لزوم الطاعة بعد رمضان وصيام القضاء وست من شوال – خطبة الجمعة 5-10-1443هـ

الجمعة 5 شوال 1443هـ 6-5-2022م

 

الخطبة الأولى:

إنّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يهدهِ اللهُ فلَا مُضلّ لهُ ومنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ بعثهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وأصحابهِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ:

فاتّقوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[آل عمران: 102].

عبادَ اللهِ: نعمةُ الإيمانِ من أعظمِ نعمِ اللهِ على العبادِ، بلْ لا يعادلُها نعمةٌ، فالإيمانُ باللهِ يُضيءُ الطريقَ للمؤمنينَ، ويُثبِّتهم عليه، فينالونَ الحياةَ الطيبةَ الكريمةَ، سعادةً، وراحةَ بالٍ في الدُّنيَا، وفوزًا أبديًّا في الآخرةِ، وصَدَقَ اللهُ العظيمُ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه: 123ـ 124].

أيُّها المؤمنونَ: يا مَنْ أقْبلتمْ على اللهِ في هذا الشهرِ المباركِ، وتَركتمْ الشهواتِ المباحةَ في نهارِه طاعةً للهِ، واحتسابًا للأجرِ، واجْتنبتمْ المعاصيَ والآثامَ، خوفًا من عذابِ اللهِ.

يا مَنْ ملأْتُمْ نَهارَكم بالذكرِ، وتلاوةِ القرآنِ، وعمَّرتمْ ليلَكم بالصلاةِ، والقيامِ، والتضرِّعِ، والدعاءِ.

يا من جَاهدْتُمْ أنفسَكم، وأضعفْتُمْ الشيطانَ، وسِرْتُم في ركبِ الإيمانِ، الزموا الطريقَ، واثْبتُوا عليه، فواللهِ إنَّه طريقُ السعادةِ في الدُّنيَا والآخرةِ.

أيُّها المؤمنونَ: مَثَلكُم بَعْدَ رمضانَ كَمَثلِ مَنْ يَبْني بيتًا، فأنْتُم بَعْدَ رَمضانَ مجتهدونَ لإتمامِه، وهكذا الأخيارُ المتقونَ، كلُّ حياتِهم عبادةٌ وطاعةٌ، فهم يَتقلَبونَ فيها بين حَمْدٍ وذِكْرٍ وشُكْرٍ وصلاةٍ وصيامٍ وقراءةٍ، وصلةِ رحمٍ، فليسَ لهم وقتٌ خاصٌ بالعبادةِ، وصَدَقَ اللهُ العظيمُ:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ  وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162ـ 163].

عبادَ اللهِ: وممَّا يُحسنُ التنبيهُ عليه في مِثْلِ هذهِ الأيامِ، بعضَ المسائلِ المتعلقةِ بصيامِ القضاءِ، وستٍّ من شوالَ، فممَّا يتعلقُ بالقضاءِ ما يأتي:

1ـ ينبغي المبادرةُ في القضاءِ لمن كانَ عليه قضاءٌ، ولا سيَّما النساءَ؛ لأنَّ المسلمَ لا يدري ما يعرضُ له.

2ـ الأولى بكلِّ حالٍ تقديمُ صيامِ القضاءِ على صيامِ ستٍّ من شوال.

3ـ لا يجوزُ الفطرُ في قضاءِ رمضانَ إلا بعذرٍ يبيحُ الفطرَ في رمضانَ، كسفرٍ، أو مرضٍ، أو حيضٍ، أو نفاسٍ بالنسبةِ للمرأةِ.

4ـ صيامُ القضاءِ لا يلزمُ فيه التتابعُ، بل يجوزُ صيامُه متفرقًا.

5ـ صيامُ القضاءِ يلزمُ فيه تَبْييتِ النِّيةِ من الَّليلِ.

6ـ إذا مَنعَ الزوجُ زوجتَه من صيامِ القضاءِ في الوقتِ المتَّسعِ، فيلزمُها طاعتُه، ولا يجوُز لها أَنْ تصومَ، وأمَّا إذا ضَاقَ الوقتُ، ولم يَبْقَ على رمضانَ الآخَرِ إلَّا بقدرِ ما عليها من أيَّامِ القضاءِ، فلا يلزمُها طاعتُه، بل يجبُ عليها الصومُ؛ لأنَّه أَصْبحَ واجبًا في هذهِ الأيامِ، ولا يجوزُ تأخيرُه.

7ـ لا يجوزُ جَمْعُ نيةِ القضاءِ، وستٍّ من شوالَ في يومٍ واحدٍ، وصَدَقَ اللهُ العظيمُ: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة: 184].

باركَ اللهُ لي ولكُم في القرآنِ العظيم ونفعنِي وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ أقولُ ما سمعتمْ فاستغفروا اللهَ إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على النبي الكريمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ إمامِ المتقينَ، وقائدِ الغرِّ المحجلينَ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين. أما بعدُ:

فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا بَارَكَ اللهُ فيكم أنَّ ممَّا يتأكَّدُ التنبيهُ عليه أيضًا من مسائلِ صيامِ ستٍّ من شوالَ ما يأتي:

1ـ صيامُ ستٍّ من شوالَ لا يلزمُ له نيةٌ من الَّليلِ في أصحِّ قوليْ العلماءِ، بلْ لو نَوىَ في أيِّ وقتٍ من النَّهارِ ما دامَ لم يأكلْ ولم يشربْ من طلوعِ الفجْرِ فصيامُه صحيحٌ.

2ـ يجوزُ إفرادُ الجمعةِ بالصَّيامِ إذا كانَ قضاءً، أو ستًّا من شوَّالَ، أو كانَ صيامُ يومِ عرفةَ، أو عاشوراءَ.

3ـ لا حَرجَ أَنْ يُفطرَ الصائمُ في النَّهارِ إذا كان صيامُه نفلاً، ومن ذلك صيامُ الستِّ من شوالَ؛ لأنَّ الصائمَ المتطوعَ أميرُ نفسِه، إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أفْطَرْ.

4ـ صيامُ ستٍّ من شوالَ يجوزُ متتابعًا ومتفرقًا، والأمرُ في ذلكَ واسعٌ وللهِ الحمدُ.

5ـ الصِّغارُ  غيرُ البالغينَ ذكورًا وإناثًا، لا يلزمُهم قضاءُ ما أفطروا في رمضانَ، ولكن لو تمّ توجيهُهم للقضاءِ من بابِ التربيةِ والتدريبِ على الطاعةِ، فهذا حسنٌ.

6ـ لا ينبغي الصيامُ في السَّفرِ إذا كانَ الصومُ نفلا، وشقّ ذلكَ على الصائمِ؛ لأنَّ الفِطرَ في السَّفرِ مشروعٌ، إذا كانَ الصيامُ واجبًا، ومن بابِ أولى إذا كانَ الصومُ نفلا، لا سيِّما إذا شقّ عليه الصيامُ.

أسألُ اللهَ جلَّ وعلا أَنْ يتقبَّلَ منَّا ومنكُم الصيامَ والقيامَ وصالحَ الأعمالِ والأقوالِ.

الَّلهمَ إنَّا نَسألكَ مِنْ خيرِ هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أُمرتْ بِه، ونَعوذُ بكَ مِنْ شرِّ ما في هذه الريح وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُمرتْ بِه.

هَذا وصلُّوا وسلّموا على الحبيبِ المصطفى والنبيّ المجتبى محمدِ بنِ عبدِ اللهِ فقد أَمَرَكم اللهُ بذلك فقال جلَّ من قائلٍ عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:٥٦]. 

     الجمعة 5/10/1443هـ