خطبة بعنوان: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه-2-) بتاريخ: 4 / 2 / 1438هـ

الثلاثاء 7 جمادى الآخرة 1440هـ 12-2-2019م

 

الخطبة الأولى :
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهدُ أن محمدًا عبد الله ورسوله، قدوة الناس أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون والمؤمنات واعلموا أن التقوى خير زاد ليوم المعاد {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: 102].
عباد الله: أشرنا في جمعة ماضية إلى وصية من وصايا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه). وبيّنَّا في شرح هذا الحديث توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في أن يبتعد المسلم عن جميع الأمور التي لا تعنيه؛ فيدع ما لا يعنيه ولا يفيده في أمر دينه وآخرته .
وتكملة للموضوع أقول وبالله التوفيق:
ينبغي على كل واحد منَّا أن يهتم أصلاً بما به نجاتُه وخلاصُه وسعادتُه، وذلك منحصر فيما يجلب له مصالحَ آخرتِه، ويدفعُ عنه مفاسدهَا، وأيضاً فيما يجلبُ له مصالحَ دنياه، ويدفعُ عنه مضارَّها؛ لأن له في صلاح دنياه وسيلةً لصلاح آخرته. يقول صلى الله عليه وسلم (احرص على ما ينفعك)(رواه مسلم (2664).
عباد الله: ومن الأمور التي لا تعني الإنسان ولا تهمه في أصلها:
ــ اهتمامه بشؤون الآخرين وخصوصياتهم في كيفيات معايشهم ووجهاتِ ذهابهم وإيابهم، ومقدارِ تحصيلهم من الدنيا، وتفاصيلِ أحوالهم في أنفسهم وأولادهم ومشكلاتهم، وكذا الانشغال بالقصص والوقائع والمشاهدات التي لا تتعلق بقصد صحيح.
وأما قيل وقال فهو الخوض في الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
ــ ومما شاع الاشتغال به مما لا يعني: تصنيف الناس وتقسيمهم فرقاً وأحزاباً وطوائف وجماعات.. – سواء كان ذلك هو واقعهم أم لا -، والاهتمام بالحكم عليهم حكماً واحداً لا يقبل التفصيل، مع ما يصاحبه من غيبة وتنقُّص وتتبع للعورات واتهام للنيات.. وهذا أبعد شيء عن منهج سلف هذه الأمة.
ويدخل في هذا الجزء: الاشتغال بالتحسُّر على ما فات من أمور الدنيا؛ مما يدخل في دائرة الحزن الذي كان يستعيذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يدخل فيه: تتبع الإنسان لأقوال الناس فيه وانتقادهم له، بما يلهيه عن الاهتمام بما يعنيه؛ فإن كلام الناس لا زمام له.
قال ابن القيم رحمه الله: ” وكل ذي لبٍّ يعلم أنه لا طريق للشيطان….. إلا من ثلاث جهات: التزيد والإسراف، والغفلة، وتكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء”.
وقال رحمه الله تعالى: “وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة، فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فهذا يعم الترك لما لا يعني من : الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة؛ فهذه الكلمة كافية شافية في الورع”.
ــ ومن الأمور التي لا تعني الإنسان: كل ما لا يعود عليه منه منفعة لدينه ولا لآخرته، والذي يعنيه: ما يخاف فيه فوات الأجر. وبعبارة أخرى: فكل ما يقرب من الله جل وعلا فهو مما يعني، وما لا يقرب إليه فهو مما لا يعني.
قال ابن القيم رحمه الله: ” وعمارة الوقت: الاشتغال في جميع أوقاته بما يقرب إلى الله، أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب، أو منكح، أو راحة، فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله، وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات”.
عباد الله: ينبغي على عموم أفراد الأمة أن يعني كلَّ واحد منهم – من العلم العيني – ما يعرف به ربه جل وعلا ويقيم به أركان دينه التي لا يعذر بالجهل بها، كأحكام الطهارة والصلاة مثلاً.
ثم يجب على كل فرد ما يخصه من أحكام عباداته وعمله ومهنته.
فالمستطيع للحج يعنيه – وجوباً – تعلُّم أحكام الحج، وصاحب المال يتعلم أحكام الزكاة والمعاملات، وصاحب الزرع عليه تعلم أحكام المزارعة وزكاة الزروع والثمار، وهكذا.
والأمة في مجموعها يعنيها – من العلم الكفائي – ما تقيم به شريعة الله في الأرض، وكل ما من شأنه عمارة الأرض، وتحقيق الكفاية عن الكفرة في شتى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية…
فالعالم بالشريعة يعنيه ما لا يعني غيره من مسائل العلم. والمتخصص في علم شرعي أو دنيوي يعنيه ما لا يعني المبتدىء أو المتخصص في فن غير فنه.
ومما لا ينبغي الاشتغال به:
أولاً: الاشتغال ببحث ما أخفي علينا من أمور الآخرة.
ثانياً: بعض ما أخفي علينا علمه – لعدم فائدته مثل أسماء الطيور في قصة إبراهيم والجزء الذي ضرب به القتيل من بني إسرائيل، وأعداد أصحاب الكهف، وصفة كلبهم.
ثالثاً: تتبع الأغلوطات والغرائب من شذاذ المسائل وصعابها التي يكثر فيها الخوض والغلط.
رابعاً: الخوض في الفتن وخاصة ما وقع بين الصحابة.
خامساً: التندر بالمخالفين من المسلمين والإزدراء بأحوالهم على وجه الحكايات والطرف والتنكت.
سادساً: التوسع في العلوم المسماة (علوم الآلة) توسعاً يضر ولا ينفع.
سابعاً: أخذ العلم من غير أبوابه.
ثامناً: الاشتغال ببعض جوانب العلم التي لا نفع فيها.
تاسعاً: السؤال عن أمور لا تنفع السائل بل تضره.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ (24) }[فصلت: 19ــ 24].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فاتقوا الله جل وعلا، واعلموا أن كل واحد منا مؤاخذ بما نطق لسانه وقدمت يداه .
قال ابن القيم رحمه الله: “من حفظ هذه الأربعةَ أحرز دينه اللحظاتِ والخطراتِ واللفظاتِ والخطواتِ، فينبغي أن يكون بوَّابَ نفسهِ على هذه الأبواب الأربعة يلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل العدو فيجوس خلال الديار ويتبِّر ما علا تتبيرا، وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة ” انتهى كلامه.
عباد الله: إن من يترك المعاصي كلَّها لابد أن يشتغل بطاعة الله جل وعلا، فليس هناك إلا طاعة أو معصية، وما ثمَّ إلا تقدم أو تأخر، كما قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}[المدثر: 37]، وقال صلى الله عليه وسلم (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)(أخرجه مسلم (223).

أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح لنا في الدنيا والآخرة.
هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب:٥٦).
الجمعة: 4 / 2 / 1438هـ