خطبة بعنوان: (فضل بناء المساجد وعمارتها) بتاريخ: 19 / 9 / 1437هـ

الثلاثاء 7 جمادى الآخرة 1440ﻫ 12-2-2019م

 

 

الخطبة الأولى :
الحمد لله الذي جعل المساجد مكاناً لعبادته، ورغّب في عمارتها وصيانتها والعناية بها طلباً لمرضاته، وسخر من عباده من يقوم على بنائها، وأفاض عليهم من جوده وكرمه ما جعلهم ينفقون أموالهم ابتغاء وجهه وطلباً وتحصيلاً لثوابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعد من بني له بيتاً في الدنيا، ببيت عظيم في جنته، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أول من بنى مسجداً لربه في حياته، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آل عمران: 102).
عباد الله: المساجد بيوت الله في أرضه، وهي أحب الأماكن إليه، ولها مكانتها العظيمة في دينه، وفي قلوب عباده المؤمنين. فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم:(أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا)(رواه مسلم).
منها تعلو أصوات المؤذنين، وتصدح فيها شهادة التوحيد لرب العالمين.
وفيها تقام طاعته وعبادته وتوحيده وإجلاله وتعظيمه، وصدق الله العظيم: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}(الجن: 18).
وتتجلى مكانة المساجد في حياة المسلمين بأنها كانت وما زالت مواضع لإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، والاعتكاف، وذكر الله جل وعلا، وغير ذلك من أنواع العبادة. وصدق الله العظيم:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ..}(النور: 36، 37).
وللمساجد دور قوي في تقوية الجانب الإيماني للمسلمين، والاجتماع، والترابط، والتعاضد، والتماسك، والتربية، والتكاتف، والتراحم، وهذا هو الركن الأساسي الذي اجتهد النبي  لغرسه في نفوس أصحابه في مكّة، وفي نفوس الأنصار في بيعتي العقبة.
والمسجد أيها المؤمنون كما يظهر من اسمه أنه مكان السجود لرب العالمين، والرضوخ الكامل له، والطاعة المطلقة لجميع أوامره ونواهيه.
فلا قيام لأمة الإسلام بغير المسجد، وتفعيل دوره العظيم.
وقد حثَّ الشارع الحكيم على الاهتمام بها، وعمارتها حسياً ومعنوياً، وجعل ذلك سبيلاً إلى نيل مرضاته والفوز بجنته, قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَنَى ِللهِ مَسْجِدًا، مِنْ مَالِهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) أخرجه ابن ماجة (737) وصححه الألباني في سنن ابن ماجة ( 736 ).
عباد الله: ومكانة المسجد في الإسلام تظهر بجلاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى أطراف المدينة المنورة لم يستقر به المقام حتى بدأ ببناء أول مسجد في الإسلام، ألا وهو مسجد قباء، والذي يقع في حي بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد بُني لعموم الناس.
ولما واصل صلى الله عليه وسلم سيره ودخل المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده الشريف.
ولقد وعى هذا الأمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهتموا به، واعتنوا به أشد الاعتناء، كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاته أن يبنوا مسجداً جامعاً في مقر الإمارة، ويأمروا القبائل والقرى ببناء مساجد جماعة في أماكنهم.
فعن عثمان بن عطاء قال لما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه البلد كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة .
عباد الله: لقد كان المسجد في أول الإسلام هو مكان أداء العبادة لله تعالى، وهو مكان تربية أجيال الأمة على التوحيد والسنة، فقد قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي بال في المسجد:(إنما هي لذكر الله والصلاة)، وفي رواية:(إنما بنيت لذكر الله والصلاة)(رواه البخاري).
وأثنى ربنا جل وعلا على عُمَّارِه في كتابه، فقال جل وعلا:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}(التوبة: 18).
ولقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم إذا فتحوا بلاداً بنوا فيها المساجد، وتركوا فيها من يعلم الناس الخير، ويؤدي رسالتها على أكمل وجه باعتبارها مركزاً إسلامياً لتفقيه المسلمين في شؤون دنياهم وأخراهم.
أيها الصائمون والصائمات: لقد أمر الله جل وعلا بتعظيم مساجده، وجعل بناءها من أفضل الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الأجر العظيم، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يَقولُ: (مَن بَنَى مسْجدًا يَبْتغي به وَجْهَ اللَّه بَنَى اللَّهُ له مِثْلَه في الجَنَّة)(رواه البخاري)، وفي رواية:(بَنَى اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِثْلَه)(متفق عليه).
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ)(رواه الترمذي).
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له به بيتاً في الجنة)(رواه ابن أبي شيبة)
وهذا يدل على أنه يمكن للمسلم المشاركة في بناء مسجد على قدر ما يستطيع، فليس من الضروري أن يتولى واحد من الناس عمارة المسجد بمفرده، بل بالإمكان أن يشترك في بناءه أكثر من فرد.
وصدق الله العظيم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }(النور: 36ــ 38). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون والمؤمنات: واعلموا أن بناء المساجد من العمل الصالح الذي يجري أجره على العبد بعد موته وحين انقطاعه عن الدنيا، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى حسنة تضاف إلى ميزان حسناته لِيثقُلَ بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم:(إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره وولدا صالحا تركه ومصحفا ورَّثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته)(رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).
والعناية بالمساجد وتنظيفها وتطييبها والمحافظة عليها من أفضل أعمال البر التي يترتب عليها الأجور العظيمة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:(عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ..)(رواه أبو داود، والتِّرْمِذِيّ). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلـم، فَسَأَلَ عَنهَا؟ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ:(أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟) قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ:(دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا)، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:(إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ).
فهنيئا لمن عمَّر بيتاً لله يبتغي بذلك وجه الله، وهنيئاً لمن ساهم في بنائها ولو بالقليل، وهنيئاً لمن عمّرها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن.
وهذا المسجد المبارك أيها المؤمنون والمؤمنات كما ترون اعتنى به عناية فائقة، وتمت متابعته بكل دقة، فجزى الله خيرا كل من ساهم وشارك في البناء من مسئولين وإدارات حكومية وجماعة وأفراد، وجزى الله خيرا من تكفل ببنائه، فقد تكفل به الوجيه عبد الله بن محمد العذل، وجعله باسم والدته، جعل الله له ولوالديه بيتا في الجنة،وجزاه خيرا وخلف عليه ما أنفق خيرا.
الكل أيها المؤمنون ؛ كل من شارك أو أشار أو أعان أو رتب، أو أشرف وتابع وشجع، كل أولئك إن شاء الله مأجور مشكور.
وجزى الله كل من عمره عمارة معنوية بالصلاة والذكر والدعاء وحلقات التحفيظ، أسأل الله بمنه وكرمه أن يخلف على الجميع خيرا وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، وأن ينبي لهم ووالديهم وذرياتهم قصورا في الجنة. اللهم اخلف على الجميع خيراً وارزقهم من حيث لا يحتسبون وابن لهم ووالديهم وذريتهم قصوراً في الجنة يا أرحم الراحمين.
أيها الصائمون والصائمات: ها هو موسم المتسابقين، وسوق العابدين، وفرصة المجتهدين، قد قرب على الرحيل، ها هي العشر الأخيرة من رمضان قد حضرت، فيها ليلة هي خير من ألف شهر، فهلموا إلى المنافسة والاجتهاد والعمل، فإنها أيام قليلة، وفضلها عظيم، فقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يخصها بمزيد من الاجتهاد، كان يحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشد مئزره، ويعتزل النساء، ويعتكف في المسجد. في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله). وفي رواية عند مسلم:(كان رسول الله يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها)وعنها رضي الله عنها في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ).
أسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم ليلة القدر، وأن يعيننا وإياكم على قيامها إيمانا واحتسابا، وأن يكتبنا وإياكم ووالدينا وذرياتنا وزوجاتنا من عتقائه من النار إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:٥٦).
الجمعة: 19-9-1437هـ