الوساوس والخطرات ( أسبابها وعلاجها ) – خطبة الجمعة 27-5-1443هـ

الجمعة 27 جمادى الأولى 1443هـ 31-12-2021م

 

الوساوس والخطرات.. أسبابها وعلاجها

الخطبة الأولى:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أكرمنا بنعمةِ الإسلامِ، وشَرَحَ صُدورَنا بنورِ الإيمانِ، وهدانَا لأقومِ طريقٍ يُوصلُ للجنانِ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أعاذ عباده المؤمنين من وساوسِ الشياطينِ وأنارَ بصيرتَهم بنورِ العلم واليقينِ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، أرشد أمته إلى التمسكِ بكتابِ اللهِ والعملِ بسنتِه الغرَّاءِ، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ أَيُّهَا المؤمنونَ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102].

عبادَ اللهِ: الشيطانُ الرجيمُ عدوٌ لدودٌ للإنسانِ، يقفُ لهُ بالمرصادِ على كلِّ طريقٍ يُوصلُه إلى رضا اللهِ والجنَّةِ؛ وقد أَمَرنَا اللهُ جلَّ وعلا بعداوتِه ومخالفتِه؛ قالَ تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير} [فاطر:6]، وأقسمَ الشيطانُ اللعينُ على إضلالِ العبادِ والأخذِ بأيدِيهم إلى طريقِ الضلالِ قال تعالى:{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[الأعراف: 16ـ 17]، وأخبرَنَا سبحانَه بما صَنَعَه الشيطانُ بآدمَ وحواءَ عليهمَا السلامُ من إغوائِهما والتَّسبَبُّ في إخراجِهما من الجنَّةِ، قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ}[الأعراف: 27]، وحذَّرنَا ربُّنا جلَّ وعلا من الاستجابةِ لوساوسِه ومتابعتِه حتَّى لا نكونَ من حزبِه الخاسرين.

أيُّها المؤمنونَ: وممَّا ابتُلي به بعضُ النَّاسِ في زمانِنا ما أَصَابَهم من الوساوسِ الشَّيطانيةِ التي تَذْهبُ بهم إلى طريقِ الغوايةِ والضَّلالِ، وهذه الوسواسُ هيَ أحاديثُ للنَّفسِ وخطراتٌ ترِدُ على عقلِ الإنسانِ وقلبِه، وهيَ تزيدُ إذا اسْتَسَلَم لها الإنسانُ وانساقَ وراءَها؛ حتى تَصلَ به إلى مرحلةٍ من أخطرِ المراحلِ وهيَ التشديدُ على النَّفسِ في الأمورِ الحياتيةِ والتَّعبديةِ، وربَّما تصلُ به إلى العُزلةِ عنِ النَّاسِ وتركِ مخالطتِهم، وكذلك إلى تركِ الفرائضِ والنوافلِ، والأخطرُ من ذلكَ أن تصلَ بالإنسانِ إلى الكُفرِ والشكِّ في اللهِ تعالى، وهذه الوساوسُ لها أشكالٌ متنوعةٌ، ومن ذلك:

أولاً: ما يَردُ على القلبِ مما يُعارضُ إيمانَ العبدِ باللهِ وبرسولِه واليومِ الآخرِ، فقد جاءَ ناسٌ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ: إنّا نَجِدُ في أنْفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أنْ يَتَكَلَّمَ به، قالَ: (وقدْ وجَدْتُمُوهُ؟) قالوا: نَعَمْ، قالَ: (ذاكَ صَرِيحُ الإيمانِ) رواه مسلم 132)؛ وهذه الوساوسُ لا تضرُّه بإذنِ اللهِ ما دامَ أنَّه يعلمُ أنَّها باطلةٌ، ويكرهُها، وينصرفُ عن التفكيرِ فيها، ويستعيذُ باللهِ منها.

ثانيًا: تشكيكُ المسلمِ في نيِّته وقصدِه: فيجعلُه الشيطانُ يتلفَّظُ بالنِّيةِ خوفًا من بطلانِ عبادتِه، أو يجعَلُه يتكلَّفُ في إحضارِ تلكَ النِّيةِ، أو تكرارِ التلفُّظِ بها، وهذا كلُّه خطأٌ، فالنيةُ محلُّها القلبُ، فمن همَّ بالوضوءِ فقد نوى الوضوءَ، ومن قامَ يصلي فقد نوى الصلاةَ، وهكذا في سائِر أعمالِه، فنيةُ العبدِ أمرٌ لازمٌ لأفعالِه المقصودةِ لا يحتاجُ فيها إلى تعبٍ ولا تحصيلٍ.

ثالثًا: التلبيسُ عليه في طهارتِه ووضوئِه، فيقولُ له: أنتَ لم تَتَطهرْ، أو ثوبُك به نجاسةٌ من بولٍ أو غائطٍ، أو يأمُره بإعادةِ الوضوءِ، أو غُسْلِ الجنابةِ، أو غُسْلِ الحيضِ للمرأةِ، أو يقولُ له أنت لم تَتَوضَّأ، أو ما توضئتَ الوضوءَ الصحيحَ، فيجعلُه يعيدُ غَسْلَ أعضائِه، وربَّما يطيلُ غَسْلهَا، ثُمَّ يُوسوسُ له أنَّكَ لم تَغْسلْ هذا العضوَ أو ذاكَ، فيعيدُ، ويعيدُ؛ حتى يُصبحَ في حيرةٍ من أمرِه، وربَّما يَجعلُه يُكرِّرُ وضوءَه ويتجاوزُ فيه، وقد قال :(إنَّهُ سيَكونُ في هذِهِ الأمَّةِ قومٌ يَعتدونَ في الطَّهورِ والدُّعاءِ)؛ رواه أبو داود (96)، وصححه الألباني في سنن أبي داود(96)، وربَّما شكَّكَه في طهارةِ محلِّ صلاتِه، حتَّى يُؤخِّرَه عن الصلاةِ، وحتى تَضيعَ منه الجماعةُ، وهكذا بعضُ النساءِ، فتجدُ المرأةَ عندما تَتَوضأُ وتنتهي من وضوءِها، يَأْتيهَا الشيطانُ ويُوسوسُ لها أنَّها نَزَلَ منها شيءٌ، أو أنَّه خَرَجَ منها ريحٌ، وهذا لم يحدثْ، وغيرُ ذلكَ مِنْ تلبيسِه عليهنَّ؛ حتَّى يَأتيَ عليها وقتٌ تكرَهُ فيه العبادةَ وتَتَركهَا.

رابعًا: التلبيسُ عليه في الصلاةِ، فيردِّدُ بعضَ الكلماتِ أو يرفعُ بها صوتَه؛ من أجلِ التحقُّقِ من أنَّه قَدْ قالَها، وربَّما يُكرِّرُ الآيةَ كاملةً، وربَّما يعيدُ الصلاةَ مرَّةً أخرى؛ خوفًا من أنَّه لم يقرأْ الفاتحةَ، ويُشْعرُه أثناءَ صلاتِه أنَّه أحدثَ وهو لم يحدثْ، أو أنَّه لم يصلِّ الصلاةَ كاملةً، أو أنَّه لم يأتِ بركنٍ من أركانِها، أو غيرِ ذلك من صورِ التلبيسِ. وعن عُثْمانَ بنَ أَبِي العاصِ، أنَّه أَتى النبيَّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ الشَّيْطانَ قدْ حالَ بَيْنِي وبيْنَ صَلاتي وَقِراءَتي يَلْبِسُها عَلَيَّ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: (ذاكَ شيطانٌ يُقالُ له خَنْزَبٌ، فَإِذا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ باللَّهِ منه، واتْفِلْ على يَسارِكَ ثَلاثًا)، قالَ: فَفَعَلْتُ ذلكَ فأذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي) رواه مسلم (2203).

ومن تلكَ الوساوسِ أيضًا التلبيسُ عليهِ في أمورِ زواجِه وطلاقِه، وفي أهلِه وأولادِه، وفيمنْ حولَه من أقاربِه وجيرانِه والنَّاسِ من حولِه، حتَّى تُصبحَ حياتُه همًّا وغمًّا، وحتَّى تَنقلبَ هذه الوساوسُ إلى مرضٍ، فيصبحَ أسيرًا لها حتى يكونَ من زائريْ الأطباءِ النفسِّيينَ أو المستشفياتِ النَّفسيةِ للبحثِ عن حلٍّ وعلاجٍ لحالتِه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين* وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم* وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون}[يس:60ـ 62].

باركَ اللهُ لي ولكمْ في القرآنِ العظيمِ ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذِّكرِ الحكيمِ، فاسْتَغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على الرسولِ الكريمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ النبيِّ الأمينِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين. أما بعدُ:

فاتَّقوا اللهَ أيُّها المؤمنون، واعلموا أنَّ الوساوسَ داءٌ من أشدِّ الأدواءِ، ومن رحمةِ اللهِ تعالى أنَّه ما أنزلَ داءً إلا أنْزلَ له دواءً عَلمَه مَنْ عَلمَه وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، ومِنْ أهمِّ ما يدفعُ اللهُ تعالى به هذهِ الأدواءَ ما يلي:

أولاً: الإعراضُ عنها، وعدمُ التفكيرِ فيهَا، فإنَّه متى لم يلتفت لها لمْ تَثْبتْ، وتذهبْ عنه بعد زمنٍ قليلٍ بإذنِ اللهِ، ومن أصغى إليها واسترسلَ معها وعَمِلَ بها، فإنَّها تزدادُ حتَّى تُخرجه إلى حيِّزِ المرضى، فأرشد ﷺ من وَردَتْ عليه أن يُعرِضَ عنها ولا يشتغلَ بها ولا يَسترسلَ معها، وأن يستعيذَ باللهِ من الشَّيطانِ، قال ﷺ:( يَأْتي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فيَقولُ: مَن خَلَقَ كَذَا؟ مَن خَلَقَ كَذَا؟ حتَّى يَقُولَ: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ) رواه البخاري (3276)، وفي رواية للطبراني (2/251): (فليقل: آمنت بالله ورسوله)، وصححه الالباني في صحيح الجامع (1656).

ثانيًا: الإكثارُ من ذكرِ اللهِ تعالى وتلاوةِ القُرآنِ: فهو مِنْ أنفعِ العلاجاتِ في دفعِ هذِه الوساوسِ.

ثالثًا: اللجوءُ إلى اللهِ تعالى، والتضرُّع إليه، ودعائُه بأسمائِه وصفاتِه، فهو القادرُ على صَرْفِ تلكَ الوساوسِ والخطراتِ، ودفعِ كيدِ الشيطانِ ونزغاتِه.

رابعًا: لزومُ قراءةِ آيةِ الكرسيِّ، وسورةِ الإخلاصِ، وسورتي المعوذتينَ، في جميعِ وقتِه.

خامسًا: المحافظةُ على أذكارِ الصباحِ والمساءِ، وذكرِ اللهِ تعالى في جميعِ أحوالِه.

سادسًا: على الجميعِ إعانةُ هؤلاءِ الأشخاصِ مِمَّنْ ابتُلوا بتلكَ الوساوسِ حتَّى يُذهبَ اللهُ عنهم خَطَرهَا وضَرَرهَا، والصَّبرُ على أحوالِهم والرِّفقِ بهم وعدمُ إيذائِهم بألفاظٍ أو أفعالٍ تغضبُهم، وإشعارُهم بأنَّهم على خيرٍ وأنَّ ذلك ابتلاءٌ وامتحانٌ من اللهِ تعالى وسوفَ يُعافونَ منه بإذنِ اللهِ وكرمِه.

أسألُ اللهَ تعالى أن يعيذَنا وإيَّاكم والمسلمينَ من وساوسِ الشيطانِ ونزغاتِه؛ وأن يملأَ قلوبنَا إخلاصًا وإيمانًا ويقينًا.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الحبيبِ المصطفَى والقدوةِ المجتبى فَقَد أمَرَكُم اللهُ بذلكَ فقالَ جلَّ وعلا:[إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب: 56].                                                                  الجمعة:  27/5/1443هـ