خطبة بعنوان: (بلادنا ونصرة الأشقاء في اليمن) بتاريخ: 27-5-1438هـ

الثلاثاء 7 جمادى الآخرة 1440هـ 12-2-2019م

 

 

الخطبة الأولى :
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فأوصيكم أيها المسلمون بتقوى الله عز وجل، والعمل على طاعته، واجتناب نواهيه قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران: الآية 102).
عباد الله : ما أكثر المظلومين في زماننا وكم يرى الناس من إنسان ينتهك عرضه وتداس كرامته ويسلب ماله ويسفك دمه ثم لا يجد من ينصره أو من يقف بجانبه وأصبح هذا الحقُّ والواجبُ ضائعاً وغريباً في حياتنا. قال صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلماً في موطن يُنتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نصرتَه، وما من أحدٍ ينصُر مسلماً في موطنٍ يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره اللهُ في موطنٍ يُحب فيه نصرتَه» (رواه أحمد).
وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أُذِلّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصرَه أذلّه الله على رؤوسِ الأشهادِ يومَ القيامة» (رواه أحمد بسندٍ حسن).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان اللهُ في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (رواه البخاري [2310]).
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “قوله: «لا يُسلمه» أي لا يتركه مع من يؤذيه بل ينصره ويدْفعُ عنه، وهذا أخصُّ من تركِ الظلم” (فتح الباري [5 / 97]).
عباد الله: وانطلاقاً من هذه النصوص الشرعية كانت عاصفةُ الحزمِ التي جاءت في وقتِ الناسُ بأَمَسِ الحاجةِ لها، ولبَّت أُمنيةَ الأمة المحتاجة قياماً بحقِّ الأخُّوة وحقِّ الجوارِ ، واستجابةً لنداءِ الشعبِ اليمني المسلم ، وإغاثةً للملهوفِ وحمايةً لبلادِ الإسلام من سيطرةِ المد الصفوي المحتل .
عباد الله: إن الوفاء بالعهود والمواثيق من أعظم الأمور التي دعا إليها الإسلام، وأكدَّ ضرورةَ الوفاءِ بها؛ ورتَّب على نقضِها والإخلالِ بها صنوفَ الذَّمِ والعقابِ.
وناقضُ العهدِ والميثاقِ إنسانٌ متحطمُ القيمِ والأخلاقِ، بهيميُّ الطبعِ، لا يُوثقُ بقولِه، ولا يُؤمنُ جانبُه.
ولذلك كان الوفاءُ خصلة من خصالِ الأوفياءِ الصالحين، ومنقبةٌ من مناقب الدعاةِ المخلصين، وهو أدبٌ ربانيٌ حميد، وخُلقٌ نبويٌ كريم، وسلوكٌ إسلاميٌ نبيل، فمن أبرمَ عقدًا وجبَ أن يحترمَه، ومن أعطى عهدًا وجب أن يلتزمَه؛ لأنه أساسُ كرامةِ الإنسانِ في دُنياه، وسعادتِه في أُخراه.
وإذا كان نقضُ العهودِ والمواثيقِ صفةً بارزةً في اليهود، فليس معنى ذلك أنه ليس في الفرقِ والمذاهبِ الباطلةِ الأخرى من شابههم فيها ونافسهم عليها، فها هم الانقلابيون الحوثيون في بلادِ اليمن يشابهون اليهودَ في أكثرَ من أمرٍ، بدءًا ببعضِ العقائدِ والأفكارِ، وانتهاء ببعض الصفاتِ والأخلاقِ الذميمةِ، ومنها: نقضُ العهودِ والمواثيقِ والاتفاقياتِ.
فكم من عهدٍ نقَضوه، فهم همجٌ لا يفهمون الا القوةَ ضدَّ مخالفيهم، ولا دينَ ولا عهدَ لهم، فالخيانةُ ونقضُ العهود ديدنُهم والتُّقـيةُ عندهم ركن .
فقد عُرف عن الحوثيين – خلالَ فتراتِهم السابقةِ – نقضُهم العهودَ والمواثيقَ التي يبرمونها للصلح بينهم وبين الدولةِ، وكذلك بينهم وبين القبائلِ التي يتصالحون معها، ما إن يروا الفرصَ سانحةً للانقضاضِ على مواطنِ الآخرين، ضاربين بعرضِ الحائطِ كلَّ العهودِ والمواثيقِ المبرمةِ. ولم يكن هذا جديداً عليهم، ففي تاريخهم يُعتبر ذلك فقهاً شرعياً سنَّوه منذ آبائهم المؤسسين.
عباد الله: لم يكتفِ هؤلاء المفسدون بخيانتِهم للعهودِ، بل زادوا في إفسادهم وذلك بأنهم تحصَّنوا بالأماكنِ العامةِ التي يقطنها عُمومُ الناسِ، فقد أكَّدت مصادرُ عسكريةٌ على الحد الجنوبي أن ميليشيات الحوثي وقواتِ المخلوعِ صالح باتّتْ تتحصنُ بالمستشفيات، وتجهِّز بداخلها منصاتِ الصواريخ لاستهدافِ حدودِ المملكة، كذلك استخدمتْ المدارسَ والمرافقَ الحكوميةَ لتخزينِ الأسلحةِ، وزجَّت بالأطفالِ للقتال، إضافةً إلى استئجار المرتزقةِ والعناصرِ المأجورة.
أيها المسلمون: لقد استخدمتْ الجهاتُ المسؤولةُ في الدولة جميعَ الطرقِ والوسائلِ النظاميةِ واستنفذتَها مع الانقلابيين قبلَ حربهم عبرَ القنواتِ الرسميةِ والدوليةِ. فلقد سعت المملكة بعقلِها وحِلمها لإطفاءِ نارِ الفتنةِ منذ الوهلةِ الأولى ، فعقدتْ مبادراتِ الصلحِ لجمعِ الفرقاءِ، ودعمتْ الحوارَ الوطنيَّ ، وذلك لتجنيبِ اليمنِ أن ينزلقَ في حروبٍ أهليةٍ أو ينفلتَ في الفوضى والاضطرابات، وصبرتْ طويلاً وحلمتْ كثيراً؛ لكن نداءَ العقلِ ضاعَ في عمايةِ الطائفيةِ، واستقوى البغاةُ في تدخلاتِ الغرباءِ السافرةِ الراميةِ إلى زعزعةِ المنطقةِ ونشرِ الفوضى، وتكرَّر نقضُ الوعودِ وخفرُ العهودِ وأبوا إلا الحربِ، لم تردعُهم رحمةٌ ولا دين، ولم يحترموا المواثيقَ والقوانين؛ بل خرجوا باغينَ على سلطةٍ نظاميةٍ؛ فلاحقوا الحاكمَ وحكومتَه التي عليها أهلُ اليمن، واحتجزوا رئيسِ الدولةِ ومن معه من المسئولين، وحاصروا المدنَ والقرى، وألحقوا بأهلها صنوفَ العذابِ والهوانِ والأذى، وعاثوا في البلادِ قتلاً ونهباً وسلباً، وسعوا فيها فساداً وإرهاباً وتخريباً، ودمّروا المساكن والبيوتَ والمساجدَ والمدارسَ والجامعات، وقتلوا المسلمينَ المسالمين، وشرَّدوهم داخلَ بلادهم، يريدون إذلال اليمنِ وقهرَ أهلِه واستعباده للأعداءِ الغرباء، يعبثون بأمنِ الشعبِ اليمني، ويروّجون للطائفيةِ، ويزرعون الإرهابَ؛ بل تعالتْ أصواتَهُم مهددِّين المنطقةَ كلِّها؛ مصرّحين بالعدوانِ على بلادِ الحرمين الشريفين ونشرِ الفوضى والإرهابِ في بلاد الأمنِ والإيمانِ، ومأرزِ الإسلام والسلام، قد بدتْ البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورُهم أكبر, والمملكةُ العربيةُ السعوديةُ وأشقاؤها بمعزلٍ عن هذه الكارثةِ المحيطةِ منذُ البدايةِ. يدعمهم في ذلك هذا الدعمُ الإيرانيُ الذي لم يعد خافياً، فولاءُ الحوثيين ليس لوطنِهم بل لإيران، وهذا أمرٌ واضحٌ وضوحَ الشمسِ، فإيرانُ تسعى منذ زمنٍ بعيد إلى تفجيرِ بؤرٍ معاديةٍ للدولِ العربيةِ والإسلاميةِ، وقد نجحتْ في بعضِ البلدانِ وكانت تحاول بسط نفوذِها في اليمنِ لكن قيَّضَ الله تعالى من يردَّ كيدَهم ويدحرُهم ويكفُّ شرَّهم عن المسلمين.
أيها المسلمون : لقد استغل الانقلابيون بعد فشلهم في المقاومةِ استغلوا الأطفالَ والنساءَ ليتحصَّنوا بهم واتَّهموا من يخالفُهم بأنه داعشيٌ لتشويه سمعتِهم وغرَّروا بالشباب والأطفالِ للقتالِ معهم واستخدموهم دروعاً بشريةً لتنفيذ مخططاتهم، ولم يكتفوا بذلك بلْ قَتلوا الأبرياءَ من الشيوخَ الركعَ والنساءَ والأطفالَ الرضَّع وخوَّفوا الآمنين وحاصروا مخالفيهم واستخدموا المخدراتِ في الحصولِ على الأموالِ وسْطَ تضليلٍ إعلاميٍ وكذبٍ في الوقائع
إنَّ هذه التصرفاتِ والأفعالَ غيرَ المسؤولةِ، تكشفُ الوجهَ الحقيقيَ للميليشياتِ الانقلابيةِ، وتثبتُ ارتباطها بمشاريعِ الفتنِ المذهبيةِ التي تحرُّكها إيرانُ عبر أدواتِها في المنطقة.

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم محمد بن عبد الله الذي علم أمته كل خيرٍ، وحذَّرهم من كل شرٍّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها المسلمون: لقد وقفتْ بلادُنا حكومةً وشعباً مع أشقائهم في بلادِ اليمنِ نصرةً للمظلومِ، ووفاءً لحق الجوار، وتصدياً للمد الطائفي في اليمن، وهذا بلا شك واجبٌ شرعيٌ؛ فهؤلاء المرتزقةُ أعداءٌ للدينِ، أعداءٌ لأهليهم وبلدانِهم وشعبِهم ولجيرانِهم.
أيها المسلمون: إن نصرةَ المظلومِ والدفاعَ عن الدينِ وقتالَ البغاةِ وحمايةَ الديارِ من أعظمِ القرباتِ وأوجبِ الواجباتِ، والحمدُ للهِ الذي وفَّق خادمَ الحرمين الشريفين لهذا القرارِ التاريخيِ الحازِم، الذي بادرتْ القياداتُ العربيةُ والإسلاميةُ – مشكورةً – بالتحالفِ معَه، ولَقِيَ تأييداً كبيراً من العلماءِ والمنظماتِ الإسلاميةِ والهيئاتِ الشرعيةِ في أقطارِ الأرض، كما حظِيَ بالتأييد الكبيرِ من العقلاءِ في العالم، وما كان للمملكةِ أن تُضطرَّ لهذا القرار إلا بعدَ أنِ استنفدَتْ كلَّ الجهودِ للنصحِ والإصلاحِ الذي ذهب مع طغيانِ الباغين أدراجَ الرياحِ.
فباركَ الله خُطَى ولي أمرنا وبارك في عمره وعمله، وأيَّده بتأييده وحفظه من كل سوء ومكروه، وحفظ الله بلادنا من كيد الكائدين وعدوان المعتدين.
هذه بلادنا تخوضُ حرباً ضروساً على حدودها الجنوبية، واللاهون العابثون يرقصون ويطربون يريدون إغراق السفينة، فإلى الله المشتكى من صنيعهم.
ونسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وأمننا واجتماع كلمتنا، وألا يهلكنا بما فعل السفاء منَّا. هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:٥٦).
الجمعة: 27 / 5 / 1438هـ