خطبة بعنوان: (أحكام مهمة في المسح على الخفين) بتاريخ 1-2-1434هـ.

الأثنين 6 جمادى الآخرة 1440هـ 11-2-2019م

 

الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي جعل الدين لعباده يسرا، ولم يجعل عليهم فيه عنتاً ولا حرجاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرحم بعباده من الأم بولدها، وأشهد أن محمداّ عبد الله ورسوله أكرم الناس خلقاً، وأرفقهم جانباً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واحمدوه على ما أنعم به عليكم من هذا الدين القويم والصراط المستقيم، واعرفوا نعمته عليكم بتيسيره وتسهيله، فإنه تعالى لم يجعل عليكم في الدين حرجًا ولا مشقَّة ولا عسَّرا، وإنما بعث نبيه بالحنيفية السمحة، فلله الحمد في الآخرة والأولى.

عباد الله: لقد افترض الله تعالى الوضوء على عباده وجعله شرطاً من شروط صحة الصلاة، وفَصَّله على وجهٍ سهلٍ يسير، ومما يرتبط بالوضوء في حال عدم غسل الرجلين عبادة المسح على الخفين، وهي عبادة شرعها الله لعباده ويسَّرها لهم في كل وقت وحين، وهذه العبادة يحتاجها المسلم في حلِّه وترحاله، وهذا من تيسير الله الرحيم على عباده في هذا الدين أن أباح لنا هذه العبادة بدلاً من غسل الرجلين عند وجود ما يمنع غسلهما، كما جاء في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}(المائدة:6). وأيضاً فيما روى جرير بن عبد الله قال:(رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه)(رواه البخاري، ومسلم).

والمسح سنّة لما ورد عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم توضأ, قال المغيرة: فأهويت لأنزع خفيه, فقالصلى الله عليه و سلم:(دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)(متفق عليه)، فمن كان لابساً لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل إقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم .

وقد أجمع أهل السُنَّة على جواز المسح على الخفين والجوربين، ويلحق بهما الشراب وما يُلبس من الكتان والصوف ونحوها من كل ما يلبس على الرجل مما تستفيد منه الرِّجلان بالتسخين، وفيه أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه و سلم. ونظراً لأهمية هذا الموضوع والاحتياج لفهم مسائله وخاصة في أيام الشتاء، فسأوضح أهمها فيما يأتي:

المسألة الأولى: يشترط للمسح شروط أربعة:(لبسهما على طهارة، والدليل قوله صلى الله عليه و سلم للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)(متفق عليه)،

وأن يكونا طاهرتين، لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم صَلَاتَهُ، قَالَ:«مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم:«إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا ـ أَوْ قَالَ: أَذًى»(رواه أبو داود)،

وأن يكون المسح في الحدث الأصغر أما الحدث الأكبر الجنابة والحيض فلا يجوز المسح عليهما، لما ثبت عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال 🙁 كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ)(رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي، والترمذي)، وأن يكون المسح في الوقت المحدد، لما ورد عن علي رضي الله عنه قال: (جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ)(رواه مسلم).

المسألة الثانية: صفة المسح على الخفاف أو الجوارب تكون كالآتي: يأخذ ماءً بيده ثم يمرر يده من أطراف أصابع الرجلين إلى ساقه فقط, ويكون المسح باليدين معاً على الرجلين جميعاً, وله أن يمسح اليمنى باليمنى ثم اليسرى باليسرى , وله أن يمسح اليمنى بيديه معاً ثم الرجل اليسرى بيديه معاً، والمسح يكون لأعلى الخف فقط، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد .

المسألة الثالثة: لابد أن تكون الخفاف أو الجوارب ساترة للمفروض، أي مغطية للكعبين، فإن لم تكن كذلك لم يجز المسح عليهما.

المسألة الرابعة: يجوز المسح على الخف المخرق والخف الخفيف، وكذا الشراب ما دام اسمه خفاً وشراباً، وهذا هو الراجح من كلام أهل العلم.

المسألة الخامسة: لا يشترط للمسح نية عند لبس الشراب، فلو لبسهما للبرد أو للزينة أو لجرح في رجله أو حكّه أو قشور ثم طرأ له المسح عليها فله ذلك ولو لم ينوه.

المسألة السادسة: تبدأ مدة المسح على الخفين من أول مسح بعد الحدث ومدته يوم وليلة, أربع وعشــرون ســـاعــــة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر اثنتان وسبعون ساعة، وتبدأ من وقت المسح، فلو أن شخصاً لبس الشراب لصلاة الفجر يوم الجمعة ثم أحدث في السابعة صباحاً ثم توضأ لصلاة الجمعة ومسح على الشراب في الساعة الثانية عشرة ظهراً، فينتهي مسحه عند مرور أربع وعشرين ساعة من أول مسح.

المسألة السابعة: إذا انتهت مدة المسح, وكذلك إذا نُزع الممسوح فتنتقض طهارته, في أصح قولي العلماء لأن الحكم متعلق بالممسوح عليه.

المسألة الثامنة: لا حرج على من نزع شرابه أو خفه وهو على طهارة من الوضوء الذي غسل فيه رجليه ثم أعادها قبل انتقاض الطهارة, أن يمسح عليهما.

المسألة التاسعة: إذا مسح بعد انتهاء مدة المسح وصلى بعض الصلوات فإن كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح وجب عليه أن يعيد الوضوء كاملاً مع غسل الرجلين ويجب عليه إعادة الصلوات التي صلاها, وأما إذا انتهت مدة المسح وبقى الإنسان على طهارته, وصلى بعد انتهاء المدة، فالمسألة محل خلاف، والصواب أن طهارته تنتقض وبالتالي يلزمه إعادة هذه الصلوات.
المسألة العاشرة: إذا لبس خفاً ثم لبس عليه أخر قبل الحدث فله أن يمسح على أيهما شاء لأنه ما زال على طهارة من ماء .
المسألة الحادية عشرة: إذا لبس خفاً ثم أحدث ثم لبس عليه آخر فالحكم للأول.

المسألة الثانية عشرة: إذا لبس خفاً ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الآخر فلا حرج عليه ولكن يكون المسح على الأول، وتكون بداية المسح من أول المسح على الأول.

المسألة الثالثة عشرة: إذا لبس خفاً على خف ومسح الأعلى ثم خلعه فالذي يظهر أنه ينتقض وضوئه ويلزمه خلع التحتاني وإعادة الوضوء لأن الحكم متعلق بما مسح عليه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}(المائدة: 6). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله: واعلموا أن من المسائل المتعلقة بالمسح أيضاً ما يأتي:
المسألة الرابعة عشرة: يجوز المسح على الكنادر مع الشراب إذا كان طرفه ظاهراً, وله أيضاً المسح على الشراب وحده دون الكنادر, وله أن يمسح على الكنادر دون الشراب إذا كانت تغطي الكعبين, فإذا كانت دون الكعبين مسح عليها ومعها ما ظهر من الشراب .

المسألة الخامسة عشرة: إذا مسح المسافر ثم وصل لبلد إقامته فإنه يتم مسح مقيم، إن كان قد تبقى من مدة مسحه شيء وإلا نزع ملبوسه وتوضأ وغسل رجليه.
المسألة السادسة عشرة: إذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم في أصح قولي العلماء لأنه بدأ المسح وهو مقيم فتعلق الحكم بالإقامة.
المسألة السابعة عشرة: لو شك الشخص هل بدأ بالمسح لصلاة الظهر أو العصر لا شك أن اليقين أنها العصر ومبدأ الشك الظهر والقاعدة أنه يبنى على اليقين لكن إن جعله من مبدأ شكه احتياطاً لعبادته فله ذلك.

المسألة الثامنة عشرة: للمسلم أن يمسح على ـ القُبْع ـ الذي يلبس في الشتاء إذا كان يشق نزعه خصوصاً الذي يغطي الأذنين ويكون له رباط مع الرقبة. كما أن للنساء المسح على خمارها الذي يغطي رأسها إذا كان ثابتاً مدارا من عند الرقبة لأنه يشق نزعها، وقد ثبت عن بعض الصحابيات أنهن مسحن على خمرهن.
المسألة التاسعة عشرة: إذا كان المسح ينتهي في صلاة المغرب مثلا ثم جمع معها العشاء فلا حرج عليه لأن وقت العشاء أخذ حكم وقت المغرب.

المسألة العشرون: إذا وضعت المرأة لاصقاً لمنع الحمل على عضو من أعضاء الوضوء فيكفي أن يمر الماء عليه، وهكذا إذا كان على سائر الجسد حال الاغتسال الواجب.

المسألة الحادية والعشرون: الذي لا يستطيع الوضوء ويتيمم لا علاقة لذلك بالمسح على الخفين، بل يستمر في لبسمهما وليس لهما هنا توقيت ولا مسح لأن التيمم خاص بالوجه واليدين.

المسألة الثانية والعشرون: إذا كان على أعضاء الوضوء جبيرة فيمسح عليها، وليس لها توقيت، لكن لابد من المسح عليها من جميع الجهات.

أسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا إنه سميع قريب.
عباد الله: وفي هذا المقام نحمد الله ونشكره على توفيقه لأجهزة الأمن على ضبط ستمائة وأربعة وثلاثين متهماً لتورطهم في جرائم تهريب ونقل واستقبال وترويج مواد مخدرة تقدر قيمتها السوقية بثمانمائة وستة وثمانين مليونا تقريباً، أسأل الله جل وعلا أن يعينهم وأن يوفقهم لما فيه خير البلاد والعباد. ولنا حديث حول ذلك في جمعة قادمة إن شاء الله تعالى.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب: 56). اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كيد الكائدين وعبث العابثين، وأن تمن علينا وعلى المسلمين بعز الإسلام ونصر المسلمين.

اللهم فرج عن إخواننا المسلمين في كل مكان، وارفع عنهم الظلم عاجلاً غير آجل، وفرج عنهم ما هم فيه من الضيق والهم والغم، اللهم عليك بمن ظلمهم، اللهم أطبق عليهم قبضتك وبطشك، ورجزك وعذابك، اللهم عليك بالظالمين المعتدين على بلاد المسلمين، فإنهم قد بغوا وطغوا، وأكثروا في الأرض الفساد، اللهم صُبَّ عليهم سوط عذابك، اللهم خالف بين رأيهم وكلمتهم، اللهم شتت شملهم، وفرق صفهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعجل بوعدك ونصرك المبين، فإننا على ثقة ويقين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين. اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، ويسر لهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، اللهم وفقهم لكل خير، ويسره لهم يا أرحم الراحمين.

اللهم ارفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، اللهم أصلح شبابنَا وبناتِنا، وأزواجَنا وذرياتِنا.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(البقرة).

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، سحا طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد، وتجعله زاداً للحاضر والباد.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الجمعة: 1-2-1434هـ