خطبة بعنوان: (من أحكام المسح على الخفين) بتاريخ 14-1-1433هـ.

الأثنين 6 جمادى الآخرة 1440ﻫ 11-2-2019م

 

الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران: 102).
عباد الله: إن من نعم الله تعالى على عباده أن أنار لهم طريقهم الموصلة إليه، والخير كل الخير أن يتعلم الإنسان أمور دينه ليعبد الله على نور وبصيرة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضل ذلك بقوله (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)(رواه البخاري). ومن الأمور التي ينبغي على المسلم تعلمها وخاصة في تلك الأيام التي اشتد فيها البرد، وقل استعمال الماء، مسألة (المسح على الخفين)، حيث كثرت الأسئلة حولها وعن بعض مسائلها الدقيقة، وقد رأيت مناسبة طرق هذا الموضوع في خطبة هذا اليوم فأقول مستعيناً بالله معتمداً عليه:
أولاً: الأصل في المسح على الخفين قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ }(المائدة:6). وما روى جرير بن عبد الله قال:(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه)(رواه البخاري، ومسلم).
ثانياً: والمسح على الخفين سنّة لما ورد عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ , قال المغيرة : فأهويت لأنزع خفيه , فقال صلى الله عليه وسلم : (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فمن كان لابساً لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

ثالثاً: من شروط المسح على الخفين ما يلي:
1ـ لبسهما على طهارة, والدليل قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
2ـ أن تكون الخفاف أو الجوارب طاهرة, فإن كانت نجسة فلا يجوز المسح عليهما لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ، قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ» ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا ـ أَوْ قَالَ: أَذًى»(رواه أبو داود).
3ـ أن يكون المسح في الحدث الأصغر وليس فيما يوجب الغسل, لما ثبت عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال :(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)(رواه أبو داود والنسائي، والترمذي) .
4ـ أن يكون المسح يوماً وليلة للمقيم, وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر لما ورد عن علي رضي الله عنه قال:(جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) يعني في المسح على الخفين (رواه مسلم).
5ـ أن تكون الخفاف أو الجوارب ساترة للمفروض، أي مغطية للكعبين، فإن لم تكن كذلك لم يجز المسح عليهما.
رابعاً: لا يشترط في لبس الخفين أن ينوي أنه يمسح عليهما, ولا يلزم كذلك نية مدة المسح.
خامساً: التيمم لا علاقة له بالمسح على الخفين, وإذا كان المرء معذوراً يتيمم للعبادة وله أن يلبس الخفين باستمرار ولا يلزمه خلعهما ولا المسح عليهما لأن هذا خاص بطهارة الماء.
سادساً: يكون ابتداء مدة المسح على الخفين من أول مسح بعد الحدث, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت المسح على الخفين يوماً وليلة للمقيم , وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
عباد الله: بعض العامة يظن أن المسح يكون لخمس صلوات فقط، وهذا غير صحيح لأن من شروط المسح على الخفين أن يكون في المدة المحدودة شرعاً لقول علي رضي الله عنه :(جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن). فمن كان مقيماً ومسح يوماً وليلة وجب أن يخلع خفيه سواءً مسح خمس مرات أو أقل أو أكثر، وكذلك المسافر إذا مسح ثلاثة أيام ولياليهن.
سابعاً: إذا انتهت مدة المسح, فتنتقض طهارته, وكذلك إذا نزع الممسوح انتقضت طهارته في أصح قولي العلماء لأن الحكم متعلق بالممسوح عليه.
ثامناً: إذا نزع المسلم الشراب أو الخف وهو على طهارة من الوضوء الذي غسل فيه رجليه ثم أعادها قبل انتقاض الطهارة, فلا حرج عليه, ويجوز له المسح عليهما.
تاسعاً: إذا مسح بعد انتهاء مدة المسح وصلى بعض الصلوات فإن كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح وجب عليه أن يعيد الوضوء كاملاً مع غسل الرجلين ويجب عليه إعادة الصلوات التي صلاها, وأما إذا انتهت مدة المسح وبقى الإنسان على طهارته, وصلى بعد انتهاء المدة، فالمسألة محل خلاف، لكن الصواب أن طهارته تنتقض وبالتالي يلزمه أن يعيد هذه الصلوات
عاشراً: وأما كيفية المسح على الخفاف أو الجوارب فهي كالآتي:
يأخذ ماءً بيده ثم يمرر يده من أطراف أصابع الرجلين إلى ساقه فقط, ويكون المسح باليدين معاً على الرجلين جميعاً, وله أن يمسح اليمنى باليمنى ثم اليسرى باليسرى , وله أن يمسح اليمنى بيديه معاً ثم الرجل اليسرى بيديه معاً، والمسح يكون لأعلى الخف فقط، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد .
أحد عشر: وإذا لبس خفاً ثم لبس عليه أخر قبل الحدث فله أن يمسح على أيهما شاء لأنه مازال على طهارة من ماء .
اثنا عشر: وإذا لبس خفاً ثم أحدث ثم لبس عليه آخر فالحكم للأول.
ثلاثة عشر: وإذا لبس خفاً ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الآخر فلا حرج عليه ولكن يكون المسح على الأول وتكون بداية المسح من أول المسح على الأول.
أربعة عشر: وإذا لبس خفاً على خف ومسح الأعلى ثم خلعه فالذي أراه أنه ينتقض وضوئه ويلزمه خلع التحتاني وإعادة الوضوء.

خمسة عشر: ويجوز المسح على الكنادر مع الشراب إذا كان طرفه ظاهراً , وله أيضاً المسح على الشراب وحدها دون الكنادر , وله أن يمسح على الكنادر دون الشراب إذا كانت تغطي الكعبين , فإذا كانت دون الكعبين مسح عليها ومعها ما ظهر من الشراب .
ستة عشر: وإذا مسح المسافر ثم وصل لبلد إقامته فإنه يتم مسح مقيم، إن كان قد تبقى من مدة مسحه شيء وإلا نزع ملبوسه وتوضأ وغسل رجليه .
سبعة عشر: وإذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم في أصح قولي العلماء لأنه بدأ المسح وهو مقيم فتعلق الحكم بالإقامة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(المائدة: 6).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه وجوده وإكرامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون: واعلموا أن التقوى سبيل الهداية والرشاد.
عباد الله: ومن المسائل المتعلقة بالمسح أيضاً ما يلي:
ثمانية عشر: إذا شك الإنسان في ابتداء وقت المسح فيبني على اليقين, فإن كان شاكاً هل مسح لصلاة العصر أو المغرب فإنه يجعل بداية المسح من صلاة المغرب لأن الأصل عدم المسح.
تسعة عشر: ويجوز المسح على الجبيرة وما في معناها حتى وإن وضعت على غير طهارة في الحدث الأصغر والأكبر ويجوز أن يمسح عليها طيلة فترة وجودها حتى ولو طال وقتها، ويدخل في حكم الجبيرة اللفائف والشاش واللزقة.
العشرون: وإذا وجد جرح في أحد أعضاء الطهارة جاز له أن يضع عليه الشاش أو اللفائف أو اللزق ويمسح عليه في الحدث الأصغر والأكبر حتى يبرأ .

إحدى وعشرون: وصفة المسح على الجبيرة: أن يأخذ ماء ثم يمسح عليها كلها.
اثنان وعشرون: ويجوز المسح على الخف المخرق.
ثلاثة وعشرون: يجوز المسح على القبع الذي يوضع على الرأس ويكون شيء منه على رقبته والوجه مكشوف إذا كان ثابتاً ويشق نزعه وهكذا خمار المرأة على رأسها إذا كان ثابتاً وقد أدارته تحت حلقها ويشق نزعه لأن طهارة المسح فيها تيسير على الناس.
أربعة وعشرون: والمسح يكون باليد كاملة وليس بالراحة فقط , أو الأصابع فقط.
خمسة وعشرون: وإذا كانت مدة المسح تنتهي بعد صلاة المغرب , ثم جمع معها العشاء , فلا يلزمه أن يتوضأ للعشاء بل تكفي طهارة المسح لصلاة المغرب لأن وضوءه لم ينتقض وقد صلى العشاء في وقت المغرب .
ستة وعشرون: ويلزم مسح الجبيرة من الأعلى والأسفل إذا كان محل الفرض في القدم.
سبعة وعشرون: ويلزم المسح على اللزقة التي تكون على الظهر إذا كان غسلها بالماء يضر, ولا بد من تعميمها بالمسح لكون المسح بدلاً عن الغسل.
عباد الله: * والمرأة مثل الرجل في جميع أحكام المسح على الخفين، ويجوز لها أن تمسح على رأسها إذا كان عليه حناء أو نحوه.

ثمانية وعشرون: إذا كان هناك جرح في إحدى الرجلين, ولف الطبيب الشاش على هذه الرِّجْل بوسط القدم. فيجب في هذه الحالة غسل المكشوف من الرجل والمسح على ما غطي باللفافة وكونه يمسح على الرِّجْل فقط دون غسل المكشوف فهذا لا يكفي. ومتى أمكن غسل القدم وجب فإن لم يمكن وأمكن المسح عليها وجب فإن لم يمكن الغسل والمسح فهنا يلجأ من يريد الطهارة للتيمم.
عباد الله: وبعض الناس في حال إجراء عملية في عينه ووضع لاصق من شاش أو نحوه عليها، ويتيمم طيلة المدة وهذا خطأ بل يجب عليه غسل ما استطاع من الوجه بالماء ومسح محل العينين أو أحدهما فقط بحيث لا يصل الماء إليهما, والضرورة في ذلك تقدر بقدرها بحيث لو احتاج المريض للغسل أو المسح فالأمر راجع للضرورة نفسها، لقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}(التغابن:16), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)(رواه مسلم).
أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن ينفعنا بما قلنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يفتح على قلوبنا بالعلم النافع، وأن يوفقنا لكل عمل صالح يرضيه عنا.
اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، ويسر لهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، اللهم وفقهم لكل خير، ويسره لهم يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً، سحاً طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد.
هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: [إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً](الأحزاب:56).
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الجمعة: 14-1-1433هـ