80 – مع كتاب رحلتي إلى بيت الله الحرام للشنقيطي رحمه الله

الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31-1-2024م

 

80 –  مع كتاب رحلتي

إلى بيت الله الحرام للشنقيطي رحمه الله pdf

 

 

مع كتاب

رحلتي إلى بيت الله الحرام

للشنقيطي رحمه الله

 

تأليف

أ.د عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلقد كان الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله من العلماء الأجلاء الذين ظهرت آثارهم من خلال حياتهم العلمية في خدمة دين الله تعالى ولاسيما أثناء مدة إقامته بالمملكة العربية السعودية، وخاصة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قام بتفسير القرآن الكريم عدة مرات بأسلوب رائع يوضح مدى تمكنه من تحصيل المادة العلمية التي أهلته لذلك.

ولد رحمه الله عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة في قرية (تنبه) من أعمال مديرية (كيفا) من موريتانية التي غلب عليها اسم شنقيط عند نسبة السكان، وهو اسم لقرية معروفة من أعمال مديرية إطار في أقصى الشمال من موريتانية.

وقد حفظ رحمه الله القرآن في سن العاشرة، وجعل يتدرج في مراحل العلم، فتعلم رسم المصحف العثماني، ودرس علم التجويد على قراءة نافع برواية ورش، وقرأ المختصرات من فقه مالك، وأقبل على تعلم الأدب، ومبادئ النحو، وأنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحفظ الكثير من المتون والمنظومات الشعرية، وقد تلقى رحمه الله كل ذلك عن طريق أقاربه وأهالي قريته، ثم انطلق رحمه الله يتعلم من علماء قبيلته فتلقى منهم ما ينقصه أو يزيده قوة من مختلف الفنون كالنحو والصرف والبلاغة والأصول والتفسير وفنون الحديث.

وقد نشأ رحمه الله في جو يغلب عليه طلب العلم وروح الفروسية تأثراً بالوسط القبلي الذي عاش فيه وترعرع، وهو وسط تحتضنه البادية، ويغلب عليه التنقل طلباً للمناخ الأصلح.

وقد اشتهر رحمه الله بعلمه وأخلاقه وأدبه وقوة حجته، ومن خلال رحلته الشهيرة إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج استفاد رحمه الله الكثير من الفوائد عن طريق المدارسة والمناظرات والمحاضرات والمسائل التي عرضت عليه، واستفاد منه أيضاً الكثير ممن نزل في ضيافتهم أو مرَّ بهم.

وقد أراد رحمه الله الكلام عن رحلته وتسجيل ما عرض له خلالها لكي يسجل ما مرَّ به من فوائد وطرائف، وتعرفه على العديد من الشخصيات العلمية.

وقد بدأ رحمه الله الكلام عن رحلته بقوله: ” أما بعد: فليكن في علم ناظره أنَّا أردنا تقييد خبر رحلتنا هذه إلى بيت الله الحرام، ثم إلى مدينة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام ليستفاد بما تضمنته من المذاكرة والأحكام وأخبار البلاد والرجال، وما تجول فيه الأدباء من المجال، والغرض الأكبر من ذلك تقييد ما أجبنا عليه عن كل سؤال علمي سُئلنا عنه في جميع رحلتنا..”.

ولقد أراد الشيخ رحمه الله أن تكون رحلته إلى الحج عن طريق البرِّ، ولعل ذلك عائد إلى ألفته ظهور الإبل، ورغبته في لقاء العلماء والتعرف على معالم الديار الإسلامية التي تقتضيها الرحلة الطويلة أن يتخذها ممراً.

إن رحلة الإمام الشنقيطي رحمه الله للحج كانت رحلة علمية بمعنى الكلمة، وكانت زاخرة بجميع أنواع الدعوة من دروس ومحاضرات ومناظرات علمية وأدبية وأسئلة فقهية تنم عن قدرته رحمه الله على إيصال العلم الشرعي بدليله الذي وصل إليه من مذهب الإمام مالك رحمه الله.

ومن خلال هذه الرحلة يتبين لنا مدى اهتمامه رحمه الله بالعلم الشرعي، وحرصه على الاستفادة من أنواع العلوم من خلال مقابلاته لشخصيات متباينة من العلماء والمشايخ والأدباء وغيرهم.

وقد بدأ رحمه الله رحلته في اليوم السابع من شهر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثلاث مائة وألف من الهجرة متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وكانت أول وجهته من خلال هذه الرحلة نزوله في قرية (كيفة) وكانت له فيها قرابة من أبناء العمومة، وقد سئل خلال نزوله عن مسألتين وهما الفرق بين علم الجنس واسم الجنس، ومراد المتكلمين بقولهم: الصفة النفسية لا تعقل الذات دونها، وقد أفاض رحمه الله بما تيسر عنده بجواب طيب، فكان مما قاله رحمه الله جواباً عن المسألة الأولى: “فتحصل أن الذي يظهر لمقيد هذه الرحلة ـ عفا الله عنه ـ أن الفرق بين علم الجنس واسمه ـ على القول بأن اسم الجنس والنكرة شيءٌ واحدٌ ـ أمرٌ معقولٌ ولا شبهة فيه. وأما على القول بالفرق بين اسم الجنس والنكرة فالفرق بين اسم الجنس وعلمه لا يكاد يظهر عند التأمل الصادق، والعلم عند الله جل وعلا”.

وأما جوابه عن المسألة الثانية فقال رحمه الله:”إن الصفة النفسية لا تعقل الذات دونها. أن معناها عندهم: أن الصفة النفسية التي هي عندهم الجنس أو الفصل لا تعقل الذات دونها، لأنها لا تكون عندهم إلا جزءًا من الذات. والماهية عندهم لا تعقل بدون أجزائها، فالإنسان عندهم لا يمكن تعقله ممن لم يعقله إلا بالنطق؛ لأنه صفته النفسية، والنطق عندهم القوة المفكرة لا نفس الكلام”.

ثم مرَّ رحمه الله من خلال رحلته بوادي (أم الخز)، وقرية (تامشكط)، وقرية (العيون)، وقرية (تنبدقة)، وقرية (النعمة)، وقرية (النوار)، وقرية (بمكو)، و(مبتي)، و(سيكثو)، و(صن)

ولقد كانت إجاباته رحمه الله مرتبطة بمنهجه الذي كان عليه وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله ، والذي كان يدرس ويعمل به في شمال غرب قارة إفريقيا.

ومن ضمن المسائل التي عرضت عليه وأفاض فيها مسألة (سد الذرائع عند الإمام مالك) ومما ذكر في هذه المسألة قوله رحمه الله:”ومن الأصول الدالة على سد الذرائع قوله تعالى:{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}(الأنعام:108)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)(أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتراه صلوات الله عليه وسلامه جعل ذريعة السب سبَّاً، وهو دليل على أن وسيلة الحرام حرام، لأن الواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فهم يسمون فلوس النحاس تحيُّلاً عند العقد ليأخذوا بعد ذلك عند الحلول (فرنكين) عن واحد، والجميع ورق، ومالك لا يجوز عنده سَلَمُ شيءٍ في أكثر منه من جنسه، وإن جاز عند الشافعي وغيره”.

ومن المواقف الطريفة التي حصلت للشيخ رحمه الله أثناء إقامته بقرية (النعمة) عندما كان في إحدى جلساته حضر بعض العوام الذين ليس عندهم فهم وعندهم خلط في بعض الأمور، ومن ذلك قول أحدهم: إنه يغبطنا ويغار منا بسبب أننا نمر بأرض السودان التي فيها موضع شريف. قلنا له: وما ذاك الموضع الشريف؟ قال: الخرطوم. قلنا: وأيُّ شرف للخرطوم؟ قال: لأنه مذكور في القرآن العظيم في قوله:{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ}(القلم:16)، فقلنا له: ذلك خرطوم آخر غير الخرطوم الذي تعني. فضحك من يفهم من الحاضرين.

ومن المواقف التي شدت انتباهه رحمه الله مروره بقرية اسمها (صن) يعيش فيها أناس وثنيون يعبدون الشجر، كلهم عرايا كيوم ولدتهم أمهاتهم إلا موضع العورة فيسترونه إما بقطعة قماش صغيرة أو ورقة شجر، وكان يسمع عنهم أنهم يأكلون البشر ـ والعلم عند الله ـ.

وقد تعرف رحمه الله من خلال رحلته على أناس كثيرين من مختلف الدول التي مرَّ من خلالها، فنال منهم الكرم المزيد، والضيافة الكريمة، والهدايا القيمة.

وعانى رحمه الله من الطرق الوعرة التي كان يمر بها خلال رحلته، ونالته مصاعب كثيرة بسبب الأمطار وتقلب الأجواء.

ولقد استعمل الشيخ أثناء سفره البري عدة مواصلات من البعير والسيارات والقطارات وانتهت به الرحلة على سفينة بحرية نقلته إلى جدة.

وعانى الشيخ أثناء سفره من معاملة الفرنسيين الذين كانوا يحتلون غالب البلاد الإفريقية وخاصة عند مروره بحدود الدول بين تشاد والسودان.

وكانت آخر محطة له قبل ركوبه السفينة (أم درمان)، وكان نزوله بها فيه خير كثير له ولمن علم بوجوده فيها، فأتى إليه العلماء المدرسون في المعهد الديني في (أم درمان) الذي كان حافلاً بالعلماء والطلبة الأذكياء، وكانت تدرس فيه فنون كثيرة.

وكان اللقاء مشوقاً وحافلاً بالمناقشات والأسئلة التي أسهب فيها الشيخ إسهاباً كبيراً ينم عن سعة اطلاعه وعلمه، ثم ختم رحلته بنزوله في (سواكن) التي يبحر منها الحجاج.

وعند وصوله إلى جده توجه محرماً إلى مكة المكرمة، وكان محرماً هو ومن معه مفردين لأن في مذهب مالك رحمه الله الإفراد أفضل من التمتع والقران.

ثم دخل رحمه الله ومن معه مكة محرمين ملبين، فطاف طواف القدوم ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم توجهوا  إلى منى مهلين بالحج ملبين تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سار إلى عرفة ووقف فيها حتى غربت الشمس، ثم دفع إلى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء والفجر، ثم أتى المشعر الحرام ودعا، ثم دفع إلى منى حتى وصل إليها وقت الضحى فرما جمرة العقبة.

ثم ذهب إلى البيت الحرام فطاف طواف الإفاضة، ثم تحلل التحلل الأكبر بعد التحلل الأصغر برمي جمرة العقبة لأنه قد سعى بعد طواف القدوم، وقد أتم مناسكه رحمه الله كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان رحمه الله جالساً في عرفة بجوار خيمة الأميرين تركي السديري أمير أبها، والأمير خالد السديري أمير تبوك حينئذٍ، وكان ينتظر رفقته، فأكرماه، وأظهرا له السرور، وقد سأله الأمير خالد عن معنى قول جرير في شعره:”ومسحهم صلبهم رحمن قربانا”، وعن إعراب كلمة “قربانا”، من بيت شعر جرير.

فذكر لهما أن هذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل التغلبي وقومه، ويعيرهم بدين النصرانية، وأنهم يهاجرون إلى النصارى، ويتمسحون بصلبهم التي يعبدونها، ويدعون أنها ترحمهم وتقربهم إلى الله، ثم ذكر لهما القصيدة، ومعنى البيت، وإعراب الكلمة، فأثار إعجابهما، وكانت هذه فرصة طيبة للتعرف على  الشيخ رحمه الله وحافزاً للتشبث به وخاصة في هذه الديار.

وفي أثناء وجوده بمكة بعد قضاء مناسك الحج دعاه العالم الشهير اللوذعي الكبير أحد أعيان علماء مكة المكرمة، ومدرس حرمها الشريف، فأكرمه وآنسه.

ثم توجه إلى جدة فنزل بها نفس المنزل الذي نزل به عند وصوله أول مرة فبات بها، وفي اليوم التالي توجه إلى المدينة النبوية ووصل إليها بعد صلاة العشاء وقد أوصد المسجد أبوابه، فنزل على الأستاذ الشيخ محمد عبد الله بن آد، وفي اليوم التالي توجه إلى المسجد النبوي فدخل من باب الرحمة، وصلى في الروضة المباركة ركعتين، ثم توجه للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وكانت هذه نهاية رحلة حجه إلى مكة المكرمة بالديار السعودية، ولكنها كانت البداية له في حياته الجديدة، فقد التقى ببعض المشايخ في الحرمين، ولاسيما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث طاب له المقام.

وقد كانت للشيخ بعض الشوائب المتعلقة بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب تلقاها أيام طلبه للعلم، ومن أفواه الرواة غير المحققين، غير أنه ما لبث أن اصطدم بالواقع الذي لا يمت إلى ما في ذهنه بأي صلة، ولاسيما في العقيدة.

فأتيح للشيخ رحمه الله أن يطلع على كتاب (المغني) لابن قدامه، وهو الموسوعة الحنبلية الكبرى، ثم بعض مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وبعض رسائل الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان هذا كافياً لتحرير عقله من الشوائب الدخيلة، وإذا هو يندفع في الدعوة إلى مذهب السلف.

وقام رحمه الله بدراسة باقي المذاهب بجانب مذهب مالك، فتوسع في دراسة الحديث فتفقه فيه.

ولقد جاءته المفاجأة التي كان يتمناها بتوجيه من الملك عبد العزيز آل سعود بإعطائه التابعية السعودية لتقرر إقامته في هذه الديار والتي كانت سبباً بعد فضل الله في إفادته لكثير من المسلمين وخاصة طلاب العلم.

فبدأت دروس الشيخ في المسجد النبوي حلقة من سلسلة النور التي أرادها الله تعالى ليستفيد منه القاصي والداني، وخاصة أن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت محلا لالتقاء الكثير من العلماء وطلاب العلم وغيرهم.

وقد تم دعوة الشيخ رحمه الله للتدريس في المعهد العلمي بالرياض عام 1371هـ، ثم تلا ذلك تدريسه بكليات الشريعة واللغة، ولبث يدرس فيها مادتي التفسير والأصول حتى عام 1381هـ، ثم أعيد مرة أخرى إلى المدينة النبوية ليتولى التدريس في الجامعة الإسلامية المحدثة دونما انقطاع إلا لمرض، وكان في بعض الأحيان يستدعى لإلقاء بعض المحاضرات في المعهد العالي للقضاء بالرياض حتى عام 1386هـ.

ولقد كان لوجود الشيخ في الجامعة الإسلامية أثره العظيم في إثراءها وتوجيهها التوجه السديد، فكانت دروسه القيمة في فصول الجامعة، ثم دروسه في المسجد النبوي ثم محاضراته التي يدعى لإلقائها في دار الحديث التابعة للجامعة ثمرة يانعة لمن حضرها.

ولقد شارك الشيخ رحمه الله في نشاطات كثيرة وخاصة رابطة العالم الإسلامي في مكة، وهيئة كبار العلماء في الرياض.

وعامة مشايخنا الذين تعلمنا على أيديهم والتقينا بهم يجلونه ويصفونه بالعلم، بل إن شيخنا محمد العثيمين رحمه الله يقول: “لم تر عيني مثله في غزارة علمه، وسرعة استحضاره، وقوة حافظته”.

ويقول عنه شيخنا الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله:”إنه فريد عصره، وقد استفدت منه كثيراً ورأيت منه عجباً”.

ولا أكاد أجلس مع الشيخ صالح مجلساً إلا ويثني عليه ويجعله في علية مشايخه.

ولقد نال الشيخ رحمه الله ثقة غالية في أوساط أولي الأمر في هذه البلاد بسبب إخلاصه وعلمه وفضله.

نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يحشرنا وإياه في زمرة عباده الأتقياء إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.