138 – بحوث ومقالات في التحذير من الحزبية

الثلاثاء 25 رجب 1445هـ 6-2-2024م

138- بحوث ومقالات في التحذير من الحزبية – pdf

 

 

بحوث ومقالات

في التحذير من الحزبية

 

تأليف

أ.د/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

مفوض الإفتاء في منطقة القصيم

 

 

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

فقد دعا الإسلام إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف لما فيه من نفع للبلاد والعباد، ونهى عن الفرقة والتحزب والاختلاف لما يترتب على ذلك من فساد البلاد والعباد، وقد ظهرت في هذه الآونة المعاصرة آفات حزبية مقيتة، تنخر في جسد الأمة وتزعزع استقرار البلاد، وعمَّ شرهم على بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، وللأسف أنهم يتكلمون باسم الدين، وجعلوا الدين وسيلة وغاية ليوصلهم لأفكارهم الخبيثة وأغراضهم السيئة.

فكان لزاماً على العلماء وطلبة العلم أن يقوموا جميعاً ببيان وكشف مخططاتهم وأغراضهم السيئة وتحذير أفراد المجتمع من هذه النبتة الخبيثة.

ومنذ فترة بعيدة وأنا أكتب في هذه القضية – نظراً لما يترتب عليها من الفساد العريض على البلاد والعباد – لا سيما عند بوادر الفتن والأفكار المنحرفة وظهور نبتة التحزب والتعصب لهذه الجماعات، فاجتمع عندي مجموعة من المؤلفات بين بحث في مؤتمر، أو لقاء في ندوة، أو محاضرة، أو مقال في صحيفة، أو خطبة جمعة، حول خطورة الحركات والحزبيات ودور المجتمع في التصدي لها، فاقترح عليَّ بعض الإخوة أن تُجمع هذه الأبحاث والمقالات والخطب في كتاب واحد ليسهل اقتناؤها نظراً لكثرة الحاجة إليها. فاستحسنت الفكرة وجمعت ما كتبته حول هذا الموضوع، وأعددته للطباعة بعد مراجعة موضوعاته وتعديل ما رأيت تعديله.

وقد تم ترتيبه بأن جعلت الرسائل والأبحاث التي ألفت حول خطورة الحركات والحزبيات، ثم اللقاءات والمقالات حول خطورة الحركات والحزبيات.

وأخيراً:

أسأل الله سبحانه وتعالى أَن ينفع بهذا الكتاب؛ كما أسأله تعالى أن تكون أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن تكون ذخراً لي عنده يوم ألقاه إنه ولي ذلك والقادر عليه.  وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

                                                                               الزلفي في: 1/ 5/ 1445هـ

  

 

 

أولاً: الأبحاث

  

 

الحزبية

خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام

بحث مقدم لمؤتمر “تحقيق الاجتماع وترك التحزب والافتراق”

المقام بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

17/ 4/ 1437هـ

  

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب:70 ،71]،  أما بعد :

فقد بعث الله تعالى نبينا محمداً ﷺ في الجزيرة العربية وهي تموج بالقوميات والعصبيات فكل قبيلة تقدم ولاءها وتحصر انتماءها وتخص بنصرتها أفراد تلك القبيلة حتى قال قائلهم:

وهل أنا إلا مِنْ غَزَيَّةَ إِنْ غَوَتْ

***

غَوَيْتُ وإِنْ ترْشَدْ غَزَيةُ أُرْشَدِ

يؤيد بعضهم بعضاً على ما يريد سواء كان حقاً أو باطلاً، وينصر بعضهم بعضاً فيما يهوى سواء كان محقاً أو مبطلاً فلما جاء الإسلام أمر بالوحدة والالتئام، ومنع التفرق والانقسام؛ لأن التفرق والانقسام يؤدي إلى التصدع والانفصام والإسلام يرفض التحزب والانشطار في قلب الأمة المحمدية الواحدة التي تدين لربها بالوحدانية ولنبيها بالمتابعة.

وقد ذم الله عز وجل الفرقة في غير ما آية من كتابه جل وعلا، قال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَة}[البيِّنة:4] ، وقال تعالى:{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ..}[الشورى:14]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون}[الأنعام:159] ، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون}[المؤمنون:51 ،52 ،53].

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسيره: “يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبًا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأُمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية.

وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال:

{.. لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..}[الأنعام:159]، أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك: {..إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ..}[الأنعام:159] يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون} [الأنعام:159] ([1]).

وانطلاقاً من هذا المبدأ العظيم أي مبدأ الدعوة إلى الاعتصام ونبذ الفرقة والتحزب والاختلاف كان هذا البحث الموسوم بـ ” الحزبية خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام” ، وسأبين من خلاله عور الحزبية المقيتة ودورها في زعزعة استقرار الدول بل الأمة جميعاً وقد قسمت البحث إلى عشرة مباحث ومقدمة وخاتمة، وختمته بالفهارس على النحو الآتي:   

المبحث الأول: مفهوم الافتراق والتحزب.

المبحث الثاني: بيان النصوص الشرعية في ذم التفرق في الدين، والحث على الاجتماع.

المبحث الثالث: التحذير من التفرق.          

المبحث الرابع: تاريخ الحزبية في الإسلام.

المبحث الخامس: آثار الافتراق والتحزب على أمة الإسلام.

المبحث السادس: خطر الحزبيات على بلاد المسلمين.

المبحث السابع: وسائل الافتراق والتحزب وطرقه.  

المبحث الثامن: النظرة الشرعية للتعددات الحزبية.

المبحث التاسع: التحذير من الحركات التي تدعي الإصلاح السياسي.

المبحث العاشر: واجب أهل العلم والدعاة نحو الافتراق والتحزب.

وإنني في نهاية هذه المقدمة أتقدم بالشكر للجامعة الإسلامية ممثلة في معالي مديرها الأُستاذ الدكتور / عبد الرحمن بن عبد الله السند والقائمين على كرسي (سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله) على دعوتي للمشاركة في مؤتمر (تحقيق الاجتماع وترك التحزب والافتراق واجب شرعي ومطلب وطني). 

سائلاً الله تعالى أن يحقق هذا المؤتمر أهدافه المرجوة، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وأن يرزقنا الثبات على دينه حتى نلقاه إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

   

المبحث الأول : مفهوم الافتراق والتحزب.

أولاً: مفهوم الافتراق.

الافتراق في اللغة: له عدة معاني منها: الاختلاف، والانقسام، والتباعد والتمايز بعد اختلاط وامتزاج، وهو خلاف الاجتماع، ومن معانيه أيضاً في اللغة: انفصال الشيء عن الشيء، ومنه: الفرقة للجماعة المتفردة من الناس، ويأتي بمعنى المباينة، يقال: فارق الشيء، مفارقة، وفراقاً: باينه، والتفرق والافتراق سواء.([2])

أما في الاصطلاح: فقد تعددت تعريفاته وتنوعت عند أهل العلم فمن ذلك :

1- الافتراق هو التفرق في الدين والاختلاف فيه قال الله تعالى:{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران:103]، وقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم}[آل عمران:105]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون}[الأنعام:159]، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ)([3]).

2- الافتراق عن جماعة المسلمين يعني (أهل السنة) من الصحابة والتابعين ومن كان على منهجهم وهديهم فمن خالف سبيلهم في أمر يقتضي الخروج عن أصولهم في الاعتقاد، أو الشذوذ عنهم في المناهج، أو الخروج على أئمتهم، أو استحلال السيف فيهم فهو مفارق، وفي هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ)([4]).       

وبناء عليه فالخروج عن أهل السنة والجماعة ولو في أصل واحد من أصول الدين الاعتقادية أو العملية المتعلقة بالقطعيات، أو بمصالح الأمة العظمى أو بهما معاً فإنه يعتبر تفرقاً؛ فالضابط في الافتراق أنه يؤدي إلى الفتن، والتفرق، والقتال، والبغي، والبدع، وبذلك يتضح أن أهل الافتراق هم أهل الأهواء والبدع([5]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة كما يقال: أهل البدعة والفرقة. ثم قال: وإنما المقصود هنا التنبيه على وجه تلازمهما: موالاة المفترقين، وإن كان كلاهما فيه بدعة وفرقة”([6]).

ثانياً: مفهوم التحزب:

الحزب في لغة العرب: جماعة الناس، والجمع: أحـزاب. وحِـزْبُ الرجل:

أَصْحابُه وجُنْدُه الذين على رأْيِه، والجَمْعُ كالجمع. وكل قوم تَشاكَلَتْ قُلُوبهُم وأَعْمالُهم فهم أَحْزابٌ، وإِن لم يَلقَ بعضُهم بَعْضًا؛ بمنزلة عادٍ وَثُمودَ وفِرعَوْنَ أُولئك الأَحزابُ. والحِزْبُ: الصِّنْفُ من الناس. قال ابن الأَعرابي: الحِزْب الجَماعةُ.

والحِزْبُ: الطَّائفةُ، والأَحْزابُ: الطَّوائفُ التي تَجتمع على مُحارَبة الأَنبِياء عليهم السلام.

وحازَبَ القومُ وتَحَزَّبُوا: تَجَمَّعوا وصارُوا أَحْزابًا، وحَزَّبَهم: جعلَهم كذلك([7]).

أما الحزب في الاصطلاح: فهو كل جماعة لها رأس، سواء قلت أم كثرت ، توالي وتعادي على أساس الحزب وتنتصر لإرادته ومقرراته .

وهنا أنبه إلى أن: كلمة الحزب لم تحرم لذاتها وإنما يحرم ما يندرج تحتها من مضمون، ولهذا نرى أن الله تعالى قد قسَّم الناس إلى حزبين اثنين لا ثالث لهما :

الأول: سماه بحزب الله وهم ممن تحزبوا واجتمعوا على ما يرضي الله تعالى، حيث أكد سبحانه على نصرهم وغلبتهم في الدنيا فقال تعالى : {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون}[المائدة:56]، وأكد على فلاحهم في الآخرة فقال تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون}[المجادلة:22].

الحزب الثاني: حزب الشيطان وهم ممن تحزبوا واجتمعوا على ما لا يرضي الله تعالى حيث أكد تعالى على خسارتهم وعدم فلاحهم في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى : {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون}[المجادلة:19].

 

المبحث الثاني:

بيان النصوص الشرعية في ذم التفرق في الدين،

والحث على الاجتماع.

شريعة الإسلام شريعة ربانية بكل معاني الكلمة فما من شيء فيه صلاح للفرد والمجتمع بل للأمة جميعها إلا ونجد هذه الشريعة تحث عليه وترغب فيه وتحذر من إضاعته، أو التهاون في شأنه.

ومن ذلك  ما أمر الله به من الاجتماع والاعتصام، وما نهى عنه من الاختلاف والافتراق، فمن نظر إلى هذه الشريعة الغراء تبين له مقدار ما أولته من عناية بالغة وذلك لما لهذا الجانب من تقوية الأمة الذي يتحقق من خلاله عزها، ويدوم أمنها واستقرارها، ولا ينال الأعداء بغيتهم منها.

ولا شيء أكثر إخلالاً بالأمن، ولا ضرراً على الاستقرار من اختلاف الكلمة وافتراق القلوب، وما نيل من أمة في الغالب إلا به.

والناظر في النصوص الشرعية المتعلقة بهذا الأمر، يجدها واضحة الدلالة جلية التعبير، على وجوب لزوم جماعة المسلمين، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ حتى صار هذا الحكم أصلاً من أصول الدين؛ لتواتر الأدلة الشرعية فيه، وتظافرها عليه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الاعتصام بالجماعة، والائتلاف من أصول الدين…” ([8]).

 وفيما يلي ذكر أهم الأدلة من القرآن الكريم والسنة على وجوب لزوم الجماعة:

أولاً : الأدلة من الكتاب:

الدليل الأول: قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ..}[آل عمران: 102، 103].

هذه الآية الكريمة هي الآية الجامعة في هذا الباب، فقد استطاع المفسرون وعلماء الإسلام أن يستنبطوا منها مقومات الألفة والترابط التي تكفل اجتماع المسلمين وائتلافهم، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف.

قال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: “يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله”([9]).   

وقال ابن كثير رحمه الله: “وقوله: (وَلاَ تَفَرَّقُواْ) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة.. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف”. إلى أن قال: “وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه”([10]).

الدليل الثاني: قوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحُجُرات:10] نصت هذه الآية الكريمة على مبدأ عظيم من مبادئ دين الإسلام ألا وهو التآخي في الله والتحاب فيه.

وقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية كبيرة، ويعتبر من الدعائم الرئيسة التي تقوم عليها وحدة المسلمين وائتلافهم واجتماعهم. 

قال ابن سعدي رحمه الله : ” قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع”([11]).

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}[الأنعام:153].

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: “(وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر:(فَاتَّبِعُوهُ) لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح، (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ)  أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) أي: تضلكم عنه وتفرقكم يميناً وشمالاً فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم”([12]).

الدليل الرابع: قوله تعالى:(فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}[الأنفال:1]،  وقال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)[الحُجُرات:9]،  فقد حث سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمات على إصلاح ذات البين، وعلى الإصلاح بين المؤمنين إذا حصل بينهم ما يفرق جماعتهم، وما يكدر عليهم صفو ألفتهم، وما ذلك إلا ليبقى المجتمع المسلم مترابطاً متحاباً متآلفاً.

وإذا كان فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، فإن إصلاح ذات البين هو من أعظم القربات إلى الله عز وجل.

ثانياً : الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها:

الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ ، قال: (إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)([13]).

يقول النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: “وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده, وهو اتباع كتابه العزيز, وحدوده والتأدب بأدبه. والحبل يطلق على العهد, وعلى الأمان, وعلى الوصلة, وعلى السبب, وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم, ويوصلون بها المتفرق, فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور. وأما قوله ﷺ: (ولا تفرقوا)، فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين, وتآلف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام”([14]).          

فقد اعتبر النووي رحمه الله لزوم جماعة المسلمين وتآلف المسلمين فيما بينهم إحدى قواعد الإسلام، وهذه القاعدة التي يؤصلها النووي بناء على ما جاء في الحديث الصحيح، هي قول علماء السلف قاطبة.

الحديث الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرَبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالطَّاعَةُ لِذَوِي الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ)([15]).

قال ابن عبد البر رحمه الله:” فأما قوله:(ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن) فمعناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلاً أبداً يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله ولزم الجماعة وناصح أولي الأمر. وأما قوله: (فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) أو هي من ورائهم محيطة فمعناه عند أهل العلم: أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماماً لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن معلناً بالفسق والفساد معروفاً بذلك لأنها دعوة محيطة بهم يجب إجابتها ولا يسع أحداً التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين”([16]).

الحديث الثالث: خطب عمر رضي الله عنه بالشام فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ)([17]).

قال الإمام الشافعي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: “قال: فما معنى أمر النبي ﷺ بلزوم جماعتهم؟ قلت: لا معنى له إلا واحد. قال: فكيف لا يحتمل إلا واحداً؟ قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما. ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها”([18]).

الحديث الرابع: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:(نَعَمْ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ:(قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ:(هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ:(فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)([19])

قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث :”دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها” (قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج, والقرامطة, وأصحاب المحنة, وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم, ووجوب طاعته وإن فسق, وعمل المعاصي”([20]).

وقال ابن حجر رحمه الله في ثنايا شرحه لهذا الحديث: “قال ابن بطال رحمه الله: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين, وترك الخروج على أئمة الجور”([21]).

وبالجملة فإن عناية الله تعالى وعناية نبيه ﷺ ببناء المجتمع المسلم من داخله بناءً محكماً قوياً على الألفة والمحبة ووحدة الكلمة واجتماع القلوب عناية لا يحدها وصف ، ولذلك كان من أوليات عمله ﷺ حين وطئت قدمه المدينة: المؤاخاة بين أصحابه j. تلك المؤاخاة التي لم يشهد التاريخ لها نظيراً حين نقلت أصحابه j من التباغض في الجاهلية إلى التحاب في الإسلام، وجعلت غرباء الدار إخوة للأنصار، يقاسمونهم دورهم وأموالهم وضياعهم.

نقول ذلك ونحن نرى الأزمات تسارع للتفريق بين البلدان والشعوب يسعى لذلك من له أغراض سيئة ممن يثيرون الفتن بين الشعوب وذلك بإثارة المشكلات والبلبلة التي تفرق ولا تجمع وتهدم ولا تبني.

إن اجتماع الكلمة ولمّ الشمل من أهم مقومات هذا الدين، ومن الدعائم الأساسية لهذا المجتمع، ولا يتأتى هذا إلا بنبذ الفرقة والتنازع، فعلينا أن نسعى بجد واجتهاد من أجل زرع المحبة، وتوطيد الأواصر الأخوية فيما بيننا، وأن نجتنب الأسباب المؤدية إلى التشتت والتشرذم، فلن يتأتى النصر على الأعداء إلا بعد أن نتوحد على منهج الكتاب والسنة، ونترك الخلاف، ونوحّد الرأي، ونقف صفًا واحدًا في مواجهة الأفكار المنحرفة، ونثبت على نهج الوحدة القائم على التوحيد الذي يجمعنا . إن رهان الشر على أمتنا المسلمة كان ولا يزال وسيظل متوجهًا إلى محاولة زعزعة الصفوف والنيل من دينها ووحدتها، وهذا ما حذرها ربها منه: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين)[الأنفال:46].

إن الأمة لا تصاب من الخارج، ولا تحيط بها الشدائد، ولا تلحقها النكبات وتحيط بها الفتن، إلا بعد أن تصاب من الداخل، فالحصن الحصين للأمة في الأزمات يكمن في الإيمان بالله وحده، وصدق التوكل عليه، وحسن الاعتماد عليه، وتفويض الأمور إليه، والاستمساك بشرعه، ثم في تآزر المجتمع وتماسكه والتفافه حول قادته ودعاته وعلمائه، ولقد رأينا أن الأزمات يخفّ أثر وقوعها، ويقل خطرها على التمسك واجتماع الكلمة، حين ينبري العقلاء لتهدئتها وبيان الحق.

فأين هذه المعاني من تلك الفرق والأحزاب التي ساهمت في تفريق الكلمة وتقسيم المسلمين وعدم اتفاقهم لإقامة الدول والمحافظة على مكتسباتهم؟! من إزالة الطغيان وطلبٍ للعدل والأمان، بل أصبحوا يتقاتلون فيما بينهم ويتآمر عليهم المنافقون لإجهاض منجزاتهم بالفرقة فيما بينهم.

فالاعتصام بالجماعة والائتلاف، والنأي عن الفرقة والاختلاف، أمر واجب على كل مسلم، بل التفريط في هذا الأمر تفريطٌ في أصل من أصول الدين، وقاعدة من قواعد الإسلام الكلية. وبقدر اعتصام المسلم بهذا الأصل العظيم، يكون فلاحه في الدنيا ونجاته في الآخرة([22]).

 

المبحث الثالث: التحذير من التفرق.

من استقرأ الآيات التي جاءت في ذم الفرقة سيظهر له جلياً أنها أكثر عدداً من الآيات التي جاءت في الحث على الجماعة، ولا غرابة في ذلك لأن الجماعة هي الأصل وملازمتها هو الواجب والمطلوب، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، فلذلك جاءت الآيات الكثيرة التي تحذر منه وتحمل في ثناياها الوعيد الشديد لمن ترك الجماعة وفارقها:

أولاً: أدلة الكتاب في التحذير من التفرق والتحزب.

الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) [آل عمران:105 ،106 ،107].

قال ابن جرير رحمه الله: “يعني بذلك جل ثناؤه. ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جرأة على الله، وأولئك لهم يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول جل ثناؤه: فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم”([23]).

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآيات السابقة: “ينهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم”([24]).

وقال القرطبي رحمه الله: ” فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم رحمه الله: وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تجنب المعاصي”([25]).

أما قوله تعالى:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106]، فقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: “يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة  قاله ابن عباس رضي الله عنهما “([26]).

الدليل الثاني: قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[الأنعام:153] قال ابن كثير رحمه الله: ” قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)، وفي قوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)[الشورى:13]، ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا. قاله مجاهد وغير واحد”([27]).         

الدليل الثالث: قال الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون) [الأنعام:159]، قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة:  “يتوعد تعالى، الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء، التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً، ويجعله دينه، ويدع مثله. أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية”([28]).

الدليل الرابع: قوله تعالى:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون} [الروم:30 ،31 ،32].

يقول ابن جرير رحمه الله:”وقوله:(مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) يقول: ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم، وخالفوه ففارقوه وَكَانُوا شِيَعًا يقول: وكانوا أحزاباً فرقاً كاليهود والنصارى”([29])

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: “(مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) ، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقاً، كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين، في التفرق، بل الدين واحد، والرسول واحد، والإله واحد. وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها الله وربطها أتم ربط. فما بال ذلك كله يلغى ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية، أو فروع خلافية، يضلل بها بعضهم بعضاً، ويتميز بها بعضهم على بعض؟ فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان، وأعظم مقاصده، التي كاد بها المسلمين؟

وهل السعي في جمع كلمتهم، وإزالة ما بينهم من الشقاق، المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله، وأفضل الأعمال المقربة إلى الله؟”([30]).

الدليل الخامس: قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيب) [الشورى:13]. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هاتين الآيتين قوله: “أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في الدين”([31]). 

وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله: “والمراد: ولا تتفرقوا في إقامته، بأن ينشط بعضهم لإقامته، ويتخاذل البعض؛ إذ بدون الاتفاق على إقامة الدين يضطرب أمره. ووجه ذلك: أن تأثير النفوس إذا اتفقت يتوارد على قصد واحد؛ فيقوى ذلك التأثير، ويسرع في حصول الأثر؛ إذ يصير كل فرد من الأمة معيناً للآخر؛ فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم، أما إذا حصل التفرق والاختلاف؛ فذلك مفضٍ إلى ضياع أمور الدين في خلال ذلك الاختلاف، ثم هو لا يلبث أن يلقي بالأمة إلى العداوة بينها، وقد يجرهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر؛ ولذلك قال الله تعالى:(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين)[الأنفال:46]” ([32]).

ثانياً: الأدلة من السنة على ذم التفرق والتحذير منه:

الحديث الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:(مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)([33]).

قال ابن حجر رحمه الله: “وقوله (شبراً) قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق”([34]). إلى أن قال: ” والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً بل يموت عاصياً”([35]).

وقال أيضاً: “في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك”([36]).

الحديث الثاني:  عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ)([37]). قلت: الربقة ما يجعل في عنق الدابة كالطوق يمسكها لئلا تشرد، ومعنى الحديث أن من خرج عن طاعة الجماعة وفارقهم في الأمر المجمع عليه فقد ضل وهلك وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة بها فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع

الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ)([38]).

قال النووي رحمه الله: قوله ﷺ: (مات ميتة جاهلية): هي بكسر الميم أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم . وقوله ﷺ: (من قاتل تحت راية عمية)، هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضاً، قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله الإمام أحمد بن حنبل والجمهور. قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية ([39]).

الحديث الرابع: عن عرفجة بن شريح الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: (إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ)، وفي رواية (فَاقْتُلُوهُ)([40]).

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: ” فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين، ونحو ذلك، وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدراً، فقوله ﷺ ، (فاضربوه بالسيف)، وفي الرواية الأخرى: (فاقتلوه) معناه: إذا لم يندفع إلا بذلك”([41]).

الحديث الخامس: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)([42]).

قال النووي رحمه الله:  وأما قوله ﷺ: (والتارك لدينه المفارق للجماعة)، فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج، والله أعلم”([43]).

وهناك أحاديث أخرى كثيرة في ذم الفرقة والتحذير منها، أعرضنا عنها خشية الإطالة. وبالرغم من كل تلك التحذيرات النبوية الواضحة لكن أبى الناس إلا الانحراف والميل عن صراط الله المستقيم، حيث إنهم قد ركبوا كل صعب وذلول وامتطوا حصان الفتنة، بعد أن ركبوا رؤوسهم وأصموا آذانهم حتى لا يسمعوا نصيحة ناصح، أو موعظة واعظ. ومن أشد الظواهر قبحاً وأعظمها انحرافاً وتيهاً ظهور أحزاب ألبسها أصحابها لباس الإسلام وأطلقوا عليها أسماء الإسلام ، وراحوا يهدمون الإسلام بمعول الإسلام .

قال علي بن حسن أبو لوز : “ومن الظواهر التي عمَّت وطمَّت في هذه الأزمنة ظاهرة الحزبية ، فهي ظاهرة وفتنة لأنها فتنت الكثير من شباب الأمة حتى صار الواحد منهم يوالي ويعادي لحزبه ويهتف باسم حزبه ويدافع عن حزبه … إلخ، والله المستعان”([44]) .

 

المبحث الرابع: تاريخ الحزبية في الإسلام.

من المسلَّم به أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ خلاف وإنما حصل الخلاف بوفاة النبي ﷺ فيمن ينصب خليفة للمسلمين فتعقد له البيعة لكن سرعان ما خمدت الفتنة وتمت البيعة لأبي بكر رضي الله عنه وظل الناس في خلافته ينعمون بنعمة الجماعة والإتلاف والمحبة والإخاء ،ثم جاءت خلافة عمر فسار على ما كان عليه الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه ولم يحدث في عهده شيء من الخلاف الذي بسببه تحصل الفرقة والتحزب للجماعات والأفراد، ثم كانت خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه التي حصل فيها التحزب والافتراق وجاءت القاصمة وتفرقت الأمة وتباغضت وتنافرت القلوب، ونسي الناس ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به من الاعتصام بحبله والاجتماع عليه، فأصابهم ما أصاب الأمم السابقة، وحلَّت العداوة والبغضاء محل الألفة والمودة، قال تعالى:(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون)[المائدة:14]. ومن استقرأ التاريخ علم دور عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر ودوره في هذا الجانب المقيت الذي لا تزال الأمة تتجرع مرارته حتى هذا الوقت. فقد كان عدو الله يكيد لأهل الإسلام في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك حينما اجتمع  الناس على عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أغاظه ما رأى من تآلف أهل الإسلام، فسعى لتفريقهم، واجتمع حوله أناس من الجهلة، وممن لا يعرفون مقاصده، فحاصروا عثمان في بيته، حتى قُتِل رضي الله عنه وأرضاه.

وبعد مقتل عثمان بويع علي رضي الله عنه بالخلافة ثم نشأت فرقة الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وكفروه، ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ واستباحوا دماءهم وأموالهم، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنه، ونزعوا البيعة، وولوا عبد الله بن وهب الراسبي أميراً عليهم، واجتمعوا يوم النهروان، فنصحهم أصحاب النبي ﷺ فلم يرجعوا ، وهجمت هذه الفرق المبتدعة على أصحاب النبي ﷺ يريدون مقاتلتهم ، فأمر علي س أصحاب النبي ﷺ بقتالهم، عملاً بوصية النبي ﷺ حيث قال:(لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

فقتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يبق منهم إلا القليل، منهم عبدالرحمن بن ملْجَم، الذي كَمَن لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما خرج للصلاة ، فضربه بسيف شحذه شهراً ، وسقاه السم شهراً ، فمات علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. ثم بعد ذلك نشأت الفرق، كالمرجئة، والشيعة، والمعتزلة.

وقد استمرت هذه الفرق والأحزاب والجماعات تخرج في أهل الإسلام وما زال الأمر هكذا حتى رأينا تأثير هذه الفرق، في الأحزاب والجماعات  المعاصرة، فما من جماعة، أو حزب، أو فرقة معاصرة، إلا فيها أثر تلك الأفكار المتقدمة([45]).

 

المبحث الخامس: آثار الافتراق والتحزب على أمة الإسلام:

الافتراق من آثار الاختلاف ونتائجه وليس من لوازمه، أي يمكن للناس أن يختلفوا مع اجتماع الكلمة وحصول الألفة. وقد اختلف خيار الصحابة في كثير من المسائل العلمية والعملية ولم ينحل عقد الأخوة، ولم ينصرم حبل المودة بينهم، فكان الاختلاف توسعة ورحمة وتنوعاً وإثراء.

ومن آثار الافتراق والتحزب على أمة الإسلام ما يأتي:

1- الضعف والهوان وتسلط الأعداء وتفشي الأهواء , وهذا يعني موت الأمة بأسرها، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بذهاب الريح، حتى تعود الأمة أعداداً بلا عدة، وأرقاماً بلا معنى، أي الحالة الغثائية التي لا تحافظ على موجـود ولا تلوي على مطلوب، فتتداعى الأكـلة إلى قصعة الأمة، فيطمع فيها كل قوي وضعيف، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

2- زعزعة الثقة بالعلماء والحكام والأمة، بل بالإسلام ومناهج العاملين والداعين إليه، فقد جرت عادة الناس في الربط بين الداعي ودعوته نجاحاً وفشلاً. ومن ثم إتاحة الفرصة لظهور تيارات من التشكيك والدعوة للانسلاخ من الدين.

3- إتاحة الفرص لاحتواء بعض الرموز أو بعض الجماعات أو بعض الدول من قِبل أعداء الأمة والانفراد بها؛ إغراء وإغواء.

4- انتزاع البركة من الأفراد والجماعة ومن الأمة بأسرها، وتركها لنفسها، تصديقاً لقوله ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي ـ أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ)([46]).

5- من آثار الافتراق: التخاذل المتبادل بين أفراد الأمة وجماعاتها ودولها وحكوماتها، وأن يُسلم بعضهم بعضاً إلى الأعداء والفتن، بل والتحرش بهم، وتهييج الأعداء عليهم؛ نكاية ووشاية وشماتة.

6- الافتراق والتعادي يؤكد ما يقوله المستشرقون أن العالم الإسلامي لم ينعم بالهدوء إلا صدراً من جيل الخلافة الراشدة، وبعدها تعرضت دولة الإسلام إلى النزاعات والصراعات الداخلية التي لم تنقطع، وربما ربطوا ذلك بطبيعة الدين نفسه، وقد اشتهرت صراعاتنا السياسية على كافة المنابر وعلى الملأ.

7- الافتراق والتعادي يحرم الأمة من محاسن الاختلاف، وهو ما يعبر عنه باختلاف التنوع، وهو ثروة علمية ضخمة تميز بها التراث الفقهي الإسلامي، تدل على قوة إبداع، وعمق تفكير، وتوفر مساحة واسعة ومتنوعة من الآراء والاجتهادات تستفيد منها الأمة في مواجهة مستجدات الحياة المعاصرة، وتنوعها، وتفاوتها من بلد إلى بلد، ومن بيئة إلى بيئة.

8- التنازع والتفرق يصيب البعض بالإحباط والتثبيط فينزوي بعيداً، وينكفئ على نفسه مؤثراً السلامة كما تزيِّن له نفسه، فتُحرم الأمة من خيره وجهده وإضافاته، وربما كان أسوة سيئة، ونموذجاً سلبياً لغيره، فيقوى تيار الانعزال والانزواء، فتجمد حركة الأمة، ويضعف رصيدها في مجال الإبداع والتقدم.

9- التنازع والتفرق يُشغل الأمة عن همومها العظام، وتحدياتها الجسام، وتستمرئ الأمة حرباً طاحنة فيما بينهـا، حتى يأكل بعضها بعضاً، ويلعن بعضها بعضاً، في حين أنه كان الأولى أن توجه هذه الجهـود  والطاقات نحو البناء والتنمية.

10- التنازع والتفرق يُفقد الناس والأمة الشعور بوحدة الجسد ووحدة الهم ووحدة المصير، مما يحدو بكل طائفة أن تتصرف بمفردها بمعزل عن الأمة، وربما أدى ذلك التصرف الانفرادي إلى مآسٍ تعود على الأمة جمعاء بآثارها وتبعاتها.

12- إشاعة روح التفرق والتمزق، وبروز المزيد من النحل والطوائف المتناحرة، بل جرت العادة أن التيار الواحد ينقسم على نفسه مرات ومرات، حتى خرج تعدادها عن المألوف وتجاوزت المعروف، وبعضها يقوم وليس لها من مبرر؛ فإن اختلف ثلاثة مع جماعة شكلوا جماعة أخرى، وإذا فصل خمسة من تنظيم أنشأوا تنظيماً جديداً، وإن طردت مجموعة من حركة كونت حركة تصحيحية([47]).

13- إن أهل الأحزاب يتبعون أهواءهم ولا يهتمون بالعلم النافع ولا يحبون الناصحين، ولهذا كانوا سبباً في انتشار الجهل وانحصار العلم الشرعي الصحيح، وصرف الشباب وإشغالهم بما يضرهم ولا ينفعهم ، إن الحزبية أوجدت فجوة – بقصد – بين الأمة وخاصة الشباب وبين أهل الإسلام الصحيح.

   

المبحث السادس: خطر الحزبيات على بلاد المسلمين.

ذكرنا فيما سبق خطورة التفرق والتنازع والتحزب، وأن الاجتماع قوة تتضاءل إلى جانبها كل القوى المتفرقة، فحالات التنازع والفرقة التي يغرق فيها المسلمون حتى آذانهم تأكل أخضرهم ويابسهم، وتأتي على جهودهم للنهوض والتقدم عن بكرة أبيها، وتُفْشِل كثيرًا من ممارساتهم تجاه محاولات التجمع على كلمة سواء. 

والمستفيد الأول من حالة التنازع ما بين المسلمين بشكل عام والدعوات الإسلامية بشكل خاص هم أعداء هذا الدين، سواء من الداخل أم من الخارج.

والمتأمل لحال كثير من البلاد الإسلامية التي عصفت بها رياح الفتن والاختلافات ودخلها التفرق وتغلغلت بها الحزبيات والجماعات يرى العجب.

لقد وصل الحال بالمسلمين نتيجة لتعدد الجماعات والأحزاب والفرق والطوائف إلى أن تعدى بعضهم على بعض بالتهم والإشاعات الكاذبة والسباب حتى اعتدى بعضهم على بعض. 

فالحزبية كانت وما تزال حجاباً عن معرفة الحق لداء التعصب المقيت الذي يلازمها وهي كذلك من أسباب ضعف الغيرة على التوحيد الخالص، بل هي سبب للفرقة التي هي من أقوى المعاول التي حطمت بها الأمة ولا تزال، فالحزبيـون لا يهمهم إلا أنفسهم ومن على شاكلتهم، وأما غيرهم فمهما كان صلاحه وتقاه فهو عقبة في طريقهم.

ومن أهم ما يمكن تلخيصه في جانب خطورة الحزبيات على المسلمين ما يأتي:

1 – أن المنتمين إلى الحزبيات والأحزاب يجعلون حزبهم هو محور الولاء والبراء والحب والعداء وذلك مشاقة لله ولرسوله ومحادة لله ولرسوله حيث جعل الله عز وجل محور الولاء والبراء هو الإيمان بالله ورسوله قال تعالى:(لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)[المجادلة:22].

2 – أنه يلزم من الحزبية اتخاذ المبتدعين أئمة يحتذى قولهم، ويقتدى بأفعالهم، ويتخذون قدوة وأسوة، ويكون قولهم وتقعيدهم وتنظيرهم مسلماً، وإن خالف الحق، وهذا نوع مضاهاة لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم) [الحُجُرات:1].

3 – أن الحزبية تقوم على التسليم بآراء الجماعة وتوزيعها ونشرها وجعلها قطعية الثبوت غير قابلة للنقد ولا للنقاش، فالمؤسسون لها أجل من أن ينتقدوا، وأكبر من أن يخطئوا في نظر أتباعهم فيتخذونهم بذلك أرباباً ومشرعين وينطبق عليهم قول الله تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون) [التوبة:31].

4 – أن الشعائر التعبدية المأمور بها شرعاً يتحول الأداء فيها من واجب تعبدي إلى واجب حزبي فيخدش الإخلاص إن لم يهدمه ويكون الملاحظ في الأداء هو إرضاء الحزب لا إرضاء الله.

5 – إهدار المال العام والخاص وذلك لأن الدول التي تسمح بالتعددات الحزبية تبذل للأحزاب الرسمية فيها بعضاً من المال من أجل إدارة شؤون الحزب، والقيام بنشاطاته المحددة بحسب قانون كل دولة، وكذلك فإن الأحزاب قد تحصل على جزء آخر من المال من قبل أعضائها المنتمين لها، أو من قبل المتعاطفين معها من الأثرياء في المجتمع، والملاحظ أن هذه الأموال قد تهدر بلا طائل في أوج المنافسة الانتخابية؛ وذلك من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من المؤيدين مما يكون له التأثير السلبي على اقتصاد هذه الدول.

6 – التنافس بين الأحزاب مما يؤدي إلى نمو الأحقاد والكراهية في نفوس المتحزبين بعضهم تجاه بعض، بل إن الأمر قد يصل إلى حد الاقتتال وإزهاق الأرواح، ونشوب الحروب الأهلية أو العصيان المدني كما هو موجود الآن للأسف الشديد في بعض الدول الإسلامية وغيرها من الدول.

7 – عدم الاستقرار في الأنظمة والقوانين، والتوجه ذات اليمين مرة وذات الشمال مرةً أخرى، حيث إن كل حزب يصل إلى السلطة يحاول أن يفرض عقيدته على الدولة ويكيف نظامها العام بحسب عقيدته هو، مما يؤدي إلى تشريع قوانين كانت محرمة في ظل سابقيه من الأحزاب أو العكس.

8 – ومن خطورة الأحزاب على الدول الانقلاب على السلطة رغبة في تغييرها ولو وصل ذلك بحد السيف، بل لو وصل ذلك إلى إزهاق النفس البشرية المعصومة.

إذاً فخطر هذه الأحزاب والجماعات على أهل الإسلام، وعلى دولة الإسلام كبير جداً، فقد قتل عثمان رضي الله عنه ، وقتل علي رضي الله عنه، وافترقت الأمة الإسلامية بعد ذلك إلى فرق وأحزاب بسبب هذه الجماعات، وما زالوا يخرجون على أمة الإسلام في كل زمن، وفي كل حين، يُفرّقون الجماعة، ويضربون المسلمين بعضهم ببعض([48]).

 

المبحث السابع: طرق ووسائل أهل الافتراق والتحزب.

تنوعت طرق ووسائل دعاة الافتراق والتحزب في الدعوة إلى بدعتهم السيئة وذلك من أجل قلقهم من أن تعيش هذه البلاد في أمن وطمأنينة وتلاحم بين قيادتها وشعبها، ولكن الله حافظ دينه وناصر كلمته ومعز سلطانه ولو كره الحاقدون. ومن أهم طرق ووسائل الحزبيين في تفرقة الناس عن قادتهم وجرهم للخروج عليهم ما يأتي:

1 – أنهم يمتنعون عن الدعاء لولاة الأمور ويجتهدون في بذر الفرقة والخلاف بين عامة الناس وولاة أمورهم بنشر الكذب والزور وتضخيم بعض الأمور فوق حجمها وتوزيع المنشورات في كل مكان.

2 – إخفاء محاسن ولاة الأمر: فلا يظهرون شيئاً من محاسنهم، ويكرهون الحديث عن محاسنهم، ليوهموا الناس أنه ليس عندهم شيء من الخير، وبالتالي يكرههم الناس، فيتهيأ الشباب للخروج على ولاة أمرهم وإذا حصل من ولاة الأمر شيء من الخير شككوا في نياتهم.

3 – إسقاط هيبة العلماء عند الناس وذلك من خلال اتهامهم أنهم لا يفقهون الواقع، وأنهم علماء السلطان، لأنهم يفتون بما فيه مصلحة الدولة ، إلى غير ذلك.

4 – ليّ أعناق النصوص لتوافق أهواءهم: فتراهم يستدلون ببعض النصوص الشرعية التي يحملونها على غير محملها، فيتأولونها من أجل تقرير أن التفرق في الدين هو الأصل، فلا مانع من أن يكون كل واحد منضمًا لجماعة أو حزب من الأحزاب، ولا شك أن هذا فهم خاطئ لنصوص الكتاب والسنة.

5 – التشهير بولاة الأمر بحجة إنكار المنكر، وإثارة الناس ضدهم حتى يخرج الناس في تظاهرات وفوضى، فعند ذلك يتمكن أهل الأهواء من عمل ما يريدون.

6- ومن أهم وسائل وطرق الجماعات الحزبية أنها لا تعتنى بنشر عقيدة السلف والدعوة إلى التوحيد الخالص، والتحذير من البدع والشركيات المنتشرة؛ مع اهتمامها البالغ (بالتجميع) على حساب التصفية، وبالكم لا الكيف.

 

المبحث الثامن: النظرة الشرعية للتعددات الحزبية.

من استقرأ النصوص الشرعية أيقن أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار ومختلفة المناهج والأساليب ليس من الإسلام في شيء، وأن الواجب على كل مسلم أن يحرص على أن يكون من الفرقة الناجية، وليس هناك حزب فالح إلا حزب الله تبارك وتعالى. والدليل على ذلك ما يأتي :

أولاً : أنه لم يأت لفظ (الأحزاب) في نصوص الشرعية إلا مقترنة بالذم والوعيد، واقتصرت الإشارة بها إلى أعداء الدين، وفي المقابل لم يشر إلى جماعة المسلمين بتعبير الأحزاب قط، وإنما أشير إليهم بصيغة المفرد على أنهم حزب الله، وذلك في موضعين اثنين في القرآن الكريم؛ فدل ذلك على أن المذهبية الإسلامية لا تتسع إلا لحزب واحد فقط هو حزب الله، أما الأحزاب فهي تعبير يتسع لجميع الفرق والنحل الخارجة عن جماعة المسلمين([49]).

2- الأدلة التي سبق ذكرها التي وردت في النهى عن التفرق والحض على الاجتماع.

3- أن معقد الولاء والبراء هو الإسلام لا غير، وقد سبق أن الحزبيات والأحزاب يجعلون حزبهم هو محور الولاء والبراء والحب والعداء وذلك مشاقة لله ولرسوله ومحادة لله ولرسوله حيث جعل الله عز وجل محور الولاء والبراء هو الإيمان بالله ورسوله.

4- الأدلة التي تنهى عن التنافس في طلب الإمـارة، وتتوعد من يفعل ذلك

بالخذلان وسوء العاقبة؛ كحديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)([50]).

5- الأدلة التي تنهى عن تزكية النفس والطعن في الآخرين؛ كقوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا)[النساء:49]، وقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم:32]، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) [الحُجُرات:11].

6- الأدلة التي توجب الطاعة للأئمة في غير معصية، وتنهى عن منازعتهم وتحرم الخروج عليهم؛ كقوله ﷺ:(اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)([51]).

ومن فتاوى اللجنة الدائمة حول هذا الموضوع ما نصه:

“لا يجوز أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعاً وأحزاباً يلعن بعضهم بعضاً ويضرب بعضهم رقاب بعض، فإن هذا التفرق مما نهى الله عنه، وذم من أحدثه أو تابع أهله وتوعد فاعليه بالعذاب العظيم، وقد تبرأ الله ورسوله ﷺ منه، قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ)[آل عمران:103]، إلى قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم) [آل عمران:105]. الآيات، وقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون)[الأنعام:159]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:(لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)([52])، والآيات والأحاديث في ذم التفرق في الدين كثيرة .

أما إن كان ولي أمر المسلمين هو الذي نظمهم ووزع بينهم أعمال الحياة ومرافقها الدينية والدنيوية ليقوم كل بواجبه في جانب من جوانب الدين والدنيا فهذا مشروع، بل واجب على ولي أمر المسلمين أن يوزع رعيته على واجبات الدين والدنيا على اختلاف أنواعها، فيجعل جماعة لخدمة علم الحديث من جهة نقله وتدوينه وتمييز صحيحه من سقيمه.. إلخ، وجماعة أخرى لخدمة فقه متونه تدويناً وتعلماً، وثالثة لخدمة اللغة العربية قواعدها ومفرداتها وبيان أساليبها والكشف عن أسرارها، وإعداد جماعة رابعة للجهاد وللدفاع عن بلاد الإسلام وفتح الفتوح وتذليل العقبات لنشر الإسلام، وأخرى للإنتاج صناعة زراعة وتجارة.. ….إلخ.

فهذا من ضرورات الحياة التي لا تقوم للأمة قائمة إلا بها، ولا يحفظ الإسلام ولا ينتشر إلا عن طريقه، هذا مع اعتصام الجميع بكتاب الله وهدي رسوله ﷺ وما كان عليه الخلفاء الراشدون وسلف الأمة ووحدة الهدف وتعاون جميع الطوائف الإسلامية على نصرة الإسلام والذود عن حياضه وتحقيق وسائل الحياة السعيدة، وسير الجميع في ظل الإسلام وتحت لوائه على صراط الله المستقيم، وتجنبهم السبل المضلة والفرق الهالكة، قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[الأنعام:153]” ([53]).

 

المبحث التاسع: التحذير من الحركات التي تدعي الإصلاح السياسي.

من نظر إلى حال الأمة الإسلامية يرى أنها تعيش في دوامة من البلايا والكوارث والهوان والذل بسبب بُعد أغلبيتها عن تعاليم الإسلام، وهذا البعد يشمل العقائد والعبادات والأخلاق والسياسة والاقتصاد ومن أدوائهم المهلكة الإصرار على الباطل والتمادي فيه وفقدان الاستعداد من معظمهم للرجوع إلى الله وإلى الرسول في قضايا الخلاف العقائدية والمنهجية والسياسية …إلخ.

ومن أعظم البلايا التي تعاني منها الأمة الآن ما يسمى بالحركات والأحزاب التي تدعي الإصلاح والتغيير. هذه الحركات السياسية التي تدعي أنها تحمل هموم الأمة وأنها تسعى لإنقاذها من الهوان والذل وهي أشدها نكاية على الإسلام والمسلمين مع الأسف.

ومن أهم المبادئ والأهداف التي يسعى إليها أصحاب ما يسمى بالإصلاح السياسي المزعوم ما يأتي:

1- حكم الشعب للشعب.      

2- تحقيق المشاركة الشعبية على أوسع مستوى في سن التشريع.

3- التداول السلمي للسلطة. وهذا بلا شك يصادم الشريعة في أمور منها:

– تحريم تولية الفاسق أو المبتدع أو الكافر.            

– وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم.

– وجوب لزوم الجماعة.                              

– تحريم الخروج على السلطان ولو جار أو فسق.

4- تقرير مبدأ الانتخابات وصناديق الاقتراع.

5- تقرير مبدأ حرية الفكر والدين والاعتقاد والرأي والصحافة.

6- تقرير مبدأ حريةُ التعددية الفكرية، وتكوين الأحزاب.

ومن هنا نعلم أن دعوى الإصلاح السياسي هي دعوة خارجية تغريبية تدعي الإصلاح ولكنها تسعى للإفساد والله تعالى يقول: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُون)[البقرة:11 ،12]، ويقول أيضاً: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين)[الأعراف:56].

وأسباب الانحراف في فهم وتصور دعاة الإصلاح يرجع لأمور:

الأول: التأثر بمذاهب أهل البدع التي تقرر هذه المخالفات.

مثاله تأثر بعض دعاة التغيير والإصلاح بمذهب الخوارج الذي مهد لهم السعي إلى إسقاط هيبة السلطان والإنكار عليه علانية، والسعي في التأليب عليه واستعمال المظاهرات ضده أو للضغط عليه بل والسعي في خلعه وإزالته وهذا هو حقيقة الغاية والمقصدُ ،وذلك أن الخوارج قائلون أصلاً بوجوب خلع الإمام بمجرد الفسق وارتكاب كبيرة، ولا يرون له عند ذلك حرمة ولا طاعة، بل يستبيحون دمه، وكثير من هؤلاء يقول بقول الخوارج من التكفير بالكبيرة والقول بإزالة الحاكم الجائر أو الفاسق أو يلمح به إن لم يصرح.

الثاني: الخلل في فهم التشريع السياسي الإسلامي، وبناء التصور السياسي على وفق المبادئ الغربية الإلحادية، فأساؤوا الظن بالأصول الشرعية في هذا الباب أو جهلوها، واعتقدوا ما يضادها، فمن الحكم لله إلى تحكيم الأصوات ومن سيادة الشريعة إلى سيادة الشعب أو الدستور ومن العبودية لله إلى الحرية الفردية ومن سعة وجلال وعلو الأخوة الدينية إلى ضيق ونتن القومية أو الوطنية، كل ذلك تأثراً بالتيارات الفكرية الغربية ونظريات الليبرالية السياسية أو إرضاء للقوى الخارجية مقابل تمكينهم من السلطة.

الثالث: الخلل في تصور واجبات الحاكم، والتأثر بالنظرة الغربية الشهوانية.

فالكثير من الناس يعتقد أن مسؤولية الحاكم الأولى هي توفير الراحة والرفاهية وأسباب السعادة والمتعة للشعب، مع مجانية العلاج والتعليم، لتحقيق الرفاهية والمتعة، وهكذا رعاية المعوقين وتوفير الوظائف والرواتب، والصحيح أن هذا لا يلزم الدولة ابتداء فضلاً عن كونه أول مسؤوليات الحاكم، لاسيما إذا كانت الدولة فقيرة، وبعض ذلك وإن دخل في عموم المصالح العامة، فإما أن يكون مباحاً فيجوز السعي إليه ويُؤخذ منه بقدر الحاجة والقدرة، وأما ما كان واجباً أو مستحباً فإنه ينظر إليه بحسب درجته بين الأولويات الشرعية.

وأهم ما يتعلق بالمصالح الدنيوية يرجع إلى الأمرين الذين ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية وهما قَسم المال بين مستحقيه بالعدل وردع المعتدين والجناة، والمقصود إعطاء الناس حقوقهم المالية ودفع الصائل عنهم وحمايتهم، وتكميل ذلك بتوفير الخدمات التي تيسر أمور حياتهم ومعيشتهم، والناس بطبيعة الحال إذا أعطوا الأمن والعدل قاموا بتدبير شؤون حياتهم والتصرف فيها والتكسب بما يعود عليهم بالخير والرفاهية، والدولة تقوم بمعونتهم في ذلك بقدر الاستطاعة وبما يوافق أحكام الشريعة، ولكن عدم الفهم الصحيح لهذه النقطة يساهم في وقوع الانحراف في فهم الأولويات في الإصلاح، وبالتالي اتهام الآخريـن بالتقصير والإخلال([54]).

   

المبحث العاشر: واجب أهل العلم والدعاة نحو الافتراق والتحزب.

للعلماء منزلة عظيمة في المجتمع المسلم، فهم ورثة الأنبياء، كما أخبرنا بذلك رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وأن غياب أثر العلماء أو انشغالهم مدعاة لتصدير غير الأكفاء الذين يضلون الناس بالفتوى بالباطل أو بغير علم وحينذاك يتعرض المجتمع للهلاك. ويتأكد دور العلماء في مثل هذه القضايا الخطيرة لا سيما في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها المجتمعات الإسلامية؛ لأن وسائل الإعلام غدت اليوم من أشد المؤثرات في حياتنا الفردية والاجتماعية ونجحت في تضليل الرأي العام في الشعوب الإسلامية. وأصبحت هي التي تصنع العقول والميول والأذواق والاتجاهات الفكرية والنفسية عند معظم الناس.

قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله حول دور العلماء:” فالواجب على علماء المسلمين توضيح الحقيقة ومناقشة كل جماعة أو جمعية ونصح الجميع بأن يسيروا في الخط الذي رسمه الله لعباده، ودعا إليه نبينا محمد ﷺ ، ومن تجاوز هذا أو استمر في عناده لمصالح شخصية أو لمقاصد – لا يعلمها إلا الله – فإن الواجب التشهير به، والتحذير منه ممن عرف الحقيقة، حتى يتجنب الناس طريقهم، وحتى لا يدخل معهم من لا يعرف حقيقة أمرهم فيضلوه ويصرفوه عن الطريق المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه في قوله جل وعلا: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)   [الأنعام:153].

ومما لا شك فيه أن كثرة الفرق والجماعات في المجتمع الإسلامي مما يحرص عليه الشيطان أولاً وأعداء الإسلام من الإنس ثانياً، لأن اتفاق كلمة المسلمين ووحدتهم وإدراكهم الخطر الذي يهددهم ويستهدف عقيدتهم يجعلهم ينشطون لمكافحة ذلك والعمل في صف واحد من أجل مصلحة المسلمين ودرء الخطر عن دينهم وبلادهم وإخوانهم، وهذا مسلك لا يرضاه الأعداء من الإنس والجن، فلذا هم يحرصون على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم وبذر أسباب العداوة بينهم.

نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يزيل من مجتمعهم كل فتنة وضلالة، إنه ولي ذلك والقادر عليه”([55]).

ويبرز دور العلماء والدعاة في المجتمع نحو الافتراق والتحزب فيما يأتي:

1 – استشعار العلماء والدعاة مسؤوليتهم تجاه فكر الافتراق والتحزب وعليهم أن يدركوا خطــورة سلوك هذا المنهج على الأفراد والمجتمعات.

2 – السعي لتوعية المنخرطين في هذا الفكر المنحرف وما يسيطر عليهم من أفكار؛ وذلك لأنهم مكلفون بتحمل المسؤوليات ولما يترتب على توعية أصحاب هذا الفكر من سعادة الأمة في حاضرها ومستقبلها وذلك بحفظ دينها وقيمها وأمنها واقتصادها ووحدتها .

3- إرشاد وتوجيه الناس إلى أهمية اجتماع الكلمة والنهي عن الافتراق والتحزب والتأكيد على خطورة ذلك، والتحذير من عواقبه، وتبصير الناس بأبعاد القضية، وتفنيد الادعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، وإعلام الناس بغاية الشريعة الإسلامية ومراد دينهم منهم أفرادًا ومجتمعاً ، وأن يشرحوا للناس هذه الغاية ويلفتوا أنظار الناس إلى جوانبها حتى يدركوها لأنفسهم وينشئوا ناشئتهم عليها .

4 – إعلام الناس بالمنهج التوجيهي الصحيح الذي يسير عليه العلماء والدعاة والذي يجب على الناس اتباع أصحابه والتمسك بتوجيههم وإرشادهم دون من سواهم. وتحذير الناس من المناهج التي تعتمد على الآراء والأهواء والأغراض دون نظر إلى مراد الشرع ومقصد الحق .

5 – توجيه أفراد المجتمع للمحافظة على هويتهم وانتمائهم لعقيدتهم وقيمهم ووطنهم، انتماءً تغمره أحاسيس العزة والتضحية؛ لأن هذا الانتماء يعيد حياة الفرد في ضميره الذي يشكل أهم أبعاد شخصيته، كما أنه يعيد حياة الفرد في الدولة التي يعيش فيها، ويقوم بدور مهم في إخلاصه وجديته في العمل من أجل إثبات استحقاق نعمة العيش في ظلالها.

6 – بيان انعكاس سلوك التحزب والتفرق والتشرذم على صورة الإسلام وأهله عند غير المسلمين. فينبغي على العلماء والدعاة أن يبرزوا الأثر السلبي الذي يحدثه هذا السلوك في الصد عن دين الله تعالى حتى لا يحمل أحد معول الهدم للدعوة والإسلام وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ويرفع دين الله تعالى.

7 – أن واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة التركيز على الشباب وأن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع، ويبينوا لهم الطريق الصحيح، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، وأن يرشدوهم ويأخذوا بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط. فنحن أمة وسط تمثل الاعتدال في كل الأمور. في حين أن كثيراً من الشباب قد غفلوا أنّ علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا في هذا الخضم الزاخر وحدهم دون مرشد يأخذ بأيديهم ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات ويرد الفروع إلى أصولها. والعلماء لهم هذه المكانة العزيزة في نفوس كل المواطنين.

 

خاتمة البحث.

في نهاية هذا البحث يحسن أن أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلاله.

أولاً: أن الافتراق في الدِّين مذموم جاءت نصوص الشريعة بالنهي عنه والتحذير منه.

ثانياً: أن الافتراق له عدَّة معان منه التفرق في الدين والاختلاف فيه، ومنه الافتراق عن جماعة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن كان على منهجهم وهديهم في أمر يقتضي الخروج عن أصولهم في الاعتقاد أو الشذوذ عنهم في المناهج أو الخروج على أئمتهم أو استحلال السيف فيهم.

ثالثاً: أن الحزبية هي كل جماعة لها رأس ، سواء قلت أم كثرت ، توالي وتعادي على أساس الحزب وتنتصر لإرادته ومقرراته .

رابعاً: أن نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) زاخرة بالأمر بالاجتماع والاعتصام ، والنهي عن التحزب والافتراق وقد أولت هذا الجانب واعتنت به عناية فائقة وذلك لما في الاجتماع من تقوية الأمة الذي يتحقق من خلاله عزها، ويدوم به أمنها واستقرارها.

خامساً: أن التفرق والتحزب لم يكن موجوداً  في عهد النبي ﷺ إنما حصل منذ خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وبسببه تفرقت الأمة وتباغضت وتنافرت القلوب، ونسي الناس ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به من الاعتصام بحبله والاجتماع عليه، فأصابهم ما أصاب الأمم السابقة، وحلَّت العداوة والبغضاء محل الألفة والمودة.

سادساً: أن من قرأ التاريخ علم علماً يقينياً أن اليهود لهم الدور الكبير في بث الافتراق والاختلاف في الأمة، منهجهم في ذلك “فرِّق تسد”، فهم من يسعى دائماً في عدم استقرار بلاد المسلمين ولا أدَّل على ذلك ما كان قام به عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر ودوره في هذا الجانب المقيت الذي لا تزال الأمة تتجرع مرارته حتى هذا الوقت.

سابعاً: أن التحزب والافتراق له آثاره الوخيمة على البلاد والعباد ومن أعظم مفاسده حصول الضعف والهوان وتسلط الأعداء وتفشي الأهواء، وزعزعة الثقة بالعلماء والحكام والأمة،  وانتزاع البركة من الأفراد والجماعة ومن الأمة بأسرها، وتركها لنفسها، إلى غير ذلك مما تناولناه في البحث.

ثامناً: أن المستفيد الأول من حالة التنازع بين المسلمين بشكل عام والدعوات الإسلامية بشكل خاص هم أعداء هذا الدين، سواء من الداخل أم من الخارج.

تاسعاً: أن من مساوئ وخطورة الحزبيات أن المنتمين لها يجعلون حزبهم هو محور الولاء والبراء والحب والعداء، والتسليم بآراء الجماعة، وجعلها قطعية الثبوت غير قابلة للنقد ولا للنقاش، ولا يخفى ما بين هذه الحركات الحزبية من التنافس بين الأحزاب مما يؤدي إلى نمو الأحقاد والكراهية في نفوس المتحزبين بعضهم تجاه بعض.

عاشراً: أن من خطورة الأحزاب على الدول حصول الانقلابات على السلطة رغبة في تغييرها ولو كان ذلك بحد السيف وإزهاق النفس البشرية المعصومة.

الحادي عشر: أن خطر هذه الأحزاب والجماعات على أهل الإسلام، وعلى دولة الإسلام كبير جداً، فقد قتل عثمان رضي الله عنه وقتل علي رضي الله عنه، وافترقت الأمة الإسلامية بعد ذلك إلى فرق وأحزاب بسبب هذه الجماعات، وما زالوا يخرجون على أمة الإسلام في كل زمن، وفي كل حين، يُفرّقون الجماعة ، ويضربون المسلمين بعضهم ببعض.

الثاني عشر: أن طرق ووسائل أهل الافتراق والتحزب متنوعة وذلك من أجل قلقهم من أن تعيش هذه البلاد في أمن وطمأنينة وتلاحم بين قيادتها وشعبها، فهم يمتنعون عن الدعاء لولاة الأمور ويلوون أعناق النصوص لتوافق أهواءهم، ويجتهدون في بذر الفرقة والخلاف بين عامة الناس وولاة أمورهم بنشر الكذب والزور وتضخيم بعض الأمور فوق حجمها.

 الثالث عشر: أن من استقرأ النصوص الشرعية أيقن أن التحزب والتكتل في جماعات مختلفة الأفكار ومختلفة المناهج والأساليب ليس من الإسلام في شيء.

الرابع عشر: أن من أعظم البلايا التي تعاني منها الأمة الآن ما يسمى بالحركات والأحزاب التي تدعي الإصلاح والتغيير، وهي في الحقيقة دعوة خارجية تسعى للإفساد وتفرق الأمة، وزعزعة الاستقرار.

الخامس عشر: أن أعظم أسباب الانحراف في فهم وتصور دعاة الإصلاح يرجع إلى التأثر بمذاهب أهل البدع، والخلل في فهم التشريع الإسلامي، وبناء التصور السياسي وفق المبادئ الغربية الإلحادية، والخلل في تصور واجبات الحاكم، والتأثر بالنظرة الغربية الشهوانية.

السادس عشر: أن دور العلماء والدعاة في المجتمع حول هذه النبتة الخبيثة يعني (الحزبية) هو استشعارهم بخطورة هذا الفكر، فالواجب عليهم محاربته وذلك بالسعي لتوعية المنخرطين في هذا الفكر المنحرف وما يسيطر عليهم من أفكار، وإرشاد وتوجيه الناس إلى أهمية اجتماع الكلمة والنهي عن الافتراق والتحزب والتأكيد على خطورة ذلك، والتحذير من عواقبه، وتبصير الناس بأبعاد القضية، والتركيز على الشباب بإرشادهم والأخذ بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط.

وفي الختام أسأل الله أن ينفع بهذا البحث، ويجعله خالصا لوجهه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

مراجع البحث.

آثار الافتراق على الأمة الإسلامية. د. عثمان علي حسن .
التحرير والتنوير: ابن عاشور التونسي. الناشر: الدار التونسية للنشر تونس.
التمهيد لابن عبد البر: نشر وزارة عموم الأوقاف بالمغرب تحقيق: مصطفى العلوي, محمد البكري.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش: دار الكتب المصرية، القاهرة
الرسالة : للشافعي تحقيق: أحمد شاكر. الناشر: دار الكتب العلمية.
الصحاح، للجوهري. المحقق: يوسف الشيخ محمد. الناشر: المكتبة العصرية. بيروت.
الغلو وأثره في الانحرافات العقدية والمنهجية. أبو سيف خليل بن إبراهيم العراقي.
المعجم الأوسط تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد, عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. الناشر: دار الحرمين ـ القاهرة.
المستدرك على الصحيحين: تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
الافتراق مفهومة – أسبابه – سبل الوقاية منه  د : ناصر عبد الكريم العقل.
الاستقامة. لشيخ الإسلام ابن تيمية : تحقيق: د. محمد رشاد سالم : جامعة الإمام محمد بن سعود المدينة المنورة الطبعة: الأولى، 1403هـ.
تفسير القرآن العظيم : بن كثير تحقيق: محمد حسين شمس الدين: دار الكتب العلمية.
تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة ـ عفاف بنت حسن مختار: مكتبة الرشد.
تيسير الكريم الرحمن: السعدي تحقيق: اللويحق : مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى.
جامع البيان في تأويل القرآن. للإمام الطبري. تحقيق: أحمد محمد شاكر. نشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1420 هـ 2000 م
حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية للشيخ بكر أبو زيد
سنن ابن ماجه: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر: دار إحياء الكتب العربية.
سنن أبي داود. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد الناشر: المكتبة العصرية بيروت.
سنن الترمذي تحقيق :بشار عواد . دار الغرب الإسلامي  بيروت . ط: 1998 م.
شرح صحيح مسلم للنووي: الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: دار طيبة ـ الرياض ، 1402.
صحيح البخاري: دار ابن كثير ، اليمامة ـ بيروت الطبعة الثالثة ، 1407هـ ـ 1987م.
صحيح  مسلم : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني الناشر: المكتب الإسلامي.
صحيح سنن ابن ماجه ـ تحقيق محمد ناصر الدين الألباني الناشر: مكتبة المعارف.
فتح الباري شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني . طبعة : دار الفكر.
فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز ، محمد بن سعد الشويعر.
لسان العرب ، لابن منظور. الناشر: دار صادر ـ بيروت الطبعة: الثالثة ـ 1414 هـ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية : 1416هـ/1995م
مجلة البحوث الإسلامية الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة السعودية.
مجلة رابطة العالم الإسلامي العدد (2295).
مشكاة المصابيح للتبريزي: محمد ناصر الدين الألباني . المكتب الإسلامي ـ بيروت.
مسند الإمام أحمد. تحقيق: شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى.
مفهوم الجماعة والإمامة ووجوب لزومهما :د. سليمان أبا الخيل .
مناهج أهل الأهواء والافتراق والبدع وأصولهم وسماتهم. د ناصر عبدالكريم العقل.
وسائل أهل الباطل في تقرير أباطيلهم. للشيخ محمد عمر بازمول.

  

 

 

رسالة بعنوان

 الجماعات الحزبية

خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام

عام 1432هـ

    

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وبعد:

بعث الله تعالى رسوله محمداً ﷺ من جزيرة العرب إلى الإنس والجن عامة ينذرهم عن الشرك ويدعوهم إلى التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، والبراءة من الشرك وأهله، والولاء للتوحيد وأهله.

وقد مكث النبي ﷺ عشر سنين يثبت العقيدة في نفوس أصحابه حتى قويت جذورها واشتد أصلها، وبعد ذلك عرج به إلى السماء وفرضت الصلوات الخمس، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، ولما استقر بها أمر ببقية الشرائع من الزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغيرها من شرائع الإسلام.

وعاش المجتمع المدني في أمن وطمأنينة بعد أن أنعم الله عليهم بفضله بالألفة والاجتماع بعد اجتماع القلوب على إخلاص الدين لله ومتابعة رسوله ﷺ وهذا هو منطلق الإسلام ومبنى جماعة المسلمين ومنهج النبي المصطفى ﷺ التربية على العقيدة وتصديق ذلك بالعمل.

وبهذا الأمر أصبح الصحابة سادة العالم ثم لا يزال الأمر كذلك حتى بدأت الفرق والأحزاب تنخر في جسم الأمة وتمزقها متخذة كل وسيلة لهدم كيان الأمة المتماسك المبني على عقيدة الإسلام، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وقد أخبر عن ذلك الصادق المصدوق ﷺ بقوله: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)([56])، وفي رواية: “قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)”([57]).

وهذا يؤكد أن الاختلاف واقع لا محالة، وأن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة الجماعة ذلك أن المختلفين المتفرقين خالفوا هدي رسول الله ﷺ وابتعدوا عن سنته واتبعوا غير سبيل المؤمنين، وصاروا شيعاً وأحزاباً كل حزبٍ بما لديهم فرحون، وتبع كل فريقٍ وحزب ما في قلوبهم من الهوى المخالف لهدي الرسول ﷺ فحل ما حل بالمسلمين من الكوارث والنكبات التي سببها البعد عن الاعتصام بالكتاب والسنة وسلوك طريق غير طريق المؤمنين وسبيل غير سبيلهم، وكل يغني على ليلاه، وكل يظن أنه يدعو إلى الخير، لكن ميزان الدعوة في الإسلام الذي يعرف به صواب منهج الدعوة وخطؤه في أي زمان ومكان وعلى أي حال يتلخص في الآتي:

1- مطابقة سبيل رسول الله ﷺ في إبلاغ رسالة ربه جل وعلا.

2 – أن يكون الداعي إلى الله على بصيرة بما يدعو إليه أي على علم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه سلف الأمة.

3- أن تقوم الدعوة إلى الله على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.

4- التزام الداعي إلى الله بما يدعو إليه ليقرن القول بالعمل ويكون قدوة لمن يدعوهم. وعلى قدر القرب من هذا الميزان والبعد عنه يكون التوفيق والسداد للداعي في كل زمان ومكان، وعلى كل حال، وهذا من حيث الجملة أما بلاد الحرمين مهبط الوحي ومتنزل الرسالة ومهوى أفئدة المسلمين فلها شأن آخر، لأن الله ميزها بميزات ليست لغيرها منها:

1- وجود البيت العتيق فيها الذي هو قبلة المسلمين في صلاتهم ومحط رحالهم في حجهم وعمرتهم.

2- انطلاق رسالة التوحيد منها إلى الثقلين في كل زمان ومكان، فمنها بعث خاتم الأنبياء والمرسلين، ومنها انطلقت جحافل الإيمان تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

3- الحكم بتطهيرها من الشرك وأهله حتى لا يجتمع فيها دينان.

وها هي بلاد الحرمين الشريفين تتميز على بلاد الدنيا بميزات ظاهرة للعيان ومنها:

1- قيام دولتها على الدعوة إلى التوحيد ونبذ ما سواه.

2- تحكيم شرع الله وإقامة حدوده.

3- شعارها في رايتها الشهادتان وهذه الراية ترتفع خفاقة حتى ولو نكست الرايات لموت عظيم أو كبير لم تنكس مهما كانت الظروف.

4- خلو أرضها ولله الحمد والمنة من التماثيل والأوثان والأضرحة والمقامات التي تنتشر في سائر بلاد المسلمين، ولكن الله حمى هذه البلاد منها لأنها قامت على التوحيد الخالص.

5- خلو المساجد في هذه البلاد المباركة من البدع التي تعج بها المساجد في كثير من الأصقاع الإسلامية.

6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار معلن تفخر به هذه البلاد وقد وضعت له الأنظمة واللوائح وتصرف من أجله الملايين في كل عام.

7- الالتزام بالحجاب الشرعي للنساء وتوفير الأماكن الخاصة لهن سواء في الحرمين أو في أماكن الدراسة والعمل وغيرها حفاظاً على خصوصيتهن.

8- لا تمنح جنسية هذه البلاد إلا لمسلم، وهذا أمر تفخر به هذه البلاد تنفيذاً لوصية المعصوم ﷺ:(لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا)([58]).

هذه حال بلاد الحرمين الشريفين ولله الحمد والمنة، والمتأمل لحال كثير من البلاد الإسلامية التي عصفت بها رياح الفتن والاختلافات ودخلها التفرق وتغلغلت بها الحزبيات والجماعات يرى العجب، لقد وصل الحال بالمسلمين نتيجة لتعدد الجماعات والأحزاب والفرق والطوائف إلى أن تعدى بعضهم على بعض بالتهم والإشاعات الكاذبة والسباب حتى اعتدى بعضهم على بعض.

والعجيب الغريب أن هؤلاء الذين وقف بعضهم في طريق بعض وآذى بعضهم بعضاً كل منهم يدَّعي أن همَّهم الأول تجميع الصفوف ووحدة المسلمين، ونحن نقول كيف تجتمع الصفوف ويتحد المسلمون بواسطة جماعات وطوائف وأحزاب متفرقة كل طرف منها يحاول بكل وسيلة أن يثبت أنه على الحق وغيره على الباطل، وكل ما كان يؤدي لخدمة حزبه وجماعته يسارع إليه ويشجع عليه، وما وقف في طريق حزبه أو خالفه يبذل الغالي والنفيس للتخلص منه. أما الموازين الشرعية عند هؤلاء فهي غائبة فالقرب منهم والبعد والحب والكره كل ذلك منوط بالانضمام معهم والانخراط في حزبهم وكان الأجدر بهؤلاء أن يتحدوا على السنة لأنها أساس الاتحاد وأصل جمع الصفوف وسفينة النجاة. نعم لأن السنة أمارة الوحدة والبدعة أمارة الفرقة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “البدعة مقرونة بالفرقة كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السنة والجماعة كما يقال أهل البدعة والفرقة” ([59])

فهذه الجماعات وهذا التفرق الحاصل على الساحة اليوم لا يقره دين الإسلام بل ينهى عنه أشد النهي ويأمر بالاجتماع على عقيدة التوحيد وعلى منهج الإسلام جماعة واحدة وأمة واحدة كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك، والتفرق وتعدد الجماعات إنما هو من كيد شياطين الجن والإنس لهذه الأمة فما زال الكفار والمنافقون من قديم الزمان يدسون الدسائس لتفريق الأمة. وعليه فإذا انعقدت فرقة أو جماعة أو حزب إسلامي تحت شعار معين مستحدث يعقد عليه الولاء والبراء وإذا انعقدت ملتزمة بعضاً مما أمر الله به دون بعض وإذا انعقدت لا توالي إلا من انتظم في سلكها دون من سواهم.

وإذا انعقدت في بلد أهله على منهاج النبوة التي درج عليها السلف الصالح أهل السنة والجماعة مخالفة في أمر كلي أو جزئي باسم أو رسم. فكل هذه عقود محرمة لا تجوز لما فيها من البغي بغير الحق وهضم لجوانب في الإسلام وميل عن طريق النبي ﷺ في الدعوة، وشذوذ عن الأصل جماعة المسلمين، وإيذان بتفرقهم وتشتيت لشملهم وكسر لوحدتهم، والمتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم يرى أن البدن الإسلامي  مثخن بمحنة الأحزاب حيث لا يرضاها لبوساً ولا يهضمها فهو بها يعايش علة انتحار داخلي في الأمة لأنها قضت على حرية الرأي والإبداع في الأمة، وقد تساقطت الفرق في الماضي الواحدة تلو الأخرى ومن نهج نهجها سيقتفي أثرها في السقوط مهما كانت جذور حزبيته ضاربة في الأرض لأن هذه سنة الله في خلقه، والحزبية كانت وما تزال حجاباً عن معرفة الحق لداء التعصب المقيت الذي يلازمها وهي كذلك من أسباب ضعف الغيرة على التوحيد الخالص ودليلنا على ذلك سكوت بعض الحزبيين عن أخطاء جوهرية في المعتقد لتأليف القلوب بزعمهم وساء ما يزعمون.

والحزبية كذلك سبب للفرقة التي هي من أقوى المعاول التي حطمت بها الأمة ولا تزال، فالحزبيون لا يهمهم إلا أنفسهم ومن على شاكلتهم. وأما غيرهم فمهما كان صلاحه وتقاه فهو عقبة في طريقهم والحزبيون لا يرون الدعاء لولي الأمر. وهذا من جهلهم وفاحش غلطهم، سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عمن يمتنع عن الدعاء لولي الأمر فأجاب: “هذا من جهله وعدم بصيرته، الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات ومن النصيحة لله ولعباده والنبي لما قيل له: أن دوساً عصت فقال: (اللهم أهد دوساً وأتِ بهم)([60])، يدعو للناس بالخير والسلطان أولى من يدعى له لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء.

ومن أهم النصح أن يوفق للحق وأن يعان عليه وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء فالدعاء له بأسباب التوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل من أهم المهمات ومن أفضل القربات”([61]).

إن الذين يمتنعون عن الدعاء لولاة الأمور ويجتهدون في بذر الفرقة والخلاف بين عامة الناس وولاة أمورهم بنشر الكذب والزور وتضخيم بعض الأمور فوق حجمها هم الحزبيون الذين أقلقهم ما تعيش فيه هذه البلاد من أمن وطمأنينة وتلاحم بين قيادتها وشعبها، ولكن الله حافظ دينه وناصر كلمته ومعز سلطانه ولو كره الحاقدون.

إن ولاة الأمر في هذه البلاد، بلاد الحرمين الشريفين حين يأخذون على أيدي بعض السفهاء والحاقدين ويحاسبونهم كل حسب جرمه وخطئه وينفذون فيهم شرع الله عن طريق المحاكم الشرعية إنما يستجيبون لتوجيه العلماء ودعوتهم للأخذ على أيدي العابثين والمتربصين بهذه البلاد الدوائر، أما أن يترك الحبل على الغارب ويتغلغل إلينا الحزبيون وأصحاب الولاءات فهذا ما لا ترضاه هذه البلاد قيادة وعلماء وشعباً لأن الجميع عاهدوا الله على تحكيم شرعه وبايعوا ولي الأمر على ذلك.

وستبقى هذه البلاد بمشيئة الله قوية بإيمانها متمسكة بشرع الله يتعاون فيها ولاة الأمر والعلماء وسائر أفراد الشعب على الضرب بيد من حديد على من تسول له نفسه تعكير الصفو أو تمزيق الصف أو بذر الخلاف والفرقة، والله غالب على أمره ولوكره المجرمون.

اللهم احفظ بلادنا ومقدساتنا وولاة أمرنا وعلماءنا من كيد الكائدين وحقد الحاقدين. اللهم أيد بالحق ولاة أمرنا وأقمع بهم الباطل وأهله. اللهم أصلح بهم البلاد والعباد وأجمع بهم كلمة المسلمين واحفظهم بالإسلام قائمين قاعدين وأعنهم على أمور دينهم ودنياهم يا كريم …. آمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

ثانياً: المقالات

   

 

المقال الأول

فقهاء ولكن للواقع فقط

نشر في جريدة الرياض  عام 1417 هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كنت أظن أن هذا الفهم الساقط ولَّى إلى غير رجعة بعد أن كشف اللثام عنه علماؤنا وبيّنوا خطأه وخطورته، ولكن تبيّن لي أن بعض الناس ما زالوا يفهمون هذا الفهم المنكوس وذلك خلال نقاش ـ عبر الهاتف ـ دار بيني وبين شاب لا أعرفه غير أنه قال في معرض نقاشه: أنتم لا تفهمون الواقع.

فقلت له: المسألة تحتاج إلى إسنادها من الكتاب والسنة، وقد بيّنت لك ذلك، فأوضحت لك كلام أهل العلم. فقال: ولكن الواقع اختلف والناس اختلفوا، وأخذ يدخل في النوايا والتأويلات البعيدة.

فقلت: إذن أنت لا تريد الحكم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة وإنما تريد تبريراً لفعلك وتصويباً لتجاوزاتك.

فقال: ليس كذلك ولكن أريد أن يُفهم الواقع ولا يكون جامداً عند النصوص فقط.

وهنا أقفلت سماعة الهاتف وقلت في نفسي: سبحان الله كيف رسخ في ذهن هذا الشاب وأمثاله هذا الفهم الساقط؟

بل كيف لا يكترث بالدليل الصحيح الصريح على المسألة المراد جوابها؟

أين التجرد والإنصاف؟ أين الحرص على الحق؟ أين براءة الذمة؟ أين هذا من منهج السلف الذين يقفون عند النصوص مهما كان الأمر؟ بل مهما كانت الرغبة والحاجة.

يقول ﷺ: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ)([62])، وقد أخّر جماعة من الصحابة الصلاة حتى وصولهم ديار بني قريظة لأنهم وقفوا عند ظاهر النص.

لقد كثر في الآونة الأخيرة من يخطئ العلماء لجهلهم بالواقع وفقه الواقع كما يزعمون، وهذه دعوى باطلة لا يصح إطلاقها على العلماء لأنهم أعرف الناس بالواقع، كيف لا وهم الذين يفهمون نصوص الكتاب والسنة وينزلونها على المستجدات ويربطون الفروع بالأصول.

من الذي يجهل الواقع؟ هل هو العالم الذي استنار قلبه بنور الكتاب والسنة فهو ينطلق منهما ويصدر عنهما في أحكامه، أم أنه الذي أخذ بحظ من الثقافة السطحية وتفقه على كتب الثقافة العامة والسياسة وآراء بعض مفكري الجماعات الحزبية وعلى المنشورات والأفكار الانهزامية، فراح يتهم العلماء زوراً وبهتاناً بعدم فقه الواقع، وراح يتصدى للأحداث بتحليلات أظهرت التجارب فشلها وضلالها.

إن اتهام كبار العلماء بعدم فقه الواقع يعني أن فتاواهم غير صحيحة وغير مسددة، وهذا تمهيد لأن تخلو الساحة لفقهاء الواقع فقط فيتولوا الفتيا وهنا ستحدث الكارثة لأن من ينطلق في فتواه من العواطف والحماس والتأثيرات الجانبية سيقع في الأخطاء ويوقع غيره بها، أما فقه الواقع في حقيقته فهو الإحاطة بالظروف والملابسات والبيئة التي تصدر فيها الفتوى.

وهذا المعنى يؤكده العلامة ابن القيم حيث يقول:”… ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر”([63]).

وهذا الذي ذكره ابن القيم هو الذي يقوم به العلماء والربانيون في كل عصر ومصر؛ فهم الواقعة ثم تنزيل النص عليها. أما دعاة فقه الواقع ـ بمعناه الحادث ـ فهو فقه السياسات والإذاعات والتحليلات السياسية، ومعرفة المخططات السرية للأعداء وليس ثمّة فقيه عند هؤلاء إلا من ينبري لهذه المخططات ويفهمها، ولذا هناك فرق بين فقهاء الواقع وفقهاء الشريعة، وهذا مكمن الخطر في هذا الفهم المردود.

إن حشو أدمغة الشباب بمثل هذا التفريق العجيب معناه الحط من مكانة العلماء الربانيين وأنهم لا يفهمون الواقع وبالتالي لا تتناسب فتواهم في الأحداث الخطيرة التي تمر على الأمة، وهنا لابد أن يؤخذ – حسب منهج دعاة فقه الواقع – برأي من يفقهون الواقع في مثل هذه الأحداث وإن كانت خلاف الحق والشرع، وهذا فيه رفع لشأنهم ومكانتهم على حساب العلماء الربانيين علماء الشريعة، ويتخرج هؤلاء الشباب حسب هذه المدرسة وهم لا يقبلون آراء علمائهم ويتعلقون بأقوال وآراء فقهاء الواقع، وهذا مزلق آخر لأن هؤلاء الشباب إذا تلقوا التوجيه من غير العلماء الكبار حصلت البلبلة وحدث الشرخ في بنيان المجتمع المسلم وتجرأ هؤلاء الشباب على النيل من علمائهم وهمزهم ولمزهم لا لشيء إلا أنهم لا يفهمون الواقع، وتلك والله قاصمة الظهر. فهل يعي الغافلون ويتدارك الأمر الغيورون وتترك قيادة السفينة للعلماء الربانيين الذين يوصلونها إلى بر الأمان وساحل النجاة بإذن الله تعالى؟!.

إن الخطر الحقيقي أن يتصدر فقهاء الواقع ـ بحجة أن العلماء قصَّروا في فهم الواقع فيطلقوا لألسنتهم العنان، ولأقلامهم الزمام فيكتبوا محللين للأحداث والمسائل من وجهة نظرهم القاصرة وهم يقرأون قول الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء:83]، وهم يعلمون منهج السلف حين واجهتهم بعض المعضلات والمستجدات ردوا الأمر لصحابة رسول الله ﷺ.

ومن ذلك مسألة القدر والخوض فيها فقد جعلوا أصحاب رسول الله ﷺ مرجعهم في علاجها لأنهم أعلم الخلق يومئذ، وقد بوب مجدد الدعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد باباً قال فيه: (باب ما جاء في القدر) وذكر فيه مسائل منها (المسألة الثامنة) عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.

هذا هو الفقه للواقع بمعناه الحقيقي هو فهم النـازلة بسؤال أهل العلم عنها وليس بسؤال أهل الثقافة العامة، وبلاد الحرمين الشريفين أغناها الله ـ وله الفضل والمنة ـ بعلماء كبار هم تاج علماء أمة الإسلام في هذا الزمان.

فينبغي أن تترك الفتوى لهم وتوجيه الشباب ورسم المنهج الشرعي الصائب، ويجب ألا يفتات عليهم أحد بمنازعتهم هذه المهمة العظيمة التي أسندها لهم ولي الأمر، وأن يتعاون جميع طلاب العلم في هذا الجانب ويولوه أهمية قصوى لتحفظ مكانة العلماء في نفوس الناس؛ لأن بذلك رفعاً للشريعة التي يحملونها وفي خلاف ذلك صرف للناس عن الشرع إلى الرأي والعاطفة والاتجاه الحزبي والفكر السياسي وهذا ما يجب التفطن له.

أسال الله بمنه وكرمه أن يديم نعمة الأمن والطمأنينة على بلادنا، وأن يوفق علماءنا ويأخذ بأيديهم ويعينهم على مسئولياتهم. كما أسأله أن يوفق طلاب العلم للتأدب مع علمائهم والرجوع إليهم في كل صغيرة وكبيرة لينتظم بناء المجتمع ويسلم من معاول الهدم والتخريب. كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد ويعينهم على أمور دينهم ودنياهم، وأن يصلح بهم البلاد والعباد ويجمع بهم كلمة المسلمين، وأن يجمعنا بهم ووالدينا ومشايخنا في جنات النعيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

   

 

المقال الثاني

هل كان موقف الإمام أحمد

من فتنة القول بخلق القرآن سياسياً؟

نشر في جريدة الرياض عام 1417 هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وقف الإمام أحمد رحمه الله طوداً شامخاً زمن الفتنة حينما أُجبر الناس على القول بخلق القرآن، وامتُحن الإمام أحمد بسبب ذلك امتحاناً عظيماً، ولكنه ثبت وصبر محتسباً الأجر من الله.

لقد كان موقف الإمام أحمد موقفاً رائعاً يندر أن يحدث في التاريخ في باب الإصلاح والتجديد والدفاع عن الدين، واستطاع بموقفه المتميز أن يؤثر في عقول الناس وقلوبهم تأثيراً عظيماً، وأن يقف طوداً شامخاً وجبلاً راسياً في وجه هذه التيارات التي تجرف بالرجال وتحرك الجبال.

لقد كانت الأمة بحاجة ماسة إلى شخصية تمحضها النصح والتوجيه والإرشاد، وكان المسلمون في هذه المواقف العصيبة بحاجة إلى إمام يثقون بدينه وأمانته وفقهه يعارض هذه التيارات الفاسدة ويقف في وجهها جاهراً بالحق محتملاً للأذى صابراً على البلاء.

وقد كان ما كان من الإمام أحمد رحمه الله، وهذا أمر معروف مشهور، لكن الذي لفت انتباهي أن بعض المنتسبين للدعوة يحور موقف الإمام أحمد من الفتنة ويجعله موقفًا سياسياً بحتاً ويقرر ـ حسب نظرته ـ أن سجنه كان لمخالفته السياسة، وهذا والله هضم لموقف الإمام أحمد وتنقيص من قدره لأن موقفه الشرعي المتضمن الدفاع عن الدين أعلى قدراً وأجل مكانة مما جره إليه هؤلاء المنتسبون للدعوة.

ولذا لما قيل للإمام أحمد وهو تحت السياط يعذب: ما تقول في السلطان؟ قال لو كان لي دعوة مستجابة لصرفتها إليه.

بل ثبت عنه رحمه الله أنه عفا عن المعتصم رحمه الله فقد حدّث عبد الله بن أحمد بن حنبل: “قال لي أبي وجَّه إليّ الواثق أن أجعل المعتصم في حلٍ من ضربه إياي. فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حلٍّ“([64]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية: “.. ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا به للسلطان..”([65]).

وقد كان موقف الإمام أحمد متشدداً مع ابن أبي دؤاد، فقد قال إبراهيم الحربي: “أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه والمعتصم، وقال إلا ابن أبي دؤاد داعية لا حللته”([66]).

وهذا دليل واضح أن موقف الإمام أحمد كان موقفاً عقدياً وليس منازعة للسلطان ولم يكن موقفاً سياسياً كما يبدو لبعض الناس حيث وظفوا هذا الموقف لصالح ما يدعون إليه، ولكن هيهات لهم ذلك، فقد نصّ الإمام أحمد على عدم حله لابن أبي دؤاد لأنه داعية يدعو للبدعة ويعلن ذلك، فكأن الإمام أحمد رحمه الله يرى أن ابن أبي دؤاد هو السبب في كل ما حصل للمسلمين من الفتنة، وما حصل له خصوصاً من المحنة.

فرحم الله الإمام أحمد، فما أحسن هذا النظر الدقيق وذلك التفريق العجيب! وذلك دونما شك نظر العلماء العاملين الحريصين على هداية الناس ودعوتهم للخير.

نسأل الله أن يفقهنا في أمر ديننا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا توقير علمائنا ومعرفة قدرهم، وأن يحفظ علينا ديننا، وأن يتم علينا نعمة الاستقرار في الأوطان، والأمن في الديار، وأن يوفق ولاة أمرنا للخير، وأن يعينهم على أمور دينهم ودنياهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

   

 

المقال الثالث

تفرق الأمة.. أسبابه وعلاجـه (1)

نشر في جريدة الرياض 26/ 2/ 1417هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . وبعد:

فإن المتأمل في حال أمة الإسلام ـ في عصرنا الحاضر ـ يلحظ أن أمراضها قد تعددت وتشعبت وشملت جوانب كثيرة من شؤون الدين والدنيا، ومع ذلك فالأمة ما زالت ـ ولله الحمد ـ على قيد الحياة، ولم تصب منها تلك العلل والأدواء مقتلاً وصدق الله تعالى حين قال:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون)[الحِجر:9]، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون)[الأنفال:33].

ولعل من أخطر الأمراض التي أصيبت بها أمة الإسلام مرض الاختلاف والتفرق، ذلك المرض الذي شمل مناحي الحياة كلها في كل حقل وكل مصر وكل مجتمع حتى خيم شبحه الأسود على نفوس الناس، فتلبد الجو بغيوم أوهام أمطرت وابلها على القلوب المجدبة فأنبتت لفيفاً من الأقوام المتصارعة المتدابرة وكأن كل ما لدى الأمة من أوامر ونواه وتعاليم يحثها على الاختلاف، ويرغب بالتدابر والتناحر، والإسلام حذر الأمة أشد التحذير من الفرقة والاختلاف، وندد باختلاف الأمة بأساليب مختلفة وردت بها النصوص من الكتاب والسنة.

ولعل وحدة الأمة تعتبر القضية الثانية بعد التوحيد التي عالجتها مبادئ الإسلام وكانت حريصة كل الحرص على وحدة الصف وائتلاف القلوب وتضافر الجهود وتساند المساعي.

ولذا ضرب لنا كتاب الله أمثلة كثيرة عن اختلاف الأمم السابقة، وبيَّن في بعض الأحيان سبب هذا الاختلاف، قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم) [آل عمران:105].

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون)[الأنعام:159].

وقال تعالى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَة)[البيِّنة:4].

وقد دلت هذه الآيات على أمرين جامعين:

أولاهما: أن الاختلاف في الأمم السابقة كان مع وجود العلم بينهم وليس في حالة جهلهم كما قال تعالى: (مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ)[البقرة:213].

الثاني: هو تحذير الله سبحانه وتعالى للمسلمين من عدم التفرق مثلما تفرق الذين من قبلنا. كما قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ) [آل عمران:105]. ورغم ذلك الأمر الشرعي الإلهي بعدم التفرق والاختلاف، فقد جاء الأمر القدري الكوني بخلاف ذلك. ومن هذه النصوص الكثيرة:

1ـ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: (تَفرَّقَتِ اليهودُ على إِحدَى وسبعينَ فِرقةً أو اثْنتيْنِ وسَبعينَ فِرقةً، والنَّصارى مِثلُ ذلكَ، وتَفتَرِقُ أُمتِي على ثلاثٍ وسبعينَ فِرقةً)([67])، وفي بعض الروايات: (كلُّها في النَّارِ إلَّا واحدةً وَهيَ الجماعةُ)([68]).

2ـ ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِنَ العَالِيَةِ، حتَّى إذَا مَرَّ بمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فيه رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا معهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْنَا، فَقالَ ﷺ: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فأعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالسَّنَةِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالغَرَقِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)([69]).

3ـ ما رواه ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وإنَّ أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنْها، وأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ، وإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتي أنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ رَبِّي قالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَهُمْ بسَنَةٍ عامَّةٍ، وأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، ولَوِ اجْتَمع عليهم مَن بأَقْطارِها، أوْ قالَ مَن بيْنَ أقْطارِها، حتَّى يَكونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، ويَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)([70]).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقاً على هذه الأحاديث: “وهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعها في الأمة، وكان يحذر أمته لينجو منه من شاء الله له السلامة”، كما روى النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً قرأ آية فانطلقت به إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال: (كِلاكُما مُحْسِنٌ، قالَ شُعْبَةُ: أظُنُّهُ قالَ: لا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا)([71])([72]).

وبناء على ما سبق يجب أن يكون هدف كل داع إلى الله الاتحاد والألفة، واجتماع القلوب والبعد عن الاختلاف والفرقة وكل ما يمزق الأمة ويضعفها ويؤدي إلى فساد ذات البين، لكن هذا الائتلاف المطلوب والوحدة المنشودة يجب أن تكون مبنية على كتاب الله وسنة رسوله  إذ فيها النجاة من الهلكة والبعد عن تسلط الأعداء والتخلص من تخطيطهم ومؤامراتهم، كما يجب أن يدرك المسلمون أن من أهم الفرائض وأفضل الطاعات الحفاظ على أخوة الإسلام ووحدة الصفوف ونبذ كل ما يسيء إلى وحدة الأمة أو يضعف من عراها.

وهي بهذه الوحدة المنشودة تقوى على التصدي لكل العقبات التي تقف في طريق الأمة، ويكفي ذلك أن الرسول ﷺ أهدر دم المفرق للجماعة.

إن أمة الإسلام تتداعى عليها الأمم من كل حدب وصوب، تريد أن تطفئ جذوة الإيمان من نفوس المؤمنين، وأخوة الدين ووحدة القلوب بين المسلمين تحتل مرتبة عالية في الدين لأنها شقيقة التوحيد، ولكن هذه الوحدة لا بد أن تكون مبنية على العقيدة الصحيحة البعيدة عن كل ما يخدش صفاءها ونقاءها.

أما أولئك الذين يبنون وحدتهم على شيء من التساهل في أمور شرعية كثيرة أو الاستهانة بمحرمات معلومة فهؤلاء مآل وحدتهم إلى الانهيار لأن أساسها غير متين، ولعل ما حدث خلال العقود المتأخرة في جسم الأمة الإسلامية من علل وأدواء كان سببها الرئيسي تعصب الحزبيات المقيتة والانتماء لغير الله ورسوله، والولاء لفئات أو جماعات ترفع شعارات براقة لكنها من الداخل جوفاء وسرعان ما يضيع المنتمون إليها ويجدون بينهم وبين الآخرين هوة سحيقة بسبب التعصب والولاء لغير المؤمنين، وهذا الشرخ الذي حدث في الأمة فرقها بعد اجتماع، وشتت شملها بعد الوحدة، وأوهنها بعد القوة، ومكَّن الأعداء من النيل منها كل حسب مقصده ومشربه وهؤلاء الحزبيون يظنون أنهم يخدمون الأمة ويحققون لها الخير على حين أنهم يوجهون الطعنات إلى قلبها النابض فيضعفوه، وجسمها الصحيح فيمرضوه ولكن الله حافظ دينه، ومعل كلمته مهما كان تخطيط الماكرين وكيد الكائدين: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين) [الأنفال:30].

نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتم علينا نعمة الأمن في الأوطان، والصحة في الأبدان، واجتماع الكلمة، كما نسأله أن يوفق ولاة أمرنا للعمل الصالح الرشيد، وأن يجمع بهم كلمة المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

المقال الرابع

تفرق الأمة أسبابه وعلاجه (2)

نشر في جريدة الرياض 4/ 3/ 1417هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الجماعات المنتسبة للدعوة كثيرة، وهذه الجماعات مختلفة فيما بينها، فكل جماعة تخطط لنفسها خطة غير خطة الجماعة الأخرى وتنتهج منهجاً غير منهجها، وهذه نتيجة حتمية لمخالفة منهج الرسول ﷺ ، فإن منهج الرسول واحد لا انقسام فيه ولا اختلاف عليه. كما قال تعالى: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي)[يوسف:108].

فأتباع الرسول ﷺ على هذه السبيل الواحدة لا يختلفون، وإنما يختلف من خالف هذه السبيل كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ..) [الأنعام:153].

وزاد من البلاء الذي أرجف الأرض من تحت أقدام المسلمين تفرقهم إلى جماعات وفئات كل جماعة ترفع شعاراً تريد أن يحمله الناس كلهم معها، وكل فئة تخطط لنفسها خطة تأبى على غيرها أن تنازعها إياها، وتدفع الحماسة كل عشرة التقوا على فكرة ما أن يكون لهم خطة وشعار، يريدون أن يكون لهم ما للجماعات والفئات الأخرى، ويكاد أن يحدث هذا كل يوم، وكما أن العقيدة توقيفية، فكذلك المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم توقيفي لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه، ولا يجوز استبداله بمنهج مغاير لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، ومن لم يسعه ما وسع الرسول والصحابة الكرام فلا وسَّع الله عليه في الدنيا والآخرة، وهذا المنهج بينه القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهو من الثوابت التي لا تتغير ولا تتبدل على مرّ الأيام وكرّ الدهور، وهذا المنهج هو الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ ، وهو ملزم لكل مسلم، ولا يسع مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر مخالفته بحال من الأحوال.

ومن الأدلة على ذلك ما يأتي:

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا) [الأحزاب:36].

وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء:65].

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)[النساء:59].

وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)[النور:51].

وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر:7].

وقال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)[النساء:115].

وقال تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[الأنعام:153].

وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) [آل عمران:103].

وقال تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون)[الروم:31، 32].

فالنهي والتحذير من التفرقة والاختلاف يدلان على وجوب التمسك والالتزام بالمنهج الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ ، والآيات في ذلك كثيرة ذكرنا طرفاً منها فقط، أما الأحاديث فنذكر منها ما يأتي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: (دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري (4/422) ومسلم (7/91).

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2678)، وقال: حسن صحيح.

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في حديثه المشهور: (افترقت اليهود… وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، قيل ما الواحدة قال: (ما أنا عليه وأصحابي اليوم) رواه أبو داود (4597)، والترمذي (2640)، وقال: صحيح، وهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على أمور كثيرة منها:

1) أن الاختلاف والتفرق كائن في هذه الأمة كما كان كائناً في الأمم السابقة، وصدق الله العظيم: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)[هود:118، 119]، وقد أراد الله ذلك إرادة كونية قدرية.

2) نهى الله ورسوله عن التفرق والاختلاف وجاء التحذير منه في نصوص صريحة ذكرنا بعضها من باب التمثيل.

3) وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف هذه الأمة.

4) أن هناك منهجاً واحداً يجب اتباعه وهو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ )[الأنعام:153].

5) أن التفرق والاختلاف مذموم كله ويستثنى من ذلك اختلاف التنوع في الفروع.

6) أن هذا المنهج هو سبيل المؤمنين ومن لم يتبعه واتبع غيره من السبل فقد سلك غير سبيل المؤمنين وهو من المتوعدين بقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)[النساء:115]، وقال العلامة القرطبي رحمه الله في تفسيره (7/137) حول قوله تعالى: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ)، “فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد ﷺ وشرعه ونهايته الجنة وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن يخرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار”.

وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله السالكين لهذا الطريق المستقيم والمتساقطين حوله السالكين للطرق المعوجة الملتوية، فقال في رده على الزنادقة والجهمية: “الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه!  وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالبين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين”([73]) .

أسأل الله بمنه وكرمه أن يحمي بلادنا من كيد الكائدين وعبث العابثين، وأن يديم علينا نعمة الأمن في الأوطان والسلامة في الأبدان، وأن يوفق ولاة أمرنا للخير ويجمع بهم كلمة المسلمين، وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم شريعته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

  

 

المقال الخامس

حوار في جريدة الجزيرة بعنوان

(ترعرع الحزبية في البلاد)

24/ 1/ 1440هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ بدأت الفرق والأحزاب تنخر في جسد الأمة وتمزقها، كثرت الأزمات وتفاقمت المشكلات بين المسلمين.. ترى ما أسباب ظهورها في المجتمعات الإسلامية؟

– بداية لابد من التركيز على جانب مهم وهو أن اجتماع الكلمة ولمّ الشمل من أهم مقومات هذا الدين، ومن الدعائم الأساسية لهذا المجتمع، ولا يتأتى هذا إلا بنبذ الفرقة والتنازع، فعلينا أن نسعى بجد واجتهاد من أجل زرع المحبة، وتوطيد الأواصر الأخوية فيما بيننا، وأن نجتنب الأسباب المؤدية إلى التشتت والتشرذم، فلن يتأتى النصر على الأعداء إلا بعد أن نتوحد على منهج الكتاب والسنة. ونترك الخلاف ونوحّد الرأي ونقف صفًا واحدًا في مواجهة الأفكار المنحرفة والحزبيات المقيتة، ونثبت على نهج الوحدة القائم على التوحيد الذي يجمعنا. إن رهان الشر على أمتنا المسلمة كان ولا يزال وسيظل متوجهًا إلى محاولة زعزعة الصفوف والنيل من دينها ووحدتها، وهذا ما حذرها ربها منه: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين) [الأنفال:46].

والمتأمل في أسباب الفرقة والاختلاف يجد أن أبرزها ثلاثة أسباب: الابتداع، واتِّباع الهوى، والتَّعصب والتَّحزُّب. فالبدعة لها أثر كبير في إلقاء العداوة، والبغضاء بين أهل الإسلام، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الاستقامة: “والبدعة مقرونةٌ بالفرقة، كما أنَّ السُّنَّة مقرونةٌ بالجماعة”([74]).

فالبدع هي سببُ كلِّ بلاءٍ، فقد كان المسلمون أمَّةً واحدةً وجماعةً واحدةً، متآلفين على عقيدةٍ واحدةٍ، ومنهجٍ واحدٍ، على أيَّام رسول الله ﷺ ثمَّ في خلافة أبي بكر وعمر، وبعد مقتل الخليفة الثَّاني بدأت الفتنة تطلُّ برأسها، ولا زال أهل الشَّرِّ يسعون في الغواية حتَّى قُتل عثمان فتوالت الفتن، وتتابعت، وبدأت فرق الأهواء والبدع في الظِّهور، فتفرَّقت الكلمة، وبدأ الانشقاق عن جماعة المسلمين ولا حول ولا قوَّة إلا بالله!.

أما الأمر الثاني الذي أدى إلى حصول التفرق والتحزب فهو اتباع الهوى الذي نشأ بسببه كثيرٌ من الفرق الضَّالَّة، والطَّوائف المنحرفة؛ لأنَّ أصحاب هذه الفرق قدموا أهواءهم على الشَّرع أولًا، ثمَّ حاولوا جاهدين أن يستدلوا بالشَّريعة على أهوائهم، وحرَّفوا النُّصوص والأدلَّة؛ لتوافق ما هُم عليه من البدع، فلم يأخذوا الأدلَّة الشَّرعيَّة مأخذ الافتقار إليها، بل اعتمدوا على آرائهم وعقولهم في تقرير ما هُم عليه، ثمَّ جعلوا الشَّريعة مصدرًا ثانويًّا، نظروا فيها بناءً على ما قرَّروه وأصَّلوه، ولأجل ذلك كان السَّلف يطلقون على أهل البدع، وفرق الضَّلالة لفظة: «أهل الأهواء».

أما الأمر الثالث الذي أدى إلى حصول التفرق والتحزب فهو التَّعصُّب والتَّحزُّب وأعني بالتَّعصُّب أن يجعل العبد ما يصدر عن شخصٍ ما من الرَّأي والاجتهاد حجَّةً عليه وعلى سائر العباد. وأعني بالتَّحزُّب: التَّجمع لشخصٍ أو طائفةٍ أو حزب أو جماعة أو نحوها، والاعتقاد أنَّهم على حقٍّ وغيرهم على باطلٍ، فالحزبية كانت وما تزال حجاباً عن معرفة الحق لداء التعصب المقيت الذي يلازمها وهي كذلك من أسباب ضعف الغيرة على التوحيد الخالص، بل هي سبب للفرقة التي هي من أقوى المعاول التي حطمت بها الأمة ولا تزال، فالحزبيون لا يهمهم إلا أنفسهم ومن على شاكلتهم، ويركبون المصلحة ليحققوا كل ما يريدون، وتهمهم الكثرة وتنوع أتباعهم ولو كان على حساب العقيدة ووحدة الصف واجتماع الكلمة.

* المتأمل لحال كثير من البلاد الإسلامية التي عصفت بها رياح الفتن والاختلافات ودخلها التفرق وتغلغلت بها الحزبيات والجماعات يرى العجب حتى وصل الحال على بعضهم بالتهم والإشاعات الكاذبة، فما الذي تتميز به المملكة حتى تكون بمنأى عن هذه الحزبيات والجماعات؟

– إن المتأمل لحال كثير من البلاد الإسلامية التي عصفت بها رياح الفتن والاختلافات ودخلها التفرق وتغلغلت بها الحزبيات والجماعات يرى العجب كما تفضلتم فانتشار الطوائف والفرق والجماعات والأحزاب في العديد من الدول العربية والإسلامية، أدى بلا شك إلى كثير من الصراع والفتن، الذي تتنافى مع أسس الإسلام التي تؤكّد على أن المسلمين أمّة واحدة، وأن التزام الجماعة وبيعة ولي الأمر على الكتاب والسنة والسمع والطاعة هو من الواجبات المؤكدة في الإسلام، ومن أهم المهمات ومن أعظم ما يحفظ البلاد والعباد.

غير أننا في مملكتنا المملكة العربية السعودية تميزنا عن غيرنا من البلدان الأخرى فقد منَّ الله على ولاة أمرنا وشعب المملكة بنعمة تميزت بها، ولا توجد متكاملة في غيرها، ألا وهي قيام دولتهم المباركة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفق فهم السلف الصالح، والدعوة إلى التوحيد ونبذ ما سواه، وتطبيقها شرع الله، وخلو أرضها من التماثيل والأوثان والأضرحة والمقامات التي تنتشر في سائر بلاد المسلمين، وحرص قادتها على العدل والوسطية، ورعاية مصالح الناس، وذلك مقتضى البيعة التي في عنق كل مواطن لولاة الأمر في المملكة، وأنّنا قد نشأنا في مجتمع وبيئة بعيدة عن الطائفية والجماعات والفرق، والأحزاب والتجمعات المتنازعة، فالشعب وولاة أمره لحمة واحدة، وسفينة نجاة واحدة، وشرفها الله بوجود البيت العتيق فيها قبلة المسلمين في صلاتهم ومحط رحالهم في حجهم وعمرتهم.

* الحزبية سبب للفرقة التي هي من أقوى المعاول التي حطمت بها الأمة ولا تزال، فهم لا يهمهم إلا أنفسهم ومن على شاكلتهم، وهم لا يرون الدعاء لولي الأمر. فهل هذا من الإسلام وتعاليمه؟

– من أهم طرق ووسائل الحزبيين في تفرقة الناس عن قادتهم وجرهم للخروج عليهم أنهم

يمتنعون عن الدعاء لولاة الأمور ويجتهدون في بذر الفرقة والخلاف بين عامة الناس وولاة أمورهم بنشر الكذب والزور وتضخيم بعض الأمور فوق حجمها وتوزيع المنشورات في كل مكان. وإخفاء محاسن ولاة الأمر، فلا يظهرون شيئاً من محاسنهم، ويكرهون الحديث عن محاسنهم، ليوهموا الناس أنه ليس عندهم شيء من الخير، وبالتالي يكرههم الناس، فيتهيأ الشباب للخروج على ولاة أمرهم وإذا حصل من ولاة الأمر شيء من الخير شككوا في نياتهم. وهذا بلا شك من الجهل العظيم بمنهج أهل السنة والجماعة التي تناقلت الأخبار عن علمائها الدعاء لولاة أمورها وجعل ذلك ديناً يدينون لله تعالى به فمن ذلك مثلاً ما قاله الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله: “مَن قال: الصلاة خلفَ كُلِّ برٍّ وفاجرٍ، والجهاد مَعَ كُلِّ خليفةٍ، ولم يرَ الخروجَ على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقد خَرَجَ من قول الخوارج أوله وآخره”، وقال الإمام إسماعيل الصابوني رحمه الله: “ويرى أصحاب الحديث: الجمعة، والعيدين، وغيرهما من الصلوات، خلف كلِّ إمام مسلم، برَّاً كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدُّعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح. ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العُدول عن العدل إلى الجور والحيف”. وقال البربهاري رحمه الله: “إذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيتَ الرجلَ يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحبُ سُنَّةٍ إن شاء اللهُ تعالى”.

يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: “لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلاَّ في السلطان… قيل له: يا أبا عليٍّ: فسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تَعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صَلُح، فصَلُحَ بصلاحه العباد والبلاد”.

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “وإني لأرى طاعةَ أميرِ المؤمنين في السرِّ والعلانيةِ، وفي عُسري ويُسري، ومَنشطي ومكرهي، وأثرةٍ عليَّ، وإني لأدعو اللهَ له بالتسديدِ والتوفيقِ في الليلِ والنهارِ”.

وقال شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله: “والنصيحة لولاة الأمور: بتوجيههم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بالأساليب الحسنة، وبالدُّعاء لهم بظهر الغيب أنَّ الله يُوفِّقهم، تدعو لولاة الأمور: اللهمَّ وفِّقهم، اللهم اهدهم سواءَ السبيل، اللهم اهدهم للحقِّ، اللهم أعنهم على تنفيذه، في أيِّ مكان، حتى ولو كنتَ في بلادٍ كافرة، تدعو الله بأن يهديهم للحقِّ، كما قال بعض الناس: يا رسولَ الله، إن دوساً كَفَرَت واعتدت، قال: (اللهم اهدِ دوساً وأتِ بهم)، فهداهم الله وجاءوا وأسلموا، تدعو الله لأميرك في بلدك تقول: اللهم اهده، اللهم أصلح قلبه وعمله، اللهم اهده للحقِّ، اللهم أعنه على تنفيذ الحقِّ، اللهم وفِّقه لِما يُرضيك، اللهم اكف المسلمين شرَّه، اللهم اهده للصواب”.

وقال شيخنا محمد العثيمين رحمه الله: “إذا وجدت من ولاة الأمور شيئاً مُخالفاً، فادعُ الله لهم، لأن بصلاحهم صلاح الأمة. لكن تسمع بعض السفهاء، إذا قلنا: الله يُصلح ولاة الأمور، الله يهديهم، قال: الله لا يصلحهم. سبحان الله العظيم! إذا لم يُصلحهم الله فهو أردى لك. ادعُ الله لهم بالهداية والصلاح، والله على كلِّ شيءٍ قدير”.

فهذه هي أقوال علماء الإسلام في الوصية بالدعاء لولاة الأمور وجعل ذلك ديناً، وأن من خالف ذلك لا يعد من عداد أهل السنة بل هو من الخوارج الممقوتين.

* بصراحة كيف ترعرعت الحزبية في بلادنا، وما الموقف الشرعي تجاههم؟ وما مسؤولية العلماء في تنبيه الغافلين وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة؟

– نشأت الحزبية في بلادنا وترعرعت بسبب كثرة الاختلاط بالوافدين. فأهل هذه البلاد -ولله الحمد والمنة- نشأوا على التوحيد والسنة، ونشأوا على طريقة واحدة، ليس بينهم اختلاف، ولا تباغض، ولا عداوة، ولا أحزاب، ولا جماعات، فلما اختلط بعضهم بمن يحمل هذه الأفكار تأثر بها، ومما يجب أن نعلمه، أن العلماء يرفضون وجود مثل هذه الجماعات بيننا، وعامة الناس كذلك يرفضون ذلك، ولا يريدون التفرق في الدين والاختلاف، لكن هؤلاء جاءوا بطرق ملتوية فاغتر بهم من اغتر من عامة المسلمين، ولا شك أن الاعتراف بالداء سبب من أسباب العلاج، إذ لا يمكن أن نعالج أمراً، ونحن لا نعترف به، ولا نقر بوجوده، ومن يرى أن إهمال وجود هذه الجماعات، وإنكار وجود من تأثر بها، يميت هذه الدعوات، مخطئ، لأن بلادنا ليست معصومة، فهي كغيرها من البلاد، تتأثر، وفينا الصالح، وفينا من هو دون ذلك، لكننا -ولله الحمد والمنة- نسعى للإصلاح، ونسعى لمعالجة الخطر.

وقد حذرت كثيراً من الحزبيات والولاءات والانتماءات في رسائل ومقالات نشرت قبل عشرين عاماً، وهذا دين ندين إلى الله به، والواجب على كلِّ من عنده علمٌ وبصيرةٌ أن يُبَيِّن خطر هذه الجماعات والأحزاب التي ظهرت على الساحة باسم الدعوة إلى الإسلام، وكثيرٌ من أفرادها لا يعرفون حقيقة الإسلام. ويبرز دور العلماء والدعاة في المجتمع نحو الافتراق والتحزب فيما يأتي:

1 – استشعار العلماء والدعاة مسؤوليتهم تجاه فكر الافتراق والتحزب وعليهم أن يدركوا خطورة سلوك هذا المنهج على الأفراد والمجتمعات.

2 – السعي لتوعية المنخرطين في هذا الفكر المنحرف وما يسيطر عليهم من أفكار؛ وذلك لأنهم مكلفون بتحمل المسؤوليات ولما يترتب على توعية أصحاب هذا الفكر من سعادة الأمة في حاضرها ومستقبلها وذلك بحفظ دينها وقيمها وأمنها واقتصادها ووحدتها.

3 – إرشاد وتوجيه الناس إلى أهمية اجتماع الكلمة والنهي عن الافتراق والتحزب والتأكيد على خطورة ذلك، والتحذير من عواقبه، وتبصير الناس بأبعاد القضية، وتفنيد الادعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، وإعلام الناس بغاية الشريعة الإسلامية ومراد دينهم منهم أفرادًا ومجتمعا، وأن يشرحوا للناس هذه الغاية ويلفتوا أنظار الناس إلى جوانبها حتى يدركوها لأنفسهم وينشئوا ناشئتهم عليها.

4 – إعلام الناس بالمنهج التوجيهي الصحيح الذي يسير عليه العلماء والدعاة والذي يجب على الناس اتباع أصحابه والتمسك بتوجيههم وإرشادهم دون من سواهم. وتحذير الناس من المناهج التي تعتمد على الآراء والأهواء والأغراض دون نظر إلى مراد الشرع ومقصد الحق.

5 – توجيه أفراد المجتمع للمحافظة على هويتهم وانتمائهم لعقيدتهم وقيمهم ووطنهم، انتماء تغمره أحاسيس العزة والتضحية؛ لأن هذا الانتماء يعيد حياة الفرد في ضميره الذي يشكل أهم أبعاد شخصيته، كما أنه يعيد حياة الفرد في الدولة التي يعيش فيها، ويقوم بدور مهم في إخلاصه وجديته في العمل من أجل إثبات استحقاق نعمة العيش في ظلالها.

6 – بيان انعكاس سلوك التحزب والتفرق والتشرذم على صورة الإسلام وأهله عند غير المسلمين. فينبغي على العلماء والدعاة أن يبرزوا الأثر السلبي الذي يحدثه هذا السلوك في الصد عن دين الله تعالى حتى لا يحمل أحد معول الهدم للدعوة والإسلام وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ويرفع دين الله تعالى.

7 – إن واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة التركيز على الشباب وأن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع، ويبينوا لهم الطريق الصحيح، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، وأن يرشدوهم ويأخذوا بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط.

* «النصوص الشرعية تؤكد على ذم التفرق في الدين، والحث على الاجتماع.. فكيف نرسخ هذا المنهج الشرعي في بلاد التوحيد لدى الناشئة والشباب في وقت مبكر حتى لا يتأثرون بالدعاوى الباطلة للجماعات والأحزاب؟

– واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة التركيز على الشباب وأن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع، ويبينوا لهم الطريق الصحيح، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، وأن يرشدوهم ويأخذوا بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط. وتحذيرهم من الجماعات والأحزاب والأفكار المنحرفة وذلك بالتحصين الوقائي والعلاجي ضد الانحرافات الفكرية، والجماعات المنحرفة والمبادئ الضالة، والتحذير من كل من يريد زرع الفرقة والشقاق والفتنة، وذلك في المراحل التأسيسية أو في الجامعات ومراحل التعليم العليا.

* ولا تحيط بها الشداد، ولا تلحقها النكبات وتحيط بها الفتن إلا بعد أن تصاب من الداخل فكيف يحدث ذلك؟

– من المعلوم أن كل مجتمع له عدوان رئيسان هما: العدو الداخلي، والعدو الخارجي.

وعدو الداخل هو انقسام المجتمع إلى طوائف وأحزاب متعادية تماما كما حصل في بعض البلدان، ولمعرفة خطر عدو الداخل ما علينا إلا دراسة واقع هذه الدول التي حصل فيها الانقسام الداخلي من الدمار وضياع هيبة هذه الدول بل وضياعها كلية. فالأمة لا تصاب من الخارج، ولا تحيط بها الشدائد، ولا تلحقها النكبات وتحيط بها الفتن، إلا بعد أن تصاب من الداخل، فالحصن الحصين للأمة في الأزمات يكمن في الإيمان بالله وحده وصدق التوكل عليه وحسن الاعتماد عليه وتفويض الأمور إليه والاستمساك بشرعه، ثم في تآزر المجتمع وتماسكه والتفافه حول قادته ودعاته وعلمائه.

* من أشد الظواهر قبحاً وأعظمها انحرافاً وتيهاً ظهور أحزاب ألبسها أصحابها لباس الإسلام وأطلقوا عليها أسماء الإسلام، كالإخوان المسلمين، والدواعش، والقاعدة وغيرها؟

– منذ فترة بعيدة كنت أتكلم عن خطورة التحزب والافتراق وكنت أشير إلى هذه الجماعة وخطورتها على الأفراد والمجتمعات والدول، وأنها رأس فتنة، وقد صدر لي رسالة بعنوان: (الجماعات الحزبية خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام)، ونشرت عدة مقالات في الصحف، وكل ذلك قبل عشرين عاماً – ولله الحمد -، فهذه الجماعة وإن سموا أنفسهم باسم: (الإخوان المسلمين) هم من أبعد الناس عن السنة، بل هم أهل بدع مخالفين لمنهج السلف، وأهل تعصب ممقوت ، وفتاوى باطلة، وتقليد أعمى، وأصحاب مداهنات سياسية، تقوم مبادئها على التكفير، والخروج على الحاكم، وهذه الجماعة تتبنى تنظيماً جماعياً داخل المجتمع المسلم يقود إما إلى السيطرة عليه أو الاصطدام به، وهي فكرة تنظيم الخوارج بعينها.

أما داعش فهي أيضاً جماعة ممقوتة ابتليت بها بلاد المسلمين فهم عبارة عن مجموعة وتنظيم من الخوارج التكفيريين الإرهابيين المسلحين يضم أشخاصاً من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية تُحرك بأيدي أجنبية من بُعد، قد جمع بينهم الهوى ومخالفة الشرع والتعطش للدم والتغير بالطرق غير الشرعية والأطماع الدنيوية، ولدت هذه الدسيسة على الإسلام وأهلها في العراق ومن ثمَّ ترعرعت في سوريا وهي تسعى مستقبلاً كأي فكر خارجي لإقامة الخلافة الإسلامية (زعموا) في أنحاء المعمورة، وقد قاتلهم أئمة السلف، وحذر منهم العلماء كثيراً، ولا يزال شرهم مستطيراً، نسأل الله أن يرد كيدهم إلى نحورهم. قال رَسُولَ اللهِ ﷺ فيهم: (يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الْأَعْمَالَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ)، قَالَ يَزِيدُ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا قَالَ: (يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ، كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ)، فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَا أَسْمَعُ. رواه الإمام أحمد.

أما القاعدة ففكرهم وعقيدتهم لا تختلف كثيراً عن فكر الدواعش ولذلك تراهم كثيراً ما يجتمعون في المواقف والأقوال إلا أن (داعش) توسعت في التكفير، وفي القتل بناء على التوسع في التكفير، كما توسعت في نظرية التترس، أو قتل من لا يبايع البغدادي، كما امتحنت الناس في عقائدهم بغرض تصنيفهم.

وهم يشتركون في عداء أهل الإسلام ويكيدون لبلادنا أعظم الشر، ويستغلون الناشئة، ويسممون أفكارهم، ويجعلونهم معاول هدم في مجتمعهم، وسكاكين طعن لبلادهم، بل لأقرب الناس إليهم.

 

 وختاماً.

فإن ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، هو التحذير من التحزب والافتراق، ولم ينازع في ذلك إلا الخوارج ومن سار على دربهم ومنهجهم.

فالواجب علينا جميعاً أن نحذر من هذه الحزبيات ومن أصحابها، وأن نلتف ونجتمع مع جماعة المسلمين ومع ولي أمرنا في كل الأحوال، وأن ندعو له بالصلاح. 

أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لكل خير.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

فهرس الكتاب.

م                                الموضوع الصفحة
1 مقدمة الكتاب.
2 أولا: الأبحاث والرسائل:
3 بحث بعنوان: (الحزبية خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام).
4 المقدمة.
5 المبحث الأول: مفهوم الافتراق والتحزب.
6 أولاً: مفهوم الافتراق في اللغة:
7 التفرق في الاصطلاح يطلق على أمور منها:
8 1ـ التفرق في الدين والاختلاف فيه.
9 2ـ الافتراق عن جماعة المسلمين.
10 ثانياً: مفهوم التحزب:
11 ا ـ معنى الحزب في لغة العرب.
12 ب ـ معنى الحزب في الاصطلاح.
13 المبحث الثاني: بيان النصوص الشرعية في ذم التفرق في الدين والحث على الاجتماع.
14 أولاً: الأدلة من الكتاب مع ذكر أقوال المفسرين.
15 ثانياً: الأدلة من السنة في الحث على الجماعة والأمر بلزومها مع شرح لهذه الأدلة.
16 المبحث الثالث: التحذير من التفرق.
17 أولاً: أدلة الكتاب في التحذير من التفرق والتحزب مع ذكر أقوال المفسرين:
18 ثانياً: الأدلة من السنة على ذم التفرق والتحذير منه:
19 المبحث الرابع: تاريخ الحزبية في الإسلام .
20 دور عبد الله بن سبأ اليهودي في حصول الاختلاف والتحزب والتفرق.
21 نشأة فرقة الخوارج بمقتل عثمان س.
22 المبحث الخامس: آثار الافتراق والتحزب على أمة الإسلام.
23 1ـ الضعف والهوان وتسلط الأعداء وتفشي الأهواء.
24 2ـ زعزعة الثقة بالعلماء والحكام والأمة.
25 3ـ إتاحة الفرص لاحتواء بعض الرموز.
26 4ـ انتزاع البركة من الأفراد والجماعة ومن الأمة بأسرها.
27 5ـ التخاذل المتبادل بين أفراد الأمة وجماعاتها ودولها وحكوماتها.
28 6ـ الافتراق والتعادي يؤكد ما يقوله المستشرقون حول العالم الإسلامي.
29 7ـ حرمان الأمة من محاسن الاختلاف.
30 8ـ إصابة البعض بالإحباط والتثبيط.
31 9ـ انشغال الأمة عن همومها العظام، وتحدياتها الجسام.
32 10ـ فقد الناس والأمة الشعور بوحدة الجسد.
33 11ـ إشاعة روح التفرق والتمزق، وبروز المزيد من النحل والطوائف المتناحرة.
34 12ـ اتباع الهوى وعدم الاهتمام بالعلم.
35 المبحث السادس: خطر الحزبيات على بلاد المسلمين.
36 1ـ أن المنتمين إلى الحزبيات والأحزاب يجعلون حزبهم هو محور الولاء والبراء.
37 2ـ أنه يلزم من الحزبية اتخاذ المبتدعين أئمة يحتذى قولهم ويقتدى بأفعالهم.
38 3ـ التسليم بآراء الجماعة وجعلها قطعية الثبوت.
39 4ـ تحول الواجب التعبدي إلى واجب حزبي.
40 5ـ أهدار المال العام والخاص.
41 6ـ نمو الأحقاد والكراهية في نفوس المتحزبين بعضهم تجاه بعض.
42 7ـ عدم الاستقرار في الأنظمة والقوانين.
43 8ـ الانقلاب على السلطة رغبة في تغييرها ولو وصل ذلك بحد السيف.
44 المبحث السابع: طرق ووسائل أهل الافتراق والتحزب.
45 1ـ أنهم يمتنعون عن الدعاء لولاة الأمور.
46 2ـ إخفاء محاسن ولاة الأمر.
47 3ـ إسقاط هيبة العلماء عند الناس.
48 4ـ ليّ أعناق النصوص لتوافق أهواءهم.
49 5ـ التشهير بولاة الأمر، وإثارة الناس ضدهم.
50 6ـ عدم الاعتناء بنشر عقيدة السلف والدعوة إلى التوحيد الخالص.
51 المبحث الثامن: النظرة الشرعية للتعدادات الحزبية.
52 فتوى اللجنة الدائمة حول التعددات الحزبية.
53 المبحث التاسع: التحذير من الحركات التي تدعي الإصلاح السياسي.
54 أهم المبادئ والأهداف التي يسعى إليها أصحاب ما يسمى بالإصلاح السياسي
55 أهم أسباب الانحراف في فهم وتصور دعاة الإصلاح.
56 أولاً: التأثر بمذاهب أهل البدع التي تقرر هذه المخالفات.
57 ثانياً: الخلل في فهم التشريع السياسي الإسلامي.
58 ثالثاً: الخلل في تصور واجبات الحاكم، والتأثر بالنظرة الغربية الشهوانية.
59 المبحث العاشر: واجب أهل العلم والدعاة نحو الافتراق والتحزب.
60 1ـ استشعار العلماء والدعاة مسؤوليتهم تجاه فكر الافتراق والتحزب.
61 2ـ السعي لتوعية المنخرطين في هذا الفكر المنحرف.
62 3ـ إرشاد وتوجيه الناس إلى أهمية اجتماع الكلمة والنهي عن الافتراق والتحزب.
63 4ـ إعلام الناس بالمنهج التوجيهي الصحيح الذي يسير عليه العلماء والدعاة.
64 5ـ توجيه أفراد المجتمع للمحافظة على هويتهم وانتمائهم لعقيدتهم.
65 6ـ بيان انعكاس سلوك التحزب والتفرق على صورة الإسلام وأهله عند غير المسلمين.
66 7ـ التركيز على الشباب.
67 خاتمة البحث.
68 رسالة بعنوان: (الجماعات الحزبية خنجر مسموم طعنت به أمة الإسلام).
69 ثانياً: المقالات:
70 المقال الأول: فقهاء ولكن للواقع فقط).
71 المقال الثاني: هل كان موقف الإمام أحمد سياسياً؟
72 المقال الثالث: تفرق الأمة أسبابه وعلاجـه (1).
73 المقال الرابع: تفرق الأمة أسبابه وعلاجـه (2).
74 المقال الخامس: ترعرع الحزبية في البلاد.
75 فهرس الموضوعات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ([1])تيسير الكريم الرحمن، ص (٢٨٢)

 ([2])انظر: معجم مقاييس اللغة (4/493)، المفردات في غريب القرآن (ص 733)، المحكم والمحيط الأعظم (6/383)، النهاية في غريب الحديث والأثر (2/364)، لسان العرب (10/200).

 ([3])رواه مسلم (2666).

 ([4])رواه مسلم (1848).

 ([5])الافتراق مفهومه، أسبابه، سبل الوقاية منه للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، ص(6)، وكتاب تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لعفاف بنت حسن بن محمد مختار (1/39).

 ([6])الاستقامة  (1/42).

 ([7])لسان العرب  (1/308).

 ([8])مجموع الفتاوى: (22/254).

 ([9])جامع البيان (7/70).      .

 ([10])تفسير القرآن العظيم (1/389) ط، الحلبي.

 ([11])تيسير الكريم الرحمن ، ص (218).

 ([12])تيسير الكريم الرحمن ، ص (280).

 ([13])رواه مسلم (1715).

 ([14])صحيح مسلم بشرح النووي (12/11).

 ([15])رواه  ابن ماجه (236)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم (194).

 ([16])التمهيد لابن عبد البر (21/277).

 ([17])رواه الترمذي (2165)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2546).

 ([18])الرسالة للإمام الشافعي بتحقيق أحمد شاكر، ص (474-476).

 ([19])رواه البخاري (3606)، ومسلم (1847).

 ([20])صحيح مسلم بشرح النووي (12/237).

 ([21])فتح الباري (13/37).

 ([22])مفهوم الجماعة والإمامة ووجوب لزومهما وحرمة الخروج عليهما في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح للدكتور. سليمان أبا الخيل، ص (33)، ومجلة رابطة العالم الإسلامي، العدد (2295).

 ([23])جامع البيان (4/39).

 ([24])تفسير القرآن العظيم (1/390).

 ([25])الجامع لأحكام القرآن (4/168).

 ([26])تفسير القرآن العظيم (1/390).

 ([27])تفسير القرآن العظيم (2/190).

 ([28])تيسير الكريم الرحمن (2/510)، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية.

 ([29])جامع البيان (4/39).

 ([30])تيسير الكريم الرحمن (6/128).

 ([31])تفسير الطبري، جامع البيان (3/385)، واللالكائي، شرح أصول الاعتقاد (1/71-72).

 ([32])التحرير والتنوير (1/1774).

 ([33])رواه البخاري (7054) ، ومسلم (1849).

 ([34])فتح الباري (13/6-7).

 ([35])فتح الباري (13/17).

 ([36])المرجع السابق.

 ([37]) رواه أبو داود (4758)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (4758).

 ([38]) رواه مسلم (1848).

 ([39])شرح النووي لصحيح مسلم (12/238 ـ239).

 ([40])رواه مسلم (1852).

 ([41])صحيح مسلم بشرح النووي (12/241-242).

 ([42])رواه البخاري (6878)، ومسلم (1676).

 ([43])صحيح مسلم بشرح النووي (11/165).

 ([44])انظر: الغلو وأثره في الانحرافات العقدية والمنهجية عند الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية ، أبو سيف خليل بن إبراهيم العراقي، ص(12).

 ([45])انظر: كتاب حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، ص (19) للشيخ بكر أبو زيد، الافتراق مفهومه ـ أسبابه ـ سبل الوقاية منه، ص (29) د. ناصر عبد الكريم العقل.

 ([46])رواه الترمذي (2167)، قال الألباني: صحيح دون: (ومن شذ..) في المشكاة (173)، وصحيح الجامع (1848).

 ([47])انظر: آثار الافتراق على الأمة الإسلامية، د. عثمان علي حسن، ص(12).

 ([48])خطر الفرق والأحزاب على المسلمين، محاضرة لمعالي الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد .

 ([49])انظر في ذلك : المبحث الأول في تعريف الحزب في اللغة والاصطلاح، ص(10).

 ([50])رواه البخاري (7147).

 ([51])رواه البخاري (653).

 ([52])رواه البخاري (7080).

 ([53])مجلة البحوث الإسلامية العدد الثالث والثلاثون، الإصدار: من ربيع الأول إلى جمادى الثانية لسنة 1412هـ الفتاوى: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الفتوى، رقم (1674).

 ([54])انظر: مقال بعنوان “الانحراف في الإصلاح” لفضيلة الشيخ الدكتور/ محمد الحمود النجدي، موجود لدى موقعه.

 ([55])مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (4/137).

([56]) رواه أبو داود (4597) ، وحسنه ابن حجر في  تخريج الكشاف (63) ، وصححه ابن تيمية في  مجموع الفتاوى (3/345)، والعراقي في ” تخريج الإحياء ” (3/199).

([57]) رواه الترمذي (2641)، وحسَّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (2641).

([58]) رواه مسلم (1767).

([59]) الاستقامة (1/42).

([60]) أخرجه البخاري (8/101) ومسلم (4/1957).

([61]) مجموع فتاوى بن باز (8/210).

([62]) رواه البخاري (946).

([63]) إعلام الموقعين (1/87).

([64]) مناقب أحمد بن حنبل، ص(344).

([65]) السياسة الشرعية، ص(185).

([66]) انظر: مناقب أحمد بن حنبل لابن الجوزي ، ص(345).

([67]) رواه أبو داود (4596)، والترمذي (2642)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1082).

([68]) رواه أبو داود (4596)، والترمذي (2642)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (3242).

([69]) رواه مسلم (2890).

([70]) رواه مسلم (2889).

([71]) رواه البخاري (2410).

([72]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/122/123).

([73]) انظر: مقدمة رسالة الرد على الجهمية والزنادقة.

([74]) الاستقامة (1/42).