المبادرة بأداء فريضة الحج – خطبة الجمعة 4-11-1443هـ

الجمعة 4 ذو القعدة 1443ﻫ 3-6-2022م

 

الخطبة الأولى:

الحمدُ للهِ العليمِ القديرِ؛ جَعَلَ البيتَ مثابةً للناسِ وأمنا، وشرعَ الحجَّ إليهِ فرضًا ونفلاً، ورتَّبَ عليه جَزاءً وأجرًا؛ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ بعثهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وأصحابهِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ:

فاتَّقوا اللهَ حقَّ التقوى، فهي زادُ الصالحين، والنجاةُ من كُرباتِ يومِ الدِّينِ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18].

عبادُ اللهِ: إنَّ من أفضلِ العباداتِ وأجلِّ القرباتِ، فريضةَ الحجِّ، فهي ركنٌ من أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ العظامِ، دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ والإجماعُ، وهو فرضُ عينٍ على المكلَّفِ المستطيعِ مرةً واحدةً في العمرِ، قالَ تعَالى:{وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ}[آل عمران: 97]، وقالَ النَّبيُّ : (بنيَ الإسلامُ على خمسٍ شهادةِ أن لا إلَه إلّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ) رواه البخاري (8)، ومسلم (16).

وعن أبي هريرةَ I قال: خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ   فَقالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ قدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَحُجُّوا، فَقالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حتَّى قالَهَا ثَلَاثًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ : لو قُلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ..) رواه مسلم (1337).

ولقد حجَّ نبيُّنا حجَّة الوداعِ بالمسلمين في السنةِ العاشرةِ من الهجرةِ استجابةً لأمرِ ربِّهِ جلَّ وعلا، وعلَّم أمَّتَه كيفيةَ أداءِ هذهِ الفريضةِ، بفعلِه وقولِه:(لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) رواه مسلم (1297).

أيُّها المؤمنون: الحجُّ غذاءٌ روحيٌّ عظيمٌ، تمتلىءُ فيه جَنَبَاتِ المسلمِ خشيةً وتقىً للهِ عزَّ وجلَّ، وعزمًا صادقًا على طاعتِه، وندماً وبُعداً عن معصيتِه، وقد رغَّبَ نبيُّنا في الحجِّ، وحثَّ المسلمينَ على أدائِه، وبيَّنَ كثيرًا من فضائِله، وما أعدَّه اللهُ جلَّ وعلا لمن قامَ به خالصًا للهِ متبعًا فيه سنةَ رسولِه ، ومن تلكَ الفضائلِ:

أولاً: دخولُ الجنَّةِ؛ قال مبشراً لأُمتِه:(الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) رواه البخاري (1773)، ومسلم (1349).

ثانيًا: أنَّه من أفضلِ الأعمالِ وأجلِّ القرباتِ؛ فقد سُئل رسولُ اللهِ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:(الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:(حَجٌّ مَبْرُورٌ) رواه البخاري (1519)، ومسلم (83).

ثالثًا: التطهرُ من جميعِ الذنوبِ والمعاصي، قال :(مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) رواه البخاري (1521)، وفي روايةٍ عندَ مسلمٍ:(مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (رواه مسلم (1350).

رابعًا: والحجُّ يعدلُ الجهادَ في سبيلِ اللهِ؛ عن عائشةَ J أنَّها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟ قَالَ:(لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) رواه البخاري (1520).

خامسًا: أنَّه يهدمُ ما كانَ قبلَه لقولِ النبيِّ لعمرو بنِ العاص:(.. وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ…) رواه مسلم (121).

سادسًا: أنَّ الحجَّ مع العمرةِ ينفيانِ الفقرَ والذنوبَ؛ قال : (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا، تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ، خَبَثَ الْحَدِيدِ)(رواه ابن ماجة (2352)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (2352).

عبادَ اللهِ: ينبغي على كلِّ مسلمٍ أن يبادرَ إلى أداءِ فريضةِ الحجِّ إذا كانَ مستطيعًا، ولا يَسوغُ لهُ أن يتأخرََ وهو قادرٌ مستطيعٌ، بلْ عليهِ أن يبادَر بأدائهِ قبلَ أن يَعرضَ لهُ عارضٌ، لقولهِ : (تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ ــ يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ ــ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) (رواه أحمد (2869)، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 2957)، وفي رواية: (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ) رواه ابن ماجه (2883)، وأحمد (1834)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6004).

وإنْ تأخَّرَ المسلمُ لعذرٍ ، ثمَّ تُوفي ولم يحجَّ فإنَّه لا يأثمُ ويجبُ على ورثتِهِ أَنْ يحجُّوا عنه من تركتِه إنْ تركَ مالاً، أو يتطوعَ بعضُ أقاربِه أو غيرِهم فيحجُّوا عنه من غيرِ مالِه وكلُّ ذلكَ يُجزئُه، ومن أخَّر الحجَّ وهو قادرٌ مستطيعٌ ولا يمنعُه مانعٌ فإنَّه يأثمُ لهذا التأخيرِ.

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ }[آل عمران: 96، 97]. باركَ اللهُ لي ولكُم في القرآنِ العظيم ونفعنِي وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ أقولُ ما سمعتمْ فاستغفروا اللهَ إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على الرسولِ الكريمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الذي علَّم أمتَه كلَّ خيرٍ، وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ:

فاتُّقوا الله أيُّها المؤمنونَ، واعلموا أنَّه متى توفرتْ شروطُ وجوبِ الحجِّ على المسلمِ أو المسلمةِ، بأنْ كانَ بالغًا عاقلاً حُرًّا مستطيعًا ببدنِه ومالِه، وَوُجدَ المحرمُ للمرأةِ فتجبُ المبادرةُ بأداءِ فريضةِ اللهِ لبراءةِ الذِّمةِ، ولا يجوزُ تأخيرُ الحجِّ، وما يفعلُه بعضُ النَّاسِ من التهاونِ والتساهلِ والتفريطِ فهذا تقصيرٌ منهم لأنَّهم لا يعلمونَ ما يعرضُ لهم، فالأعمارُ بيدِ اللهِ، فمتى تَحقَّقتْ الاستطاعةُ وجَبَ الأداءُ.

لكنَّ بعضَ الناسِ ـ هداهُم اللهُ ـ يتعلَّلُ بعللٍ واهيةِ، فيقولُ: لا أحجُّ حتى أتزوجَ، أو لا أحجُّ حتى يصيرَ عمري كذَا، أو لا أحجُّ حتى أتخلصَ من جميعِ المعاصي والذنوبِ، وكأنَّ هذا المسكينَ ضَمِنَ أنَّه سَيُعمَّرُ إلى أَنْ يحجَّ.

وبعضُ الناسِ يَبخلُ على نَفْسِه، ويتعذَّرُ بعدمِ قدرتِه على الحجِّ على الرغمِ من تَيسُّرِ حالتِه الماديةِ.

وبعضُ الناسِ يتعلَّلونَ بما عليهم من الديونِ، ويُقالُ لهم:

الديونُ إما أَنْ تكونَ حالَّةً أو مُؤجَّلةً، فإن كانتْ حالَّةً فليسدِّدْها المدينُ، فإن بقيَ معه شيءٌ حجَّ به، وإلا فهو غيرُ مستطيعٍ حتى يسدِّدَ ديونَه الحالَّةَ.

وأمَّا الديونُ المؤجَّلةُ فمتى تمكَّنَ من سدادِ القسطِ السنويِّ أو الشهريِّ الذي يحلُّ عليه قبلَ الحجِّ فيجبُ أن يبادرَ بأداءِ الحجَّ ما دامَ يجدُ ما يكفيه لحجِّهِ، وما بقيَ من الأقساطِ يُسدِّدَه في وقْتِه بعدَ الحجِّ.

وعلى كلِّ وليِّ أمرٍ عندهُ أمُّ، أو زوجةٌ، أو أولادٌ وبناتٌ لم يَحجُّوا أن يعينَهم ويشجِّعهَم على الحجِّ، فهذا واجبٌ شرعيٌّ في حقِّ كلِّ مكلَّفٍ، لا يسقطُ عنه إلا مِنْ عُذْرٍ شرعيٍّ.

فوصيتي للجميعِ المبادرةُ بأداءِ هذهِ الفريضةِ العظيمةِ متى تمكَّنوا من ذلكَ، فالأعمارُ قصيرةٌ، والآجالُ محدودةٌ، والذِّمةُ مشغولةٌ بالواجبِ حتى أدائِه.

أسألُ اللهَ تعالى أن يمنَّ علينا وعليكم بالحجِّ المبرورِ، والسعيِ المشكورِ، والذنبِ المغفورِ.

هَذا وصلُّوا وسلّموا على الحبيبِ المصطفى والنبيّ المجتبى محمدِ بنِ عبدِ اللهِ فقد أمركم اللهُ بذلك فقال جلَّ من قائلٍ عليمًا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[الأحزاب:٥٦].    

       3 / 11 / 1443هـ

 

مواضيع ذات صلة