89 – من أحكام الطلاق والخلع

الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31-1-2024م

 

89 –  من أحكام الطلاق والخلع pdf

 

 

                        

رسالة بعنوان

من أحكام الطـلاق والخـلع

 

تأليف

أ.د عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

 

 

  

من أحكام الطلاق والخلع

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أولاً: حكمة تشريع الطلاق:

تمهيد:

إن مما يجب التنبيه عليه قبل الدخول في حكمة تشريع الطلاق أننا نقول بأن شريعة الإسلام كلها رحمة وعدل ولم تنزل إلا لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، ومن نظر في أصول هذه الشريعة وفروعها لأيقن تماماً بما قلت؛ يعني أنها مبناها على الرحمة والعدل بين البشر.

ومن الأمور التي شرعها الله تعالى لعباده الطلاق والخلع بين الزوجين، ومن نظر نظرة جوفاء خالية من عين البصيرة والحكمة لظن أن فيهما؛ يعني (الطلاق والخلع) إجحاف للزوجة وضياع للأسرة وغير ذلك مما هو ظاهر الضرر وغفل عن أن قد يكون هناك رحمةً لكلا الزوجين بأن ينفصل كلاهما عن الآخر.

نعم إن الطلاق أمرٌ ترفضه الفطر السليمة لأنه بغيض إلى الله، لكن أحياناً كما ذكرت يكون لا بد من حصوله.

وسنذكر طرفاً من الحكمة في تشريعه، فمن ذلك:

1) أنه قد يتعذر العيش بين الزوجين نتيجة لاختلاف الطبائع وتباين الأخلاق، فقد يطّلع أحد الزوجين بعد الزواج على خلقٍ سيّءٍ من الآخر، أو طبعٍ شاذ، أو أن يكون هناك شحٌ مطاع، وتفشل في ذلك كل الوسائل في الإصلاح، ومن هنا تنعدم المودة بين كلا الزوجين فيكون الفراق حينئذ علاجاً ضرورياً لهذه المشكلة، وعندئذٍ تكون مشروعية الطلاق هي عين الحكمة ومنتهي العدل والإنصاف.

2) قد يتعرض أحد الزوجين لأذى الآخر في دينه أو شخصه أو بدنه، ويتعذر علاج ذلك فيكون الطلاق عين الحكمة.

3) إصابة أحد الزوجين بمرض عضال يعجز الطب عن علاجه ولا يقوى المعافى على احتمال أذى المصاب فيكون الطلاق عين الحكمة.

4) أنه قد يتبين أن أحد الزوجين عقيم وبالتالي تنعدم أسمى أهداف الزوجية ويستقر في نفس أحدهما الحياة الزوجية لا قيمة لها؛ لأنها لا تدوم إلا بوجود الإنجاب.

ثانياً: حكمة تشريع الخلع:

ذكرنا فيما سبق أن الشريعة الإسلامية جاءت بما يضمن لجميع أفراد المجتمع بخاصة حقوقهم، وبخاصة ما يتعلق بالزوجين لاسيما إذا ساءت العشرة بينهما.

وقد بيَّنا طرفاً من الحكمة من تشريع الطلاق، لكن قد لا يرغب الزوج في طلاق زوجته مع حصول إساءة العشرة بينهما فما الحل؟.

نقول: جعل الله لهذه المرأة الفداء في مقابلة ما بيد الزوج وهو الطلاق، لكن ما هي الحكمة من تشريع الخلع؟

لا شك أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإذا كان الطلاق غالباً ما يكون بسبب حصول شيء يكرهه أحد الزوجين من الآخر كما ذكرنا، لكن قد يكون الزوج إنساناً سوياً، سمح الطبع، وحسن الخلق، له صلة بربه، تراه محافظاً على الذكر والعبادة، شريف المعاملة، طيب العشرة.

وبالجملة تكون فيه جميع ما تتمناه النساء، لكن قد تزهد فيه زوجته ولا ترغبه، فترغب في الخلاص منه.

وعدم الرغبة شيء قلبي يحصل للمرأة فلا تستطيع أن تعاشره، بل قد تخاف المرأة على البقاء مع زوجها.

ولذلك روى ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟). قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقبل الحديقة وطلقها تطليقة) رواه البخاري.

فالشاهد من هذا الحديث قولها لا أعتب عليه خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام.

فمن هنا شرع الله للنساء أن تختلع من زوجها إذا حصل لها عدم ميول قلبي وتخاف مع البقاء من حصول الكفر في الإسلام أو حصول الوقوع فيما حرم الله، فحينئذ شرع الله لها الخلع، فأي حكمة أعظم من هذه الحكمة؟.

فالحكمة من الزواج حصول المودة بين الزوجين، وحصول الرحمة، فإن تعذرا جعل الله لكلا الزوجين المخرج.

ثالثاً: معنى الخلع:

الخلع في اصطلاح الفقهاء: هو إزالة ملك النكاح ببدل للفظ الخلع، أو ما في معناه.

وقيل أيضاً في معناه: هو الفرقة بعوض من الزوجة.

رابعاً: حكمه:

الخلع جائز إذا كان هناك مبرر شرعاً كما ذكرنا، لكن الذي أنصح به هو أن المرأة

ينبغي لها أن تصبر إذا كان زوجها صاحب دين وخلق قويم ويحبها، فهذا هو الأولى لها. أما من حيث الحكم فكما ذكرت فإن الخلع جائز.

خامساً الأصل في مشروعية الخلع:

الأصل في مشروعية الخلع الكتاب والسنة:

فمن الكتاب: قوله تعالى:{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}[البقرة: 229 ].

ومن السنة: حديث بن عباس رضي الله عنهما، وقد سبق ذكره.

قال الإمام البخاري رحمه الله: “وأجاز عمر رضي الله عنه الخلع دون السلطان وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها”.

سادساً: شروط الخلع:

1) أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والمرأة محلاً لوقوعه مدخولاً بها أم لا؟ وذلك لأن الخلع طلاق بائن يشترط فيه ما يشترط للطلاق.

2) وقوع المخالفة حال قيام الزوجية حقيقة أو حكماً، فلا تصح مخالعة المطلقة طلاقاً بائناً.

3) أن يكون بلفظ الخلع أو ما يؤدى معناه وإلا كان طلاقاً على مال.

4) اتفاق الزوجين ورضى الزوج المخالع.

5) أن تكون المرأة عاقلة بالغة غير محجور عليها ولا مريضة مرض الموت.

6) كون الخلع على مال، أو ما في حكمه، أو مما يتمول به.

7) النشوز من قبل الزوجة.

سابعاً: البدل في الخلع:

ذكرنا في تعريف الخلع أن يكون على عوضٍ من قبل المرأة، وهذا ما يسميه البعض “البدلُ في الخلع”، فكل ما يجوز أن يكون مهراً في عقد النكاح جاز أن يكون بدلاً في الخلع، فيجوز أن يكون:

ـ من النقد؛ فتعطه مثلاً نقداً من الريالات ونحوه.

ـ أو أن يكون من الأموال القيمة؛ كالسيارات والحيوانات وما شابه ذلك.

ـ أو أن يكون على منفعة تحصل للزوج؛ كأن تخالعه على أن ترضع ولده أو تحتضنه وما شابه ذلك.

ثامناً: مسألة في حكم البدل إذا كان النشوز من قبل الزوج:

قد يحصل الضرر من قبل الزوج لزوجته فلا تستطيع المرأة من البقاء معه، كل ذلك لإكراهها على الخلع فتقوم المرأة المسكينة بطلب الخلع من زوجها الناشز في مقابل شيء من المال ـ يعني: البدل ـ، فهل يجوز لهذا الزوج الناشز أن يأخذ هذا البدل من هذه المرأة في مقابل خلعها منه؟.

نقول وبالله التوفيق:

لقد جاءت الشريعة الإسلامية كما ذكرنا سابقاً بالعدل وحرمت الظلم بعد توعد الله تعالى الظالم بالخزي والنكال في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}[البقرة: 231].

وقال تعالى: {فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً}[النساء: 21].

فهذه النصوص دالة على تحريم الأخذ في حال نشوز الزوج؛ لأنه أخذٌ لمالها بغير حق.

لكن قد يصل الأمر للقضاء فيحكم القاضي بأخذ البدل في حال نشوز الزوج فيصح أخذه، لكن إن قلنا بصحة الأخذ فلا نقول بصحته ديانة؛ لأن الديانة شيء والقضاء شيء آخر.

فالقاضي حكم به لمعنى آخر وهو زيادة حصول إضرار الزوجة الناتج عن إضرار الزوج لها، فما عليها إلا أن تحتسب وتدفع البدل مع ثبوت الحرمة في حق آخذه وهو الزوج.

تاسعاً: أثر الخلع على الزوجين:

هناك آثار تترتب على الخلع، من هذه الآثار:

1) وقوع الطلاق بائناً بالخلع، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، فمتى حصل الخلع وأراد الزوجين الرجوع جاز لهما ذلك ولكن بالشروط المقيدة في الطلاق البائن.

2) ثبوت البدل كحقٍ للزوج في ذمّة الزوجة كما سمياه بالاتفاق.

عاشراً: الفرق بين الخلع والطلاق:

هناك فروق بينهما تتمثل في الآتي:

1) أن الطلاق يكون من قبل الزوج، والخلع يكون من قبل الزوجة.

2) أن الطلاق ينتقص عدد الطلقات إلا إذا كان بائناً منه، فلا تحل حتى تنكح زوجاً غيره. أما الخلع فتحل له بعقدٍ جديدٍ وبشروطِ النكاح فقط.

3) أن الطلاق لا بد أن ينظر فيه الزوج إلى حال زوجته، فلا يطلقها في حال الحيض ولا في طهر جامعها فيه بخلاف الخلع فيجوز مطلقاً.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

فهرس الموضوعات

الموضوع

من أحكام الطلاق والخلع:
أولاً: حكمة تشريع الطلاق:
ثانياً: حكمة تشريع الخلع:
ثالثاً: معنى الخلع:
رابعاً: حكمه:
خامساً: الأصل في مشروعية الخلع:
سادساً: شروط الخلع:
سابعاً: البدل في الخلع:
ثامناً: مسألة في حكم البدل إذا كان النشوز من قبل الزوج:
تاسعاً: أثر الخلع على الزوجين:
عاشراً: الفرق بين الخلع والطلاق:
فهرس الموضوعات: