أثر العلماء في توعية المجتمعات الإسلامية

الخميس 9 جمادى الآخرة 1440ﻫ 14-2-2019م

 

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:
[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون](آل عمران:102)
[يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تتساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا](النساء:1)
[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما](الأحزاب:70، 71)، وبعد:
فإن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليها حياة الأمة بمجموعها وآحادها فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع، ولذا جاء الحث على العلم والاهتمام به والترغيب في طلبه في نصوص كثيرة متضافرة، قال تعالى:[يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات](المجادلة:11)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)(1).
ولعل سن الشباب هي خير ما يؤهل فيه الشاب لطلب العلم، وقد يعجز عن إدراك الشيء بعد ما تتقدم به السن لكثرة العوارض والمشاغل، وصدق الحسن رحمه الله إذ يقول: (طلب العلم في الصغر كالنقش على الحجر).
وقال علقمة رضي الله عنه: (أما ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاسته أو ورقه).
وأوصى لقمان ابنه قائلا: (يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل السماء).
وقال الشاعر:
نعم المؤانس والجليس كتاب ** تخلو به إن ملك الأصحاب
لا مفشيا سرا ولا متكبـرا ** وتفاد منه حكمة وصـواب
وقال آخر:
واعلم بأن العلم أرفع رتبة ** وأجل مكتسب وأسنى مفخر
فاسلك سبيل المقتنين له تسد ** إن السيادة تقتنى بالدفتر
والعالم المدعو حبرا إنما ** سماه باسم الحبر حمل المحبر
وبضمر الأقلام يبلغ أهلها ** ما ليس يبلغ بالجياد الضمر
وقال ابن الجوزي رحمه الله: (لما كان العلم أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات والراحة).
ولابد من الأدب مع العلماء واحترامهم وبيان محاسنهم؛ فهم الشموع المضيئة، والأعلام الهادية، والأدلاء على الخير.
هم بحر الأمة الدافق، وقلبها النابض، وبلسمها الشافي، هم أهل الصلاح والتقى، أهل الطاعة والعبادة.
وما أحقر بعض الأقزام من أهل الأهواء الذين لا يعرفون للعلماء قدرهم، فيغمزونهم، ويلمزونهم، ويتطاولون عليهم، وما علم هؤلاء أنهم يطعنون الأمة في أعز ما تملك، بل في رصيدها الحقيقي وهم العلماء الذين يعتبر تقديرهم واحترامهم والأدب معهم من صميم ولوازم عقيدة المسلم، ونحن مأمورون حال الاختلاف بالالتفاف حول الكتاب والسنة والرجوع إلى العلماء الربانيين الذين ينهلون من معين الوحيين، وكلما ابتعد الشباب عن علمائهم تقاذفتهم الأهواء، وفرقتهم الولاءات والانتماءات، وابتعدوا عن الصراط المستقيم الذي ندعو الله صباح مساء أن يهدينا إليه [اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين](الفاتحة:6، 7).
فالواجب علينا تجاه علمائنا ـ وهم تاج علماء الأمة الإسلامية في هذا الزمان ـ أن نصدر عن أقوالهم ولاسيما في قضايا الأمة العامة وما يهمها في أمر دينها ودنياها، ولاسيما ونحن نرى مؤامرات الأعداء تحيط بنا من كل حدب وصوب، كل همهم تفريق صف الأمة، وتوهين قوتها، والسعي لإبعاد الشباب عن علمائهم.
وما ضلت أمة أعلت قدر علمائها، وتمسكت بمنهجهم، وجعلتهم في مقدمة الركب يقودون سفينة المجتمع إلى شاطىء السلامة لئلا تعصف بها رياح الأهواء والاختلافات التي مزقت الأمة وأضعفتها، وجعلت ولاءها لغير الله ورسوله والمؤمنين.
ووصيتي لنفسي والناس عامة والشباب خاصة أن يلتزموا بأدب الإسلام في انتقاء أطايب الكلام، واجتناب الجرح والسب، والإيذاء بالغمز والهمز واللمز.
وخير ما يعين على ذلك سلوك طريق العلماء الموثوقين الذين لهم قدم راسخة في العلم وهم في بلاد الحرمين تاج علماء الزمان، فليلزم الشاب غرزهم، وليسلم من طرائق الأهواء، ومزالق الشيطان، ومضلات الفتن، ويبتعد عن الولاء لغير الله ورسوله والمؤمنين. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

المؤلف
شريعة الإسلام

المتتبع لنصوص الكتاب والسنة المطهرة واجتهادات علماء المسلمين العباقرة المتمثلة في كتب الفقه الإسلامي وغيرها يجد مصداق ذلك واضحا جليا، والأخلاق الإسلامية جاءت كذلك كاملة شاملة حيث أنها لم تدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية جسمية أو روحية دينية أو دنيوية،عقلية أو عاطفية، فردية أو اجتماعية إلا رسمت له المنهج الأمثل في السلوك الرفيع، ووضعت له الدستور القويم الذي يحقق إنسانية الإنسان في أتم وأكمل صورها.
وإذا أردنا أن نجمع صورة كاملة لذلك فعلينا بالنظر في مصدري الإسلام العظيمين كتاب الله ـ عز وجل ـ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي علاقة الإنسان بالكون والحياة، وفي علاقته بنفسه جسما أو روحا أو عقلا أو ضميرا أو وجدانا وإحساسا، وفي علاقته بأسرته أبا أو أما، أو ابنا أو أخا أو زوجا، وفي علاقته بأنظمة الحياة الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السياسية أو الدينية، في ذلك كله وفي غيره من حالات الإنسان نجد التشريع الأخلاقي في الإسلام الحنيف قد رسم الطريق في وضوح وشمول.
لقد شاء الله ـ عز وجل ـ للدين الإسلامي الحنيف أن يكون منهجا إلهيا ربانيا كاملا شاملا، عاما خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها شاء ـ جل جلاله ـ أن تكون هداية الله ـ عز وجل ـ للناس كافة
من كل الأمم ومن كل الطبقات،ومن كل الأفراد، ومن كل الأجيال.
ولقد أفاض العلماء قديما وحديثا في وصف الإسلام الحنيف بصفات الجلال والكمال لما بهرتهم أنوار عظمته، وغمرتهم بحار علمه وهدايته وقدسيته، وحسبنا هنا إيراد بعض ما قاله علم من هؤلاء الأعلام وهو الإمام ابن القيم ـ عليه رحمة الله ـ حيث يقول في وصف الشريعة الإسلامية: (فإن الشريعة معناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون،وحياة القلوب،ولذة الأرواح،وبها الحياة،والغذاء، والدواء والنور، والشفاء، والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما تبقى من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة)(2).
وقال ـ عليه رحمة الله ـ في موضع آخر: (الحمد لله الذي نزه شريعته عن التناقض والفساد، وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه، ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه، فهو نوره المبين، وحصنه الحصين، وظله الظليل، وميزانه الذي لا يعول، لقد تعرف بها إلى ألباء عباده غاية التعرف، وتحبب بها إليهم غاية التحبب، فأنسوا بها منه حكمته البالغة، وتمت بها عليهم منه نعمه السابغة، ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية، وتوحده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال،المستحق لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى وله المثل الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه، ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا الجور في أفعاله، بل هو منزه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه،تبارك اسمه، وتعالى جده، وبهرت حكمته وتمت نعمته، وقامت على عباده حجته.
والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف، فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص،مطهرة من كل دنس، مسلمة لاشية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة قواعدها ومبانيها، فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد، سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحجى لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب،وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها وباطنها أجمل من ظاهرها، شعارها الصدق وقوامها الحق، وميزانها العدل وحكمها الفصل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي، أو قياس فقيه، أو ذوق ذي رياضة، أو منام ذي دين وصلاح،بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة إليها، ومن وفق منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها، فقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيلين وأقيسة القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقيسة، والقواعد المتناقضة، والطرائق القدد وقت نزول قوله تعالى: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا](المائدة:3)؟
وأين كانت يوم قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)(3)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه(4))(5)(6).
ومهما قال القائلون في وصف الإسلام الحنيف ورسالته الخالدة وشريعته الغراء فلن يبلغوا عشر معشار ما وصفه به رب العزة ـ جل جلاله ـ إذ هو منشئه ومصدره ومنزله، فهو أعلم به علم إحاطة وشمول يناسب علمه المحيط الذي لا يمكن أن تدركه البشرية جمعاء ولا أن تحيط به عقولها القاصرة.
لقد وصفه ـ جل جلاله ـ ووصف كتابه ـ القرآن الكريم أصل الدين الإسلامي الأول وقطب رحاه ـ بجملة من الصفات العامة التي يفنى الزمان ولا تستطيع أن تحيط بكنهها العقول.

وإليك طائفة من هذه الصفات نزجيها على سبيل التمثيل لا الحصر:
قال تعالى:[يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا* فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما](النساء:174، 175)
وقال تعالى:[اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا](المائدة:3).
وقال تعالى:[يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط
مستقيم] (المائدة:15ـ16).
وقال تعالى:[وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون](الأنعام:153)
وقال تعالى:[ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين] (النحل:89).
وقال تعالى:[فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون](الروم:30).
وقال تعالى:[وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور](الشورى:52ـ53)
يمثل الإسلام للمجتمع المسلم ولكل فرد فيه العقائد الصحيحة، والقيم الفاضلة، والمبادىء الشريفة،والأخلاق النبيلة، والشرائع الميسرة الطاهرة،فالإسلام إذن قوام شخصية المجتمع المسلم، وحقيقة هويته، ومصدر شرفه وفضيلته، وسبب كرامته، وطريق حريته من عبودية الناس بإخلاص العبودية، وما من منهج في الأرض يحقق هذه الخاصيات لمعتنقيه سوى الإسلام العظيم.

التحديات التي يواجهها الإسلام داخليا وخارجيا

منهج الإسلام الكامل الشامل العظيم يتعرض لتحديات كثيرة في مسيرة الحياة تحديات من داخل المجتمع الإسلامي نفسه، وتحديات من خارج المجتمع الإسلامي، فأما التحديات من داخل المجتمع الإسلامي فتتجسم في الخروج والتمرد عليه جزئيا أو كليا افتياتا عليه واتباعا للأهواء الجامحة والجهالات المردية.
وأما التحديات التي من خارج المجتمع فتتمثل في المحاولات المستمرة والمستميتة من أعدائه للقضاء عليه بإثارة الشبهات والشكوك حوله، ورميه بأبشع التهم، وطعنه بسهام الحقد والكراهية، وأبشع ألوان الطعون، ومن ثم كان الإسلام الحنيف ومنذ نزل ـ في معركة دائمة، ومستمرة،ومتجددة، ومستميتة، ومتعددة الجوانب في كل زمان ومكان.

احتياج الإسلام إلى من يواجه به التحديات الداخلية والخارجية

الإسلام محتاج إلى من يحفظه وينقله وينشره في داخل المجتمع الإسلامي عبر الأجيال، فيعمل على ترسيخ عقائده وسيادة مبادئه ونشر تعاليمه لينفذ إلى القلوب، فيحرك المشاعر،ويفجر في روح المؤمن تلك الطاقة الحية العالية التي تشده شدا محكم الأواصر إلى عقيدته الحقة النيرة وشريعته الكاملة القويمة، وتعمق فيه روح الولاء لأمته القائدة الرائدة التي أكرمها الله ـ عز وجل ـ بهذه الرسالة الهادية، فحين يتلاقى العقل والقلب، والفكر والشعور، على فهم الإسلام، ووعي قضيته، والولاء لأمته، والتفاعل مع مبادئه ونظمه وحين يكون ذلك الفهم والوعي والولاء والتفاعل عميقا قويا شاملا فلابد أن تنبثق من ذلك روح جديدة تتسم بالإيمان الصادق، والعمل المستمر،والعزيمة القوية،وبذلك تتجدد ثقة المسلمين بمهمتهم القيادية الكبرى،وتتلاشى عوامل الانهزام الفكري والنفسي،وتزول أعراض الشعور بالنقص، وشيوع الضعف والخور، والإخلاد إلى الراحة والاستكانة إلى المتاع العاجل والتعلق بالأهواء والشهوات، والخضوع لسلطة الأقوياء، والانبهار بحضارة الأعداء، وتتقدم من جديد جذوة الكفاح الصامد لنشر الدعوة، ومواجهة التحدي، وقيادة الركب الحضاري النير الذي فتح العقول والقلوب، ورفع لواء الكرامة والعدالة والحرية، وبسط راية العلم والمعرفة والسلام في أرجاء المعمورة(7).
والدين الإسلامي محتاج إلى من ينقله وينشره خارج المجتمعات الإسلامية، فيعمل على تعميم نوره، وبث ضيائه في الآفاق باعتبار الدعوة العامة الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والدين الإسلامي محتاج إلى من يعمل على رد الشبهات عنه، وإحباط المكائد التي تحاك ضده من أعدائه، وبخاصة في الميدان الفكري والثقافي لأن أعداء الإسلام في كل عصر يحاولون بكل ما في صدورهم من حقد، وما في وسائلهم من كيد، وما في رؤوسهم من مكر أن يقصوا الناس عن الهدى، ويصرفوهم عن الإيمان، ويدفعوهم في مسالك الضلال، وطرق الشر، ومهاوي الرذيلة، ودروب الغواية.
إنهم لا يحقدون على شيء كما يحقدون على هذه العقيدة الحقة النيرة التي تحرر الفكر والوجدان،وتطهر القلوب، وتزكي النفوس، وتصحح التصورات، وتقوم الأوضاع، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له، كما تخرج البشر من أسر الطغيان، وجور النظم البشرية الفاسدة، وتشويه العقائد الزائغة إلى آفاق الحرية والكرامة والعدالة والاستقامة في ضوء شريعة الإسلام الخالدة.
وأعداء الإسلام يعرفون أنهم لا سبيل لهم إلى التسلط والاستبداد والسيطرة على زمام البشر لا سبيل لهم إلى ذلك، ما دام لهذا الدين بعقيدته وتشريعه وأخلاقه ونظمه وجود قوي، وكيان مكين ودولة وسلطان، ولذلك فإنهم يقذفون بكل قوتهم في المعركة التي يديرونها لتحطيم الإسلام،والقضاء على دعوته،وتشويه رسالته، وتدمير قوته، وتمزيق دولته(8).
ولقد شاء الله ـ عز وجل ـ لهذا المنهج الإلهي القيم القويم وهو الإسلام الحنيف كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم شاء الله ـ عز وجل ـ ألا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس إلا بالجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، فلا يتحقق منه شيء بمعجزة خارقة.
وإنما يتحقق بأن تحمله جماعة من البشر تؤمن به إيمانا كاملا، وتستقيم عليه بقدر طاقتها، وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين، وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك، تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس، وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى إلى الظلم والوقوف في وجه الهدى والنور المبين. ولا أدل على ما قلناه من قوله تعالى:[ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض](البقرة:251).
وقوله تعالى: [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت
صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا] (الحج:40).
وقوله تعالى:[إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] (الرعد:11).

علماء الإسلام هم وحدهم المعنيون لمواجهة التحديات الفكرية المناوئة للإسلام
من هم الذين يحملون هذا الدين،ويؤمنون به،ويستقيمون عليه، ويجتهدون لتحقيقه في حياتهم وحياة غيرهم،إنهم في المقام الأول العلماء وأعني بهم العلماء الذين يؤمنون بهذا المنهج إيمانا جازما، ويؤمنون بأحقيته في قيادة البشرية حيث لا يصلح لها سواه، ويعلمون طبيعة التحديات التي تواجهه، والآثار المدمرة المترتبة على هذه التحديات لو نجحت لا قدر الله، العلماء المتسلحون بأسلحة العلم حيث يعلمون أن غيرهم من المسلمين لا يملكون أن يفعلوا شيئا لهذا المنهج الإلهي الكريم رغم ما يملكون من حماس دافق، فالعلماء هم الذين يحفظون علم هذا المنهج الإلهي المستمد من مصدريه العظيمين كتاب الله ـ عز وجل ـ وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينقلونه للأجيال وينشرونه بين الناس.
والعلماء هم الذين يردون الغوي إلى الرشاد، والضال إلى الهدى والمنحرف إلى الصراط المستقيم.
والعلماء هم الذين يدفعون عن المنهج الإسلامي الرشيد تحريف
الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
والعلماء هم الذين يقفون حصنا منيعا، وسدا متينا في وجه الظلم والإلحاد والزندقة والفساد بشتى صوره وأشكاله وألوانه.

وظيفة العلماء في المجتمعات الإسلامية

العلماء هم الذين يحفظون على المجتمعات الإسلامية عقلها مخافة أن تزل أو تزيغ أو تتيه في أودية الضلال وما أكثرها من أودية.
وهم الذين يحفظون على المجتمعات الإسلامية نورها حتى لا يخبو ولا ينطفىء فتعيش في دياجير الظلام الحالك.
وهم الذين يحفظون على الأمة صراطها المستقيم حتى لا تتشعب بها السبل التي تبعدها عن صراط الله.
وهم الذين يحفظون على المجتمعات الإسلامية شخصيتها وهويتها حتى لا تميع ولا تذوب.
وهم الذين يحفظون على الأمة ضميرها حتى لا يلوث ولا يدنس بأدناس الحياة، وبالجملة فهم الذين يحفظون على الأمة عزتها، وكرامتها وحريتها، وشرفها، وسائر قيمها المتمثلة في منهجها العظيم.
هذه هي وظيفة العلماء والأمانة الغالية التي ناطها الله ـ عز وجل ـ بأعناقهم، وهذا قدرهم وحظهم في هذه الحياة، وبسبب القيام بها فضلهم، وشرفهم، وكرمهم، وأعزهم، ولو لم يكن في ذلك سوى قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في المــاء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وأن العلماء ورثة الأنبياء)(9).
أقول: لو لم يرد في فضل العلماء سوى هذا النص من النبي صلى الله عليه وسلم لكفى، فانظر كيف كرم الله ـ عز وجل ـ العلماء العاملين بعلمهم تكريما لا يسامى ولا يدانى حينما يتصور أن كل شيء في الكون يستغفر لهم، كل حصاة وكل حجر، وكل حبة وكل ورقة، كل زهرة وكل ثمرة، كل نبتة وكل شجرة، كل حيوان وكل إنسان، وكل حشرة زاحفة، وكل دابة دراجة في الأرض، وكل سابحة في الماء، وكل سارحة في الهواء، وكل ساكنة في السماء، كل هذه وغيرها تستغفر للعلماء العاملين.
وحينما يتصور أنهم أفضل بمراحل كثيرة من العباد المنقطعين للعبادة، وحينما يتصور أنهم ورثة الأنبياء أفضل خلق الله وأقربهم إلى الله ـ عز وجل ـ فأعظم بها رتبة، وأكرم بها منزلة.

الإسلام يهيب بالعلماء أن يقوموا بوظيفتهم

لقد أهاب الإسلام بالعلماء أن يقوموا بوظيفتهم في توعية المجتمع الإسلامي وتعليمه والحفاظ على مقدساته، والذود عنها ضد المغيرين والمفسدين، أهاب بهم أن يقوموا بهذه الوظيفة خير قيام، وبين لهم أنهم إن فعلوا ذلك فهم في أرقى منزلة وأسمى مكانة عند الله ـ عز وجل ـ قال تعالى:[ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين](فصلت:33).
وقال تعالى:[والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين] (الأعراف:170).

والإسلام الحنيف يدفع العلماء دفعا إلى ممارسة وظيفتهم هذه بطرق متعددة منها ما يلي:
أولا: أوجب عليهم العمل على نشر العلم وبذله وعدم الضن به، وبين لهم الأجر الجزيل الذي ينتظرهم عن ذلك:
قال تعالى:[ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين] (فصلت:33).
وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل بشيء)(10).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال عليه الصلاة والسلام: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض،حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)(11).
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته)(12).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)(13).
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه)(14).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)(15).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ـ أيضا ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده)(16) والأحاديث في ذلك كثيرة جدا.
ثانيا: أوجب عليهم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحث على ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله ـ عز وجل ـ وأحاديث كثيرة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:[ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون](آل عمران:104).
وقال تعالى:[كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله](آل عمران:110).
وقال تعالى:[والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم](التوبة:71).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)(17).
ثالثا: وعدهم بالنصر والتأييد والهداية والتوفيق بمقتضى علمه وحكمته، قال تعالى: [ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز](الحج:40)، وقال تعالى:[والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين](العنكبوت:69).
إلى غير ذلك من الآيات.
رابعا: رهبهم وخوفهم من كتم العلم والضن به،أو القعود عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يترتب على كل ذلك من الفساد الفردي والاجتماعي في المجتمع:
قال تعالى:[إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم] (البقرة:159، 160).
وقال تعالى:[إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار] (البقرة:174، 175).
وقال تعالى:[وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون](آل عمران :187).
وهذه الآية الكريمة وإن كان الكلام فيها عن أهل الكتاب إلا أن فيها كما يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: (تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم ـ فعلى العلماء أن يبذلوا ما في أيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)(18).
وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابـا منه ثم تدعونــه فلا يستجاب لكم)(19).
وروى قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية:[يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم] (المائدة:105)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه)(20).
خامسا: أن العلمـاء مسئولون لا محـالـة عن علمهم الذي علمهم الله ـ عز وجل ـ إياه،واستحفظهم عليه لأداء واجبهم تجاه مجتمعاتهم الإسلامية ودينهم الحنيف، أحفظوا أم ضيعوا؟ أدوا أم فرطوا؟.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه)(21).
وعنه صلى الله عليه وسلم قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه)(22).
وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت، فماذا عملت فيما علمت)(23).

الإسلام يهيب بالمجتمعات الإسلامية أن تحافظ على علمائها

هذا من جهة العلماء، أما من جهة المجتمعات الإسلامية فقد أفهمها الإسلام أن علماءها هم سبب رشادها، ونجوم هدايتها، وأنهم إن فقدوا صارت المجتمعات الإسلامية في ظلام حالك السواد، فإما وجود العلماء العاملين، وإما الضلال والانحراف وسوء المصير.
روي عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)(24).
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)(25).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (موت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه)(26).
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهار)(27).

ومن ثم أوصى الإسلام المجتمعات الإسلامية بجملة من الوصايا قبل علمائها منها ما يلي:
أولا: يوجب الإسلام الحنيف أن يكون في المسلمين هذا الصنف من العلماء ضرورة لوجودهم، وضرورة لحياتهم في شرف وعزة وكرامة، وضرورة لنجاتهم في الآخرة، وذلك بالترغيب في طلب العلم والحث عليه، ومدح العلماء والثناء عليهم، مثل قوله تعالى:[يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات] (المجادلة:11).
وقوله تعالى:[شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم](آل عمران:18).
وقوله تعالى:[إنما يخشى الله من عباده العلماء..](فاطر:28).
وقوله تعالى:[فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون](التوبة:122).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)(28).
ومن أجمع الأحاديث وأروعها في هذا الباب حديث أبي الدرداء المشهور الذي يقول فيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)(29).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وذلك كله حرصا على توفر هذا الصنف من العلماء الذين يعملون على توعية المجتمع الإسلامي وإمساك نوره وهداه وروحه عليه.

ثانيا: يوجب الإسلام على المجتمعات الإسلامية المحافظة على علمائها وإجلالهم وتوقيرهم واحترامهم، ويحذر من الاستخفاف بهم أو الزراية عليهم،أو إضاعتهم وعدم المبالاة بهم.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)(30).
وعن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)(31).

ثالثا: يوجب سؤالهم فيما أشكل، والرد إليهم فيما خفي، خوفا من الزيغ والضلال، قال تعالى:[فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون](النحل:43).
وقال تعالى:[ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم](النساء:83).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن عيسى ـ عليه السلام ـ قال: إنما الأمور ثلاثة:أمر يتبين لك رشده فاتبعه، وأمر يتبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالم)(32).

رابعا: يوجب طاعتهم وعدم مخالفتهم ما دامت في حدود طاعة الله ـ عز وجل ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:[يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا] (النساء:59).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، ومجاهد في إحدى الروايتين عنه [أولي الأمر] هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد
وقال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم، والسدي، ومقاتل: هم الأمراء وهو الرواية الثانية عن أحمد.
والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول
فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء..أ.هـ)(33).
ولو قيل: إنها تشمل العلماء والأمراء لكان أولى.

ما يجب على العلماء حتى يؤدوا وظيفتهم على الوجه الأكمل

لما يترتب على تفريط العلماء من انحراف العامة وضلال الأمة كان إثمهم أعظم، ووزرهم أكبر وأخطر، وعذابهم أشد وأبقى، لذلك قال صلى الله عليه وسلم موضحا مصير المفرطين من العلماء، وما ينتظرهم من سوء العاقبة وعذاب الآخرة: (يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض بالخيل في سبيل الله، ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن، فإذا قرؤوه قالوا قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: فأولئك منكم وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار)(34).
لذلك فمن اللازم للعلماء لكي يؤدوا وظيفتهم على أكمل الوجوه وأحسنها أن يكونوا في أعلى مستوى من الصلاح في خاصة أنفسهم وفي سلوكهم بين الناس، ولن يتأتى لهم ذلك إلا إذا تحلوا بجميع الفضائل جملة، وتخلوا عن جميع الرذائل جملة، وإذا كان هذا الأمر واجبا على كل مسلم، فهو في حق العلماء ألزم وأوجب، لأنهم الأئمة والقدوة في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان ـ والناس تبع لهم ينظرون إليهم على أنهم الهداة المرشدون إلى الطريق المستقيم، ويحلونهم من قلوبهم محلا رفيعا، إذا قالوا أصغوا إليهم بآذانهم، ووعت عنهم قلوبهم، وحكت عنهم ألسنتهم، وهم بهم مقتدون.
ومن ثم كان لصلاح العلماء أكبر الأثر في صلاح الناس، ولفسادهم كذلك أكبر الأثر في فسادهم، وقد أثرت عن الصحابة والتابعين روايات كثيرة بهذا المعنى.
فقد روي عن مالك رحمه الله أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اعلموا أنه لا يزال الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم)(35).
وروي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: (لله قراء، وللشيطان قراء، وصنفان إذا صلحا صلح الناس؛ السلطان والقراء)(36).
وكان يقول أيضا: (الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء، فإذا فسد العلماء فمن يشفي الداء)(37).
يجب إذا أن يكون العلماء على أعلى مستوى من الصلاح في أنفسهم وفي سلوكهم بين الناس حتى يتحقق فيهم الإمامة والقدوة، ويؤدوا وظيفتهم على أكمل الوجوه وأحسنها، يجب أن ينضح علم الإسلام على سلوكهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم هدى وتقى وزهدا وتواضعا وعفة وورعا وسكينة وخشوعا ووقارا بحيث يظهر كل ذلك في هيئتهم وسيرتهم، وسرهم وعلانيتهم، وسكونهم وحركتهم، ونطقهم وسكوتهم حتى يعرفوا بسيماهم، وحتى يكبر العلم الذي يحملونه في أعين الناس عندما يرون أثره في هؤلاء العلماء، فيكونون لهم سامعين طائعين.
كل خلق فاضل دعا إليه الإسلام فهو في حق العلماء أوجب، وكل خلق سيء نهى عنه الإسلام، فالنهي في حق العلماء آكد.
ونريد هنا أن نؤكد فقط على بعض الصفات المهمة جدا للعلماء حتى يقوموا بوظيفتهم، وحتى تؤتي جهودهم ثمارها:

أولا: الإخلاص والتجرد لله ـ عز وجل ـ:
ومعنى الإخلاص: تجريد العمل لله ـ عز وجل ـ بحيث لا يريد به الإنسان شيئا آخر سوى مرضاته ـ عز وجل ـ لا يريد به المحمدة عند الناس، ولا يريد به الحياة، ولا يريد به المنصب، ولا يريد به المال، ولا يريد به الرئاسة والشرف، بل يريد به وجه الله ـ عز وجل ـ أولا وأخيرا وجه الله سبحانه فحسب.

ومن المعروف أن الله ـ عز وجل ـ قد أوصى عباده جميعهم العلماء منهم وغير العلماء بهذا الوصف في جميع أعمالهم، وبين لهم أنه لن تقبل منهم طاعة من الطاعات إلا إذا توفر فيها الإخلاص والتجرد. قال تعالى: [فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص](الزمر:2،3).
وقال سبحانه:[وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة](البينة:5)
كما بين لهم ـ جل جلاله ـ أن عدم الإخلاص في أي طاعة من الطاعات يهبط بها، بل ويجعلها معصية شائنة لا ينال صاحبها منها إلا الفشل والخسار بعد التعب في تحصيلها والكد في أدائها.
قال تعالى:[فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون](الماعون:4ـ8).
وقال ـ جل جلاله ـ[يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا](البقرة:264).
وفي آية جامعة عامة يقول سبحانه:[من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون](هود:15، 16).
وهكذا كل عمل ديني أخروي يقصد به الدنيا لا يكون لصاحبه أدنى نصيب من الأجر، بل ينقلب معصية عليه وزرها ووبالها لأنه غلف عمل الدنيا بغلاف الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة في الدين والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب)(38).
وهذه الأحكام العامة عامة وشاملة في العلماء وغير العلماء، ولكن الإسلام لم يقف عند هذا الحد ـ ولو وقف لكان في ذلك كفاية وبلاغ ـ ولكنه خص العلماء في هذا الموضوع بجملة من الوصايا توجب إخلاص عملهم لله ـ عز وجل ـ، والتحذيرات من عدم الإخلاص والتجرد، فإن في ذلك وبالا عليهم وأي وبال!!.
ونكتفي بأن نسوق هنا بيان الحافظ الجليل ابن رجب الحنبلي ـ عليه رحمة الله ـ ففيه كفاية عن غيره.
قال رحمه الله: (طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد أفحش من طلبها بالولاية والسلطان والمال، وأقبح وأشد فسادا وخطرا، فإن العلم والعمل والزهد، إنما يطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويطلب بها ما عند الله والقرب منه والزلفى لديه).
قال الثوري: إنما يطلب العلم ليتقي الله به، فمن ثم فضل، لولا ذلك لكان كسائر الأشياء.
فإذا طلب بشيء من هذا عرض الدنيا الفاني فهو أيضا نوعان: أحدهما: أن يطلب به المال، فهذا من نوع الحرص على المال وطلبه بالأسباب المحرمة، وفي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها(39).
وسبب هذا والله أعلم أن في الدنيا جنة معجلة، وهي معرفة الله ومحبته والأنس به، والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك.
فمن دله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة.
ولهذا كان أشد الناس عذابا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها.
فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء مستقذر لا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه.
وأقبح من ذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدا.
والثاني: من يطلب بالعلم والعمل والزهد الرياسة على الخلق، والتعاظم عليهم، وأن ينقاد الخلق ويخضعون له، ويصرفون وجوههم إليه، وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء ليعلو به عليهم، ونحو ذلك، فهذا موعده النار لأن قصد التكبر على الخلق محرم في نفسه.
فإذا استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان.
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)(40)، وفي رواية: (فهو في النار)(41).
وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)(42).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويفنى ما سواه)(43).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه … وذكر منهم: ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)(44))ا.هـ.(45).
أقول: ومما ورد في ذلك أيضا من الأحاديث الشريفة ما روي عن أبي سعد بن أبي فضالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)(46).

ثانيا: موافقة الأعمال والأحوال والأقوال:
دلالة صدق العالم عند الناس فيما يدعوهم إليه، وما يوصيهم به، ويحثهم عليه هي أن تكون أفعاله وأحواله مطابقة لأقواله ووصاياه، فلا يكذب فعله قوله، ولا يخالف باطنه ظاهره،
وبعبارة أخرى لا يأمر بمعروف إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن منكر إلا كان أول منته عنه، حينئذ فقط يؤثر في الناس، ويستميلهم إلى ما يريد، أما إن كذب فعله قوله، وخالف باطنه ظاهره، وأمر بمعروف لا يفعله، ونهى عن منكر وهو ملوث به متلطخ فيه، فأنى يستجاب لقوله؟ وكيف يتأثر به الناس؟.
إن ذلك أمر أشبه بالمحال، لأنه أصبح موضع الشك والارتياب، وانتفت عنه ثقة الناس، فلا تجاوز كلماته صماخ الآذان بل يصبح ويمسي كمن يصبح في واد، وينفخ في رماد، ولا أثر لقوله ولا متأثر به، وحقا ما قال مالك ابن دينار رحمه الله: (إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر على الصفا)(47).
إن شر ما يمنى به الإسلام حقا هو أولئك الذين يأمرون بخير ويتركونه وينهون عن شر ويفعلونه، فأقوالهم أقوال الصديقين، وأفعالهم أفعال الشياطين، ورضي الله تعالى عن الإمام علي بن أبي طالب حينما قال: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه)(48).
أجل؛ فإن دعوة العلماء إلى الخير والمخالفة عنه في سلوكهم هي الآفة التي تصيب الناس بالشك والارتياب لا في الدعاة وحدهم، ولكن فيما يدعون إليه وهو الإسلام الحنيف أيضا لأنهم يسمعون قولا جميلا، ويشهدون فعلا قبيحا فتتبلبل أفكارهم، وتتملكهم الحيرة بين القول الجميل والفعل القبيح، وبالتالي يبدأ فقدهم للثقة في العلماء أولا ثم فيما يدعون إليه ويمثلونه ثانيا.
لقد استنكر الإسلام أشد الاستنكار أن يقول الإنسان ما لا يفعله، وقبح هذا الخلق وهذه الصفة أشد تقبيح، وتوعد على ذلك أشد العقاب، يقول سبحانه وتعالى مخاطبا علماء بني إسرائيل وأحبارهم في أسلوب تقريع وتوبيخ واستنكار لما اتصفوا به من انفكاك بين قول الخير والبر وفعله من أنفسهم [أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون](البقرة:44).
ويقول سبحانه وتعالى في بعض المؤمنين الذين تشبهوا بأولئك [يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون](الصف:2، 3).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت:من هؤلاء يا جبريل؟،فقال:هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به)(49).
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه)(50).
وإنما كانت مخالفة أفعال العلماء لأقوالهم محل هذا الاستنكار وسبب هذا التعذيب لأنهم عصوا ربهم عن علم وإصرار، ولكونهم قدوة الناس فقد عصى بمعاصيهم خلق كثير، إذ كانوا بمواقفهم هذه سببا للجرأة على حرمات الله والتفلت من هدى الله، فهم بهذا أئمة ضلال في أزياء المتقين وشياطين رحماء في ملابس المتنسكين!!
وفيهم يقول ابن القيم رحمه الله: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له،فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق)(51).

ثالثا: الشجاعة الأدبية:
يجب أن يكون العلماء على حظ كبير جدا من الشجاعة الأدبية أو المعنوية بمعنى أن يجهروا بالحق، وينطقوا بالصدق لا يخافون إلا الله ـ عز وجل ـ ولا يرجون سواه، هدفهم وغايتهم ومنتهى أملهم سيادة الحق أعني سيادة الإسلام وهيمنته على كل ما سواه، سواء في ذلك رضي كل الناس، أو سخط كل الناس، وسواء في ذلك عاش حياته سعيدا قرير العين أو شقيا لا يقر له قرار، فقد أوقف حياته على الدعوة إلى الله، ونذر نفسه لمرضاة الله ونصرة دينه الحنيف.
وليس معنى ذلك أن يبدأ العالم الناس بالمخاشنة والمغالظة بأمر بعيد عن وظيفته في نشر الإسلام والرد عنه فيثير حفائظهم، ويوقد أحقادهم ويلهب غضبهم، وإنما معناه أن يجهر بالحق مخلصا لوجه لله، فإن وافقه الناس في الحق الذي دعاهم إليه فبها ونعمت، وإن خالفوه وعاندوه ثبت على حقه حتى ولو عادوه لذلك وكرهوه ونصبوا له، قال تعالى: [الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا](الأحزاب:39).
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الجهر بالحق في إخلاص وأدب مهما كان ثمن ذلك الجهر.
كان صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه ويوصيهم ألا يدعوا إعلان الحق والجهر به ما دام في مصلحة سيادة الحق وانتشار الخير والفضيلة، وإزالة ومحق الشر والرذيلة حتى ولو ضحى الإنسان في ذلك بماله أو بجاهه أو بنفسه أو بكل ذلك دفعة واحدة.
روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم…. وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)(52).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع ….. ومنها قوله: وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..)(53).
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر كلمة الحق الشجاعة في وجه الطغيان أعظم أنواع الجهاد، فقد سأله أحد الصحابة قائلا يا رسول الله: أي الجهاد أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (كلمة حق عند سلطان جائر)(54).
كما يعتبر أن من تحقير الإنسان نفسه وإذلالها وإهانتها أن يرى أمرا يستطيع فيه أن يعلن بالحق ثم لا يفعل مخافة الناس!! .
كما يبين صلى الله عليه وسلم في جملة أحاديث أن الجهر بالحق لا يبعد نفعا قدره الله ـ عز وجل ـ للإنسان، ولا يجلب شرا لم يقدره الله ـ عز وجل ـ عليه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا، فكان فيما قال: (… ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)، فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا)(55).
وهكذا يجب أن يكون العلماء حتى يؤدوا الأمانات التي وضعها الله ـ عز وجل ـ في أعناقهم وناطها بهم على الوجه الأفضل المطلوب.

رابعا: الصبر على الأذى:
من المعروف أن العالم يدعو إلى الأخذ بدين الله ـ عز وجل ـ والتمسك بشرعه القويم، ومن المعروف كذلك أن الناس جميعا ليسوا على دين واحد، ولا على طريقة واحدة ولا على مذهب واحد، وإنما يختلفون أديانا ومذاهب وطرائق، ومن هنا فإن العالم سوف يلاقي الأمرين في وظيفته!!.
سوف يلاقي الكافر والمشرك والملحد والزنديق والمنافق، وسوف يلاقي الباطل على أيديهم يتبجح، والشر ينتفش، والرذيلة تستشري، وسوف يلاقي الأذى يصيبه من كل هذه الجهات، وبمختلف الوسائل، وسوف يلاقي العالم أيضا ممن لم ينالوا من التربية والعقل ما يؤهلهم لأن يدركوا مقاصده ويفهموا أفكاره فيعارضوه عن جهل، مصرين على التمسك بما وجدوا عليه آباءهم من قبل ولو كانوا على غير هدى أو ضلال مبين.
وسوف يلاقي من يقفون له بالمرصاد فيعارضونه في أفكاره،ويصادمونه في دعوته،ويقابلون كلامه بالسخرية والاستهزاء، ويتتبعون عوراته، ويتسقطون هفواته، وسوف يلاقي أيضا الحاقدين والحاسدين الذين يتألمون أشد الألم إذا ارتفع واحد من الناس عنهم، ولا يجدون راحتهم إلا إذا أنزلوه من مكانته بالطعن عليه، والتشهير به، واختلاق الأكاذيب في حقه، والإزراء لطريقته.
وكل هؤلاء وأولئك قد يعارضون العالم بالباطل، ويثيرون من حوله الزوابع والأعاصير، فإذا لم يتسلح بضبط النفس، وقوة التحمل، والصبر على الأذى حتى يجعل تلك المكاره دبر أذنيه، ومواطىء نعليه فإنه سيضطرب، وينفعل انفعالا يسد عليه مسالك تفكيره، ويقعده عن عمله ووظيفته، أو على الأقل يورثه البطء والتكاسل فيها، وعدم التحمس لها..!!
أما إذا صبر على الأذى، وراض نفسه على تحمله فإنه يستطيع أن يستمر في دعوته، ويمضي بها قدما بقلب ثابت ونفس مطمئنة، ولاشك أن النصر والظفر في النهاية لمن صابر وصبر.
لما حكى الله ـ عز وجل ـ قصة لقمان في القرآن الكريم بين أنه قرن الأمر بالصبر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور] (لقمان:17).
وما أمر لقمان ولده بالصبر عند أمره له بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لعلمه بأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لابد أن يناله من الناس الأذى والعنت والمشقة، فلابد له من الصبر الذي لا جزع معه ولا تردد ولا نكوص.
وعندما نطالع القرآن الكريم بتدبر وإمعان وروية نجد أن الله ـ عز وجل ـ يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر ويوصيه به ويحثه عليه، وخاصة في أوائل السور نزولا تلك التي كان يربي الله ـ عز وجل ـ بها رسوله صلى الله عليه وسلم لكي يقوم بالدعوة على أكمل الوجوه وأحسنها، ففي سورة المدثر وهي من أوائل السور نزولا يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:[يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر](المدثر:1ـ7).
وفي سورة المزمل يقول سبحانه وتعالى بعد عدة توجيهات من أجل الدعوة [واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا](المزمل:8 ـ10).
وفي سورة الإنسان يقول سبحانه وتعالى:[إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا] (الإنسان:23ـ24).
ويستمر هذا التوجيه الإلهي الكريم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد أن يتحمل الأمانة الغالية أمانة التبليغ والدعوة يستمر في آيات كثيرة وفي مناسبات عديدة.
فمرة يطلب منه سبحانه ألا يستخفنه تكذيبهم إياه وإيذاؤهم له على عدم الصبر،بل عليه بالصبر موقنا بوعد الله إذ يقول سبحانه [فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون](الروم:60).
ومرة ثانية يوصيه بألا يضيق صدره بمكر الماكرين، وكيد الكائدين وخيانة الخائنين، وإنما عليه أن يمضي في دعوته غير عابىء بهؤلاء ولا هؤلاء، فإنما يدعو لله ـ عز وجل ـ لا لنفسه، والله ـ عز وجل ـ هو الحافظ له من الماكرين والكائدين والخائنين، فيقول تعالى له: [واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون](النحل:127).
وقد يقع عليه الأذى لامتحان صبره، ويبطىء عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة معروفة وهي [إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون](النحل:128).
وكل ما هو موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع، وبهذا الخصوص هو موجه أيضا إلى العلماء الذين هم خلفاء الأنبياء وورثة الأنبياء وسائر الدعاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.
فلا يمكن أن يقوم بوراثة النبوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده، والصبر جنته وسلاحه، والصبر ملجأه وملاذه، (ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر)(56).
هذه هي أهم الصفات التي يجب أن تتوافر في العلماء حتى يؤدوا واجبهم في توعية المجتمعات الإسلامية على الوجه الأكمل، والله تعالى هو الموفق والمعين، ولا حول ولا قوة إلا به جل جلاله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفهرس:
المقدمة …………………………………………………
شريعة الإسلام …………………………………………..
التحديات التي يواجهها الإسلام داخليا وخارجيا ………………
احتياج الإسلام إلى من يواجه به التحديات ……………………
علماء الإسلام هم وحدهم المعينون لمواجهة التحديات ………….
وظيفة العلماء في المجتمعات الإسلامية ………………………..
الإسلام يهيب بالعلماء أن يقوموا بوظيفتهم …………………..
الإسلام يهيب بالمجتمعات الإسلامية أن تحافظ على علمائها……….
ما يجب على للعلماء حتى يؤدوا وظيفتهم على الوجه الأكمل……..
الأول: الإخلاص والتجرد………………………………….
الثاني: موافقة الأعمال والأحوال والأقوال …………………….
الثالث: الشجاعة الأدبية …………………………………..
الرابع: الصبر على الأذى ………………………………….
الفهرس ………………………………………………..
ـــــــــــــــــــ
الحواشي:
( ) رواه البخاري ـ كتاب العلم (1/125 رقم69 )، ومسلم ـ كتاب الزكاة (5/241 رقم1721).
(2) إعلام الموقعين لابن القيم (ج3/ص3).
(3) رواه ابن ماجة(1/50 رقم43)، وأحمد(35/7 رقم16519)، والحاكم(1/321 رقم303) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (4369).
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه (11/125) ولفظه: (إلا قد بينته لكم)،ولم أقف على صحته.
(5) إعلام الموقعين لابن القيم (ج3/ ص206،207).
(6) وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه..)(رواه ابن أبي شيبة (8/129)، وعبد الرزاق في مصنفه (11/125) والبيهقي في شعب الإيمان (26/310 رقم 9989) واللفظ له، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6/865 رقم2866).
(7) كتاب لمحات في الثقافة الإسلامية لعمر عودة الخطيب ص6، 7.
(8) كتاب لمحات في الثقافة الإسلامية لعمر عودة الخطيب ص118 بتصرف.
(9) رواه أبو داود (10/49 رقم3157)، والترمذي (9/296 رقم2606)،وابن ماجة (1/259 رقم 219)،وأحمد (44/192رقم 20723)، وابن حبان(1/171 رقم88)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (6297).
(10) رواه ابن ماجة(1/279رقم 236)وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(ج1رقم 959)
(11) رواه الترمذي (9/299 رقم2609)، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4213).
(12) رواه الطبراني في الكبير (7/99 رقم7346) بإسناد لا بأس به، وخرجه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1رقم 86)، وقال: حديث حسن صحيح.
(13) رواه أبو داود(10/76 رقم3175)، والترمذي (9/259 رقم2581)، وابن حبان (1/136 رقم6) وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وخرجه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(ج1 رقم89) وقال حديث حسن صحيح.
(14) رواه أبو داود (3/322 رقم3660)،والترمذي (5/33 رقم 2656) وحسنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1/90).
(15) رواه مسلم ـ كتاب العلم (13/164) رقم (4831).
(16) رواه مسلم ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (13/212) رقم (4867).
(17) رواه مسلم ـ كتاب الإيمان (1/167) رقم (70).
(18) رواه أبو داود(10/73رقم3173)،وابن ماجة(1/308 رقم260)،وأحمد(15/296 رقم7255) ورواه الحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (1/335 رقم315)، والطبراني في الكبير (7/392)،والبيهقي في شعب الإيمان(4/266 رقم1702)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1 رقم 120).
(19) رواه الترمذي (8/75 رقم2095)، وحسنه الألباني في جامع الترمذي (4/468 رقم2169).
(20) رواه الترمذي (8/73 رقم2094) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة(4/88رقم 1564)
(21) رواه الترمذي (8/443 رقم2341)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1، رقم126)
(22) رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق (11/46 رقم3027).
(23) جامع بيان العلم وفضله (1/2).
(24) رواه البخاري ـ كتاب العلم (1/141 رقم77).
(25) رواه البخاري ـ كتاب العلم (1/176رقم 98)،ومسلم ـ كتاب العلم (13/160رقم4828).
(26) إحياء علوم الدين (1/11).
(27) جامع بيان العلم وفضله (1/153).
(28) رواه البخاري ـ كتاب العلم (1/126رقم69)،ومسلم ـ كتاب الزكاة (5/241رقم 1721).
(29) رواه أبو داود(10/50 رقم3158)،والترمذي(9/243رقم2570)،وابن ماجة(1/259 رقم219) وصححه الألباني في صحيح الجامع (6297).
(30) رواه أحمد (46/239 رقم 21693)، حسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم5443).
(31) رواه أبو داود(12/473 رقم4203)،وحسنه الألباني في سنن أبي داود (4/261رقم4843).
(32) رواه الطبراني في الكبير بسند لا بأس به (9/195رقم10623)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب: ضعيف جدا (ج1 رقم116).
(33) إعلام الموقعين لابن القيم (1/37).
(34) رواه أبو يعلى (13/440 رقم6556)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ج7 رقم3230).
(35) جامع بيان العلم وفضله (1/185).
(36) حلية الأولياء (7/9).
(37) حلية الأولياء (7/6).
(38) رواه أحمد (43/234 رقم20276)، وابن حبان (2/300 رقم406)، والحاكم (18/267 رقم 8009)، والبيهقي في شعب الإيمان (14/358 رقم6566)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1 رقم23).
(39) رواه أبو داود(10/82 رقم3179)،وابن ماجة(1/294رقم248)،وأحمد (17/145 رقم8103) والحاكم (1/277 رقم264) وقال:صحيح على شرط البخاري ومسلم،وابن حبان (1/152 رقم78)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(ج1رقم105).
(40) رواه الترمذي (9/255 رقم2578)، وحسنه الألباني في جامع الترمذي (5/32 رقم 2654).
(41) رواه ابن ماجة (1/295 رقم249)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6382).
(42) رواه ابن ماجة(1/296 رقم250)، وابن حبان (1/151 رقم77)، والبيهقي (4/290 رقم1725) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1 رقم107).
(43) رواه الدارمي في سننه (1/ 288 رقم261).
(44) رواه مسلم ـ كتاب الإمارة (10/9) رقم (3527).
(45) عن كتاب شرح حديث: (ذئبان جائعان…) لابن رجب الحنبلي، وهو مدرج ضمن كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/175، 176) ط دار الكتب العلمية ـ بيروت 1398هـ.
(46) رواه الترمذي(10/429 رقم3079)، وحسنه الألباني في سنن الترمذي(5/314 رقم3154).
(47) هداية المرشدين ص90.
(48) هداية المرشدين ص94.
(49) رواه البيهقي(10/463 رقم4757)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج1 رقم125)
(50) رواه البخاري ـ كتاب بدء الخلق (11/46 رقم3027)، ومسلم ـ كتاب الزهد والرقائق (14/261 رقم5305).
(51) هداية المرشدين ص92.
(52) رواه البخاري ـ كتاب الأحكام (22/140 رقم6660)، ومسلم ـ كتاب الإمارة (9/373 رقم3426).
(53) رواه أحمد (43/413 رقم20447)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (5/199 رقم 2166)
(54) رواه النسائي (13/121رقم4138)،وصححه الألباني في سنن النسائي (7/161 رقم4209).
(55) رواه ابن ماجه (12/11 رقم3997)، وصححه الألباني في سنن ابن ماجة (2/1328رقم 4007)
(56) رواه البخاري ـ كتاب الزكاة (5/318 رقم 1376)، ومسلم ـ كتاب الزكاة (5/274 رقم 1745).

ظ
الحمد لله رب العالمين وصلى آله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لا يخفى على كل ذي لب فضل العلم والعلماء، ولذا يدعيه كل إنسان لنفسه حتى الجاهل لا يرضى أن يقال عنه أنه جاهل بل يفرح حينما يقال عنه عالم. قال علي ت “كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه هو فيه ويغضب إذا نسب إليه”([1]).
والعلم من أعظم جوانب بناء النفس وتزكيتها، فبه يعرف العبد ربه، وبه يعرف الحق من الباطل، وبه يميز الحلال من الحرام.
والمرأة شريكة الرجل في مضمار العلم، وهي مخاطبة بما يخاطب به الرجل في هذا الباب وقد جاءت الشريعة لتبين حرص الرعيل الأول من النساء على طلب العلم ونشره ليس فقط في أوساط النساء بل تعدى الأمر أن ينشرن ما تعلمنه من النبي ه بين الرجال بل والأعظم من ذلك أنهن تركن الأوطان والأحباب والخلاَّن ورحلن من أجل ذلك.
ولقد كان للعلم أثر على حياة المرأة المسلمة في عهد النبي ه، ونحن من خلال هذه الرسالة سنبين بعض جوانب آثار العلم على المرأة المسلمة في عهد النبوة وما بعده لنشحذ همم طالبات العلم الشرعي أن يتخلقن بأخلاق أسلافهن من الصحابيات والتابعيات وغيرهن ممن ظهر أثر العلم على أخلاقهن وسلوكهن.
وقد جعلت هذه الرسالة في تمهيد وأربعة مباحث:
التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بالعلم الشرعي.
المطلب الثاني: فضل طلب العلم الشرعي.
المطلب الثالث: وسائل طلب العلم الشرعي.
المبحث الأول : أهمية تعليم المرأة العلوم الشرعية، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم تعليم المرأة المسلمة.
�المطلب الثاني: المرأة وطلب العلم الشرعي.
�المطلب الثالث: لماذا تطلب المرأة العلم الشرعي.
المبحث الثاني: ملاحظات وآداب لطالبة العلم الشرعي، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول : في ذكر بعض الآداب التي ينبغي للمرأة مراعاتها عند طلبها للعلم.
المطلب الثاني: أخطار في طريق تعليم المرأة.
المبحث الثالث: تعليم المرأة في زمن النبوة، ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: واقع تعليم المرأة المسلمة في عهد النبوة.
المطلب الثاني: مقارنة بين طلب المرأة للعلم قديماً وحديثاً.
المطلب الثالث: دور المرأة المسلمة في العلم والتعليم في عهد النبوة.
المطلب الرابع : جهود نساء السلف في نشر العلم الشرعي في العصور الإسلامية.
المبحث الرابع: الآثار المترتبة على تعلم المرأة العلم الشرعي، ويشتمل على تسعة مطالب:
المطلب الأول: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة كزوجة.
المطلب الثاني : أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة كأم.
المطلب الثالث: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المعلمة.
المطلب الرابع: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة فيما بينها وبين أبويها.
المطلب الخامس: أثر العلم الشرعي على حياتها فيما بين إخوانها وأخواتها.
المطلب السادس: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة الطالبة.
المطلب السابع: أثر العلم الشرعي عليها مع ولاة أمورها.
المطلب الثامن: أثر العلم الشرعي على حياتها مع خادمها.
المطلب التاسع : أثر العلم الشرعي في الحياة الدينية للمرأة المسلمة بصفة عامة والتي هي الطريق إلى الحياة الأخروية الأبدية.
*
التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بالعلم الشرعي:
العلم الشرعي المراد به “علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى”, فعن معاوية بن أبي سفيان ت قال: سمعت النبي ه يقول:( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)([2]).
وعن أبي الدرداء ت قال سمعت رسول الله ه يقول:(إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) ([3]).
والعلم الذي ورثه الأنبياء إنما هو علم الشريعة, فالأنبياء ما ورثوا للناس علم الصناعات وما يتعلق بها، ولو كان هذا هو العلم الذي عليه الثناء لكان الرسول ه أعلم الناس به, فالرسول ه كما في حديث أنس ت حين *قدم المدينة وجد الناس يؤبرون النخل قال لهم: “لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ” قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: “مَا لِنَخْلِكُمْ؟” قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ”([4]).
أما العلوم الأخرى كالطب والهندسة والزراعة وغيرها من العلوم* فقد ذكر أهل العلم أن تعلمها فرض كفاية,وذلك لأن الناس لابد لهم منها.
والمقصود بالعلم الشرعي الذي فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله. هو فقه كتاب الله وسنة رسوله, وماعدا ذلك فإما أن يكون وسيلة إلى خير أو وسيلة إلى شر, فيكون حكمه بحسب ما يكون وسيلة إليه([5]).
*
المطلب الثاني: فضل طلب العلم الشرعي:
العلم له مقام عظيم في شريعتنا الغراء، فقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تحث عليه وترغب فيه وأثنت على أهله فجعلتهم ورثة الأنبياء، وفضلت العالم على العابد كما بين السماء والأرض . والعلماء هم أمناء الله على خلقه ،‏ وهذا شرف للعلماء عظيم ، ومحل لهم في الدين خطير ؛لحفظهم الشريعة من تحريف المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، والرجوع والتعويل في أمر الدين عليهم ، فقد أوجب الحق سبحانه سؤالهم عند الجهل ، فقال تعالى:{فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}([6]).
وهم أطباء الناس على الحقيقة ، إذ مرض القلوب أكثر من الأبدان ، فالجهل داء ، والعلم شفاء هذه الأدواء ،كما قال رسول الله ه:(فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ) ([7]).
وهذه جملة من بعض فضائل العلم:
1 ـ العلم مقدَّم على العمل: سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ
به {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}[ محمد:19 ] فأمر بالعمل بعد العلم ([8]) .
وقد بوَّب الإمام البخارى بابًا فقال: ” باب العلم قبل القول والعمل” ، لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}[محمد:19]، فالعلم مقدم على القول والعمل ، فلا عمل دون علم.
2 ـ العلم نور البصيرة : العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه، وكيف يعامل عباده، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة، وليس البصر بصر العين، ولكن بصر القلوب، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] ؛ وهو كذلك نور يهتدي به الإنسان، ويخرج به من الظلمات إلى النور، ولذلك جعل الله الناس على قسمين : إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى:{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [الرعد:19] .
3 ـ العلم يورث الخشية من الله تعالى: الخشية من الله هي صمام الأمان الذي يقي العبد من الوقوع في الغواية , فمن خاف الله تحاشى مخالفته وثبت على طاعته , قال الله تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}[فاطر: 28]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}[ الإسراء : 107-109 ]، والعلم الحقيقي هو ما يورث الخشية ورقة القلب.
يقول الحسن : “إن كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده”([9]).
والمعنى من هذا الإيراد : أن الضلالة والتفريط في الهداية إنما يأتي بسبب الجهل , فتبا للجهل ماذا يفعل بأصحابه. وما أجمل ما قاله الشافعي **× :
اصبر على مر الجفا من معلم

****
فإن رسوب العلم في نفراته

وم ن لم يذق مر التعلم ساعة

****
تجرع ذل الجهل طول حياته

وم ن فاته التعليم وقت شبابه

****
فكبر عليه أربعا لوف اته([10])

4ـ طلب الاستزادة من العلم: لم يأمر الله تعالى في كتابه بطلب الزيادة إلا من أمرين هما : التقوى كما في قوله تعالى {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}[ البقرة: 197] *والعلم كما في قوله تعالى:{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[ طه: 114] فكفى بها من منقبة عظيمة للعلم ، قال القرطبي × “فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه ه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم”([11]).
5 ـ العلم أفضل الجهاد : الجهاد أنواع منه الجهاد بالحجة والبيان ،وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء ،وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان ، لشدة مؤنته، وكثرة العدو فيه قال تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}[الفرقان : 51-52].
يقول ابن القيم:” فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا ، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين ، بل كانوا معهم في الظاهر ، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ، ومع هذا فقد قال:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [التوبة : 73] ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن.والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ،ودعوة الخلق به إلى الله”([12]).
6 ـ التنافس في بذل العلم : عن عبد الله بن مسعود ت قال: قال النبي ه:(لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهْوَ يَقْضِي بِهَا
وَيُعَلِّمُهَا) ([13]). فلم يجعل الله التحاسد إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، وهذا لشرف الصنيعين، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير .
7 ـ العلم والفقه في الدين أعظم منّة : من رزق فقهًا في الدين فذاك الموفق على الحقيقة ، فالفقه في الدين من أعظم المنن. فعن معاوية بن أبي سفيان ت قال: سمعت النبي ه يقول:( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)([14]).
8 ـ العلم مقدم على العبادة : من فضائل العلم أنه أفضل من العبادة، وأن العالم مقدم على العابد. ففي حديث أبي الدرداء ت:(وَفَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ)([15]). وفي حديث أبي أمامة ت:(فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) ([16]). وذلك لأن العلم يسبق العمل، ويدل عليه، ويرشد إليه، فهو دليل له من ناحية، وشرط لقبوله من ناحية أخرى، فلا عمل بلا علم، وقد يوجد علم بلا عمل، والمعنى: أنه كلما وجد العمل لزم وجود العلم، بخلاف عكسه، ولهذا قيل: العلم بدون عمل جنون، والعمل بدون علم لا يكون.
المطلب الثالث: وسائل طلب العلم الشرعي:
وسائل طلب العلم اليوم كثيرة والحمد‎ ‎لله ومن الوسائل المفيدة للفتاة في طلب العلم الشرعي وتحصيله ما يلي:
1- القراءة والإطلاع مع أنه لابد من مراعاة جانبين هما:
الأول: أن تكون الكتب موثوقة ويستشار في اختيارها واقتنائها.
الثاني :* أن تراعى من تطلب العلم التدرج في قراءة الكتب والسير على منهجية واضحة.
2- سماع الأشرطة العلمية وبخاصة وللعلماء وللمشايخ الموثوقين المعروفين بالعلم وسلامة المنهج تلك الأشرطة التي تشرح المتون العلمية والأحاديث مع الحرص على التدوين مع المشايخ في الكتاب المسموع.
3- الاستفادة من المواقع العلمية الموجودة في الإنترنت كمواقع المشايخ والعلماء ومواقع المكتبات الإسلامية .
4- الدراسة في الجامعات والكليات الشرعية والاهتمام بضبط مناهجها ففيها الخير الكثير.
5- التدارس مع الزميلات وعقد الجلسات والدروس العلمية والقراءة المشتركة في الكتب.
6- حضور بعض الدروس العلمية التي يكون فيها مكان مخصص للنساء.
7- تنظيم الوقت والحزم مع النفس فيه.
‏8- الالتحاق بحلقات المساجد والمراكز النسائية التي‎ ‎يشرف عليها بعض أهل العلم الربانيين بشرط توفر الشروط وانتفاء المحاذير الشرعية.
*
*
*
*
*
*
*
*
*
‏المبحث الأول: أهمية تعليم المرأة العلوم الشرعية، وتحته ثلاثة مطالب:
�************** المطلب الأول: حكم تعليم المرأة المسلمة:
يعترف المربون المسلمون بحق المرأة في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة وهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة. فالتكاليف الشرعية موجهة للرجال والنساء جميعا ، وإن كان أكثر النصوص فى القرآن والسنة تتحدث عن الرجل ، لأنه الأصل وكل من بعده تبع له قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1]، وفى بعض الأحيان تنزل نصوص تتحدث عن الجنسين لوجود سبب يدعو إلى ذلك.
وطلب العلم واجب لمعرفة ما أمرنا الله باتباعه مما أنزله على رسله المبشرين والمنذرين ، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى دليل ،وأكثر النصوص الواردة تبين فضل المتعلم على غيره والرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد جاء في حديث أنس ت قال: قال رسول الله ه 🙁 طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ([17]). أما زيادة لفظة “ومسلمة” فهي مضافة حكما لا رواية.
ويجب على الزوج أن يعلم زوجته القدر الضروري الذي تصحح به عبادتها وتؤدى به واجبها المنوط بها ، وذلك إما بنفسه هو أو بمن يستعين به ، فإن لم يفعل كان لها أن تخرج لطلب العلم الواجب ولا يجوز أن يمنعها منه وعليها أن تلتزم بكل الآداب الواجبة لكل خروج من بيتها ، من الحشمة والعفة والأدب وعدم المغريات من عطر نفاذ أو قول خاضع ، أو خلوة مريبة ، أو تزاحم متعمد، مع التأكد من الأمن عليها من الفتنة والفساد .فتتعلم ما هي مكلفة بأدائه من شؤون الإسلام وشؤون الأسرة؛ لتتمكن
من القيام به على الوجه المرضي شرعاً.
*
المطلب الثاني: المرأة وطلب العلم الشرعي:
*من خلال بيان حكم تعلم المرأة يمكننا أن نقول بأن المرأة إن لم تكن‎ ‎على علم بكتاب ربها وسنة نبيها ‏ه وعلى منهج سلف الأمة فلن تستطيع أن توجد لنا الأجيال الصالحة ، ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقال, فهي تربي الأجساد وتسمنها،‎ ‎أما الأرواح ‏والنفوس فلن تستطيع تربيتها البتة بدون علم شرعي وهذه المسؤولية‎ ‎الكبرى الملقاة على عاتقها ‏حذر منها النبي ه‏ حيث قال: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) ([18]). فتعليم المرأة لا يقل أهمية عن تعليم الرجل ، فالمرأة إذا كانت جاهلة ، فلن تعلم ما كلفت به من الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام.
وجهل المرأة يسبب شقاء الأمة، لأن الطفل لا يتلقن من أمه أكثر مما تعرفه ، فإذا كانت جاهلة نشأ الطفل جاهلاً. وإذا كانت الأم متعلمة وعالمة بواجبات الدين، متمسكة بالأخلاق الفاضلة، فإنها تغرس العلم في طفلها ، ويبقى ما تعلمه في حافظته.
ولهذا عرف المسلمات الأوائل أهمية التعليم وفضله، فكن ينهلن من العلم ويتنافسن فيه، وكان الرسول **ه يشجعهن على ذلك ، ويسمح لهن بحضور مجالس العلم .
وقد نهل النساء المسلمات في الصدر الأول وما بعده من النبع الصافي حيث ظهر منهن النابغات في مختلف العلوم والفنون ، ومنذ العصور الإسلامية والمرأة تقرأ وتكتب وتجاهد الأعداء وتشارك في الحروب والغزوات وتقوم بمهمة التطبيب والتمريض، وبرز من النساء المفسرات والفقيهات وراويات الشعر والأخبار وعالمات الأنساب، وأسهمت المرأة في نقل الأحكام إلينا عن طريق السند حيث كان منهن النساء الثقات المحدثات، ولاسيما ما يخص أحكام النساء والبيوت، وكان جل الصحابة والخلفاء ي **يرجعون إلى أمهات المؤمنين، وعلى رأسهن عائشة وحفصة وأم سلمة رضى الله عنهن يستفتوتهن عما خفي عليهم من أحكام دينهم أو غاب مما له صلة بالمرأة ، واشتهر منهن جماعة برواية حديث رسول الله ه والتفسير والأدب وسائر العلوم الدينية والعربية.
فالحاصل أن حاجة المرأة إلى العلم الشرعي لا تقل أهمية عن حاجتها للمأكل والمشرب والملبس والدواء‎ ‎حتى ‏تحقق الغاية التي خلقت من أجلها وهي تحقيق‎ ‎العبودية التامة لله رب العالمين سواء كانت أما أو زوجة‎ ‎أو أختا أو بنتا.
*
المطلب الثالث: لماذا تطلب المرأة العلم الشرعي:
قال الله تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزمر:9] دلت هذه الآية الكريمة على نفي الله سبحانه وتعالى للتسوية بين من يعلم ومن لا يعلم, وبالتالي للعلم فضل لا يخفى على أحد والآية تعم في ذلك الرجال والنساء , فالنساء اللواتي يعلمن لسن كأحد من النساء اللواتي لا يعلمن .
لكن لماذا تطلب المرأة العلم : نقول تطلب المرأة العلم لأمور كثيرة منها ما يلي:
1- إدراك فضيلة العلم الشرعي كما بينا ذلك في مطلب فضل طلب العلم.
2- العلم الشرعي من أعظم الوسائل المعينة على الثبات والتعبد لله على بصيرة وسنة ، والوقوف أمام الحملات المستعرة ضد المرأة المسلمة من خلال تلك الهجمات على المسلمات والثوابت الشرعية من خلال إثارة الشهوات والشبهات.
3- العلم الشرعي يزيد الأيمان عند طالبته, فمعرفة الله توجب محبته ومحبته توجب طاعته وبالطاعة يزيد الإيمان .
4- رفع الجهل عن نفسها فتعرف أحكام العبادة والطهارة وغيرها من الأمور الشرعية وبتبليغها لهذا
العلم ترفع الجهل عن النساء أمثالها وربما يتعدى النفع إلى أكثر من ذلك .
5- المرأة هي أساس البيت وهي التي تتولى تربية أبنائها , فلذلك على المرأة أن تتعلم العلم لكي تنتج جيلاً صالحاً متعلماً يعيد للأمة مجدها وعزتها.
6- العلم سلاح للمرأة تشهره في وجه أرباب الفتن وأصحاب القلوب المريضة , وهو درعها الواقي من الحملات التي تشن على المرأة المسلمة من أعداء الدين والفضيلة.
7- تتعلم المرأة العلم لإصلاح الفساد الذي ملأ أوساط النساء فأكثر المخالفات الشرعية تكون عند النساء والعمل بغير علم , فتقوم المرأة المتعلمة بذلك مما يسد ثغرا من هذه الثغور .
8- تتعلم المرأة العلم لتؤدي حقوقها كابنة وزوجة وأم , فالابنة عندما تتعلم تعرف حقوق والديها وإخوانها وجميع أرحامها فتعاملهم بالمعروف , والزوجة عندما تتعلم تعرف حقوق زوجها وواجب طاعته وتكون عوناً لزوجها على الخير, والأم عندما تتعلم تحسن تربية أبنائها وتؤدي إليهم حقوقهم .
9- تتعلم المرأة العلم لتبتعد عن مغبة العمل بغير علم واتباع الهوى ولكي تعبد الله على بصيرة ونور .
10- تتعلم المرأة العلم لتشغل نفسها بالحق قبل أن تشغلها بالباطل فالفراغ مفسدة. وقد قال بعض الحكماء : “إن لم يكن الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة”([19]).
11- تتعلم المرأة العلم لتزكي به نفسها قال ابن تيمية في المنهاج :” ولهذا تجد أهل الانتفاع به (يعني العلم) يزكون به نفوسهم ، ويقصدون فيه اتباع الحق لا اتباع الهوى ويسلكون فيه سبيل العدل والإنصاف ، ويحبونه ويتلذذون به ، ويحبون كثرته وكثرة أهله ، وتنبعث هممهم على العمل به وبموجبه ومقتضاه، بخلاف من لم يذق حلاوته وليس مقصوده إلا مالاَ أو رياسة ، فإن ذلك لو حصل له بطريق
آخر سلكه ،وربما رجحه إذا كان أسهل عليه”([20]).
12- تتعلم المرأة العلم لتقتدي بسلفها الصالح* فقد كان لهن في طلب العلم شأن عجيب وخير دليل على ذلك كتب السير والتاريخ فمنهن المحدثات ومنهن المفسرات وغير ذلك ,وعلى رأسهن زوج النبي ه عائشة ل فقد قال عنها عروة بن الزبير:”ما رأيت أحداً أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث عرب ولا بنسب من عائشة”([21]).*
16- تتعلم المرأة العلم لتكون سبباً في حفظ شريعة الله , وإظهار الحق وتبيينه وتزيينه وإبطال الباطل ودحضه بكل ما تقدر عليه من عبارة وبرهان وغير ذلك.
*ففوائد طلب العلم بالنسبة للمرأة كثيرة لا يمكن أن نحصيها لكنها تستشعرها هي عندما تخوض هذا الأمر , فأوصي النساء بأن يحرصن على طلب العلم والإخلاص فيه, والعمل بما يعلمن , والتوقف عند عدم العلم* فتقول لا أعلم فهي نصف العلم , وليشحذن الهمة في طلب العلم فالأمة بأمس الحاجة لهن.
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
المبحث الثاني: ملاحظات وآداب لطالبة العلم الشرعي، وتحته مطلبان:
المطلب الأول: في ذكر بعض الآداب التي ينبغي للمرأة أن تتحلى بها عند طلبها للعلم:
لطلب العلم جملةً من الآداب ينبغي لطالبة العلم أن تتحلى بها ومن هذه الآداب ما يلي:
أولاً: الصبر: إن طلب العلم من معالي الأمور، والعُلَى لا تُنال إلا على جسر من التعب، فلئن كان الجهاد ساعةً من صبر ، فصبر طالبة العلم إلى نهاية العمر. قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[ آل عمران:200].
ثانياً : إخلاص العمل : ليكن قصد المرأة بطلبها للعلم وجه الله والدار الآخرة ، ولا يكون همها حب الظهور والاستعلاء على الأقران فقد قال رَسُولُ اللَّهِ ه:(مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) ([22]).
ثالثاً : العمل بالعلم : العمل بالعلم هو ثمرة العلم ، فمن علم ولم يعمل ففيه شبه من اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثلٍ في كتابه فقال :{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة الجمعة : 5].
رابعاً : دوام المراقبة : على المرأة أن تتحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن ، سائرة إلى ربها بين الخوف والرجاء ، فإنهما للمسلمة كالجناحين للطائر ،وليمتلئ قلبها بمحبته،والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحِكَمِه.
خامساً: اغتنام الأوقات: عن أبي الدرداء ت قال: قال رسول الله ه:(لَنْ تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ) ([23]). عمر المرأة هو رأس مالها الذي ينفق منه، ومهما كثُر فهو قليل، ومهما طال فهو قصير، والآمال
تختمها الآجال، ومن هنا حض الإسلام على المُبادرة بالعمل الصالح وعدم ضياع أي لحظة من لحظات العمر في غير ما يفيد. قال الحسن البصري × “يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك وقال: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم”([24]). وعن نعيم بن حماد × قال: “قيل لابن مبارك: إلى متى تتطلب العلم ؟ قال: حتى الممات إن شاء الله “([25]).
سادساً : الاعتناء بالأهم فالأهم: ينبغي للمرأة عدم التشاغل في بداية الطلب بالاختلاف بين العلماء، فإنه يضيع زمانها ويفرق ذهنها، بل تعطِ الكتاب الذي تقرؤه أو الفن الذي تطلبه حقه من القراءة والاطلاع حتى تُتقنه، ولتحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح. وعليها أن تعتني من كل علم بالأهم فالأهم .
*
المطلب الثاني: أخطار في طريق تعليم المرأة:
لقد جعل الإسلام للمرأة حقاً في أن تأخذ نصيبها من التعليم في إطار الآداب والضوابط الشرعية التي سبق بيانها. إلا أن هناك بعض المخاطر التي تواجه تعليم المرأة ومن هذه المخاطر ما يلي:
1 ـ التأثر بالثقافة الغربية: لقد كان التأثر بالمنهج الغربي واضحاً ظاهراً في بعض البلدان حيث وضع المرأة بجانب الرجل، وأخرج المرأة من البيت وفرض الاختلاط في المجتمع وقضى على الرسالة الأساسية للمرأة وهي تربية الجيل في مملكتها الخالدة البيت.
2 ـ انعكاس الغزو الفكري على تعليم المرأة: لقد أحدث الغزو الفكري للعالم الإسلامي، انقلاباً جذرياً في تربية أجيالها، وانتشرت المدارس التبشيرية، وكثرت الإرساليات إلى البلاد الإسلامية، وجاء المستعمر بنظم ومناهج وعلوم غير تلك التي كانت تدرس في المساجد، أو في المعاهد والمدارس الإسلامية.
3 ـ العزوف عن الزواج: من أكبر الأخطار التي تواجه المرأة عزوفها عن الزواج بغية تحصيل
الشهادات بالتقليد أكثر مما يصاب به الرجل.فالتعليم يجب أن يكون بمقياس معين، أو بحد معين، وإلى حد ومستوى معين، أما أن تكون المرأة ذات طموح بحيث لا تقف عند حد ولا شهادة ولا مؤهل ولا نوع من الفنون التي لا تحتاج إليها فهذا خطر على الفتاة لأنه يذهب بزهرة شبابها، فلا تكاد تكمل المرحلة التي تطمح إليها إلا وقد كبرت سنها فأصبحت لا يرغب فيها الرجال، وهذا من أعظم الأخطار التي تواجه الفتاة.
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
المبحث الثالث: تعليم المرأة في زمن النبوة، وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: واقع تعليم المرأة المسلمة في عهد النبوة:
لقد كرم الله المرأة تكريماً لم تعرف البشرية له مثيلاً، وعاشت قروناً طويلة تتفيأ نعمة الله عليها بالإسلام فغدت مصونة مكرمة ، أبدلها ربها بخوفها أمناً، وبذلها عزاً، وبجهلها علماً.
وطلب العلم بمفهومه الشامل و الواسع في الإسلام لم يقتصر على الرجال فقط بل هو فريضة على كل مسلم ومسلمة فلا يفرق الإسلام بينهما في هذا الحق، فكلاهما مأمور بأن يتعلم الحلال والحرام، ليكونا على نور من أمر الدين،. فالمرأة شأنها شأن الرجل مطالبة بتعلم أمور دينها و التفقه فيه، فالخطاب الموجه إلى الإنسان في القرآن الكريم بالقراءة و التعلم يشملها دون أدنى فرق.
وإن قضية تعليم المرأة وحسن تربيتها وتأهيلها لتقوم بما أوجب الله عليها لمن كبرى القضايا وعظائم المهمات. وقد وعد النبي ه من فعل ذلك بالجنة، قال ه:(مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)([26]). كما وعده بمضاعفة الأجر وإجزال المثوبة، قال ه:( أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ([27])فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ)([28]) .
وكان ه حريصاً على تعليم المرأة وإسماعها الخير. فعن جابر بن عبد الله ت قال:(قَامَ النَّبِيُّ **ه يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ : لاََ وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ تُلْقِي فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ قُلْتُ أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ وَمَا
لَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَهُ)([29]) .
وقد بلغ حرص المسلمات الأوائل على العلم أن طلبن من النبي ه أن يعقد لهن مجالس خاصة بهن لتعليمهن. فعن أبي سعيد الخدري ت قال:(جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ **ه **فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَقَالَ اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ ه فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ.. )([30]). *
ومن ذلك أيضاً حرص النساء على العلم والسؤال عما أشكل عليهن: كما في حديث أم سلمة *ل قالت:(سَمِعْتُ النَّبِيَّ ه يَنْهَى عَنْهَا؛ أي ركعتين بعد العصر ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ) ([31]).قال ابن حجر “وفيه ترك تفويت طلب العلم وإن طرأ ما يشغل عنه وجواز الاستنابة في ذلك 0 وفيه المبادرة إلى معرفة الحكم المشكل فراراً من الوسوسة “([32]).
ومن ذلك أيضاً حرص النساء على تعليم العلم بكل الوسائل كما في حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن
بن عوف قال :(دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ه فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ)([33]). قال القاضي عياض “ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمحرم لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع أرضعته أختها أم كلثوم وإنما سترت اسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه قال وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرتهما معنى “([34]).. وقال ابن حجر:”وفي فعل عائشة ل دلالة على استحباب التعليم بالفعل لأنه أوقع في النفس”([35]).
ومن ذلك حرصهن على تعلم أمور دينهن كما في حديث عائشة ل قالت:(نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ)([36]).
وبهذا يتبين لنا حرص النبي ه كل الحرص على تعليم المرأة ما تكون به عنصرَ صلاح وإصلاح في مجتمع إسلامي متطور إلى الكمال، متقدم إلى القوة والمجد، آمن مطمئن سعيد. ولتحقيق هذا الهدف حرص على اشتراكها في المجامع الإسلامية العامة الكبرى منها والصغرى، فأذن لها بحضور صلاة الجماعة، وأن تشهد صلاة الجمعة وخطبتها، ورغبها في أن تشهد صلاة العيد وخطبتها حتى ولو كانت في حالة العذر المانع لها من أداء الصلاة على أن يعتزلن المصلى ، وأمرها بالحج والعمرة، وحثها على حضور مجالس العلم، وخاطب الله النساء بمثل ما خاطب به الرجال، وجعلهن مندرجات في عموم خطاب الرجال في معظم الأحوال حرصًا على تعليمهن وتثقيفهن وتعريفهن أمور دينهن ومشاركتهن في القضايا العامة([37]).
*
المطلب الثاني: مقارنة بين طلب المرأة للعلم قديماً وحديثاً:
لقد اعتنى الإسلام منذ عصوره الأولى كما هو واضح من النصوص السابقة *بمسألة تعليم المرأة وطلبها للعلم الشرعي النافع، فقد كانت أم المؤمنين عائشة ل تروي عن رسول الله ه وتجيب على بعض ما قد يستشكل على الصحابة ي من أموره ه مع أهله وفي داخل بيته، وكانت توضح بعض ما كان يستحي ه أن يوضحه للنساء من أمور خاصة بهن. والإسلام منذ أشرق نوره أمر بتعليم الفتاة العلم النافع، بل لم تصل المرأة إلى أسمى درجات العلم وتنال أكبر قسط من التربية والتعليم إلا في عصور الإسلام الأولى كما سيأتي إن شاء الله ذكره في دور المرأة في نشر العلم.
أما المرأة في العصور الحديثة فقد يسر الله عز وجل لها التعليم فقد فتحت المدارس والمعاهد والجامعات وطبعت الكتب وشكلت هيئات التدريس وتعلمت الفتاة *علوماً أخرى بالإضافة إلى العلم الشرعي وقد أتاحت لها هذه العلوم الفرصة بأن تقوم بأعمال مختلفة ومتطورة وحديثة حتى أصبح التعليم حديثاً ضرورة وحاجة ماسة عند الكثير من الناس بحيث يسعى الأهل جاهدين لتعليم بناتهم وإرسالهم إلى الجامعات ويبذلون كل الجهود لتحقيق ذلك بل ويتفاخرون به , وذلك لأنهم أدركوا أهمية التعليم بالنسبة للمرأة فهي التي تتفرغ لتربية الأبناء وتعمل على إعدادهم بشكل جيد وتهيئتهم للمستقبل كما سيأتي بمشيئة الله تعالى في بحث أثر العلم الشرعي على حياة المرأة كأم.
فالحاصل أن نظرات المجتمعات إلى تعليم المرأة حديثاً تغيرت تغيراً واضحاً تجاه هذا الأمر فبقيت المرأة تعمل كزوجة وأم ومربية وطبيبة ومعلمة … الخ , ولكن بأسلوب متطور ومؤهل مزود بسلاح العلم والمعرفة والعقل([38]).
*
المطلب الثالث: دور المرأة المسلمة في العلم والتعليم في عهد النبوة:
لقد أقبلت النساء في صدر الإسلام على التعلم والتفقه في أمور دينهن ودنياهن إقبالاً عظيمًا كما سبق الإشارة إلى ذلك ، ففي القرون الثلاثة الفاضلة، كانت الحقبة الذهبية لعلم الحديث، فيها انتشر حديث رسول الله ه وعم جميع الأمصار، وفيها جمعت رواياته ودونت، كما صنفت أعظم كتب السنة على الإطلاق، كما هو مذكور في *كتب التراجم والطبقات والتاريخ والسير ، وفي هذا دلالة على أن المرأة لم تكن بعيدة عن رحاب الرحلة عبر هذه القرون، على تفاوت في الكثرة والقلة بين المراحل المختلفة.
كانت الرحلة في طلب الحديث قائمة في عهده ه فكان بعض من يسمع بالرسالة الجديدة يسافر إلى الرسول ه ليأخذ منه تعاليم الإسلام، ثم يرجع إلى قومه يبلغهم ما تعلمه في موطن رسول اللهه **وكان من بين الوفود نساء مصاحبات لتلك الوفود، فكانوا يسألونه ويجيبهم، وقد سمعوا حديثه وشهدوا بعض مواقفه، وشاركوه في العبادة، ورأوا كثيرًا من تصرفاته، فكان لهذه الوفود أثر عظيم في نقل السنة وانتشارها.
لقد ساهم نساء الصحابة في تعليم ما سمعنه عن رسول الله ه أو رأينه منه وفقهنه عنه، منهن من أقامت في مسقط رأسها ومنهن من رحلت إلى بلدان أخرى وبقيت حتى موتها في البلد الذي رحلت إليه، تعلم الرجال والنساء، تبث فيهم حديث رسول الله ه وهديه. ومن هؤلاء اللاتي انتقلن إلى الأمصار لنشر العلم في عهد النبوة.
1- أم المؤمنين عائشة ـ ل ـ: فهي كبيرة محدّثات عصرها، ونابغته في الذكاء والفصاحة، وكانت عاملاً كبيراً ذا تأثير عميق في نشر سنة رسول الله _ ه _ فحُمِلَ عنها رُبع الشريعة، حتى ألّف الزركشي كتاباً سماه ” الإجابة لِما استدركته عائشة على الصحابة “.
*وكانت أم المؤمنين ـ ل ـ من كبار المفتين في عصرها، وكان كبار أصحاب النبي_ ه _ يسألونها عن الفرائض ويرجعون إليها لحلّ ما أشكِلَ عليهم وذلك حينما خرجت إلى البصرة للإصلاح بين علي بن أبي طالب وبين الزبير وطلحة ـ ب ـ فمع قلة المدة التي جلست فيها بالبصرة إلا أنها قامت بنشر العلم من خلال ما كانت تفتي به أصحاب النبي _ ه _ .
2- أم عطية الأنصارية ل: كانت من فقهاء الصحابة، مروياتها ل كثيرة منثورة في الكتب الستة. وقد اشتهرت في البصرة بفقهها وروايتها وفهمها للحديث النبوي وأحكامه، فكان لها الفضل في انتشار الأحاديث والأحكام، وكان أجلة التابعين يأخذون عنها الرواية والفقه.
3- أسماء بنت يزيد بن السكن ل: وهي ثالث امرأة راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهن، وقد عرفت أسماء برجاحة العقل، وكانت من فاضلات الصحابيات، كثيرة الدخول على أمهات المؤمنين، ملازمة للبيت النبوي، زد على ذلك حبها للعلم والسؤال. تجمع مروياتها بين التفسير وأسباب النزول والأحكام والشمائل والمغازي والسيرة والفضائل. شاركت في معركة اليرموك، ومن ثم ألقت رحالها في دمشق، وأخذت تحدث بها.
وقد سجلت لنا المصادر أن عددًا كبيرًا من الصحابيات روين عن رسول الله ه وانتشرن في الأمصار، فقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل في (علله) من روى من النساء عن النبي ه من أهل الشام، وأهل البصرة، وأهل الكوفة. فذكر من أهل الشام غير أسماء: الصماء بنت بسر، أم الدرداء الكبرى، وأم أيمن. ومن أهل الكوفة: ميمونة بنت سعد مولاة النبي **ه **، وفاطمة بنت اليمان، أم سليمان بن عمرو بن الأحوص، أم الحصين الأحمية يسرة، أم مسلم الأشجعية أخت عبد الله بن رواحة، وقتيلة بنت صيفي، أم طارق مولاة سعد بن عبادة، سلامة بنت الحر، أم ورقة.
فهذه أمثلة لصحابيات هن أكثر النساء حفظًا ورواية للحديث النبوي الشريف، ورحلن من المدينة للتحديث والتعليم، ودُونت أحاديثهن ضمن مرويات أهل البلدة التي رحلت إليها كل واحدة، فبدل أن يرحل إليها الناس، رحلت هي إليهم، وقدمت إليهم حديث رسول الله *ه دون عناء، وحققت لهم الإسناد العالي، ونشرت العلم والفقه، وتشرف من لم يتيسر له الخروج من بلده بالرؤية والسماع والالتحاق بركب التابعين والانتساب إلى أحسن القرون.
فهؤلاء النساء قد سمعن من رسول الله ه بالمدينة، وصاحبنه، ثم توزعن في الأمصار حاملات معهن الموروث النبوي يبثثنه بين الناس علمًا وفقهًا([39]).
*
المطلب الرابع: جهود نساء السلف في نشر العلم الشرعي في العصور الإسلامية:
ذكرنا فيما سبق ما كان للمرأة المسلمة منذ عصور الإسلام الأولى من اهتمام واضح في تلقي العلم ، فقد عُرف عن أمهات المؤمنين، وعن نساء المؤمنين أنهن كن حريصات على تلقي ما يتنزل على رسول الله ه من آي الذكر الحكيم، وما يوجه به ه من آداب وأحكام تتعلق بالدين، وأسهمن في تلقي الدين القائم على العلم، ولم يترددن في ذلك فكن يستفتين رسول الله ه في كثير من المسائل الفقهية المتعلقة بأمور دينهن.
واستمرت المرأة المسلمة في العصور التالية لعصر النبي ه على صلة قوية بكتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم ه وما يتصل بهما ويخدمهما، كما كانت على جانب كبير من الاهتمام بالعلم، والدراية، فيما ينفعها في دينها ويهيئها لحياة كريمة هانئة، وتزخر كتب التاريخ والتراجم والطبقات بأسماء كثير من النساء اللواتي تعلمن الكتابة والقراءة، وروين الحديث وبرعن في الفقه والإفتاء، وكان منهن الأديبات والشاعرات، بل وبرز من النساء من أتقن علوماً أخرى كالرياضيات والفلك والطب والصيدلة، وغير ذلك من العلوم التي تناسب المرأة، وكن مثالا في التعلم ونشر العلم بمختلف الوسائل المتاحة لهن.وعن أماكن تعليم النساء يمكن حصر الطرق التي كان يتم بها تعليم المرأة في:
1- منازل العلماء: حيث يمثل المنزل المدرسة الأولى التي تلقت المرأة فيها تعليمها إذ يلاحظ أن كثيرا من النساء اللاتي اشتهرن بالعلم في عدد من العصور الإسلامية نشأن في بيوت العلماء، ودرسن على آبائهن أو احد ذويهن من أولي العلم، أو أنهن كن يستفدن من الدروس التي كانت تعقد في بيوتهن لتعليم الطلاب حيث كن يستمعن إلى ما كان يلقى في منازلهن من دروس.
فالتعليم في عهد النبوة كان منطلقا من بيوت رسول الله ه وهذا ظاهر من التوجيه الرباني الكريم لأمهات المؤمنين بأن يبلغن ما كن يتعلمنه في بيوتهن إذ يقول عز وجل:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}[الأحزاب :34]. فأصبحت منازل أمهات المؤمنين مراكز تعليمية خرجت العديد من الصحابيات والتابعيات بالرواية عنهن، وأخذ العلم منهن والتردد عليهن، وكن- رضي الله عنهن أجمعين- مرجعاً للناس في مختلف الأحكام الفقهية المتعلقة بالنساء.
واستمرت المنازل ودور العلماء في العصور الإسلامية التالية لعصر النبي ه وخلفائه الراشدين،
تؤدي دورا تعليميا رائدا لتوافر فرص التعليم بين الأهل مما أهَّل بدوره نخبة من النساء العالمات في مختلف ميادين العلوم وفروعها.
2- المساجد: كانت أبواب المساجد في كثير من الأقطار الإسلامية مفتوحة لمن أراد أن يتلقى تعليمه من النساء إذ إن التعليم داخل المنازل- وبين الآباء والأزواج أو غيرهم من ذوي المحارم- إن تيسر لبعض الإناث، فإنه قد لا يتيسر لشريحة أخرى من النساء، ولذا كان يعض النساء يترددن لحضور الحلق التي كانت تعقد في المساجد في أماكن مخصصة لهن، ومعزولة عن أماكن الرجال حتى لا يكون هناك سبيل للاختلاط.
3- تعلم المرأة على امرأة مثلها: ومعنى هذا أن العملية التعليمية طرفاها النساء تعليماً وتعلماً، وهذا النوع من التعليم انتشر في مختلف أقطار العالم الإسلامي في العصور المتقدمة فقد كانت المرأة تعظ النساء في المساجد وتعلمهن ما يحتجنه من الفقه وغيره.
4 – أثر النساء في إجازة العلماء: لم يقتصر دور المرأة على التعلم فقط بل كان لها أيضا أثر واضح في نشر ما تعلمته والإجازة فيه فمن خلال دراسة سير عديد من النساء العالمات يتضح أن الأقربين للمرأة- رجالا ونساء- كانوا هم أول من يستفيد من علمها، ثم هي لا تبخل بعلمها على طلبة العلم الآخرين، فتمارس التعليم بمختلف الوسائل التي لا تتعارض والتزامها بأوامر دينها، فتدرّس خلف الستر وتجيز لمن أخذ عنها([40]).
فالحاصل أن لجهود نساء السلف في نشر العلم الشرعي في العصور الإسلامية أثراً واضحاً.
ومن نظر إلى كتب طبقات المحدِّثين وغيرهم من أهل الحديث يجد ذلك جلياً فقد دونت هذه الكتب *في طياتها جملة من النساء اللاتي نشرن العلم فمن ذلك مثلاً مسند الإمام أحمد **× *فمن نظر إليه يجد أن المحدِّثات من النساء قد استغرقت المجلد السادس من مسنده إلا قليلاً، ومسند أم المؤمنين عائشة **ل **ذكر فيه الأحاديث التي سمعتها وروتها وقد بلغ وحده أكثر من مائتين وخمسين صفحة.
وقد تسلسل العلم كذلك بين النساء بل في البيت الواحد حتى صارت الواحدة تروي أحاديث النبي **ه **عن أمها وجدتها. ومن شواهد ذلك ما رواه الإمام أبو داود في سننه: قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ حَدَّثَتْنِى أُمُّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ عَنْ أُمِّهَا سُوَيْدَةَ بِنْتِ جَابِرٍ عَنْ أُمِّهَا عَقِيلَةَ بِنْتِ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ عَنْ أَبِيهَا أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ **ه **فَبَايَعْتُهُ فَقَالَ « مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ »([41]).
ومن العلماء الكبار الذين أخذوا العلم ولا سيما الحديث والرواية – عن بعض النساء: الإمام الزهري، والإمام مالك بن أنس، والإمام أحمد، وأبو يعلى الفراء. وأبو سعد السمعاني، وابن عساكر، وأبو طاهر السِّلَفي، وابن الجوزي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، وابن حجر. وغيرهم الكثير .
أما في العصور المتأخرة فقد كان لبنات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب **× *وحفيداته دور في نشر العلم بين النساء ومن هؤلاء :
أولاً: فاطمة بنت محمد بن عبد الوهاب: فهي العالمة الفاضلة , ابنة شيخ الإسلام الإمام المجدد العالم *محمد بن عبد الوهاب ×, وقد ذكرت المصادر التاريخية أن فاطمة كانت تقوم بتدريس النساء, ثم تجلس لتدريس الرجال من طلاب العلم , وتجعل بينها وبينهم سترة أثناء التدريس. وحينما استقرت في عُمان عملت فاطمة على نشر العقيدة السلفية بين أهالي عُمان, وتدريسهم التوحيد الخالص لله تعالى.
ثانياً: سارة بنت علي بن محمد بن عبد الوهاب: حفيدة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب × وابنة الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب , وهو أكبر أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب, استمرت في طلب العلم, وتعليم النساء التوحيد والفقه، بل لم تنقطع عن نشر العلم والدعوة لسفرها من
بلدها, بل تستمر في طلب العلم ونشره في كل مكان تسافر إليه([42]).
وهذا ما يؤكد أن للمرأة المسلمة أثرها الطيب في تاريخ الإسلام, كما أن لها نصيباً في تحمل أعباء الدعوة , ونشر العلم الشرعي في أوساط النساء, وفق الضوابط الشرعية .
وما ذكرناه فيه كفاية لحث المسلمات على طلب العلم، والصبر على تحصيله، والحرص على نفع الناس به، ولا سيما في هذا العصر الذي تنوعت فيه سبل طلب العلم، وتعددت وسائل نشره بما يفوق الخيال.
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
المبحث الرابع: الآثار المترتبة على تعلم المرأة العلم الشرعي، وتحته تسعة مطالب:
المطلب الأول: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة كزوجة:
حينما تتعلم المرأة العلم الشرعي يلزمها إن كانت زوجة أن تعمل بمقتضى ما تعلمته وأن يكون للعلم الأثر في حياتها إذ لا فائدة في علم لا يتبعه عمل ، ومن آثار العلم على المرأة إن كانت زوجة ما يلي:
1- طاعتها لزوجها في المعروف لقوله تعالى :{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}[النساء: 34]. ومعنى قولنا في المعروف أي في غير معصية لله تعالى أو رسوله ه ففي الحديث: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) ([43]).**
2- ومن آثار العلم على المرأة إن كانت زوجة أنها لا تمنعه نفسها متى شاء ،ما لم يكن هناك عذر كمرض أو نفاس أو حيض ، فالنشوز وعدم تلبية طلب الزوج إذا دعاها معصية لله تعالى: قال *ه: (إذا دَعَا الرَجُل امرأتَه إِلى فِراشِه فَلم تَأت فَباتَ غَضباناً عَليهَا لَعنتَها الملائكة حَتى تُصبح)([44]). وقال **ه: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ([45]) لَمْ تَمْنَعْهُ)([46]).
3- ومن آثار العلم الشرعي على المرأة المسلمة المتزوجة أنه يكون سبباً في صون عرضها وحفظ شرفها، فالمرأة بعلمها الشرع تعلم أنها مؤتمنة على عرضها وشرفها. لقوله ه كما في حديث أبي هريرة ت:(فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ
تَكْرَهُونَ)([47]).
4-* ومن آثار العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة في كونها زوجة أنها لا تُدخل بيت زوجها من لا يرغب في دخوله: لقوله ه كما في حديث أبي هريرة ت:(لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ)([48]). وقوله ه:(فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ) ([49]). قال النووي × :”في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعاً معداً لهم سواء كان حاضراً أم غائباً فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك وحاصله أنه لا بد من اعتبار إذنه تفصيلاً أو إجمالاً” ([50]).
5- ومن آثار العلم الشرعي على المرأة المسلمة حينما تكون زوجة أنها تحافظ على مال زوجها: لقوله **ه:(والمرأة رَاعية في بَيت زَوجِها وهي مَسؤولةٌ عَن رَعِيتَها) ([51]). وقال أيضاً كما في حديث أبي أمامة **ت:(لا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامُ قَالَ ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) ([52]).
7- ومن آثار العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة أنه بتعلمها العلم تعلم أن لزوم بيت الزوج وعدم
الخروج منه إلا بإذنه ورضاه عبادة تتقرب به لخالقها.
8- ومن آثار العلم الشرعي على حياة الزوجة أنها لا تصوم تطوعاً وهو حاضر إلا بإذنه ،لقوله **ه *:(لاََ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)([53]).
9- ومن آثار العلم الشرعي على حياة الزوجة شكر الزوج على ما يقوم به من أعمال تجاهها، وتحذر من كفران العشير، فعن* أبي سعيد الخدري ت قال: خرج رسول الله ه في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) ([54]).
10- ومن آثار العلم الشرعي على حياة الزوجة إبداء النصح والتوجيه لزوجها : فمتى رأت من زوجها تقصيراً في طاعة الله فعليها نصحه بقدر ما تستطيع .
11- ومن آثار العلم الشرعي على حياة الزوجة الحذر من رفع الصوت وبذاءة اللسان.
فهذه جملة من آثار العلم الشرعي على المرأة المسلمة فيما بينها وبين زوجها ([55]).
*
المطلب الثاني : أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة كأم:
تكثر المشاكل بين الأم وأبنائها في محاولتها لتعويدهم على ما تريد وفي عصيانهم لها، فإذا أرادت الأم تجنب هذه المرحلة الصعبة فلتنظر إلى أثر العلم الشرعي النافع في تربيتها لأبنائها والذي يجنبها بإذن الله تعالى هذه المصاعب التي تواجهها أكثر الأمهات.
إن من أهم آثار العلم الشرعي النافع الذي يعود على الأمهات وعلى الأطفال بالنفع والفائدة العظيمة
هي عدم تعويدهم على مشاهدة ما يهدم ويدمر العقيدة والأخلاق، فرؤية هذه المشاهد وأمثالها تغير الأحكام والقيم عندهم فلا يعرفون بعد ذلك براً ولا ينكرون عقوقاً ويصبح البر بالوالدين أو عقوقهما سواسية عندهم، وما ذلك إلا نتيجة لإهمال التربية الشرعية للأطفال عند الصغر.
ومن هنا لابد أن يظهر للعلم أثره على المرأة *نحو أبنائها وذلك في انتمائهم للإسلام، وتمثل أخلاقه، وآدابه، ولا يكون ذلك إلا عندما تعطي من نفسها القدوة لأبنائها، فتحرص تماماً على أن تتمثل فيها كل صفة، تحب أن تجدها في أبنائها، فكلما التزمت بأخلاق الإسلام وآدابه في قولها، وفعلها، وكلما اعتزت بانتمائها للإسلام، نشأ أبناؤها على التحلي بهذه الصفات.
وعليها أن تحرص وخاصة عندما يشب أبناؤها، ويصبحون أكثر وعياً أن تحدثهم عن المسجد، وأثره في المجتمع، وأن تهيئهم، وتؤهلهم للذهاب إلى المسجد بصحبة الأب، أو الأخ الأكبر، بمجرد أن يكونوا قادرين على ذلك وحدود هذه القدرة هي معرفة الوضوء، والطهارة في الثوب، ومعرفة الصلاة… إلخ فإن المسجد جزء أصيل من شخصية المسلم، وعامل مهم من عوامل تربيته.
وأن تحرص على ألا تقع أعين أبنائها في البيت على شيء يغضب الله، أو يخالف شيئاً مما أمر به الإسلام، من تمثال وغيره، أو كلب يعايش الأولاد في البيت، أو صور لا يسمح بها الإسلام، فإن وقوع أعين الأبناء على هذه الأشياء في البيت يعودهم التساهل في أمر دينهم وعبادتهم.
وأن تحرص الأم كذلك على أن تكون مصادر ثقافة أبنائها نقية لا يشوبها شيء من الترهات، والأباطيل، أو المغالطات، وذلك بأن تجعل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وسيرة الرسول ه أساساً لمصادر هذه الثقافة. كما أن على الأم أن تختار صديقات بناتها وفق معايير الإسلام، وأخلاقه، وآدابه، وأن تتابع هذه الصداقات، وتحيطها دائماً بالرعاية والاهتمام، وأن تحرص على أن تستمر هذه الصداقة في مجراها الطبيعي المشروع ولا تتجاوزه إلى غيره، مما يتهامس به المراهقات.
وعلى الأم أن تخصص لأبنائها وقتاً بعينه في يوم تجلس إليهم، ولا تنشغل بسواهم من الناس أو الأمور،
وأن تقيم علاقتها بهم على أساس من الود، والاحترام، وأن تتعرف من خلال هذه الجلسات على مشكلاتهم، وما في أنفسهم من متاعب أو مسائل لا يجدون لها حلاً. ([56])
*
المطلب الثالث: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المعلمة:
المرأة المعلمة مربية وقدوة ومثل أعلى في نظر تلميذاتها وقد تفوق المعلمة منزلة الإقتداء والتأثر بها منزلة الأم في المنزل فنجد التلميذة وخاصة الصغيرة تعتقد الصدق والكمال والمثالية في معلمتها وأنها لا تخطئ ولا تقول إلا الصواب وتناقش هذه الصغيرة والدتها في ذلك مدافعة عن معلمتها.
ونظرة المجتمع بجميع طوائفه للمرأة المعلمة هي نظرة تقدير و تبجيل وأنها *صاحبة رسالة شريفة ، وأنها معلمة الأجيال ومربيتهم، وأن مهنة التعليم مهنة أساسية وركيزة هامة في تقدم الأمم وسيادتها.
فإذا علمت المعلمة ما لها من تأثير في حياة التلميذات فإنه ينبغي أن تتعرف على العلم الشرعي الذي يكون له أعظم الأثر في تربية وتعليم الطالبات، لأنها مسؤولة أمام الله تعالى عن كل ما تقوله وتفعله أمام تلميذتها، قال ه:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ([57])، فالمعلمة راعية ومسؤولة عن رعيتها من الطالبات. وأجل ما تربى عليه المعلمة طالباتها أن تربيهن على الدين القويم، والعقيدة الصحيحة؛ حتى ينشأن على الإسلام لا يرضين به بدلًا، ولا يبغين عنه حِولًا. وحتى يتعودن ذلك وتصبح تلك الآداب لهن ملكة وسليقة.
وكذلك تحرص المعلمة على تربية تلميذاتها على كريم الخلال وحميد الخصال، مع الحرص الشديد على تجنيبهن ما ينافي ذلك من مساوئ الأخلاق ومرذول الأعمال؛ فإن لذلك الصنيع أبلغ الأثر في نفوسهن. قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في وصاياه للمعلمين: “أنتم حراس هذا الجيل، والمؤتمنون عليه، والقوَّامون على بنائه، وأنتم بناةُ عقوله ونفوسه؛ فابنوا عقوله على أساس من الحقيقة، وابنوا نفوسه على
*صخرة من الفضائل الإنسانية، وأشربوه عرفان قيمتها؛ فإن من لم يعرف قيمة الثمين أضاعه، وقد غُبِنَتْ هذه القيمُ في عصركم فكان ما ترون من فوضى واختلاط.
ربوهم على ما ينفعهم، وينفع الوطن بهم؛ فهم أمانة الوطن عندكم، وودائع الأمة بين أيديكم.
ربوهم على التحاب في الخير، والتآخي في الحق، والتعاون على الإحسان، والصبر إلا على الضيم، والإقدام إلا على الشر، والإيثار إلا بالشرف، والتسامح إلا بالكرامة”([58]).
ومن آثار العلم على حياة المرأة المسلمة كمعلمة أن تجنب طالباتها الانحراف بجميع أنواعه وأسبابه ومسبباته والتي من أخطرها الانحراف الفكري وهو أخطر وأسوأ أنواع الانحراف لما يحدثه من تخريب وإضعاف للعزائم وضياع للشخصية. وعليه فإن المعلمة المسلمة تعمل جادة في وقاية طالباتها من *الفكر المتطرف ولتعلم أنه على عاتقها تقع مسؤولية بناء وإعداد الأجيال بصفة عامة وأجيال الأمهات بصفة خاصة المتسلحات بالعلم والمعرفة وحب الوطن والانتماء له، لا سيما وأنها هي المربية التي يمكنها أن ترسخ في الطالبات السمات العامة للوسطية الإسلامية الواضحة، وتجعلها منهجًا لحياتهن.
*
المطلب الرابع: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة فيما بينها وبين أبويها:
حق الوالدين على الأبناء لا يستطيع أن يحصيه إنسان، فهما سبب وجود الأبناء والبنات بعد الله عز وجل، ولن يستطيع الأبناء أن يحصوا ما لاقاه الأبوان من تعب ونصب وأذىً، وسهر وقيام، وقلة راحة وعدم اطمئنان من أجل راحة الأبناء والبنات وفي سبيل رعايتهم، والعناية بهم، فسهر بالليل، ونصب بالنهار، ورعاية واهتمام بالتنظيف في كل وقت وحين، وحماية من الحر والبرد والمرض، وتعهد وتفقد لحالة الأبناء من جوع وشبع، وعطش وروى، وتحسس لما يؤلمهم فهما يقومان بالعناية بالولد أشد عناية، فيراقبان تحركاته وسكناته، ومشيه وجلوسه، وضحكه وعبوسه، وصحته ومرضه، يفرحان لفرحه، ويحزنان لحزنه، ويمرضان لمرضه، فالأم حملت وليدها تسعة أشهر في الغالب تعاني به في تلك الأشهر ما تعاني من آلام و مرض ووهن وثقل، فإذا آن وقت المخاض والولادة، شاهدت الموت، وقاست من الآلام ما الله به عليم، فتارة تموت، وتارة تنجو.
والوالد ذلك الرجل الذي يكد ويتعب، ويجد ويلهث، ويروح ويغدو من أجل راحة أبنائه وسعادتهم.
وللوالدين على الأبناء حقوق كثيرة لا تعد ولا تحصى مكافئة لما قاما به من مساعٍ حميدة من أجل راحة الأبناء، وتنشأتهم تنشئة إسلامية، راجين بذلك ما عند الله والدار الآخرة، ثم راجين من الله تعالى حسن الرعاية من أبنائهما إثر تربيتهما لهم.
ومن أعظم آثار العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة فيما بينها وبين أبويها ما يلي:
1- حق الطاعة: والمقصود بالطاعة هنا الاستجابة لأوامرهما ورغبتهما في غير معصية الله. قال الله تعالى:{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}
[العنكبوت : 8] .
2- الإنفاق عليهما عند الحاجة: فإن من إكرام الوالدين والإحسان إليهما أن يقدم لهما ما يحتاجان إليه من مال وغيره وخاصةً حين يصبحان غير قادرين على العمل .
3- الدعاء لهما: قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء:24] .
4- صلة الرحم وإكرام صديقهما .
5- إجابة ندائهما على وجه السرعة .
6- التأدب واللين معهما في القول والتخاطب .
7- عدم الدخول عليهما بدون إذنهما, ولا سيما وقت نومهما وراحتهما .
8- عدم التضجر منهما عند الكبر أو المرض والضعف, والقيام بخدمتهما على خير وجه.
9- إكرامهما بتقديمهما في جميع الأمور وبخاصة عند الأكل.
المطلب الخامس: أثر العلم الشرعي على حياتها فيما بين إخوانها وأخواتها:
الإخوة والأخوات ثمرات الوالدين وهم اقرب الأرحام وألصقهم بالنفس وأحبهم إلى القلب وهم الذين يقضي الطفل معهم صدر حياته و أيام الطفولة, جنبا إلى جنب في البيت والمدرسة وعلى الطعام والشراب وأثناء الليل والنهار لذلك أمر الله تعالى بالوفاء إليهم وصلتهم والإحسان إليهم , ونهى عن قطيعتهم والإساءة إليهم .
وللعلم آثار شرعية في حياة المرأة حيال إخوانها وأخواتها ومن أعظم هذه الآثار:
1- احترام الإخوة الكبار وتوقيرهم والعطف على الإخوة الصغار والحنان عليهم.
2- معاملة الإخوة والأخوات بالعطف واللين والإحسان.
3- التزام حسن الخلق والتحلي بالتواضع وخفض الجناح والمحبة والإيثار والتعاون.
4- الابتداء بالسلام عند الدخول عليهم والبشاشة في وجوههم.
5- مراعاة شعور الإخوة والأخوات بعدم الفرح أمام حزين وعدم الأكل أمام صائم وعدم الصخب قرب نائم.
6- محبة الخير لهم جميعا والعمل على إيصاله لهم.
7- الشكر على معروفهم ومكافأتهم عليه بأحسن منه.
8- الاهتمام بشؤونهم والتعرف على أحوالهم وتفقد حاجاتهم.
9- بذل النصيحة لهم ودعوتهم إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة وتذكيرهم بأداء الفرائض.
10- الاعتذار منهم عن الهفوات والزلات.
11- الإصلاح بين المتخاصمين منهم وتجنب التقاطع والتدابر والتحاسد وسوء الظن.
12- تجنب إيذاء احدهم باليد أو السب أو الكلام أو المزاح غير المهذب.
13- تجنب التدخل في شؤونهم الخاصة واستخدام أدواتهم دون إذن.
14- مراعاة الحشمة والأدب في الكلام واللباس وخاصة عند اختلاف الجنسين وغض البصر عن النقائص والعيوب .
*
المطلب السادس: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة الطالبة:
الطالبة قد تكون معلمة المستقبل فينبغي عليها أن تكون على وعي، ومعرفة بما تتلقاه من العلوم والمعارف التي تعرف من خلالها الصالح من الفاسد وتفرق بها بين الغث والسمين فتأخذ ما يناسبها وينطبق على قواعد الشريعة فيكون العلم الشرعي النافع هو المقياس للصالح، والصالح لما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية أما ما عدا ذلك فهو غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يتم لها ذلك إلا بطلبها للعلم الشرعي واطلاعها على الكتب النافعة، وسماعها للأشرطة المفيدة وعند ذلك يظهر الأثر العظيم للعلم الشرعي النافع في حياتها وطلبها للعلم.
وعندما يكون طلبها للعلم قد ارتبط بالعلم الشرعي فإن آثاره تظهر عليها أيضاً في علاقاتها مع زميلاتها الطالبات، وفي قدوتها من المعلمات فالعلم الشرعي النافع يجعلها مسلمة صالحة مطيعة لله تعالى.
وكذلك العلم الشرعي يجعلها تحسن اختيار من تجعلها قدوة لها من المعلمات فلا تستهويها من تقلد غير المسلمات في لبسها وهيئتها حتى يقال عنها أنها متحضرة ، بل يجعلها تقتدي بالصالحة الطيبة منهن.
وأهم أثر للعلم الشرعي في حياة الطالبة هو مدى احترامها وتوقيرها لمعلماتها ، اللاتي يعلمنها العلم النافع فإذا نظرت إلى العلم الشرعي واطلعت عليه علمت مدى ما للعلم والعالم من الفضل والاحترام والتقدير([59]).
*
المطلب السابع: أثر العلم الشرعي عليها مع ولاة أمورها:
السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، قلّ أن يخلو كتاب
فيها من تقريره وشرحه وبيانه، وما ذلك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، إذ بالسمع والطاعة لهم تنتظم مصالح الدين والدنيا معا، وبالتعدي عليهم قولاً أو فعلاً فساد الدين والدنيا.
ولقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يولون هذا الأمر اهتمامًا خاصًا، لا سيما عند ظهور بوادر الفتنة، نظرًا لما يترتب على الجهل به أو إغفاله من الفساد العريض في العباد والبلاد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
وللعلم الشرعي أثر ودور بارز في حياة المرأة المسلمة مع ولاة أمورها ومن آكد آثاره عليها ما يلي:
1 *السمع والطاعة لهم في المعروف: من أهم الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة أنها تسمع وتطيع لولاة أمرها فالسمع والطاعة لولاة أمر المسلمين أصل من أصول العقيدة السلفية قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فطاعة الله ورسوله واجبة من كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم ،وإن منعوه عضلهم فما له في الآخرة من خلاق)([60]).
2 *الصبر على جورهم : من أهم الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه ولاة أمورها أنها تصبر على جورهم وما يصدر من ظلم لها ، لقوله *ه : (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:(أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ)([61]). وقوله كما في حديث ابن عباس ب: (مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)([62])، فبالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ويدرأ من المفاسد
ما يكون به صلاح العباد والبلاد .
3 *بذل النصيحة لهم سراً وعلانية: من أهم الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه ولاة أمورها أنها تنصح لهم لعموم قوله ه (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) ([63]). والنصيحة لولاة الأمر تكون بحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهية افتراق الأمة عليهم ومعاونتهم على الحق والهدى وتذكيرهم بالبر والتقوى وتنبيههم إلى ذلك في رفق ولطف من غير عنف ولا تشهير ولا منابذة.
4 *نصرتهم باطناً وظاهراً: من الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه ولاة أمورها أنها تقوم بنصرتهم باطناً وظاهراً وذلك ببذل المجهود معهم لما في ذلك من نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين.
5 *تبجيلهم وتعظيمهم وتوقيرهم: من الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه ولاة أمورها أنها تعرف لهم حقهم وما يجب من تعظيم قدرهم، فيعاملون بما يجب لهم من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى لهم من الأعظام([64]).
*
المطلب الثامن: *أثر العلم الشرعي على حياتها مع خادمها:
للعلم الشرعي أثر في حياة المرأة المسلمة مع خادمها ذكراً كان أو أنثى وذلك لورود النصوص الشرعية التي تأمر بذلك، ومن أعظم أثر العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة حيال خادمتها أو خادمها أداء حقهم من الراتب المتفق عليه، فلا يجوز بخس راتبهما ولا تأخيره عنهما فإن ذلك حق لهما، وهضم الحقوق مخالفة ومعصية لله تعالى.
ومن الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه الخادم أيضاً أنها تحسن التعامل معه، فإن في ذلك تربية للنفس على التواضع. وقد كان سيد البشر ق خير الناس في معاملة الخادم. يقول خادمه أنس ت:(فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا) ([65]).
ومن الآثار أيضاً أنها لا تهينهما ولا تضربهما فعن أم المؤمنين عائشة ل قالت:(مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ *ق شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) ([66]).
ومن آثار العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه خادمها أيضاً أنها لا *تكلفه من الأعمال ما لا يطيق فإذا كان العبد المملوك لا يكلف إلا ما يطيق فالخادم الحر أولى، فإن كان هناك من عمل لابد منه فيحمل عنه ما هو فوق طاقته لقوله *ق *: ( إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ) ([67]).
ومن الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة تجاه خادمها أو خادمتها أن تعلمهما ما هو ضروري من أمور دينهما من أمور التوحيد والصلاة والصيام وغير ذلك مما هو ضروري ،وإن كان الخادم أو الخادمة غير مسلمين فدعوتهما إلى الإسلام وفي ذلك خير عظيم للمرأة *لقوله *ق *: (فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ.) ([68]).
ومن الآثار المترتبة على العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة أنها تطعم خادمها مما يطبخ فإذا كان الخادم يطبخ لأهل بيتها فعليها أن تسمح له أن يأكل من طبخه؛ فإنه قد شم رائحة هذا الأكل ورآه فتاقت نفسه إليه؛ فعن أبي هريرة ت عن النبي ق قال:(إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً ، أَوْ لُقْمَتَيْنِ ، أَوْ أُكْلَةً ، أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاَجَهُ([69]).) ([70]).
ومن أعظم آثار العلم على المرأة المسلمة أنها لا تخلو بخادمها وأنه لا يرى منها ما يحرم النظر إليه؛ فهو أجنبي عنها أجير لديها، وحكمه في النظر والخلوة حكم الأجنبي([71]).
*
المطلب التاسع: أثر العلم الشرعي في الحياة الدينية للمرأة المسلمة بصفة عامة والتي هي الطريق إلى الحياة الأخروية الأبدية
هذا الأثر هو المصب الرئيسي الذي تصب فيه جميع الآثار السابقة في حياة المرأة المسلمة فإن للعلم الشرعي النافع أكبر الأثر في حياة المرأة المسلمة الصالحة سواءً كانت أماً أو زوجة أو معلمة أو طالبة أو غير ذلك، فالعلم الشرعي النافع يجعل المرأة من أشد النساء حرصاً على أن يكون بيتها بيت صلاح ودين لا يسمع فيه إلا الذكر لله تعالى وتلاوة القرآن ولا يسمع فيه الغناء ولا الطرب والآثام.
فالعلم الشرعي النافع إذا أدخلته المرأة المسلمة إلى بيتها وحياتها تحول البيت والحياة إلى رياض للمغفرة وبساتين للعرفان وحدائق للحسنات.
والعلم الشرعي النافع يجعل المرأة المسلمة تزداد علماً وفهماً بأمور الدين والعبادة والآخرة وتحرص على تعلم كل ما ينفعها في الحياة الأخروية فالجهل بالآخرة يكون عندما يبتعد المرء عن العلوم النافعة التي تحث على العمل الصالح وترغب فيه، ويكون عندما لا يعرف الإنسان ما ينبغي منه من طاعات وعبادات فيجهل بذلك كل ما يربطه بالآخرة أو الاستعداد لها.
وبالعلم الشرعي النافع تزداد الهمة لطلب ما عند الله تعالى من النعيم الأخروي والحياة الباقية الدائمة، والحرص على الاستعداد للموت وضيق القبر وضمته.
ومن آثار العلم الشرعي النافع في حياة المرأة المسلمة أنه إذا كانت المرأة طالبة للعلم النافع فإنها تعلم أنه مهما عملت من أعمال وعبادات لله تعالى لا بد أن تحس بالتقصير وهذا شأن الصالحين وتحرص على الاستزادة دائماً من العبادات والطاعات للتقرب إلى الله تعالى ثم تسأله تعالى بعد ذلك كله أن يتقبل منها هذه الأعمال التي قامت بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
إن أهم ما يواجه المرأة المسلمة في وقتنا الحاضر هو الدعوات المضللة والشعارات المنحرفة والتي تنادي بتحلل المرأة وأن تترك دينها وعزها وحجابها وأن ترضى بالذل والإنحلال والفساد وغير ذلك مما يروج له
أعداء المرأة في كل مكان من يهود ونصارى وعلمانيين وغيرهم([72]).
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
*
فهرس المراجع
1 _ الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة، البهي الخولي، الناشر دار القلم بالكويت الطبعة الثالثة.
2 _ الجامع لأحكام القرآن أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671ه ) دار الكتب المصرية – القاهرة.
3 _ أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني، الناشر: دار القلم دمشق الطبعة الثامنة.
4 _ أخلاق العلماء، *أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (ت : 360ه ).
5 _ أدب الدنيا والدين، على بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي.
6 _ الزهد، الحسن بن أبي الحسن يسار، دار الحديث1991م.
7 _ إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت.
8 _ المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، الناشر: دار الحرمين بالقاهرة، 1415ه .
9 _ المرأة المسلمة الداعية، محمد حسن بريغش، الناشر: مكتبة المنار، الأردن.
10 _ تذكير البرية بالحقوق الزوجية، *محمد نصر الدين محمد عويضة.
11 _ جامع بيان العلم وفضله، أبي عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي الناشر: مؤسسة الريان، الطبعة الأولى 1424-2003 هـ .
12 _ حقوق ولاة الأمر، للدكتور عبد الله العسكر.
13 _ حقوق الخدم، د. أحمد حمود الجسار.
14 _ حكم تعليم النساء، محمد منير الغضبان، الناشر: مكتبة التراث الإسلامية.
15 _ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني [ت: 430] الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة: الرابعة، 1405هـ .
*16 _ دور المرأة في تعزيز الثقافة الإسلامية لدى أبنائها في ظل تحديات العولمة، أ. عزيزة علي.
*17 _ ديوان الإمام الشافعي، أبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى عام 204 هـ .
18 _ سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت.
19 _ سنن الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق : أحمد محمد شاكر.
20 _ سنن ابن ماجة، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت: 273ه، الناشر: مكتبة أبي المعاطي.
21 _ شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت : 458ه ) الناشر: مكتبة الرشد للنشر بالرياض، الطبعة: الأولى، 1423 هـ ، 2003 م.
22 _ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، الناشر: دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407ه *- 1987م.
23 _ صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، دار الجيل بيروت.
24 _ صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، دار النشر: المكتب الإسلامي، بيروت **الطبعة الثالثة، 1408ه *، 1988م.
25 _ صفة الصفوة، عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج الناشر: دار المعرفة، بيروت الطبعة الثانية ، 1399هـ 1979م.
26 _ غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أحمد بن محمد الحنفي الحموي (المتوفى:1098هـ.
27 _ فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة – بيروت ، 1379هـ.
28 _ مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، (ت:1421هـ)، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، الناشر : دار الوطن.
29 ـ مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.
30 ـ مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ ) الناشر : دار الوفاء، الطبعة: الثالثة، 1426 هـ / 2005 م.*
31 ـ مجلة الوعي الإسلامي وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
32 ـ معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور عبد السلام برجس .
*33 ـ مسند أحمد، أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، الناشر: مؤسسة قرطبة – القاهرة.
34 ـ منهاج السنة النبوية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، أبو العباس، دار النشر: مؤسسة قرطبة 25.
35 ـ نساء شهيرات من نجد، د. دلال الحربي.
الفهرس
م
الموضوع
الصفحة
1
المقدمة:
1
2
تمهيد، وتحته ثلاثة مطالب:
3
3
المطلب الأول: المقصود بالعلم الشرعي:
3
4
المطلب الثاني: فضل طلب العلم الشرعي:
4
5
جملة من* فضائل العلم:
4
6
1 ـ العلم مقدَّم على العمل:
4
7
2 ـ العلم نور البصيرة:
5
8
3 ـ العلم يورث الخشية من الله تعالى:
5
9
4 ـ طلب الاستزادة من العلم :
6
10
5 ـ العلم أفضل الجهاد:
6
11
6 ـ التنافس في بذل العلم:
6
12
7 ـ العلم و الفقه في الدين أعظم منة:
7
13
8 ـ العلم مقدم على العبادة:
7
14
المطلب الثالث: وسائل طلب العلم الشرعي:
7
15
المبحث الأول: أهمية تعليم المرأة العلوم الشرعية، وتحته ثلاثة مطالب:
9
16
المطلب الأول: حكم تعليم المرأة المسلمة:
9
17
المطلب الثاني: المرأة وطلب العلم الشرعي:
10
18
المطلب الثالث: لماذا تطلب المرأة العلم الشرعي:
11
19
المبحث الثاني: ملاحظات وآداب لطالبة العلم الشرعي، وتحته مطلبان:
14
20
المطلب الأول: في ذكر بعض الآداب التي ينبغي للمرأة أن تتحلى بها عند طلبها للعلم:
14
21
المطلب الثاني: أخطار في طريق تعليم المرأة:
15
22
المبحث الثالث: تعليم المرأة في زمن النبوة، وتحته أربعة مطالب:
17
23
المطلب الأول: واقع تعليم المرأة المسلمة في عهد النبوة:
17
24
المطلب الثاني: مقارنة بين طلب المرأة للعلم قديماً وحديثاً:
19
25
المطلب الثالث: دور المرأة المسلمة في العلم والتعليم في عهد النبوة:
20
26
المطلب الرابع: جهود نساء السلف في نشر العلم الشرعي في العصور الإسلامية:
22
27
المبحث الرابع: الآثار المترتبة على تعلم المرأة العلم الشرعي، وتحته تسعة مطالب:
27
28
المطلب الأول: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة كزوجة:
27
29
المطلب الثاني: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة كأم:
29
30
المطلب الثالث: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المعلمة:
31
31
المطلب الرابع: أثر العلم الشرعي على حياة المرأة المسلمة فيما بينها وبين أبويها:
32
32
المطلب الخامس: أثر العلم الشرعي على حياتها فيما بين إخوانها وأخواتها:
34
33
المطلب السادس: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة الطالبة:
35
34
المطلب السابع: أثر العلم الشرعي عليها مع ولاة أمورها:
35
35
المطلب الثامن: أثر العلم الشرعي على حياتها مع خادمها:
37
36
المطلب التاسع: أثر العلم الشرعي في الحياة الدينية للمرأة المسلمة بصفة عامة والتي هي الطريق إلى الحياة الأخروية الأبدية:
39
37
فهرس المصادر والمراجع:
41
38
فهرس الموضوعات:
43
*
*

([1]) المستطرف في كل فن مستظرف، شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي (1/60).
([2]) رواه البخاري* ،كتاب العلم: *”باب من يرد الله به خيراً” (71) **ومسلم ،كتاب الزكاة : باب النهي عن المسألة (1037).
([3]) رواه الإمام أحمد (5 /196) **وأبو داود ،كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم (3641) **والترمذي أبواب العلم ، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (2681) **وابن ماجه ، افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم ، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (223) قال الحافظ في “الفتح” ج(1 / 160) “وله شواهد يتقوى بها”.
([4]) رواه مسلم،كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله الشرع (2363) .
([5]) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (7/130).
([6]) سورة النحل: الآية (43).
([7]) رواه أبو داود ، كتاب الطهارة : باب في المجروح يتيمم (336).
([8])حلية الأولياء لأبو نعيم الأصبهاني (7/305).
([9]) أخلاق العلماء للآجري، ص (53).
([10]) ديوان الإمام الشافعي : ص (26).
([11]) الجامع لأحكام القرآن **القرطبي **(4/41).
([12]) مفتاح دار السعادة **لابن القيم **(1 / 70).
([13]) رواه البخاري، كتاب العلم: باب الاغتباط في العلم (73) ، ومسلم ،كتاب صلاة المسافرين: باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (816) .
([14]) سبق تخريجه : ص(3).
([15]) رواه أبو داود في العلم : باب الحث على طلب العلم (3643) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ( 223 ).
([16]) رواه الترمذي في العلم : باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (2685) ،وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: (4213).
([17]) رواه ابن ماجه في المقدمة (224)، وأبو يعلى في المسند (5/223)، والطبراني في الأوسط (1/7)، وفي الصغير (1/36)، والبيهقي في الشعب باب طلب العلم (2/253)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (183)،
([18]) رواه البخاري في الجمعة: باب الجمعة في القرى والمدن (893)، ومسلم في الإمارة :باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر… (1829) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
([19]) أدب الدنيا والدين ـ للماوردي الشافعي ـ ص (106) .
([20]) منهاج السنة النبوية (8/148).
([21]) صفة الصفوة – ابن الجوزي (2/32) .
([22]) رواه الترمذي في العلم: باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا(2866) ،وحسنه الألباني في* صحيح الجامع (6383).
([23]) رواه الترمذي في صفة القيامة : باب في القيامة (2416). *وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (946).
([24]) الزهد للحسن البصري، ص (90).
([25])جامع بيان العلم وفضله **أبي عمر القرطبي **(192).
([26]) رواه البخاري في كتاب الزكاة : باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة (1352) ومسلم في البر والصلة والآداب: باب فضل الإحسان إلى البنات (2629)
([27]) أي : أمة.
([28]) رواه البخاري في كتاب العتق : باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده (2410)، ومسلم في الأيمان باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده . . (1665).
([29]) رواه البخاري في كتاب العيدين : باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (918)، ومسلم في أوائل كتاب صلاة العيدين (888)..
([30]) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة :باب تعليم النبي **ه **أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل (6880): ،ومسلم في البر والصلة والآداب باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه (2633).
([31]) رواه البخاري في أبواب السهر : إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع (1176) ،ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها :باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما . .( 834).
([32]) فتح الباري ( 3/ 106) ( 1/ 365 )
([33]) رواه البخاري في كتاب الغسل ، باب الغسل بالصاع ونحوه (248) ،مسلم في الحيض باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (320).
([34]) المرجع السابق.
([35]) فتح الباري *( 1/ 365 ).
([36]) رواه البخاري في كتاب العلم : باب الحياء في العلم (130) ،ومسلم في الحيض : باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها (313).
([37]) انظر كتاب أجنحة المكر الثلاثة ص:(588).
([38]) انظر: كتاب دور المرأة في تعزيز الثقافة الإسلامية لدى أبنائها في ظل تحديات العولمة، أ. عزيزة علي، ص (721-782).
([39]) انظر: مجلة الوعي الإسلامي وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت (العدد : 530) بتاريخ 3/9/2010م بحث دور المرأة في العلم والتعليم عبر العصور الإسلامية
([40]) انظر: مجلة الوعي الإسلامي وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت (العدد : 530) بتاريخ 3/9/2010م، بحث دور المرأة في العلم والتعليم عبر العصور الإسلامية.
([41]) رواه أبو داود في كتاب الخراج، باب في إقطاع الأرضين (3073).
([42]) نساء شهيرات من نجد، د. دلال الحربي.
([43]) رواه البخاري في الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (7145)؛ ومسلم في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (1840).
([44]) رواه البخاري في بدء الخلق: باب إذا قال أحدكم آمين.. (3237)؛ ومسلم في النكاح: باب تحريم امتناعها من فراش زوجها (1436) (122).
([45]) القتب : هو الرحل الذي يوضع حول سنام البعير تحت الراكب.
([46]) رواه ابن ماجة في أبواب النكاح:باب ما جاء في فضل النكاح (1853) وصححه الألباني في الصحيحة (1203).
([47]) رواه الترمذي في الرضاع : باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (1196) ، وحسنه الألباني في الإرواء برقم ( 1997).
([48]) رواه البخاري في النكاح : باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه (5195).
([49]) سبق تخريجه، ص35.
([50]) شرح صحيح مسلم (7/115).
([51]) رواه البخاري في الجمعة: باب الجمعة في القرى والمدن (893)، ومسلم في الإمارة : باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر… (1829) (20).
([52]) رواه أبو داود في الإجارة : باب في تضمين العارية (3567) ،وصححه *الألباني في صحيح ابن ماجة ( 2398 )
([53]) سبق تخريجه، ص 36.
([54]) رواه البخاري في كتاب الحيض: باب ترك الحائض الصوم (298). ومسلم في الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (79 ،80).
([55]) انظر في ذلك: كتاب تذكير البرية بالحقوق الزوجية، محمد نصر الدين محمد عويضة، ص (230).
([56]) انظر: كتاب أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة، أم حسن، ص (80).
([57]) سبق تخريجه، ص13 .
([58]) عيون البصائر، ص (299).
([59]) انظر كتاب: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة، أم حسن، ص (108).
([60]) مجموع الفتاوى (35/16-17).*
([61]) رواه البخاري ،كتاب الفتن، باب قول النبي e (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا)(7045).
([62]) رواه البخاري ،كتاب الفتن، باب قول النبي e (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا)(7045)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر(1849).
([63]) رواه البخاري ،كتاب الإيمان، باب قول النبي e “الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”(57)، ومسلم في الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة رقم (56).
([64]) انظر في ذلك حقوق ولاة الأمر، للدكتور العسكر، ص (51)، ومعاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور عبد السلام برجس، ص (54).
*
([65]) رواه البخاري في الوصايا: باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له..(2768)،ومسلم في كتاب الفضائل : باب كان رسول الله e أحسن الناس خلقاً ( 2309 ).
([66]) رواه مسلم في الفضائل: باب مباعدته e للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته (2328).
([67]) رواه البخاري في الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك (30)، ومسلم في كتاب الأيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه (1661).
([68]) رواه البخاري في كتاب المغازي, باب غزوة خيبر, (3973), ومسلم في كتاب فضائل الصحابة, باب من فضائل علي(2406).
([69]) أي : تحمل مشقة حره ودخانه عند الطبخ وتعلقت به نفسه وشم رائحته.
([70]) رواه البخاري في كتاب العتق ، باب إذا أتاه خادمه بطعامه (2418).
([71]) انظر في ذلك: حقوق الخدم، د. أحمد حمود الجسار.
([72]) انظر كتاب: أثر العلم الشرعي في حياة المرأة المسلمة، أم حسن، ص (114).

مواضيع ذات صلة