:(اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدواً على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله:{سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}([832])، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى:{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}([833]).

ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة، والمباحات، والأعمال الرديئة التي يسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات لوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه، وقد أجاب صلى الله عليه وسلم عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك.

وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة، وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والصحاح مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون)([834]).

 

المطلب الثالث:

الأدلة على الصراط:

استدل أهل السنة والجماعة على وجوب الإيمان بالصراط بما يأتي:

أولاً: استدلوا بالإشارة الواردة في قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}([835]).

ثانياً: من السنة: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهالطويل، وفيه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الأمانة والرحم تقومان جنبتي الصراط، فقال:(.. وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ قَالَ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا قَالَ وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا)([836]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث، وهو حديث طويل، ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم:(.. وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم(فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهَا لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلا اللَّهُ فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ مِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو..)([837]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(.. فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلا الرُّسُلُ وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟) قَالُوا نَعَمْ قَالَ:(فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلا اللَّهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو…)([838]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ قَالَ:(دَحْضٌ مَزِلَّةٌ فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ..)([839]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه _ من حديث طويل _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (.. ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ قَالَ: (مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا..)([840]).

وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَةُ الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ قَالَ فَيُنْجِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ…)([841]).

ويتضح من تلك النصوص أنه: ممر رهيب، وعقبة خطيرة، عليه من أنواع التعذيب ما لا يعلمه إلا الله، عليه كلاليب مثل شوك السعدان، تخطف من أمرت بخطفه، لا يعلم قدر عظمتها إلا الله.

لا يتكلم عليه أحد غير الرسل، ودعاؤهم عليه: اللهم سلِّم سلِّم،وهو دحض مزلة، ينزلق فيه المارة بسرعة، وأول من يجوزه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته إكراماً وتشريفاً لهم، وثبت كذلك أن الناس يختلفون في سرعة المرور عليه، ويختلفون في أخذهم لأنوارهم، كل ذلك حسب العمل، وهم يدعون: اللهم سلِّم سلِّم.

وهذا إشارة إلى خطورة الصراط والمرور عليه؛ إذ هو مظنة الهلكة إن لم يكتب الله السلامة؛ فهذا يسقط، وهذا يزحف، وذلك يمر مسرعاً، وهذا تصيب جوانبه النار، وهذا تخطفه الكلاليب، وحقاً إنه من المسالك الخطيرة الرهيبة.

 

المطلب الرابع: صفة الصراط:

اتضح مما سبق أن الصراط يمتاز بصفات عديدة يمكن إيجازها فيما يأتي:

(1) أن الصراط ممر رهيب جداً، تقف الرسل على جانبيه، يدعون المارين عليه بالسلامة والنجاة.

(2) أن عليه كلاليب وخطاطيف وحسكاً مثل شوك السعدان، معلقة به تخطف من أمرت بخطفه.

(3) أنه مدحضة مزلة، فهو على دقته أيضاً منزلق لا تثبت عليه أقدام؛ إلا إذا كتب لها الثبات بأن كان صاحبها من أهل السعادة.

(4) أنه أحد من السيف، وأدق من الشعر.  

ومن الأدلة على صفة الصراط ما يأتي:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم:(..ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)،قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ:(دَحْضٌ مَزِلَّةٌ فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ..)([842]).

وعنه رضي الله عنه أنه قال:(بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ..)([843]).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال (.. يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى سَوَاءِ جَهَنَّمَ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهَفِ، مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ كَلالِيبٌ مِنْ نَارٍ يُخْتَطَفُ بِهَا فَمُمْسَكٌ يَهْوِي فِيهَا، وَمَصْرُوعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ)([844]).

وعن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (.. وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا..)([845]).

وحديث ابن مسعود  رضي الله عنه في الحشر وفيه : (والصِّرَاطُ كَحَدِّ السَيَّفِ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ)، قال: (فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِّ نُوْرِهِمْ..)([846]).

وعن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(.. وَيُوْضَعُ الصِّرَاطُ مِثْلَ حَدِّ المُوْسَى فَتَقُولُ المَلائِكَةُ مَنْ تُجِيزُ عَلَى هَذَا؟  فَيَقُولُ مَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِي..) ([847]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(.. وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيَّنَ ظَهْرَيَّ جَهَنَّمَ حَافَّتَاهُ كَلالِيبٌ كَثِيرَةٌ وَحَسَكٌ كَثِيرَةٌ يحْبِسُ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَنْجُو أَمْ لا)([848]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(.. ثُمَّ يُوضَعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ وَالأَنْبِيَاءُ بِنَاحِيتَيْهِ قَوْلُهُمْ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَإِنَّهُ لَدَحْضُ مَزَلَّةٍ وَإِنَّهُ لَكَلالِيبُ وَخَطَاطِيفُ..) ([849]).

 

المطلب الخامس:

مرور الناس عليه:

يمرُّ الناس على الصراط على قدر أعمالهم، ولذا يتفاوت مرورهم، فهم يعطون نوراً على قدر أعمالهم في الدنيا. ولذا يطفأُ نور المنافقين، والأمانة والرحم على جانبي الصراط.

وقد جاءت النصوص أن أول من يجوز هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إذا نجوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا  ما لم يعط أحدا.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(_ في صفة مرورهم عليه _ وتوزيع الأنوار عليهم:(فَيُعْطَوْنَ نُورَهم عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهم وَمَنْهُم مَنْ يُعْطَى نُورَهُ فَوْقَ ذَلكَ وَمَنْهُم مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْل النَّخْلَة بِيَمِينِهِ وَمَنْهُم مَنْ يُعْطَى دُوْنَ ذَلكَ بَيَمِينِهِ حَتَى يَكُون آَخِر مَنْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةٌ وَيُطْفَأُ مَرَّةٌ إّذَا أَضّاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ وَإِذَا طُفِئ قَامَ، قَالَ: فَيَمُرُّ وَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَيّفِ دَحْضٌ مَزَلَةٌ، فَيُقَالُ لَهُم: امْضُوا عَلَى قَدْرِ نُوْرِكم فَمِنْهُم مَنْ يَمُرُّ كانْقِضَاضُ الْكَوْكَبِ وَِمِنْهُم مَنْ يَمُرُّ كَالرِِيحِ وَمِنْهُم مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ وَمِنْهُم مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجلِ يَرْمل رَمْلاً فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِم حَتَى يَمُرُّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ تخِرُّ يَدُ وتَعْلَقُ يَد فَيَخْلُصُونَ فَإِذَا خَلَصُوا قَالُوا: الحَمْدُ للهِ الذِي نجَانَا مِنْكِ بَعْدَ مَا أَرَانَاكِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحْد)([850]).

وعند أبي حاتم في التفسير _ من طريق أبي الزعراء عن ابن مسعود في صفة مرورهم على الصراط: أنهم يمرون كمر البرق، ثم الريح، ثم الطير، ثم أجود الخيل، ثم الإبل، ثم كعدو الرجل، حتى إن آخرهم رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، ثم يتكفأ به الصراط..)([851]).

ولقد أحسن من قال:

إذا مُدَّ الصِّراطُ عَلَى جَحِيمٍ
** تَصُولُ عَلَى الْعُصَاةِ  وتَسْتَطِيلُ
فَقَوْمٌ فِي الْجَحِيمِ لَهُمْ ثُبُورُ
** وَقَوْمٌ في الْجِنَانِ لَهُمْ مَقَيلُ
وَبَانَ الَحقُّ وانْكَشَفَ المُغَطَى
** وَطَالَ الْوَيِّلُ وَاتْصَلَ العَوِيلُ

قال شارح الطحاوية رحمه الله:(في هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (.. فيعطون نورهم على قدر أعمالهم قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة، ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدمه، وإذا طفئ قام فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف دحض مزلة، فيقال: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل، ويرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه قال: يجر يدا ويعلق يدا ويجر رجلا ويعلق رجلا وتضرب جوانبه النار، قال: فيخلصوا فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك لقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا)([852]).

وقد قال ربنا تبارك وتعالى عن هذا المشهد العظيم وهم يمرون على الصراط: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([853]).

فالله جل وعلا أخبر أن المؤمنين والمؤمنات الذين استناروا بهذا الدين العظيم في الدنيا وعاشوا في ضوئه يعطون يوم القيامة نوراً يكشف لهم الطريق، فيجنبهم بهذا النور العثرات والمزالق في طريق دحض مزلة، وهناك يبشرون بجنات النعيم، ويحرم المنافقون الذين كانوا يزعمون في الدنيا أنهم مع المؤمنين وأنهم منهم، لكنهم في الحقيقة مفارقون لهم لا يهتدون بهداهم، ولا يسلكون سبيلهم من النور، كما حرموا أنفسهم في الدنيا من نور القرآن العظيم، فيطلب المنافقون من أهل الإيمان أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم، وهناك يخدعون كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، ويقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فيعود المنافقون إلى الوراء، ويتقدم المؤمنون إلى الأمام، فإذا تمايز الفريقان ضرب الله بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويكون مصير المؤمنين والمؤمنات الجنة، ومصير المنافقين والمنافقات النار.

نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يثبت أقدامنا على الصراط، وأن يدخلنا الجنة برحمته إنه جواد كريم.

 

المطلب السادس:

هل يمر جميع الخلق على الصراط؟

إذا كان الصراط قد نصب لأجل مرور الأمم عليه؛ كما هو الغرض من نصبه، فهل يمر عليه جميعهم؟ أم أن هناك من يستثنى من الخلق بعدم المرور عليه؟    

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

فمنهم من يقول أن بعض الخلق لا يمر عليه تشريفاً لهم، كالأنبياء، أو إهانة لهم وتعذيباً كعتاة الكفار والمشركين؛ بل يذهب بهم مباشرة إلى النار قبل وضع الصراط.

ومنهم من يقول: إن الكل يمر عليه.

وقد أشار ابن حجر رحمه الله: إلى أن بعض الكفار لا يمرون عليه؛ بل يقذفون في النار قبل وضع الصراط([854])، ولعله يريد عتاة الكفار لا جميعهم، ويكون مرور الكفار الآخرين على الصراط زيادة في تعذيبهم.

وقال الشيخ عمر الأشقر: دلت الأحاديث على أن الأمم الكافرة تتبع ما كانت تعبد من آلهة باطلة، فتسير تلك الآلهة بالعابدين حتى تهوي بهم في النار، ثم يبقى بعد ذلك المؤمنون وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين، وهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط، ولم أر في كتب أهل العلم التي اطلعت عليها من تنبه إلى أن الصراط إنما يكون للمؤمنين دون غيرهم من الكفار والمشركين والملحدين غير ابن رجب الحنبلي رحمه الله فإنه قال في كتابه التخويف من النار:(واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون، فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط).

وقد ساق بعض الأحاديث ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي في الصحيحين _ وسيأتي بعد قليل _ ثم قال:(فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح  والعزير من أهل الكتاب فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عبَّاد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}([855]).

وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك.

وقد ورد في حديث آخر أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح، وملك على صورة العزير، ولايبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقاً أو منافقاً من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين)([856]). وهذا القول وجيه.

ومن الأدلة عليه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ:(هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟) قُلْنَا لا قَالَ:(فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ثُمَّ قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ فَيَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا قَالَ فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَلا يُكَلِّمُهُ إِلا الأَنْبِيَاءُ فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ السَّاقُ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ)،قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ:وَمَا الْجَسْرُ قَالَ:(مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا…)([857]).

فقد ذكر في هذا الحديث أن الكفار يتساقطون في جهنم ثم بعد ذلك يؤتى بالجسر وهو الصراط فيجعل على متن جهنم، أي أن الصراط لم يكن موجوداً أصلاً إلا بعد سقوط الكفار في النار ولم يبق إلا المسلمون.

 

المطلب السابع:

الورود على الصراط:

قال الله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}([858]).

اختلف أهل العلم في الورود المذكور في قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} على أقوال:

القول الأول: المراد بالورود الدخول:

والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وقول السلف، أما الكتاب فقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}، فقوله:{ثُمَّ نُنَجِّي} يدل على أن معنى الورود: الدخول حيث إن النجاة تكون بعد وقوع المكروه والدخول فيه، ولا يقال لمن لم يدخل في المكروه أنه نجى منه.

ويدل على هذا قوله تعالى:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}([859])، أي فأدخلهم النار.

ويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ)([860])، قال أبو عبد الله _ يعني البخاري _ ({وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}، فإن كان الاستثناء متصلاً، فالمعنى أنه لا يلج النار إلا ولوجاً يحل القسم)([861]).

القول الثاني: الورود هو المرور:

من المعلوم أن أعظم من يفسر كتاب الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يمرون على النار ولا يدخلونها.

عن جابر رضي الله عنه:(أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو حَاطِبًا فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(كَذَبْتَ لا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ)([862]).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول:أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة:(لا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا) قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم(قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا})([863]).

وفي رواية ابن ماجة _ وفيها زيادة _:(من شهد بدراً والحديبية )_ :عن جابر عن أم مبشر عن حفصة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إِنِّي لأَرْجُو أَلا يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ)قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِيهِ يَقُولُ:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}) ([864]).

قال النووي رحمه الله:(قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها) قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً كما صرح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب، وإنما قال: إن شاء الله؛ للتبرك، لا للشك.

وأما قول حفصة رضي الله عنها: بلى، وانتهار النبي صلى الله عليه وسلم لها فقالت:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(وقد قال:{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة،لا أنها أرادت رد مقالته صلى الله عليه وسلم، والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون)([865]).

ويدل كذلك على أن المراد بالورود المرور حديث أبي هريرة  وحذيفة رضي الله عنهما قالا:(….. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ قَالَ قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ قَالَ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا قَالَ وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا)([866]).

فقوله تعالى:(كمر البرق) يدل على أنه إنما يمرُّ على النار لا يدخل فيها كما هو واضح، فهذا نص صريح صحيح أنهم يمرون ولا يدخلون.

وأما قوله تعالى:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}([867])

وقوله سبحانه:{لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ}([868])، وأن معناهما الدخول.

فالجواب أن لفظ الورود لفظ مشترك يطلق على الدخول وعلى المرور، ألا ترى أن قوله تعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ…}([869]) أن موسى لم يدخل في الماء وإنما مر عليه فقط.

وقيل: المراد الجواز على الصراط.

وقيل: يراد به الدخول، ولكنه عنى به الكفار دون المؤمنين.

وقيل: إنه عام لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور، وورود الكافر الدخول.

وقيل: الإشراف عليها والقرب منها.

وقيل: ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض.

وقيل: أنه يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم، وتلك أشهر الأقوال.

والراجح والله أعلم هو القول الأخير،_ وهو أنه يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم _  لتصريح الآية به {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}، {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}.

بالإضافة إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط ومرور الناس عليه بحسب أعمالهم، والمرور أعم من الدخول.

 

المطلب الثامن:

أول من يجوز على الصراط:

ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته هم أول من يجوزون الصراط؛ تكريماً وتشريفاً لهم؛ وإظهاراً لمكانة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بين الأمم، وقد قال صلى الله عليه وسلم _ كما في حديث أبي هريرة _ (..وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ..) وهذه رواية  البخاري([870]).

وفي رواية لمسلم قال صلى الله عليه وسلم:(..وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ..)([871]). ومعنى (أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ): أي أول من يقطعه ويمضي عليه.

قال النووي رحمه الله في ضبط هذه الكلمة إنها:(بضم الياء وكسر الجيم، والزاي آخره)، ومعناه:يكون أول من يمضي عليه ويقطعه، ويقال: أجزت الوادي وجزته، لغتان بمعنى واحد، وقال الأصمعي: أجزته: قطعته، وجزته: مشيت عليه)([872]).

وقال القرطبي رحمه الله:(يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أول من يجوز على الصراط، لزم تأخير غيرهم حتى يجوز، فإذا جاز هو وأمته فكأنه أجاز الناس)([873]).

وصفة ذلك أنه يناديهم مناد ليعبروا وهم بين الأمم، فيقوم الرسول صلى الله عليه وسلم حين يسمع ذلك النداء، ثم تتبعه أمته،كما في حديث عبد الله بن سلام، وفيه: (ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ  مُحَمَّد  وَأُمَّتُهُ؟ فَيَقُوم  فَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ  بَرُّهَا  وَفَاجِرُهَا، فَيَأْخُذُونَ الْجِسْرَ فَيَطْمِسُ اللَّهُ أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ فَيَتَهَافَتُونَ مِنْ يَمِين وَشِمَال، وَيَنْجُو النَّبِيُّ وَالصَّالِحُونَ)([874]).

وعن ابن عباس مرفوعاً:(.. فَتُفْرَج لَنَا الْأُمَم عَنْ طَرِيقنَا فَنَمُرّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَار الطُّهُور، فَتَقُول الْأُمَم: كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ)([875]).

 

المطلب التاسع: ضرب السور

بين المؤمنين والمنافقين:

عندما يقضي الله بين العباد يأمر كل أمة أن تتبع معبودها فتتساقط الأمم في النار ولا تبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيتجلى لهم الجبار جل جلاله يضحك ويعطي كل واحد منهم نوراً فيتبعون ربهم تعالى، ثم يقفون عند الصراط ثم يتجلى لهم الجبار مرة أخرى، فيكشف رب العزة عن ساق، وعندها يفتضح المنافقون ويتميزون، لأنه حينئذ يسجد المؤمنون فيذهب المنافقون ليسجدوا فيرجع ظهرهم طبقاً واحداً فلا يستطيعون السجود، فينطفئ نور المنافقين فيطلبون النور من المؤمنين فيقولون لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فإذا رجع المنافقون ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه من جهة المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره من قبل المنافقين فيه العذاب، فيقف الأنبياء على حافتي الصراط وهم يقولون: اللهم سلِّم سلِّم حتى ينجو المؤمنون كلهم، ويتساقط المنافقون.

 

المطلب العاشر: القنطرة:

هذه القنطرة قد ثبتت في السنة، وهي خاصة لمسلك المؤمنين إلى الجنة، حيث يقفون عليها ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونُقوا أذن لهم بدخول الجنة، كما ورد بذلك الحديث، وهي أشبه ما تكون بتصفية الذهب لجعله نقياً خالصاً من كل شائبة مهما دقت.

روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)([876]).

وقال قتادة:(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يُشْبِهُ لَهُمْ إِلَّا أَهْلُ جُمُعَةٍ حِينَ انْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ)([877]).

والمراد بهذا التقاص بينهم أي: (تتبع ما بينهم من المظالم، وإسقاط بعضها ببعض)([878])، حتى يخلصوا من الآثام بمقاصة بعضها ببعض، قال ابن حجر: (ويشهد لهذا الحديث قوله _ في حديث جابر الآتي ذكره في التوحيد:(لا يَحِلُّ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّة وَلأَحَدٍ قِبَلَهُ مَظْلِمَة)([879]).

وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الحسن قال:(بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يُحْبَس أَهْل الْجَنَّة بَعْد مَا يَجُوزُونَ الصِّرَاط حَتَّى يُؤْخَذ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْض ظُلامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَلَيْسَ فِي قُلُوب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض غِلٌّ)([880]).

وهو شاهد كذلك _ كما يذكر ابن حجر _ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه([881]).

وقد قيل إن القنطرة طرف الصراط مما يلي الجنة، وقيل إنها بينه وبين الجنة.

 

المطلب الحادي عشر:

حاجة المسلم إلى شفاعة الرسول

صلى الله عليه وسلم عند الصراط:

روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: أَنَا فَاعِلٌ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ)([882]).

 

المبحث الثالث عشر:

الجنة والنار مخلوقتان.

 

ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وهذا من تمام الإيمان.

(قال الطحاوي رحمه الله:(والجنة والنار مخلوقتان). قال شارح الطحاوية:(وأما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة.

قالوا: وخلق الجنة والنار قبل الجزاء عبث لأنها تكون معطلة مدداً متطاولة، فعطلوا النصوص وحرفوا وبدلوا، وضللوا من خالفهم.

وقد استدل أهل السنة والجماعة على خلق الجنة والنار بنصوص الكتاب والسنة. ومنها قول الله تعالى عن الجنة:{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}([883])، وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}([884]). وقال عن النار:{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}([885])، والإعداد: التهيئة)([886]). وعقد البخاري في كتاب بدء الخلق في صحيحه باباً بعنوان:(باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)؛ قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الموضع:(قوله: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)؛ أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة.

وأصرح دليل على ذلك ما أخرجه أحمد وأبو  داود بإسناد قوي عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا) ([887]).

ومن الأدلة أيضاً على أنهما موجودتان الآن الأحاديث التي يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى أهلهما، كحديث عبد الله بن عباس أنه قال: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا….) الحديث، وفيه: قالوا: (رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(بِكُفْرِهِنَّ)،قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)([888]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(.. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) قَالُوا:وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ)([889])، والمعدوم لا يُرى([890]).

وقد رأى رسولنا صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى، كما جاء في قصة الإسراء، وفي آخر الحديث:(.. ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى بِي السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا هِيَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ)([891]). وقال تعالى:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}([892]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([893]).

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (..فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا..)([894]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:(خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم). فذكرت الحديث وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(.. لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ..)([895])

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال:(خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا….) الحديث، وفيه: قالوا: (رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(بِكُفْرِهِنَّ)،قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)([896]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا)([897]).

وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(.. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَارَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ)([898]).

 

المبحث الرابع عشر:

مكان الجنة والنار.

المطلب الأول: مكان الجنة.

المطلب الثاني: مكان النار.

 

المطلب الأول: مكان الجنة:

ذكر في شرح لمعة الاعتقاد ([899]) أن مكان الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى:{كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}([900])، ولقوله صلى الله عليه وسلم: في حديث البراء المشهور في قصة فتنة القبر:(فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ..)([901]).

وما ذكر فيه نظر، لأن عليين درجة من درجات الجنة كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَرَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا)([902]).

وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا)([903]).

فهذه الرواية فسرت الرواية التي قبلها، وبينت أن أهل عليين هم أهل الدرجات العلى، فعليين درجة من درجات الجنة، وليست هي مكان لجميع الجنة، والآية تدل على ذلك أيضاً لأنه تعالى قال:{إِنَّ كِتَابَ الأبرار لفي عليين} وأهل الجنة فيهم السابقون، وفيهم الأبرار المقتصدون، وفيهم الظالم لنفسه وكُلٌّ له درجته.

والصحيح أن مكان الجنة فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن، أما كونها فوق السماء السابعة فدل عليه القرآن، قال تعالى:{عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}([904]).

وسدرة المنتهى فوق السماء السابعة كما في حديث الإسراء المشهور، وفيه:(ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ قَالَ فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَاغَشِيَ تَغَيَّرَتْ فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً..)([905]).

فهذا الحديث يدل على أن سدرة المنتهى بعد السماء السابعة، وبما أن الجنة عندها إذن فهي فوق السماء السابعة.

أما كون الجنة تحت عرش الرحمن فدل على ذلك السنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ:(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ)([906]).

فأعلى درجات الجنة هي الفردوس _ كما في الحديث _ وفوقه عرش الرحمن، إذن فالجنة تحت عرشه سبحانه.

 

المطلب الثاني: مكان النار:

قال تعالى:{كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ}([907])، وفي حديث البراء:(.. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى..) ([908]).

سجين: فعيل من السجن، وهو الضيق، كما يقال: فسيق، وشريب، وخمير، وسكير ونحو ذلك.

ولهذا أعظم الله أمره فقال:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}: أي أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، وقد فسر في الحديث بأنه في الأرض السفلى، وقال بعضهم: صخرة تحت الأرض السابعة، وقيل: بئر في جهنم، وقيل غير ذلك مما لا دليل عليه، ولا قول بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم)([909]).

والظاهر من الآية أن سجين: هو اسم للكتاب لأنه تعالى قال:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ}، ولكن الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى:{كِتَابٌ مَرْقُومٌ}، قال: (ليس تفسيراً لقوله:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزيد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي)([910]) وهكذا قال الراغب([911])، والقاسمي([912]).

وعليه فيكون قوله تعالى:{كِتَابٌ مَرْقُومٌ} تفسيراً لقوله:{إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}: أي إن كتاب الفجار كتاب مرقوم، ويكون قوله:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} جملة معترضة بين المفسَّر والمفسِّر.

وهذه الآية ليست صريحة في مكان النار كما استدل بها في شرح لمعة الاعتقاد([913]).

وقد دلت الأحاديث أن النار يؤتى بها يوم القيامة فتكون في موضع قبل مكان الجنة؛ لأن الصراط منصوب على جسر جهنم، ومن تجاوزه فإنه يصل إلى الجنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة التي ذكرت في مبحث الصراط، وعليه فالنار قبل الجنة.

فعن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)([914]).

دل أن جهنم لها مكان آخر، ثم يؤتى بها منه إلى مكانها الذي هو قبل الجنة.

وأما مكانها في الدنيا فإنه لا يوجد نص صريح يدل على ذلك، وهذه المسألة من مسائل الغيب التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي؛ ولا وحي، فالأسلم في هذا الوقت هو التوقف.

 

المبحث الخامس عشر:

النــار:

المطلب الأول: تعريف النار.

المطلب الثاني:

شبهة من قال إن النار لم تخلق بعد.

المطلب الثالث: أسماء النار.

المطلب الرابع:خزنة النار.

المطلب الخامس: أسماء خزنة النار.

المطلب السادس: صفات خزنة النار.

المطلب السابع:

سعة النار وبعد قعرها.

المطلب الثامن: دركات النار.

المطلب التاسع: أبواب النار.

المطلب العاشر: وقود النار.

المطلب الحادي عشر:

شدة حرها وعظم دخانها.

المطلب الثاني عشر:

النار تتكلم وتبصر.

المطلب الثالث عشر:

أشجار النار.

المطلب الرابع عشر:

طعام أهل النار.

المطلب الخامس عشر:

شراب أهل النار

المطلب السادس عشر:

لباس أهل النار.

المطلب السابع عشر:

هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة؟.

المطلب الثامن عشر:

تأثير النار في الدنيا.

المطلب التاسع عشر:

النار خالدة لا تبيد.

المطلب العشرون: النار مسكن الكفار

وهم مخلدون فيها.

المطلب الحادي والعشرون:

الدعاة إلى النار.

المطلب الثاني العشرون:

أعظم الذنوب لأصحاب النار.

المطلب الثالث والعشرون:

أشخاص بأعيانهم في النار.

المطلب الرابع والعشرون:

ذنوب متوعد عليها  بالنار.

المطلب الخامس والعشرون:

أهل النار.

المطلب السادس والعشرون:

كثرة أهل النار.

المطلب السابع والعشرون:

عظم خلق أهل النار.

المطلب الثامن والعشرون:

أكثر من يدخل النار من النساء.

المطلب التاسع والعشرون:

كيفية دخول أهل النار النار.

المطلب الثلاثون:

كيف يتقي الإنسان النار.

 

المطلب الأول: تعريف النار:

هي الدار التي أعدها الله للكافرين به،المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين.

وصفها الله تعالى بالخزي الأكبر، والخسران العظيم، قال تعالى:{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}([915])، وقال تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}([916])، وقال تعالى:{إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}([917]).

وكيف لا تكون النار كما ذكرها الله تعالى وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره الأقلام، وعن وصفه الألسن، وهي مع ذلك خالدة، وأهلها فيها خالدون، والحق تبارك وتعالى أطال في ذم أهل النار في النار:{إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}([918])، {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ}([919]).

 

المطلب الثاني: شبهة من قال

إن النار لم تخلق بعد:

قال شارح الطحاوية:(وأما شبهة من قال إنها لم تخلق بعد وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}([920])، وقوله:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}([921]).

وجاء في الحديث:(لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)([922]).

وجاء في الحديث:(مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ)([923]). قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون:{إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}([924]).

وقد أجاب العلماء عن هذه الشبهة وفندوها، وممن أجاب عليها شارح الطحاوية رحمه اللهحيث قال: (فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أموراً أخرى ـ فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}([925])، فأثبتم سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن ـ نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما !! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام)([926]).

 

المطلب الثالث:

أسماء النار:

أسماء النار التي ذكرت في القرآن ثمانية، أولها وأشهرها النار، وأما البقية فهي كالتالي:

(1)سعير:قال تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً}([927]) وقال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}([928]).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال:(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟) فَقُلْنَا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَنَا فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى:(هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ:(هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَقَالَ:(سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنْ الْعِبَادِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)([929]).

(2) جهنم: قال تعالى:{وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([930])، وقال تعالى:{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}([931]).

وعن  أبي هريرة ونافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما حدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([932])، وهذا الاسم من أكثر الأسماء وروداً في الكتاب والسنة.

أما بعد قعرها فيدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (تَدْرُونَ مَا هَذَا؟) قَالَ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ:(هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)([933]).

(3) لظى: قال تعالى:{كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى}([934]))، اللظى: اللهب الخالص)([935]). وقال تعالى:{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى}[936])، التظاء النار: التهابها، وتلظيها: تلهبها، وقوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}: أي تتوهج وتتوقد.

(4) سقر: قال تعالى:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}([937])، وقال تعالى:{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ}([938]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(جَاءَ مُشْرِكُوا قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ:{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ})([939]).

(السقر: البعد، وسقرته الشمس: لوحته وآلمت دماغه بحرِّها، ويوم مسمقر شديد الحر)([940]). وسميت سقر بذلك إما لبعد قعرها أو لشدة حرها، وكلا المعنيين ثابت لها.

(5) الهاوية: قال تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}([941]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ فَيَقُولُونَ دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا فَإِذَا قَالَ أَمَا أَتَاكُمْ قَالُوا ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ)([942]). وسميت النار بالهاوية لبعد قعرها، فمن سقط يهوي فيها، ومعنى أمه هاوية: أي مستقره الهاوية.

(6) الحطمة: قال تعالى:{كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}([943]). قال البخاري رحمه الله: (سورة:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} الحطمة: اسم النار مثل سقر ولظى)([944]).

وسميت النار بذلك: لأنها تحطم رأس وعظام كل من يدخلها.

وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (..وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ)([945]).

(7) الجحيم: قال تعالى:{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ}([946]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ..)([947]). وسميت النار بالجحيم لأنها نار عظيمة في مهواة، وهي نار توقد على نار، كما قال تعالى:{نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}([948])، أي التي أوقد عليها.

 

المطلب الرابع:

خزنة النار:

يقوم على النار ملائكة خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}([949]).

وعدتهم تسعة عشر ملكاً، كما جاء ذلك صريحاً:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}([950]).

وقد افتتن بهذا العدد بعض الكفار، وقالوا هذا عدد يمكن التغلب عليه، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا فتنة فقال {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}([951]).

وهؤلاء التسعة عشر هم خزنة النار، كما قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ}([952]).

 

المطلب الخامس:

أسماء خزنة النار:

أما كبير خزنة النار فهو مالك عليه السلام، جاء ذكره في الكتاب والسنة قال تعالى:{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}([953])،{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ}: ومالك هو خازن النار.

أخرج البخاري عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر:{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}، أي يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى:{لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}، وقال عز وجل:{وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون، رواه ابن أبي حاتم، أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها)([954]).

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لا قَالَ:(لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي..)، ثم قال:(.. وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ..)([955]).

وأما أسماء الباقين فلم يثبت تسميتهم إلا أن الله سماهم الزبانية، قال تعالى: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}([956]).

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَزَبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ)([957]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:(لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ)([958]).

 

المطلب السادس:

صفات خزنة النار:

ذكر الله تعالى من صفاتهم صفتين، وهاتان الصفتان شاملتان لجميع الصفات، وهما الغلظة والشدة، فخُلقهم غليظ، وخَلْقُهم شديد، فكل ما يمكن تصوره من الغلظة والشدة فهي فيهم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}([959]).

وقد ذكر الله جل جلاله بعض المواقف التي تبين شيئاً من غلظتهم مع أصحاب النار، فزيادة على عذاب الكافرين في النار فإنهم يعذبونهم عذاباً نفسياً بالتوبيخ والتعنيف والتبكيت، فيلومونهم على كفرهم بالله وإعراضهم عن المرسلين، ويسألونهم سؤال توبيخ وتعنيف عن سبب هذا الكفر والإعراض، ويسألونهم هذا السؤال في ثلاثة مواطن؛ عند فتح أبواب جهنم لإدخالهم فيها، وعند دخولهم النار، وعند سؤال أهل النار خزنة جهنم أن يشفعوا لهم عند الله في تخفيف العذاب:

الموطن الأول: قال تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}([960]).

الموطن الثاني: قال تعالى:{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ}([961]).

الموطن الثالث: قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ}([962]).

 

المطلب السابع:

سعة النار وبعد قعرها:

النار واسعة بعيد قعرها، ومما يؤكد ذلك:

(1) أن الذين يدخلون النار أعداد لا تحصى، ثم إن الواحد منهم يعظم خلقه حتى إن ضرسه يكون مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ)([963]) ومع ذلك تستوعب الكفرة والمجرمين من بداية الدنيا إلى نهايتها، وتطلب المزيد:{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}([964]).

جاء في الحديث الصحيح في احتجاج الجنة والنار، أن الله يقول للنار:(إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا)([965]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تَزَالُ جَهَنَّمُ {تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)([966]).

(2) يدل على بعد قعرها أن الحجر إذا ألقي من أعلاها احتاج إلى سنوات حتى يصل إلى قعرها، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(تَدْرُونَ مَا هَذَا؟) قَالَ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:(هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)([967]).

وعن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا منبر البصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ لَتُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا وَمَا تُفْضِي إِلَى قَرَارِهَا)([968]).

(3) كثرة العدد الذين يأتون بالنار من الملائكة يوم القيامة، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)([969]).

(4) أن الشمس والقمر يكونان ثورين مكورين في النار، ففي (مشكل الآثار) للطحاوي عن سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة)([970])، ورواه البيهقي في كتاب (البعث والنشور)، وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي بإسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصراً بلفظ: (الشمس والقمر مكوران في النار)([971]).

فتخيل أيها القارىء هذا العدد الكبير الذي يقود هذا المخلوق العظيم، ولا تسأل عن قوة الملائكة وشدتهم، فذلك لا يعلمه إلا خالقهم سبحانه.

 

المطلب الثامن:

دركات النار:

النار تتفاوت في شدة حرها، وما أعده الله فيها من العذاب لأهلها، فليست على درجة واحدة، بل هي دركات، كما قال تعالى عن المنافقين:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ}([972]). والدرك يقابل الدرج، فالدرج لكل ما علا، والدرك لكل ما سفل، فيقال للجنة درجات، وللنار دركات.

وقد ذكر بعض أهل العلم تسمية دركات النار فقال: (الأولى جهنم، والثانية لظى، والثالثة الحطمة، والرابعة السعير، والخامسة سقر، والسادسة الجحيم، والسابعة الهاوية) والصواب أن هذه أسماء للنار، والله أعلم.

وتختلف دركات أهل النار بحسب أعمالهم وسيئاتهم.

ويدل على أن الناس تختلف درجاتهم بحسب أعمالهم عموم قوله تعالى:{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}([973])، وفي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}([974])، وقال سبحانه:{أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}([975]).

ومما يدل عليه أيضاً حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ)([976]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ وَمِنْهُمْ فِي النَّارِ إِلَى كَعْبَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ فِي النَّارِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي النَّارِ إِلَى صَدْرِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ) قَالَ عَفَّانُ: مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ قَدْ اغْتُمِرَ ([977]).

وقد ذكر الله لنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}([978]).

وأما أهون أهل النار عذاباً فهو رجل ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ)([979]).

وهذا الرجل هو عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)([980]).  ولولا كرامة النبي صلى الله عليه وسلم لكان في الدرك الأسفل من النار.

فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:(مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ:(هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)([981])،وهاتان النعلان عبارة عن جمرتين؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ)([982]).

 

المطلب التاسع:

أبواب النار:

أخبرنا ربنا سبحانه أن النار سبعة أبواب، قال تعالى:{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}([983]): أي أن لكل باب مجموعة من أتباع إبليس يدخلون معه بحسب عملهم، ثم يستقرون في النار.

وقد جاء أن الأبواب تفتح حين يرد الكفار على النار فيدخلونها خالدين: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}([984]).

وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مجال لخروجهم منها بعد دخولهم، فالأبواب مؤصدة عليهم، قال تعالى:{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}([985])، وقال تعالى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}([986])، فكأن الأبواب أطبقت ثم شدت بأوتاد من حديد.

وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ)([987]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ..)([988]).

دلت هذه الأحاديث بمفهومها أنها في غير رمضان مفتحة، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المفهوم في حديث آخر وهو حديث أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([989]).

وأما في غير رمضان فهي مغلقة على أصحابها، كما قال تعالى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}([990])، وقال تعالى:{عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}([991]).

 

المطلب العاشر:

وقود النار:

الأحجار والفجرة والكفار هم وقود النار، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}([992]).

وقال تعالى:{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}([993]).

والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة والمشركون، وأما نوع الحجارة التي تكون للنار وقوداً فالله أعلم بحقيقتها، وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت، قال ابن مسعود رضي الله عنه:(هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين) رواه ابن جرير وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين، وقال بهذا القول ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وابن جريج([994]).

وقال ابن رجب رحمه الله:(وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرّها إذا حميت)([995])

ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ}([996])، ومعنى حصبها: أي وقودها وحطبها.

 

المطلب الحادي عشر:

شدة حرها وعظم دخانها:

الناس عادة في الدنيا يتبردون من شدة الكرب بثلاثة أشياء: الماء، والهواء، والظل، وهذه الأشياء لا تغني عن أهل النار شيئاً، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله:{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ}([997]).

فهواء جهنم السموم، وهو الريح الحارة الشديدة، وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم وهو قطعُ الدخان، وقد جاء وصف هذا الظل في آية أخرى في قوله تعالى:{انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ}([998]) أي سود.

وقد جاءت أوصاف النار بما تفزع له النفوس:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}([999])

وقال تعالى:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ}([1000]).

إنها تأكل كل شيء، وتدمر كل شيء، ولا تبقي ولا تذر، تخرق الجلود، وتصل إلى العظام، وتصهر ما في البطون، وتطلع على الأفئدة.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن:(نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)، قِيلَ يَارَسُولَ اللَّهِ: إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ:(فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)([1001]).

وهذه النار لا يخبو أوارها مع تطاول الزمن ومرور الأيام:{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}([1002])،{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}([1003])، ولذلك لا يجد الكفار طعم الراحة ولا يخفف عنهم العذاب مهما طال العذاب:{فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ}([1004]).

والنار تسعر كل يوم كما روى مسلم عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ..)([1005]).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([1006]).

وبلغ من حرارتها أنها اشتكت من حرارة نفسها لربها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(.. اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1007])، وإذا كان أهون أهلها عذاباً من يوضع تحت قدميه جمرة فيغلي منها دماغه، فما بالك بأشدهم عذاباً.

 

المطلب الثاني عشر:

النار تتكلم وتبصر:

المطَّلع على نصوص الكتاب والسنة التي جاء بها وصف النار يلاحظ أنها مخلوق يبصر ويتكلم ويشتكي، وها هي تطلق الأصوات المخيفة إذا أقبل إليها أهلها من شدة غيظها وحنقها على هؤلاء الكفرة والمجرمين، قال تعالى:{إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}([1008])، وقوله تعالى:{يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}([1009]).

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تَزَالُ جَهَنَّمُ {تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)([1010]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (..اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1011]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَبِالْمُصَوِّرِينَ)([1012])، وهذا يدل على أن لها لساناً تتكلم به.

وأما رؤيتها للناس فيقول الله تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِا لسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}([1013])، فقوله {رَأَتْهُم}: يدل أنها تبصر، وقوله: {سَمِعُوا لَهَا} يدل أنها تتكلم، وقوله: {تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}يدل أنها تغضب.

وأيضاً قوله تعالى:{إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}([1014])، وقوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}([1015]).

فهي تشهق وتزفر من غيظها على الكافرين، بل تكاد تتميز: أي تتقطع من شدة غضبها عليهم.

 

المطلب الثالث عشر:

أشجار النار:

في النار أشجار، ومن هذه الأشجار شجرة الزقوم، وهي شجرة لا نفع فيها، فهي لا ظل لها ينعمون به،ومنظرها بشع فطلعها كأنه رؤوس الشياطين، وما الظن بشجرة تنبت في أصل الجحيم، وإنما القصد من وضع هذه الشجرة هو تعذيبهم بها فيأكلون من ثمارها ظناً منهم أنه ينفعهم، فما يزيدهم إلا عذابا، فإذا أكلوا بدأ يغلي في بطونهم، فيفزعون يبحثون عن الماء ليطفيء الغليان الذي في بطونهم فيشربون من ماء الحميم يكرعون منه كرعاً فيقطع أمعاءهم ويتضاعف العذاب عليهم.

قال تعالى:{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}([1016])، وقال تعالى:{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ}([1017]).

وقال تعالى:{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ}([1018]).

وهي الشجرة الملعونة في القرآن كما في قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}([1019]).

فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} هي شجرة الزقوم)([1020]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما :(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ)([1021]) فطعمها علقم، فإذا دخل الجوف أخذ يغلي، وصدق الله:{إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ}، إنها حقاً فتنة وأي فتنة.

 

المطلب الرابع عشر:

طعام أهل النار:

طعام أهل النار الزقزم والضريع {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}([1022])، وقال تعالى:{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}([1023]).

وقد وصف سبحانه شجرة الزقوم في آية أخرى فقال:{ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ}([1024]).

وقال في موضع آخر{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ* فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ* هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ}([1025]).

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن شناعة الزقوم وفظاعته، فقال:(لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ)([1026]).

ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ، ولذلك شبهه سبحانه برؤوس الشياطين، إلا أنهم يلقى عليهم الجوع فلا يجدون مفراً من الأكل منها،فيأكلون حتى تمتلىء بطونهم، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم، فيجدون لذلك آلاماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ سارعوا إلى شرب الحميم وهو الماء الحار الذي تناهى حرّه وغليانه، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}([1027])، فهذا هو مقرهم وضيافتهم، أعاذنا الله  من النار.

وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غَصّوا به لقبحه وخبثه {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً}([1028])، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.

ومن طعام أهل النار الغسلين قال تعالى:{فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ}([1029])، وقال تعالى:{ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}([1030]).

والضريع: شوك، والغسلين والغساق: بمعنىً واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.

وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني.

وقال القرطبي رحمه الله:(قال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار)([1031]).

 

المطلب الخامس عشر:

شراب أهل النار:

إن أهل النار إذا دخلوا فيها أصابهم الجوع والعطش، فإذا أكلوا من شجرة الزقوم أصابهم عطش شديد، فيشربون من الحميم، كما قال تعالى:{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}([1032])، وقال تعالى: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ}([1033]).

قوله تعالى:{فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ}: أي على الزقوم ليطفأ غليانه، و{الْهِيمِ}:(هي الإبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم الإبل العطاش الظماء، وعن عكرمة أنه قال: الهيم الإبل المراض تمص الماء مصاً ولا تروى، وقال السدي: الهيم داء يأخذ الإبل فلا تروى أبداً حتى تموت، فكذلك أهل النار لا يروون من الحميم أبداً)([1034]).

وقال تعالى:{ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ}([1035]).

والآيات في هذا كثيرة.

 

المطلب السادس عشر:

لباس أهل النار:

أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الله تعالى أنه يُفصّلُ لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى:{فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ}([1036])، وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول:(سبحان من خلق من النار ثياباً).

وقال تعالى:{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ}([1037]).

وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)([1038])، وخرجه ابن ماجة ولفظه:(النَّائِحَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ قَطَعَ اللَّهُ لَهَا ثِيَابًا مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعًا مِنْ لَهَبِ النَّارِ)([1039]).

 

المطلب السابع عشر:

هل يرى أحد النار

قبل يوم القيامة:

الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى النار، جاء ذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)([1040]).

وفي صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لا أَطْعَمَتْهَا وَلا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ) قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ:(مِنْ خَشِيشِ أَوْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)([1041]).

وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(.. لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا..)([1042]).

هذا في الدنيا، أما في البرزخ فتعرض على العباد مقاعدهم في الجنة والنار كما دلت عليه النصوص من السنة.

 

المطلب الثامن عشر:

تأثير النار في الدنيا:

جاء في الصحيح:(..اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)([1043]).

وروى البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)([1044]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما:(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ([1045]) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ)([1046]).

 

المطلب التاسع عشر:

النار خالدة لا تبيد:

النار خالدة لا تفنى ولا تبيد، قال الطحاوي رحمه الله:(والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان)([1047]).

وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمجرمون والمنافقون فهم حطب جهنم خالدون فيها.

وقد خالف أهل البدع في هذا الأمر وزعموا أن النار تفنى ومنهم الجهمية.

وكذا خالف المعتزلة والخوارج، وقالوا: إن كل من دخل النار يخلد فيها ولو من عصاة الموحدين.

كما خالف اليهود في ذلك وزعموا أنهم يعذبون في النار وقتاً ثم يخرجون منه:{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً}([1048]).

كما خالف بعض أهل السنة في ذلك وقالوا أن الله يخرج من شاء منها ثم يبقيها أمداً ثم يفنيها، فقد جعل الله لها أمداً محدداً، وهذا القول منسوب لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، لكنه قول غير صحيح.

وقد قيل أنهما رجعا عنه، وفي كلامهما ما يفيد أن النار لا تفنى، وهذا يؤكد أنهما رجعا عن هذا القول والله أعلم.

 

المطلب العشرون:

النار مسكن الكفار 

وهم مخلدون فيها:

النار تعتبر مسكناً للكفار والمشركين، وهي لهم سكن ومأوى، كما أن الجنة مسكن للمؤمنين، قال تعالى:{أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([1049])، وقال تعالى:{فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}([1050])، وقال تعالى:{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}([1051])، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}([1052])، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ}([1053]).

والآيات في هذا الباب كثيرة لا تحصى.

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ)([1054]).

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ)([1055]).

وهذا يقال بعد ذبح الموت، كما في حديث ابن عمر عند البخاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ)([1056]).

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ وَيُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ قَالَ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}([1057])) ([1058]).

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه قال:(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ)([1059]).

 

المطلب الحادي والعشرون:

الدعاة إلى النار:

أصحاب المبادئ الضالة، والمذاهب الباطلة هم الدعاة إلى النار:{أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}([1060])، وقال تعالى:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}([1061]).

وهكذا زعيم هؤلاء وإمامهم الشيطان الداعية الأول للنار، الذي أقسم أن يغوي الناس وجنَّد نفسه لهذا الأمر:{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}([1062])، وقال تعالى:{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}([1063]).

ويتبعه كل قادة الشر والضلال، ومنهم الذين يدعون أقوامهم إلى عبادتهم من دون الله وعلى رأسهم فرعون:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ}([1064])، وكل من دعا إلى عقائد ومبادئ مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان.

ولقد ضرب الله مثلاً  لمؤمن آل فرعون عندما كان يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به وكانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} ([1065]).

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:(كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:(نَعَمْ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:(نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ)، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ:(قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)،قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ:(هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ:(تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ، قَالَ:(فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)([1066])

 

المطلب الثاني والعشرون:

أعظم الذنوب لأصحاب النار:

أفاض القرآن ببيان جرائم أصحاب النار التي استحقوا بسببها النار، ومنها:

(1) الكفر والشرك: فالذين كفروا ينادون فيقال لهم إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم لأنفسكم {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}([1067]).

وأخبرنا الله عز وجل أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: {أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}([1068]) فيكون الجواب {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} ([1069]).

وقال تعالى في المكذبين بالكتاب المشركين بالله{الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}([1070]).

وقال تعالى في الكفرة المشركين المسوين آلهتهم برب العالمين{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}([1071]).

(2) عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين: فأهل الجنة يقولون لأهل النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}([1072])، فيجيبون قائلين:{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}([1073]).

(3) طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر: فيما قرروه من مبادىء الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين، قال الله تعالى في ذلك {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}([1074]).

وعندما يدخل الكفار النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء قال تعالى:{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا}([1075]).

(4) النفاق: وعد الله المنافقين النار، وبين أن مكانهم من النار هو الدرك الأسفل:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ}([1076]).

(5) الكبر: وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1077])، وقد جاء في الصحيح أن النار يدخلها الجبارون والمتكبرون.

ففي صحيح البخار ي ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)([1078]).

وفي رواية لمسلم:(.. كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ)([1079]).

ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل:{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ}([1080])  وقوله: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}([1081]).

 

المطلب الثالث والعشرون:

أشخاص بأعيانهم في النار:

أخبرنا الله عن الكفار والمشركين والمنافقين أنهم في النار، وذكر بعض الأشخاص بأعيانهم، وبين أنهم من أهل النار، ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن لا نشهد لأحد بعينه في النار إلا من شهد الله له ورسوله صلى الله عليه وسلم([1082])، لذلك كان لزاماً علينا أن نعرف من الذين شهد الله لهم ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنار، وبتتبع آيات القرآن تبين لنا الذين سماهم الله من أهل النار:

(1) إبليس: أما إبليس فالآيات فيه كثيرة ودخوله النار من المعلوم بالدين بالضرورة، بل معلوم في جميع الأديان، كمثل قوله تعالى:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}([1083])، وقال تعالى لإبليس: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}([1084]).

(2) فرعون وجنوده: أخبرنا سبحانه وتعالى عن فرعون وجنوده أنهم في النار {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}([1085])، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ}([1086])،وقوله تعالى:{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}([1087]).

* قارون وهامان: قال تعالى:{وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}([1088])، وقال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ}([1089])، وهذه عقوبة معجلة في الدنيا.

(3) امرأة نوح وامرأة لوط: كما أخبرنا تعالى عن امرأة نوح وامرأة لوط، فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}([1090]).

(4) أبو لهب وامرأته: كما أخبرنا تعالى عن أبي لهب وامرأته، فقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}([1091]).

(5) الوليد بن المغيرة: وهو المقصود بقوله تعالى:{ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}([1092]).

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمداً لتعرضه لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له، قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}([1093]).

* عمرو بن عامر الخزاعي: كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ)([1094]).

وكما أخبرنا ربنا تبارك  وتعالى عن الأقوام السابقين، مثل قوم نوح، وعاد،  وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وغيرهم ممن ذكرهم في كتابه العزيز.

 

المطلب الرابع والعشرون:

ذنوب متوعد عليها  بالنار:

جاءت النصوص تبين أن الله توعد على ذنوب في النار، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الذنوب:

أولاً: الافتراق الحاصل في هذه الملة: وأنها على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال:(أَلا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)([1095]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيه:(هو حديث صحيح مشهور)، وصححه الشاطبي في (الاعتصام)، وقد جمع الشيخ الألباني طرقه وتكلم على أسانيده، وبين أنه حديث صحيح لا شك في صحته([1096]).

ثانياً: الجور في الحكم: قال صلى الله عليه وسلم:(الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ)([1097])، فمن جار في الحكم أو قضى للناس على جهل فهو في النار، ومن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة.

ثالثاً: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1098])، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ)([1099])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)([1100]).

رابعاً: الكبر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)([1101])، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)([1102]).

خامساً: قتل النفس بغير الحق، قال تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}([1103]) فلا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال:(لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)([1104]).

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً،وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ:(إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)([1105]).

ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}([1106]).

سادساً: أكل الربا: وهي من الذنوب التي توبق صاحبها، وقد قال الله في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له{وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1107])، وقال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}([1108]) وقد عده الرسول صلى الله عليه وسلممن السبع الموبقات، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ)([1109]).

سابعاً: أكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامي: قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}([1110]).

ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلماً، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة قال تعالى فيهم {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}([1111]).

ثامناً: التصوير: فالمصورون أشد عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ)([1112])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ)([1113])، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في النمرقة التي فيها تصاوير:(إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)([1114])، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)([1115])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً)([1116]).

عاشراً: الركون إلى الظالمين: ومن أسباب دخول النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم:{وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ}([1117]).

الحادي عشر: الوعيد الشديد للكاسيات العاريات: وهن الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتنَّ عباد الله، ولا يستقمنَّ على طاعة الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)([1118]).

قال القرطبي رحمه الله:(والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا)، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهنَّ على النعت الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم:(كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ).

الثاني عشر: المعذب للحيوان: فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)([1119])، فإذا كان هذا حال من يعذب هرة، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم كما يفعل في كثير من بلاد الكفار.

الثالث عشر: الذين يشربون أو يأكلون في آنية الذهب والفضة: فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)،وفي رواية أخرى:(..أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ..)([1120]).

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ)([1121]).

الرابع عشر: الوعيد للمنتحر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)([1122]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)([1123]).

الخامس عشر: وجاء الوعيد للذي لا يخلص في طلب العلم: ومن الأحاديث التي تدل على عظم ذنب هذه المعصية، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا)([1124]).

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَلا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ)([1125])، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) ([1126]).

ويكفي تحذيراً من هذه الكبيرة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (..إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)([1127]).

وغير ذلك من الأعمال التي توعد الله عليها بالنار.

 

المطلب الخامس والعشرون:

أهل النار :

أهل النار هم الذين لا يخرجون منها أبداً، وقد ذكر الله تبارك وتعالى الكثير من الأصناف وسماهم أصحاب النار، وبالنظر إلى الآيات الكريمات يتبين لنا أن هذه الأصناف ترجع إلى نوعين هما:

الأول: الكفار والمشركون، حتى المنافق فإنه يرجع في الحقيقة إلى الكافر _ لأنه يبطن الكفر ويظهر الإسلام _ والمرتد أيضاً كافر، قال تعالى:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1128]).

والمخلدون في النار من أهل الكتاب إما كفار أو مشركون، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}([1129]).

والكفر غير الشرك كما دلت عليه هذه الآية، لأن العطف يقتضي المغايرة، فالكافر: هو الذي يجحد الإله، أو يجحد حقوقه([1130])، قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1131]). وقال تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1132])، {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}([1133]).

الثاني: المشرك: هو الذي يجعل مع الله إلهاً آخر([1134])، قال تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}([1135]).

قوله:{دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي موحدين، وقابل هذا التوحيد بقوله:{إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}، فدل أن الشرك ضد التوحيد، فإن كان التوحيد هو إفراد الله بالدعاء والعبادة، فالشرك جعل إله آخر مع الله في الدعاء والعبادة.

وحكم المشرك أنه مخلد في نار جهنم، قال تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}([1136]).

والكفر والشرك ينطبق عليهما اصطلاح: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا([1137]) فأحيانا يطلق الكفر ويراد به الشرك، وأحياناً يطلق الشرك ويراد به الكفر، وذلك أن المشرك جحد انفراد الله تعالى بالألوهية؛ فهو كافر من هذه الناحية، والكافر اتخذ إلهه هواه فهو مشرك من هذه الناحية، ولكن إذا اجتمع الكفر والشرك؛ فإن الفرق بينهما كما بينا سابقاً.

ومن إطلاق الكفر على الشرك قوله تعالى:{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}([1138]).

وقال تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ}([1139])، وقوله:{تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ}([1140]).

ومن إطلاق الشرك على الكفر:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}([1141]).

هذا وقد بين الله تعالى لنا أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه يغفرها كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}([1142]). فهذا يدل أن الشرك لا يغفر، وكذلك الكفر فهو لا يغفر، والاستدلال عليه من جهتين هما:

أولاً: أن الشرك إذا  أطلق وحده دخل الكفر معه، فيكون الكفر داخلاً في هذه الآية.

ثانياً: أن  الله  تعالى  قال:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ  ذَلِكَ}، والكفر ليس دون ذلك بل هو مساو للشرك في الإثم، ويدل على هذا صراحة قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}([1143]).

وبهذا يتبين لنا أنه لا يبقى في النار خالداً أبداً إلا الكافر والمشرك، وقد دلت على ذلك أيضاً أحاديث في هذا المعنى، منها:

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)، وفي رواية أخرى:(مِنْ إِيمَانٍ)([1144]).

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)([1145]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا)قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا:{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}..)([1146]).

 

المطلب السادس والعشرون:

كثرة أهل النار:

جاءت النصوص الكثيرة تدل على كثرة أهل النار، وقلة أهل الجنة، وذلك لكثرة الكافرين الذين رفضوا دعوة الرسل _ عليهم الصلاة والسلام _ قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}([1147])، وقال تعالى:{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}([1148]).

ويدل على ذلك أيضاً أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومنهم من يأتي معه الرجل والرجلان، ومنهم من يأتي ومعه الرهط _ أي الجماعة من الناس دون العشرة _ ففي صحيح مسلم عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..)([1149]).

وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}) فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَارَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ:(أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)([1150]).

والسبب في كثرة أهل النار عدم اتباعهم لرسل الله، وركونهم إلى الشهوات {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}([1151])، وجاء في الحديث:(حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)([1152]).

 

المطلب السابع والعشرون:

أكثر من يدخل النار النساء:

عصاة الموحدين منهم من يدخل النار على قدر عمله، ثم يخرج منها بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأكثر هؤلاء الداخلين من النساء، حيث جاء في الحديث الصحيح:(اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)([1153])، وجاء في الحديث الآخر:(يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ )([1154])، وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه:(وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)([1155])، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)([1156]).

وهذا لا ينافي أن الرجل له أكثر من زوجة في الجنة، لأن اللواتي يدخلن النار من ذرية آدم،أما الزوجات في الجنة فمنهن من نساء الدنيا، ومنهن من الحور العين.

وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى، والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها، ومع ذلك هنَّ أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن مُعْرضات عن الآخرة بأنفسهن،صارفات غيرهن عنها،سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين)([1157]).

ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته، ويُطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.

 

المطلب الثامن والعشرون:

عظم خلق أهل النار:

أهل النار يدخلونها على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، جاء في الحديث:(مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)([1158]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)([1159]).

وقال زيد بن أرقم:(إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ الضِّرْسُ مِنْ أَضْرَاسِهِ كَأُحُدٍ )([1160]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ)([1161]).

وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ مِثْلُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الرَّبَذَةِ) ([1162]).

وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي رحمه الله في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب:(هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به)([1163]).

وقال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث:(ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال تعالى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}([1164]))([1165]).

 

المطلب التاسع والعشرون:

كيفية دخول أهل النار النار:

لقد بين الله تعالى لنا كيفية دخول أهل النار في آيات كثيرة، وسوف نوضحها بإذن الله تعالى كالتالي: عندما يُكتب على العبد الشقاوة ويكون من أهل النار يأمر الله تعالى الملائكة أن تقيده وتغله، قال تعالى:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ}([1166]).

والغل: هو ما يقيد به، وهذا القيد يكون في عنقه، كما قال تعالى:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}([1167])، وقال تعالى:{وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([1168]).

وهذه الأغلال عبارة عن سلاسل الحديد، كما قال تعالى:{ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ}([1169])، ثم تجمع الملائكة نواصيهم مع أقدامهم:{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ}([1170]).

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(يجمع بين رأسه ورجليه ثم يقصف كما يقصف الحطب)([1171]).

قوله تعالى:{فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ}، أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس رضي الله عنهما:(يؤخذ بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط بقدمه ويفتل ظهره)([1172]).

ثم يساقون إلى النار سوقاً شديداً ويدفعون إليها دفعاً:{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}([1173])، والدع : معناه: الدفع الشديد.

ثم إذا اقتربوا منها فتحت أبوابها في وجوههم بغتة حتى يصيبهم عذاب الفزع {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}([1174])، ثم يلقون فيها إلقاءً، من مكان ضيق وهم مكتفون:{وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً}([1175])مقرنين:أي مشدودين ومربوطين،وهذا الربط بالأصفاد وهي الأغلال {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ}([1176]). وهذا الإلقاء إنما يكون على وجوههم، قال تعالى:{وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([1177])، وقال تعالى:{ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ}([1178]) ثم يلقى بعضهم على بعض، قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}([1179])، ومعنى كبكبوا: ألقي بعضهم على بعض. ثم يكون بعد ذلك أنواع العذاب وأصناف النكال وأشد الآلام.

 

المطلب الثلاثون:

كيف يتقي الإنسان النار:

بعد ما تبين لنا من صفة النار، وما أعد الله تعالى فيها من العذاب لمن يدخلها، وبعد أن بين لنا صفات أهلها وحذرنا منها؛ بين لنا سبحانه كيف نتقيها وما الأسباب المانعة من النار، فمن ذلك:

أولاً: الدعاء: بأن يلهج المؤمن بطلب النجاة من النار، فإن الله لا يخيب من رجاه، قال تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}([1180]).

وقال تعالى:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}([1181]).

وقال تعالى:{وَالَّذِينَ  يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}([1182]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ)([1183]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)([1184]).

ثانياً: الأعمال الصالحة: والمراد بالعمل الصالح ما كان خالصاً لوجه الله موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}([1185]).  وقال تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}([1186]).

قال ابن كثير رحمه الله:(قال أبو العالية والربيع:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ}، يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ}،أخلص(وجهه)، قال:دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده.

والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة.

فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)([1187])

وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يكن يخلص عامله القصد لله فهو أيضاً مردود على فاعله، هذا حال المرائين والمنافقين، كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}([1188])، وقال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}([1189]).

ولهذا قال تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}([1190])، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}([1191]).

لما ذكر الله تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}([1192]) وقال:{هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ}([1193])، فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب)([1194]).

ثالثاً: الاستغفار: والاستغفار هو طلب المغفرة، وهو نوع من أنواع الدعاء، ولكنه أخص منه، فهو خاص بطلب مغفرة الذنوب التي هي سبب لدخول النار، قال تعالى: { وَمَا  كَانَ  اللَّهُ  لِيُعَذِّبَهُمْ  وَأَنْتَ  فِيهِمْ  وَمَا كَانَ  اللَّهُ  مُعَذِّبَهُمْ  وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}([1195]).

رابعاً: خوف الله والدار الآخرة: فمن خاف ذلك اليوم أمنَّه الله تعالى فيه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبد خوفين في الدنيا وفي الآخرة،قال تعالى:{عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً}([1196]) وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}([1197])، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}([1198])، وقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}([1199]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)([1200]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)([1201]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ)([1202]).

خامساً: الصدقة: قال تعالى:{وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى*إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى}([1203]).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ:(أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:(تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..)([1204]).

السادس: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: وعموماً فمن أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد فاز ونجا من النار،قال تعالى:{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً}([1205]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)([1206]).

 

المبحث السادس عشر:

الجنة:

المطلب الأول: تعريف الجنة.

المطلب الثاني: دخول الجنة.

المطلب الثالث:

الشفاعة في دخول الجنة.

المطلب الرابع: تهذيب المؤمنين

وتنقيتهم قبل دخول الجنة.

المطلب الخامس: أول من يدخل الجنة.

المطلب السادس:

الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

المطلب السابع:

الجنة خالدة وأهلها خالدون.

المطلب الثامن: أسماء الجنة.

المطلب التاسع: خزنة الجنة.

المطلب العاشر:صفة الجنة.

المطلب الحادي عشر:

أبواب الجنة.

المطلب الثاني عشر:

درجات الجنة.

المطلب الثالث عشر:

تربة الجنة.

المطلب الرابع عشر:

أنهار وعيون الجنة.

المطلب الخامس عشر:

قصور ومساكن الجنة.

المطلب السادس عشر:

أشجار وثمار الجنة.

المطلب السابع عشر:

طعام أهل الجنة وشرابهم.

المطلب الثامن عشر:

لباس أهل الجنة وحليهم.

المطلب التاسع عشر:

الحور العين في الجنة.

المطلب العشرون:

أوصاف أهل الجنة وأعمالهم.

المطلب الحادي والعشرون:

أعلى أهل الجنة.

المطلب الثاني والعشرون: من ذكر

أسماؤهم في دخول الجنة.

المطلب الثالث والعشرون:

آخر من يدخل الجنة.

 

المطلب الأول: تعريف الجنة:

الجنة: هي دار الجزاء العظيم، والثواب الجزيل الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل، نسأل الله الكريم من فضله، قال تعالى:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([1207]).

وجاء في الحديث القدسي:(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ})([1208]).

ويظهر هذا النعيم بمقارنته بنعيم الدنيا الفاني، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير لا يساوي شيئاً، ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)([1209]).

ولذا كان دخول الجنة، والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم، والفوز الكبير، قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}([1210])، وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([1211])، وقال تعالى:{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([1212]).

 

المطلب الثاني:

دخول الجنة:

يخلص المؤمنون إلى الجنة بعد أن يمروا بأهوال وكربات، لكنهم يساقون معززين مكرمين تستقبلهم الملائكة، وتفتح لهم أبواب الجنة:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}([1213])، وقوله تعالى:{يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}([1214])، وقال تعالى:{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([1215])، فعند ذلك يفرح المؤمنون فرحاً لاينازعهم فيه أحد أبداً.

 

المطلب الثالث:

الشفاعة في دخول الجنة:

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء الشفاعة لهم في دخول الجنة، فيمتنع الأنبياء جميعهم وينتهي الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم، ويقبل الله شفاعته، ويأذن لهم بدخول الجنة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قَالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَجْمَعُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ…)، وذكر فيه تدافع الأنبياء لها، قال:(فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ..) ([1216]).

 

المطلب الرابع: تهذيب المؤمنين

وتنقيتهم قبل دخول الجنة:

وقد جاء في الأحاديث أنهم عندما يجوزون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فينقون ويهذبون ويقتص لبعضهم من بعض، ويتخلصون من مظالم الدنيا ليدخلوا الجنة أطهاراً أبراراً، روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)([1217]).

 

المطلب الخامس:

أول من يدخل الجنة:

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن أول من يدخل الجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،لما رواه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ)([1218])، وروى مسلم أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ)([1219]).

وأول من يدخل من الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثبت في الصحيحين وسنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ..)([1220]).

وأول الأمة دخولاً الجنة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كما جاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي)([1221]).

 

المطلب السادس:

الذين يدخلون الجنة بغير حساب:

جاء في الأحاديث أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: (أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَقُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا)([1222]).

وقد جاء أن عددهم سبعون ألفاً، ومع كل ألف سبعون وثلاث حثيات من حثيات ربي، قال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}([1223]).

وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِهِ)([1224]).

وقد وصف صلى الله عليه وسلم السبعين ألفاً الأوائل وبين علاماتهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِي قَالَ لا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)([1225]).

 وجاء في الأحاديث أن أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها،ولا يتمخطون،ولا يتغوطون،آنيتهم فيها الذهب أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوه، ورشحهم المسك، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)([1226]).

وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ لا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)([1227]).

وأول ثلاثة يدخلون الجنة: (شهيد، وعفيف متعفف، وعبدٍ أحسن عبادة الله ونصح مواليه).

 

المطلب السابع:

الجنة خالدة وأهلها خالدون:

الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون لا يرحلون عنها، ولا يظعنون ولا يموتون {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}([1228]) وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}([1229]).

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الموت بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة ولأهل النار:(.. يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ)([1230]).

ومقتضى النصوص الواردة أن الجنة تخلق خلقاً غير قابل للفناء، وكذلك أهلها، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمقال:(مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ)([1231]).

واستمع إلى النداء الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة:(..إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([1232]))([1233]).

ولم يقل أحد بفناء الجنة إلا الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف، وقوله باطل شنيع، فخلود الجنة مما يعلم بالضرورة، وقد قطعت به النصوص من الكتاب والسنة.

 

المطلب الثامن: أسماء الجنة:

(1) ا