92 – رسالة في فضل الصحابة رضي الله عنهم

الأربعاء 19 رجب 1445هـ 31-1-2024م

 

92 –  رسالة في فضل الصحابة رضي الله عنهم pdf

 

 

رسالة في

فضل الصحابة

رضي الله عنهم

 

تأليف

أ.د عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

 

 

فضل الصحابة

 

تعريف الصحابي لغة:

الصحابة في اللغة: مشتق من الصحبة، وكل شيء لازم شيئاً فقد استصحبه، أي دعاه إلى الصحبة ولازمه.

وفي الاصطلاح:

الصحابي: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه:

* من طالت مجالسته فيمن لقيه.

* ومن روى عنه أو لم يرو.

* ومن غزا معه أو لم يغز.

* ومن رآه رؤية لو لم يجالسه.

* ومن لم يره لعارض كالعمى.

ويخرج بقيد الإسلام من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى.

وقولنا مؤمناً به يخرج من لقيه مؤمناً بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة مثل بحيرا الراهب وغيره ويدخل في قولنا مؤمناً به كل مكلف من الجن والإنس وخرج بقولنا ومات على الإسلام من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ومات على ردته والعاذ بالله كعبيد الله بن حجش الذي كان زوج أم حبيبه فإنه أسلم معها وهاجر إلى الحبشة فتنصر هو ومات على نصرانيته، وكعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة وكربيعه بن أميه بن خلف.

ويدخل في هذا القيد من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أم لا ومن هؤلاء الأشعث بن قيس الذي ارتد وعاد إلى الإسلام في خلاف أبي بكر رضي الله عنه.

هذا هو التعريف المختار وقد عرفه بعضهم بتعاريف تشترط طول المجالسة أو الرواية عنه أو الغزو معه أو الاستشهاد بين يديه وشرط بعضهم أن يبلغ الحلم.

وهل يدخل في الصحبة من رأى النبي وهو ميت قبل أن يدفن كأبي ذؤيب الهذلي رجح ابن حجر عدم الدخول والله أعلم.

وقد رجح هذا التعريف الذي اخترناه أحمد بن حنبل والبخاري وابن حجر وأبو حامد الغزالي، والواقدي وأبو نعيم الأصبهاني وعلى ابن المديني وسعيد بن المسيب والخطيب البغدادي.

قال ابن الأثير في أسد الغابة: “أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما شرطوه كثيرون فإن الرسول الله شهد حنينا ومعه اثنا عشر ألفاً سوى الأتباع والنساء وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم. وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً وكل من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلهم لهم صحبة وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير مالا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع وكلهم لهم صحبه ولم يذكروا إلا هذا القدر……. فإن من لم يرو ولا يأتي ذكره في رواية كيف السبيل إلى معرفته”.

الأدلة من القرآن على فضل الصحابة:

قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}.

قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.

قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.

قال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

الأدلة من السنة على فضل الصحابة.

1) في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد ابن الوليد وبين عبدالرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) يعني عبدالرحمن وأمثاله؛ لأن عبدالرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان.

والمقصود أنه نهى من له صحبة أخراً أن يسب من له صحبة أولاً لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، فإذا كان هذا حال الصحابة فيما بينهم فكيف بمن يأتي بعدهم من غيرهم.

2) وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قيل لعائشة رضي الله عنها إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر.

3) وروى ابن بطه بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة ـ يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة” ـ وفي رواية وكيع “خير من عبادة أحدكم عمره”.

وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرته قرنين أو ثلاثة الحديث.

4) وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجر..).

5) ولقد صدق عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في وصفهم حيث قال: “إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه سيئاً فهو عند الله سيء..”.

6) وروى الترمذي بسنده (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن أذاهم فقد أذاني ومن أذاني فقد أذى الله ومن أذى الله يوشك أن يأخذه).

 

حكم

سبهم وتجريحهم

عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم واخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم كافه أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم.

وقد روي عن أبي زرعة الرازي قوله “إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة..”.

وقال الإمام أحمد في كتاب السنة: “.. ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو واحداً منهم مبتدع فهو مبتدع… حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فضيلة. وقال: لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم؛ فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته..”.

 

عقيدة أهل السنة

في الصحابة

قال الطحاوي: “ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان واحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان”.

إن من أصول أهل السنة الثابتة التي فارقوا بها من عداهم من أهل الزيغ والضلال أنهم لا يزرون بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطعنون عليه ور يحملون له حقداً ولا بغضاً ولا احتقاراً فقلوبهم وألسنتهم من ذلك كله براء ولا يقولون فيهم إلا ما حكاه الله عنهم بقوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ. .}.

فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله.

وبين المفِّرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم فهم وسط بين الإفراط والتفريط يحبون جميعاً وينزلونهم منازلهم وما جرى بينهم من خلاف فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور وليسوا معصومين، بل هم بشر يخطئون ويصيبون، لكن صوابهم أضعاف صواب غيرهم وخطؤهم أقل بكثير من خطأ غيرهم.

 

الاقتداء بهم

في إحياء ليالي رمضان

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم أمثال رُكب المعزى قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم إذا ذكر الله مادوا كما تمد الريح في يوم ريح فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين.

كل صحابة رسول الله أوَّاه تالٍ، بل كلهم متهجد متعبد، كل فرد منهم نسيج وحده في التهجد والعبادة لقد سبقوا على خيل ضُمَّر وأتعبوا من بعدهم”.

ووصفتهم هند زوج أبي سفيان صبيحة فتح مكة فقالت: ” والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة والله إن باتوا إلا مصلحين قياماً وركوعاً وسجوداً “.

ووصفهم شخص لعظيم الروم بعد خروجه من سورية قائلاً: “.. هم فرسان بالنهار رهبان بالليل لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه…. ثم قال لئن صدقت ليمكن موضع قدميَّ هاتين”.

كانوا يقولون: “ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصحته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون”.

اطلع الصحابة على عبادة رسول الله وخشيته لربه، وهذه بمثابة الدروس العملية لهم في عبادة الله والإخلاص له فنشأوا على ذلك محبين للعبادة مقبلين عليها.

وقد جمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وفرة علمهم التقي والورع فكانوا يصومون النهار ويقومون الليل فكانت العبادة لا تنقطع في بيوتهم ليلاً ونهاراً.

ولا شك أن من عرف الله جل وعلا وعرف ما يجب له كان خوفه أعظم وورعه أكثر وزهده أدق.

فحري بنا ونحن في هذا الشهر المبارك أن نضاعف العمل الصالح لنتشبه بهم، وإن لم نصل إلى ما وصلوا إليه فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.  

 

فهرس الموضوعات

الموضوع

فضل الصحابة
الأدلة من القرآن على فضل الصحابة
الأدلة من السنة على فضل الصحابة
حكم سبهم وتجريحهم
عقيدة أهل السنة في الصحابة
الاقتداء بهم في إحياء ليالي رمضان
فهرس الموضوعات: