خطبة بعنوان: (دعوات تسييس الحج ـ الأخطار والآثار) بتاريخ: 3-12-1438هـ

الثلاثاء 7 جمادى الآخرة 1440هـ 12-2-2019م

الخطبة الأولى :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]أما بعد:

عباد الله: منذ أن نشأت المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبد العزيز – رحمه الله – مرورا بكوكبة من الملوك العظام أبنائه البررة ، وصولا إلى خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله -، لم تتوانَ بلاد الحرمين – قيادة وشعبا – عن بذل الغالي والنفيس، من أجل خدمة ضيوف الرحمن، والعمل على توفير أقصى سبل الراحة، لتيسير أداء شعيرة الحج والعمرة لقاصدي البيت الحرام، من مشارق الأرض ومغاربها.

ولئن شرف الله المملكة العربية السعودية أن تكون خادمة للحرمين الشريفين، فإنها تدرك في نفس الوقت، أن هذا الشرف العظيم يتطلب منها العمل بكل ما أوتيت من قوة، لتوفير المزيد من نعم الأمن والرخاء والاستقرار لضيوف الرحمن، حتى يستطيعوا أداء فريضة الحج، في جو من الطمأنينة والراحة، اللتين تحرص عليهما منذ أن أنعم الله على مؤسس هذه البلاد الملك عبد العزيز – يرحمه الله – بجمع شمل هذه البلاد وتوحيد كلمتها، ونشر الأمن في ربوعها، على أساس من تحكيم كتاب الله الكريم والتمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا بالإضافة إلى المشروعات العملاقة، التي قامت بها المملكة – ولا تزال – لتوسعة بيت الله الحرام، وتوفير سبل راحة الحجيج، لاستيعاب المزيد من الأعداد، بما يسمح لبلاد الحرمين عدم غلق أبوابها أمام كل من أراد الحج أو العمرة، وهو ما يفند كل الاتهامات التي تسعى للتقليل من هذه الجهود العظيمة، والتي لا تخرج عن كونها مساعٍ لبث الفتنة، بين المملكة والدول الإسلامية الشقيقة، في محاولة لتحقيق مآرب استعمارية شيطانية صفوية، وهو ما اعتبره زعماء الدول العربية والإسلامية وعلماؤها مخططا خبيثا، يتطلب توحيد الرؤى والوقوف على قلب رجل واحد في مواجهته، والذود عن بلاد الحرمين الشريفين، ودعمها في دحضها لمثل هذه المخططات الخبيثة، التي تطفو على السطح بين الحين والآخر.

عباد الله: إن المملكة العربية السعودية ومنذ قيامها أكدت رفضها الثابت إدخال هذه الشعيرة الإسلامية المقدسة في الخلافات السياسية مع أي دولة يقصد مواطنوها الأراضي المقدسة، على رغم أن بعض الدول مثل إيران تعلن وبشكل واضح الدعوة لاستغلال الحج في إقامة المظاهرات التي كلنا يعرف أنها تفسد على الحجاج سكينتهم وأمنهم وهم يؤدون هذا الركن الإسلامي، وعلى رغم ذلك فالسلطات في المملكة لم تمنع يوماً ما في تاريخها وصول أي حاج من تلك الدول، ولم تحمل المسلمين أخطاء وسياسات دولهم في أداء شعائرهم، وبعض تلك الدول هي من يمنع مواطنيها من الحج والعمرة، والمملكة لم تفرق يوماً بين أصحاب المذاهب المختلفة في أحقية أداء هذه الفريضة، وهي ترى أن ذلك خدمة تتشرف بتقديمها للحجاج والمعتمرين، ولكنها ترفض وبشكل صارم استغلال هذه المناسبة الدينية الروحية في الزج بالسياسة فيها، ورفع شعارات لا تمت للحج في أيام معدودة، والمملكة لم تمُنَّ يوماً بما تقدمه من خدمات للحجيج، والجميع يعرف أن الحكومة والأجهزة فيها تكون مستنفرة لتسهيل أداء المسلمين هذه الشعيرة، والذين هم من ثقافات ومشارب حضارية مختلفة، لقد فشلت بعض الدول المارقة في مساعيها المتكررة لتسييس الحج، فلا المكان وقدسية المناسبة قابلة للمساومة في رفع الشعارات السياسية والعداء لهذه الدولة أو تلك.

عباد الله: إن ما تطالب به بعض الدول من تسييس الحج هو من عمل الجاهلية التي وضعه النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في خطبة حجة الوداع حيث قال (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع) فأي شعارات سياسية أو حزبية أو قبلية قد وضعها النبي – صلى الله عليه وسلم – وذلك تخليصاً من أي اعتبارات بشرية، وجعله خالصاً لله عز وجل وهذا ما حصل في حجة الوداع وسار عليه الخلفاء الراشدون ثم تتابع على ذلك المسلمون إلى أن قامت الثورة الخمينية التي سعت إلى تسييس الحج ومن ثم علت بعض الأصوات التي تنادي بهذا.

عباد الله: إن توزيع الشعارات السياسية ورفعها في الحج مدعاة للجدال المحرم شرعا في الحج، وإذا وزعت مثل هذه الشعارات حصل القيل والقال وكثر الحديث والجدال، وقست القلوب، وانتهض الناس لانتقادها والرد عليها، وسعوا في رفع الشعارات المضادة لها، فتصير المناسك محلا للجدال والخلاف والتنازع والترامي بالتهم والخصومات والأحقاد التي لا يرضاها الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾.سورة البقرة (197).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله: واشكروه على ما أنعم به عليكم من مشروعية الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم وتنفقون بها نفائس أموالكم، فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والسلام. ومما ينبغي أن يؤكد عليه هنا ما يأتي:

أولاً: إذا دخل العشر وجب على من سيضحي أن يمسك عن أخذ شعره وظفره وشيء من البشرة. أما من لم ينو الأضحية إلا بعد دخول الشهر ومضى يوم أو يومين فيمسك ولو كان أخذ من شعره وظفره قبل ذلك فهذا لا يضر لأن الإمساك من نية الأضحية.

ثانياً: المشروع أضحية واحدة فإن زاد عن واحدة فهو خير إذا كان الحامل عليه طلب الثواب والأجر لا المباهاة والمفاخرة.

ثالثاً: ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها فإن نفس الذبح وإراقة الدم عبادة مقصودة قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة الأنعام: 162]

رابعاً: الأولى أن يضحي الشخص ببلده وإن كانت تشق عليه الأضحية الغالية فيشتري أضحية رخيصة في بلده.

خامساً: بعض الناس يتبرع لأمواته ولهم وصايا فيوفر أموالهم ويتبرع من نفسه وهذا خطأ
فتنفيذ الوصية واجب من أموالهم.

سادساً: إذا لم يوص الميت بأضحية وكان وراءه مال كثير فالأولى ألا يضحي له لأن هناك من أعمال البر الكثيرة ما هو أفضل من الأضحية بكثير.

سابعاً: الذين سيحجون وهم سيضحون لا يأخذون من شعرهم وظفرهم عند الميقات إذا أرادوا الإحرام سواء وكلوا على أضاحيهم أو لم يوكلوا لكن إذا أتموا العمرة فيقصرون من شعرهم فقط أو يحلقون لأن هذا التقصير أو الحلق نسك لا علاقة له بالأضحية، وكذا إذا أتموا الحج يوم العيد فيقصرون او يحلقون وهذا أيضا نسك لا علاقة له بالأضحية.

ثامناً: لا تجزئ الأضحية إلا بشرطين الأول أن تبلغ السن المعتبر شرعا، الثاني أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء، فأما السن ففي الإبل خمس سنين وفي البقر سنتان وفي المعز سنة وفي الضأن نصف سنة. أما العيوب المانعة من الإجزاء فهي: العوراء البين عَوَرُهَا و المريضة البين مرضها و العرجاء البين ظَلْعُهَا و العجفاء التي لا تنقي وهي الهزيلة التي لا مخ في عظامها من الهزال.

تاسعاً: من الخطأ الذي يقع به البعض أنه يضحي عن أمواته تبرعاً ولا يشرك نفسه وأهل بيته في هذه الأضحية وهذا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يضحي عن نفسه وآله فليشرك المضحي نفسه وأهله في ما يتطوع به من الأضاحي وفضل الله واسع. أما الوصايا فتنفذ على ما أوصى به الموصي.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:٥٦).
الجمعة: 3-12-1438 هـ