خطبة بعنوان: (استبشار المسلمين بقدوم رمضان) بتاريخ 1-9-1433هـ.

الأثنين 6 جمادى الآخرة 1440هـ 11-2-2019م

 

الخطبة الأولى :
الحمد لله الذي امتن على عباده ببلوغ رمضان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كثير الفضل والجود والإحسان، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله خير من سأل ربه بلوغ رمضان وقام بصيامه وقيامه على أحسن وجه وأتمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18).

عباد الله: في هذا اليوم المبارك وهو أول يومٍ من أيّام هذا الشهرِ المبارك، نهنِّئ أنفسَنا وجميع المسلمين ببلوغ شهر رمضان، ونسأل الله الكريم أن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والعِزّ والنّصر والتمكين للمسلمين، وأن يجعله مبَاركًا على أمّةِ الإسلام وعمومِ المسلمين في مشارِقِ الأرضِ ومغَاربها.

أيها المؤمنون: نحمد الله تعالى أن بلغنا رمضان، شهر العبادة والإحسان، شهر المغفرة والرضوان، شهر الدعاء والقرآن، شهر الصيام والقيام. هذا الشهر الكريم الذي كان المسلمون ينتظرونه بفارغ الصبر، وكانوا يدعون الله ليل نهار أن يبلغهم إياه، فلله الحمد والمنّة على فضله وكرمه.

حُقَ لنا أيها الإخوة أن نفرح ببلوغه وقد هبت نسائمه العليلة، وحُقَ لنا أن نسعد بصيامه وقيامه طلباً للأجر والمثوبة، وحُق لنا أن نثني على ربنا أن أكرمنا بشهر اشتمل على أفضل الأعمال الصالحة. فيا فرحة القلوب بحب رمضان، ويا فرحة الأبدان بصيام رمضان، ويا فرحة العيون بالبكاء بين يدي الله في السجود والقيام وتلاوة للقرآن، ويا فرحة الأيدي الطاهرة التي تنفق الزكوات والصدقات رغبة في إدخال السرور على الأهل والإخوان والجيران طلباً لرضا الرحمن، ويا فرحة الباذلين من أجل إفطار الصائمين، ويا فرحة المعتكفين في بيوت الله لمضاعفة الطاعة والعبادة في هذا الموسم العظيم.
عباد الله: إن نفوس المسلمين تبتهج لقدومه، وأرواحهم تشتاق لنفحاته، لأنه الربيع الذي تزهر به قلوبهم، والسراج المنير الذي يضيء جنبات حياتهم، وهو الاُنْس الذي تسعد به حياتهم، لأنها تعيش فيه بين الصيام الذي تتأدب به نفوسهم، وبين القرآن الذي تخشع به قلوبهم، وبين الدعاء الذي تدمع به عيونهم. فهيا ياعباد الله قد جاءكم شهر كريم عظيم، فضّله الله تعالى على سائر الشهور والأيام.
هيا يا من غفل عن صيام النوافل فلديك فرصة في صيام هذا الشهر الكريم المبارك، وهيا يا من غفل عن قيام الليل ها هي صلاة التراويح تناديك هلمّ إليّ لتنال المغفرة من الذنوب والقرب من الرب المعبود، هيا يا من غفل عن تلاوة القرآن ها هو شهر القرآن بين يديك لتعود إلى كلام ربك تقرأه وتتلوه وتتدبره وتخشع مع آياته وعظاته، وتبكي من وعيده وتحذيره، وتشتاق إلى جنته ورضوانه.

ها هو شهر رمضان قد بدأت أيامه، فأين من كان يأمل أن يبلّغه الله رمضان ممن كان يدعو في العام الماضي أن يبلغه إياه، هم الآن مرتهنون في قبورهم وهم بأمس الحاجة إلى حسنة واحدة تنفعهم. فعلينا أن ندعو الله لهم، وأن نستحضر نعمة بلوغه، وأن نشكر المنعم على هذه النعمة العظيمة.

عباد الله: لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يبشر أهله وأصحابه بقدوم شهر رمضان بقوله:(أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ الله عز وجل عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ لِلَّهِ فيه لَيْلَةٌ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ من حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ)(رواه النسائي وصححه الألباني).
فهو شهر تزكيه النفوس، وإصلاح القلوب، وتهذيب الأخلاق، وحفظ الجوارح والحواس من المعاصي والذنوب، وحصول عظيم الأجر وتكفير السيئات، والفوز بأعالي الدرجات.

عباد الله: ومن بركات هذا الشهر وفضائله ما يلي:
* أنه شهر أنزل فيه القرآن، قال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة).
*وأنه شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران وتصفد فيه الشياطين ومردة الجن، قال صلى الله عليه وسلم:(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبُوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِحَتْ أَبُوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَمُنَادٍ يُنَادِي يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبَلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)(رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
* وهو شهر مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، قال صلى الله عليه وسلم:(..مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(رواه البخاري ومسلم).
* وهو شهر جعل الله فيه ليلة خيراً من ألف شهر، قال تعالى{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وقال صلى الله عليه وسلم:(لِلَّهِ فيه لَيْلَةٌ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ من حُرِمَ
خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ)(رواه النسائي وصححه الألباني).
* وهو شهر تجاب فيه دعوات الصائمين، قال صلى الله عليه وسلم:(ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعُوَتُهُمُ وذكر منهم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ)(رواه أحمد وصححه الألباني).
* وهو شهرٌ العمرةُ فيه تعدل حَجَّة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (فإن عُمْرَةً فيه تَعْدِلُ حَجَّةً)(رواه مسلم).
فأين المشمرون، وأين المتسابقون، وأين المجتهدون؟ هلموا إلى ربكم، وبادروا بالأعمال الصالحة التي ترضيه عنكم.. فهذا الشهر يجمع لكم الكثير من العطاء والفضل فلا تبخلوا على أنفسكم، ولا تكونوا ممن أضاعه فيما لا ينفعه.
عباد الله: ومن فضائل صيام هذا الشهر المبارك الكريم:
* أن الله جل وعلا اختص لنفسه بأجر الصيام والمجازاة به: قال صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كُلُّ عَمَلِ بن آدَمَ له إلا الصِّيَامَ فإنه لي وأنا أَجْزِي به)(رواه البخاري ومسلم).
* وأن الصيام جُنّة من النار، قال صلى الله عليه وسلم:(الصَّوْمُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ)(رواه الطبراني وحسنه الألباني).
* وأن الصيام فرصة لتهذيب الأخلاق وحفظ الجوارح من المعاصي والذنوب، قال صلى الله عليه وسلم:(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ).
* وأن الصيام يشفع للعبد يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم:(الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يوم الْقِيَامَةِ يقول الصِّيَامُ أي رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فشفعني فيه..)(رواه أحمد وصححه الألباني).
* وأن خلوف فم الصائم أثناء الصيام أطيب عند الله من ريح المسك، قال صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ) (رواه البخاري ومسلم).
* وقد خصّ الله الصوم بباب في الجنة يسمى الريان، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له الرَّيَّانُ يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يوم الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ منه فإذا دخل آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فلم يَدْخُلْ منه أَحَدٌ)(رواه البخاري ومسلم).
* والصيام سبب للسعادة في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم:(وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حين يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حين يَلْقَى رَبَّهُ)(رواه البخاري ومسلم).
عباد الله: هذا هو شهر رمضان وهذه بعض فضائله فماذا أعددنا لاستقباله؟ إن الناس في استقباله على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: يفرح بقدومه ويعتبره موسماً من مواسم الطاعات واستباق الخيرات وكثرة الإحسان والصدقات والتقرب إلى الله فيه بقراءة القرآن وسائر القربات وهؤلاء يفرحون به لأنهم يرغبون في مغفرة الله ورحمته، ويعلمون أنَّ الله يعطي فيه من الأجور ما لا يعطي في غيره من الشهور .
وأما الصنف الثاني: فهو الذي يفرح بقدومه لأنه يجد فيه رواجاً لبضاعته، ونماء لتجارته، وتحصيلاً للأرباح والأموال.
وأما الصنف الثالث: فهم الذين يستثقلون هذا الشهر ويعدُّون أيامه ولياليه منتظرين رحيله بفارق الصبر لأنهم يجدون في هذا الشهر مانعاً يمنعهم وقيداً يحبسهم عن شهواتهم ويحول بينهم وبين ملاذهم.
فأين أنتم يا عباد الله من تلك الأصناف؟ فعلى من أراد الفوز في رمضان أن يعد له عدته، وأن يحسن فيه نيته، وأن يصدق فيه مع ربه، وأن يبادر فيه إلى العمل الصالح الذي يجد ثمرته عند لقاءه بمولاه وخالقه.
إنّ إدراك شهر رمضان نعمة كبيرة ومنّة عظيمة، ولقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يدركون هذه النعمة ويقدرونها حق قدرها، فكانوا يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان،فإذا أدركوه بكوا من الفرح واجتهدوا في الطاعات ونافسوا في الخيرات وسارعوا إلى المغفرة والجنات،فإذا ولَّى ودعوه بقلوب حزينة وأعين دامعة وسألوا الله ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان، وكان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(البقرة).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم، واستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله تعالى أيها المؤمنون: واعلموا أن التقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.

عباد الله: أوصيكم ونفسي باستغلال هذا الشهر المبارك وذلك بأن نضع برنامجاً عملياً لاغتنام أيامه ولياليه في الطاعة والعبادة، وذلك بتنظيم الوقت بين حاجيات الأسرة، والقراءة، والنوم، وأداء فروض الصلاة وصلاة التراويح، وزيارات الأهل والأقارب والإخوان.
كما أوصيكم بتعلم أحكام رمضان وفضائله حتى تتهيأ النفس للطاعة، ويكون الصوم صحيحاً مقبولاً عند الله تعالى. وأن نقرأ في سيرة السلف الصالح وكيف كانوا يستثمرون هذا الشهر الكريم، ويتركون سائر أعمالهم ويقبلون على الطاعة وتلاوة القرآن. وعلينا أن نملأ أوقات هذا الشهر بكل أنواع العبادات من صيام، وقيام، وقراءة للقرآن، وصدقة، وتفطير صائم، وذكر لله.

وأن نطهر قلوبنا من الحقد والحسد والكراهية، وأن نزكي أنفسنا من الأخلاق الرديئة، سُئِل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:”كيف كنتم تسقبلون شهر رمضان؟ قال: ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل الهلال وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم”. وعلينا أن نستشعر من خلال هذا الشهر تلك النفحات الربانية، والمنح الفياضة، وألا نضيعها بين عشية وضحاها، فمن بادر بالعمل، وأخلص لله فيه، فاز وغنم.

وأن نفتح صفحة جديدة من حياتنا بالتوبة النصوح نصلح فيها أنفسنا، ونبدل فيها حالنا. ونجدد النية والعزم على استغلال أيامه ولياليه، لاغتنام فرصه، وجني ثماره، ونري ربنا فيه منّا خيرا، فتكون التقوى هي هدفنا وشعارنا وسبيلنا إلى الوصول إلى رضاه ودخول جنته. وفقنا الله وإياكم لحسن استقباله، وأعاننا وإياكم فيه على طاعته وحسن عبادته.

الجمعة:1-9-1433هـ