فضائلُ يومِ عرفة. بتاريخ 6-12-1442هـ

الأحد 8 ذو الحجة 1442ﻫ

الخطبة الأولى:

إنّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شُرورِ أنفسِنَا ومِنْ سَيّئَاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلَا مُضِلّ لَهُ، ومنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدهُ ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ أَيُّهَا المؤمنونَ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102].

عبادَ اللهِ: مِنْ فضلِ اللهِ على عبادِه في هذهِ العشر أنَّ فيها يومًا هو من أعظمِ أيامِ العامِ، وهو يومُ عرفةَ، ويترتَّبُ على صيامِه أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ جزيلٌ.

وهذا اليومُ العظيمُ له فضائلُ كثيرةٌ، ومنها:

(1) أنَّهُ يومٌ أكملَ اللهُ فيه الدينَ وأتمَّ النعمةَ على الأمةِ؛ جاءَ رَجُلٌ منَ اليهُودِ إلى عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ: آيةٌ في كِتابكُم تَقْرَؤونَها، لو علينا نَزَلَتْ مَعْشَرَ اليهُودِ لاتَّخَذنا ذلكَ اليومَ عيداً، قالَ رضي الله عنه: وأَيُّ آيةٍ؟ قالَ:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة: 3]، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: إني لأَعلَمُ اليومَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، والمكانَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعَرَفَاتٍ في يومِ جُمُعَةٍ)(رواه البخاري (45)، ومسلم (3017).

(2) وهو يومُ عيدٍ لأهلِ الموقفِ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (يومُ عرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيّامُ التَّشريقِ عيدُنا أهلَ الإسلامِ وهي أيّامُ أكلٍ وشربٍ)(رواه أبو داود(2419)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2419).

(3) وهو يومٌ أقسمَ اللهُ تعالى بهِ في كتابهِ: فقال:{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 2، 3]، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ والشاهدُ يومُ الجُمُعةِ والمشهودُ يومُ عرفةَ)(رواه الترمذي (3339)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3339).

وقال تعالى:{والشَّفْعِ والْوَتْرِ}[الفجر: 3]، قال ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: الوترُ يومُ عرفةَ والشفعُ يومُ الذبحِ.(قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(421/6): إسناده صحيح)، وهو قولُ عكرمةَ والضحاكِ.

(4) أنَّ صيامَه يكفِّرُ سنتين: فعنْ أبي قتادةَ رضيَّ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (سُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ عَرَفَةَ؟ فَقالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والْباقِيَةَ)(رواه مسلم(1162)، وصيامُ هذا اليومِ يُسنُّ لغيرِ الحاجِ، أما الحاجُّ فلا يُشرعُ له صيامُ يومِ عرفةَ، بلْ يُفطرُ ليكونَ أقوى له على الدعاءِ.

(5) وهو يومٌ أخذَ اللهُ فيه الميثاقَ على ذريةِ آدمَ؛ فعن ابنِ عباسِ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (إنَّ اللهَ أخذ المِيثاقَ من ظَهْرِ آدمَ عليه السلامُ بنَعْمانَ يومَ عرفةَ، فأَخْرَج من صُلْبِهِ كلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأها، فنَثَرها بين يَدَيْهِ، ثم كَلَّمَهم قِبَلًا، قال: أَلَسْتُ بربِّكم قالوا بلى شَهِدْنا…}قال الألباني في شرح الطحاوية (240): صحيح.

(6) وهو يومُ مغفرةِ الذنوبِ والعتقِ من النَّارِ والمباهاةِ بأهلِ الموقفِ: ففي صحيحِ مسلمٍ عن عائشةَ رضي اللهُ عنها عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُباهِي بهِمِ المَلائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرادَ هَؤُلاءِ؟)(رواه مسلم (1348).

وعن ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (إنَّ اللهَ تعالى يُباهِي ملائِكتَهُ عشِيَّةَ عرَفةَ بأهلِ عرَفةَ، يقولُ: انظُروا إلى عبادِي، أتوْنِي شُعْثًا غُبْرًا)(رواه مسلم (1348).

قال ابن رجب: ” يومُ عرفةَ هو يومُ العتقِ من النَّارِ، فيعتقُ اللهُ من النَّارِ من وقف بعرفةَ ومن لم يقف بها من أهلِ الأمصارِ من المسلمين؛ فلذلك صار اليومُ الذي يليه عيدًا لجميعِ المسلمينَ في جميع أمصارهم من شهدَ الموسمَ منهم ومن لم يشهده، لاشتراكهم في العتقِ والمغفرةِ يوم عرفة” انتهى كلامه.

أعوذُّ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيمِ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) }[البقرة 198 : 200].

باركَ اللهُ لي ولكمْ في القرآنِ العظيمِ ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذِّكرِ الحكيمِ، فاسْتَغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ على فضلهِ وإحسانهِ، والشُّكرُ لهُ على تَوفيقهِ وامتنانهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه ومن سارَ على نهجِه إلى يومِ الدين، أما بعد:

فاتَّقوا اللهّ عبادَ اللهِ: واعلموا أنَّه يُسنُّ التكبيرُ المقيَّدُ لغيرِ الحاجِ منْ بعدِ صلاةِ فجرِ يومِ عرفةَ، وحتَّى عصرِ اليومِ الثالثِ عشرَ من أيامِ التشريقِ، ويكونُ التكبيرُ بعدَ الصلواتِ المفروضةِ، بعدَ أَنْ يُسلَّمَ من الفريضةِ، يقولُ: (أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ. اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ تباركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرامِ). يقولُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ. لا إله إلا الله، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ.

وأما التكبيرُ المطلقُ فهو مستمرٌ في سائرِ الوقتِ إلى غروبِ شمس اليوم الثالثَ عشرِ من ذي الحجةِ.

ويستحب في يوم عرفة للحاج وغير الحاج أن يكثرا من الدعاء لقوله صلى الله عليه وسلم : (خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ)(رواه الترمذي (3585)،وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (3585).

قال النوويُّ:(أفضلُ أيامِ السنةِ للدعاءِ هوَ يومُ عرفةِ)، والدعاءُ في يومِ عرفةَ عامٌّ وليسَ خاصًا بمنْ كانَ في عرفةَ؛ لأنَّ الفضلَ خاصٌ باليومِ وليسَ بالمكانِ، إلا أنَّه مَنْ كانَ في عرفةَ فقدَ جَمَعَ بينَ فضلِ المكانِ والزمانِ.

أيُّها المؤمنون: ويُسنُّ للمسلمِ في يومِ الأضْحى ذبحُ الأضحيةِ من بعدِ الصلاةِ، حتَّى غروبِ شمسِ اليومِ الثالثِ عشرَ من ذي الحجةَ، وهي عبادةٌ عظيمةٌ، تتجلّى فيها العبوديةُ الخالصةُ للهِ، إذْ يتقرّبُ المسلمُ بهَا إلى اللهِ بسفكِ دمِ بهيمةِ الأنعامِ على الوجهِ المشروعِ، اقتداءُ بأبينَا إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وإحياءً لسنةِ نبيِّنا مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وتضحيةً بشيءٍ مما أفاءَ اللهُ بهِ على الإنسانِ، شُكراً لصاحبِ النعمةِ ومُسدِيها، وتوسعةً على النفسِ والأهلِ، ويُهدي منهَا إلى أصدقائِه وجيرانِه وأقاربِه، ويتصدّقُ منها على الفقراءِ والمحتاجينَ؛ فعن أنس رضي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ( كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ وَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ)(رواه البخاري (5565) ومسلم(1966).

وعن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: خَطَبنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في يومِ النَّحرِ، فقالَ:(لا يُضَحِّيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ)، قَالَ رَجُلٌ: عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، قَالَ:(فَضَحِّ بِهَا وَلا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ)(رواه البخاري (965) ومسلم (1961). وسيأتي تفصيلُ أحكامِها في خطبةِ العيدِ بحولِ اللهِ تعالى.

أسألُ اللهَ تعالى أن يوفِّقنا وإيَّاكم لما يُحبُّ ويرضَى، وأَنْ يتقبَّلَ منَّا ومنكمْ صالحَ الأعمالِ والأقوالِ.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الحبيبِ المصطفَى والقدوةِ المجتبى فَقَد أمَرَكُم اللهُ بذلكَ فقالَ جلَّ وعلا:[إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب: 56].       

الجمعة:  12/6/ 1442هـ