اللغة العربية لغة القرآن

الأربعاء 22 جمادى الآخرة 1440ﻫ 27-2-2019م

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعالى أكرم أمة الإسلام بالوحيين الكريمين، وهما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعلهما بلغة واحدة وهي اللغة العربية، التي حازت شرفًا عظيمًا؛إذ نزل القرآن الكريم بلسانها المبين، واصطفاها الله سبحانه لوحيه مِنْ بين لغات البشر، وفي ذلك مَرْتَبَةٌ رفيعة لعِلْم العربية، ووجه الدلالة أنه تعالى أخبر أنه أنزله عربيًّا في سياق التمدُّح، والثناء على الكتاب بأنه مبين لم يتضمن لَبْسًا، قال تعالى[إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ](يوسف:2)، وقال[بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ](الشعراء).

والمعلوم أنه لم يمر باللغة العربية حدث أعظم من ظهور الإسلام، ونزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، فقد صيّر هذا الحدث العربية لغة مرغوباً فيها، لا لنفوذها السياسي، ولا لسبقها الحضاري، وإنما لمكانتها الدينية؛ مما جعل أهل البلاد المفتوحة يحرصون على دراستها، والعناية بها، من أجل فهم النصوص الشرعية، وتحقيقاً للعبادة على الوجه المطلوب، وذلك بتلاوة القرآن الكريم والعمل بسنة خير الأنبياء والمرسلين، فكان من جراء ذلك ظهور العلوم العربية من نحو وصرف، ولغة ومعاجم، وأدب وبلاغة. فلولا القرآن، ولولا الإسلام لم يكن هناك عربية.

وقد نقل الإسلام العربية إلى مرحلة الاهتمام العالمي، وجعل لها الصدارة، اهتماماً، وتعلماً، يطلبها العربي وغيره، ويغار عليها كل مسلم، ويتمنى أن يتقنها كل مُصَلٍّ، ذلك أنها تحل في قلب كل مسلم في أعلى مكان منه، وهي أجلّ وأكبر لديه من كل لسان، وكل لغة. قال أبو حاتم: (أقبلت الأمم كلها إلى العربية يتعلمونها رغبة فيها، وحرصاً عليها، ومحبة لها).

دخل الناس في الإسلام، وانقادوا له راغبين أو خاضعين، فتعلموا لسانه، ورأوا أنه لا يتم لهم دين إلا بلغته، فبادروا إلى خدمتها،والعناية بها،كما بادروا إلى حفظ القرآن والسنة،ودرس التفسير والحديث ومعرفة أصول الدين والفقه، بل جعلوا اللسان العربي بوابة إلى هذه العلوم، لا يولج إليها إلا به.

ولقد حظيت اللغة العربية على مرِّ العصور بتدوين علومها، وتبويب مسائلها، وتتابع أجيال فأجيال على النظر فيها جمعا، وتأليفا، وتقعيدا، وبحثا عن أوجه جمالها، وإعجاز قرآنها، وتمجيدا لها وتعظيما. وقد عُنِي السلف بالعربية، وأقبلوا على خدمتها على نحوٍ شامل، وأيقنوا أن دراستها والتأليف فيها ضربٌ من ضروب العبادة ، يتقرَّبون به إلى الله.. قال عمر بن الخطاب: (تعلموا إعراب القرآن كما تتعلمون حفظه)، وفي حديث آخر قال: (تعلموا اللحن والفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن)، وعن ابن مسعود قال: (أعربوا القرآن فإنه عربي). وعن يحيى بن عتيق قال: سألت الحسن، فقلت: الرجل يتعلم العربية يلتمس بها المنطق، ويقيم بها قراءته، فقال الحسن: فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيا بوجهها، فيهلك فيها.

وقام علماء العربية أيضاً بواجبهم نحو الدين والقرآن، فجمعوا ما الحاجة داعية إلى جمعه، ودونوا ما تفتقد إليه علوم الشريعة، ونظموه بطرق تيسر الوصول إليه.
ولا يمكن أن يقيم المسلمون دينهم، أو أن يفهموا قرآنهم من غير استعانة باللغة العربية، وإنه لولا القرآن لما تقدمت علوم العربية، وتميزت عن غيرها من علوم اللغات الأخرى، ولما كان فيها الأنماط التي مازتها عن غيرها، بل إن بعض أنماط علوم العربية لولا القرآن ما كانت ولا وجدت، ولا فكر فيها أحد.

ومما يؤسف له أن هناك فئة تحاول فصل الأمة عن دينها بحيلة بت صلة اللغة العربية بالقرآن والحديث، وإبعاد علوم العربية عن الصبغة الدينية، ويتظاهرون مع ذلك بحب العربية، والحرص على تعليمها، لكن بشرط أن تفصل عن العلوم الشرعية، وأن لا يكون للدين وتعليماته هيمنة عليها، فظهرت دعوات إلى إقامة أقسام للعربية على هذه الأسس، تربي أبناءها على غير لغة القرآن، وإن كتبت بالحرف العربي، ويدرسون غير لغة القرآن، وإن سموها بعلوم عربية.

إن هناك حرباً يستهدف بها القرآن، فهم يحاربون كل لسان يحاكي بيان القرآن في جزالته، وفصاحته، ويستبدلون بذلك كل أسلوب فج، وتركيب ركيك. ويزعمون أن البلاغة يمكن أن تكون بمعزل عن القرآن، وأن الفصاحة يمكن اكتسابها من غير القرآن، وهذا ما لم يقل به أحد من قبل، وليأت هؤلاء بواحدٍ استطاع بمعزل عن القرآن، وما كان على نمطه من الكلام جزالة وقوة، وحلاوة وطلاوة أن يجعل من نفسه أديباً ذا بيان. وهؤلاء يريدون الغض من قدر العربية، والنيل من مكانتها وأنى لهم ذلك. فيجب الحذر أشد الحذر ممن يدعو إلى فصل سلطة القرآن على العربية، وأنه يجب أن ندرس العربية باعتبارها لغة لا ترتبط بالقرآن، مثلها في ذلك مثل أي لغة، وليعلم هؤلاء وغيرهم أن الله تعالى حافظ لتلك اللغة ما دام أن القرآن بين أظهر المسلمين. أسأل الله تعالى أن يحفظ علينا لغة قرآننا وأن يمن على المسلمين بالعودة إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أ.د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
1/1/1430هـ

مواضيع ذات صلة