وإنَّه لذكرٌ لك ولقومك – خطبة الجمعة 8-5-1444هـ

السبت 9 جمادى الأولى 1444هـ 3-12-2022م

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، أحمدُ اللهَ سبحانَهُ العزيز الوهّاب، جَعَلَ القرآنَ هدىً وذكرى لأولي الألبابِ، وأَوْدَعَهُ الحكمةَ وفَصْلَ الْخِطَاب.

وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ، وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدهُ ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ:

فاتّقُوا اللهَ أَيُّهَا المؤمنونَ، فالتقوى وصيةُ اللهِ للأوَّلينَ والأخرينَ، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

عبادَ اللهِ: لقد امتنّ اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه ﷺ بنعمةِ القرآنِ فقالَ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} الزخرف: [44]، وامتنّ على عبادِهِ بنعمةِ القرآنِ فقالَ: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} الأنبياء: [10]، أي: فيه عزُّكم.

وجعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ القرآنَ مصدرَ عِزٍّ في نفسِهِ، فقالَ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} فصلت: [41]. ووصفهُ اللهُ بأنَّهُ كريمٌ فقالَ: {إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ} الواقعة: [77]، ومن عادةِ الكريمِ أنَّكَ متى أتيتَه لا تخرجُ خاليَ الوِفَاضِ.

ووصفهُ اللهُ بأنَّهُ مهيمنٌ على ما سبقَهُ من الكتبِ، فمن اكتفَى به كفَاهُ، فلا يفوتُهُ خيرٌ، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51].

عبادَ اللهِ: ومن أعظمِ فضائلِ القرآنِ الكريمِ أنَّهُ نجاةٌ من الفتنِ، وخَلاصٌ من الْمِحَنِ قالَ ﷺ: (إنّ هذا القرآنَ سببٌ طرفُهُ بيدِ اللهِ، و طرفُهُ بأيديكمْ، فتمسَّكوا بِهِ، فإنكم لن تضِلُّوا، ولنْ تهلِكوا بعده أبدًا) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/٤٨١) وابن حبان (١/٣٢٩) (١٢٢) والطبراني (٢٢/١٨٨) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (38).

أيُّهَا المؤمنونَ: وقراءةُ القرآنِ الكريمِ عبادةٌ كغيرِهَا من العباداتِ، تحتاجُ إلى حضورِ القلبِ، وعلامةُ حضورِ القلبِ: التدَبُّرُ، وهو حظُّ النفسِ من القراءةِ، فعلى قدرِ حضورِ القلبِ وفَهمِ ما يُقرَأ، تكون اللذةُ المرجوَّةُ من القراءةِ، ومتى وُجِدَت اللذةُ، وذاقَ العبدُ حلاوتَها، أَنِس بكلامِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وراحت المعاني تستقرُّ في قلبِهِ، فأقبلَ على القرآنِ إقبالَ الظمآنِ على الماءِ، قال سفيانُ بنُ عيينَةَ: (إِنّمَا القرآنُ خزائن، فإذا دخلتَ خزانة فاجتهد ألا تخرج منها حتى تعرف ما فيها) زاد المسير لابن الجوزي (٢/٣٧٠).

أيُّهَا المؤمنونَ: والواجبُ على المسلمِ أذا قرأَ القرآنَ أو سَمِعَهُ، ألا يقومَ عنْهُ، وقد نَسِيَ ما قَرَأَ، وغابَ عنهُ ما سَمِعَ، بل ينظرُ لحالِ النَّفَرِ من الجنِّ لمّا سمعوا القرآنَ، قالوا {أنْصِتُوا}، فلما انتهت القراءة، {وَلَّو إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} قائلينَ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهِدِي إِلَى الرُّشْدِ فَأَمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} الجن: [1-2].

عبادَ اللهِ: ومن أهمِّ ما يعينُ المسلمَ على تدبُّرِ القرآنِ الكريمِ ما يلي:

أولًا: إخلاصُ النيَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ، وتعظيمِهِ سبحانه، فمتى عَظُمَ اللهَ في القلبِ، عَظُمَ كلامُهُ في النَّفْسِ.

ثانيًا: حضورُ القلبِ، وخُلُوِّهِ من الشواغِلِ، فإنَّمَا القلبُ وعاءٌ، إذا امتلأَ بغيرِ القرآنِ لمْ يكنْ للقرآنِ فيهِ مكانٌ، فلا يَنْتَفِعُ بِهِ المرءُ حتى يُزِيلَ ما يَغْشَاهُ من العلائقِ والشواغِلِ.

ثالثًا: انتقاءُ أوقاتِ النشاطِ البدنيّ والعقليّ، وأهمها  وأفضلها في جوفِ الليلِ.

رابعًا: القراءةُ بصوتٍ تسمعُهُ الأذنُ ويفقهُهُ القلبُ فإنَّ الأُذُنَ عدل بين القلب واللسان.

خامسًا: عرضُ الإنسانِ ما يَقرأُ أو يَسمعُ على ما يَقولُ أو يَفعلُ، فيكون القرآنُ كالمرآةِ يرى بها مَا حَسُنَ من فِعْلِهِ وما قبُحَ.

سادسًا: إذا استشعر القلبُ آيةً كرِّرَها مراتٍ عديدة، حتى يَثْبُتَ أثرُهَا في النفس.

سابعًا: معرفةُ المعنى المراد من الآيةِ؛ لأنَّ فَهْمَ مَعاني الآياتِ هو مفتاحُ التدَبُّرِ.

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21].

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذكْرِ الحكيمِ، فاستغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانِهِ، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الداعي إلى رضوانِهِ، صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا أمَّا بــــــعــــــــــدُ:

عباد الله: نحمدُ اللهَ ونشكرُهُ على ما وفَّقَنَا إليه في هذهِ البلادِ المباركةِ من العنايةِ بالقرآنِ الكريمِ تعليمًا لآيِهِ، والتزامًا بهدْيِهِ، واحتكامًا لشرعِهِ، وخِدْمَةً لأهلِهِ.

ولا يخفى على كلِّ ذي لُبٍّ نهجُ بلادِنا- حرسها الله- في تعظيمِ كتابِ الله عزّ وجلّ، وتوقيرِ سنَّةِ نبيِّهِ ﷺ وتكريسِ الجهودِ الماليةِ والبدنيةِ والعلميةِ والتكنولوجيةِ لخدمةِ الكتابِ والسنةِ المطهّرةِ، والحرمينِ الشريفينِ، انطلاقًا من منهجِهَا الإسلاميِّ.

ويظهرُ هذا جليًّا في الحلقاتِ القرآنيةِ التي تتزينُ بها مساجدُ وجوامعُ المملكة ومن ذلك: العنايةُ بالمصحفِ الشَّرِيفِ طباعةً ونشرًا، ومسابقاتُ تكريمِ حفظةِ القرآنِ الكريمِ على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي، فجزى الله ولاة أمرنا خير الجزاء.

ونفعنا بالقرآنِ، وجعلهُ قائدًا لنَا إلى الجنانِ.

اللهم وفِّق خادمَ الحرمينِ الشريفينِ وسموَّ وليِّ عهدِهِ لما فيه الخيرُ والصلاحُ واحفَظْهُم من كلِّ سوءٍ ومكروهٍ، واجْزِهِمْ عمَّا يُقَدِّمُونَ للإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجزاءِ.

اللهمَّ ارْبِطْ على قلوبِ رجالِ الأمنِ، الذين يُدَافِعُونَ عن الدِّينِ والمقدساتِ والأعراضِ والأموالِ واحفظهمْ من بين أيديهمِ ومن خَلْفِهِم، ونعوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ يُغْتَالُوا من تَحْتِهِمْ.

اللهمَّ ارحَمْ هذا الجمعَ من المؤمنينَ، اللهمَّ استر عوراتِهِمْ، وآمِنْ روعاتِهِمْ وارفَعْ درجاتِهِمْ في الجنَّاتِ، واغفرْ لهم ولآبائِهِمْ وأمَّهاتِهِم، وأَصْلِحْ نيَّاتِهِم وذريَّاتِهِم واجمعنَا وإيَّاهُم ووالدِينَا وأزواجنا وذرياتنا ومن لهُ حقٌّ علينَا في جنَّاتِ النعيم.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الحبيبِ المصطفى فقد أَمَرَكم اللهُ بذلكَ فقالَ جلَّ من قائلٍ عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[الأحزاب:56].          

الجمعة: 1444/5/8هـ