من لوازم طالب العلم

الخميس 13 ذو القعدة 1439هـ 26-7-2018م

هناك صفات ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها ومن أهمها:

1- الحب: على طالب العلم أن يحب الناس ويتمنى لهم الخير ويدعوا لهم بالهداية ويبين لهم الحق ويرشدهم إلى الصواب وإلى الطريق المستقيم فيعبدون الله على بصيرة وينجون بإذن الله من عذاب الله يوم القيامة وعلى طالب العلم أيضاً أن يبذل كل ما في وسعه ليحبه الناس فإذا أحبه الناس استطاع أن يوصل إليهم ما يريد من فروع العلم وإذا أراد طالب العلم أن يحبه الناس ليأخذوا عنه علمه بقبول فعليه أن يقول لله ويتعلم لله ويعلم الناس لله ويعمل لله ولا يبتغي إلا وجه الله وليبحر بسفينة السعي والإقدام في بحر العلم ويحمل في يمينه التقوى وفي يساره العلم فإذا فعل ذلك أحبه الله ونادى جبريل أن يحبه ثم جعل له القبول في الأرض.

وعلى طالب العلم أن يبين الحق للناس ولا يكتمه ولا يكون سلبياً بل يكون إيجابيًا قولاً وفعلاً مشاركاً لأهل حيه ووطنه في كل ما يحتاجون فيصير محبوبًا عندهم بإذن الله.
2- الإخلاص: إن أهم ما يجب أن يتحلى به طالب العلم الإخلاص فأي عمل صالح لا يكون مقبولاً عند الله تعالى إلا إذا توفر فيه شرطان:

أن يبتغي به وجه الله تعالى لا أن يبتغي به حصول المدح عند الناس فيقال عنه عالم لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد…..ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار…. )) رواه مسلم.

والله سبحانه وتعالى لا يقبل أي عمل أشرك فيه معه غيره.

وهاهو الحجاج بن يوسف الثقفي ينال من علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حضور الحسن البصري والشعبي وبينما الحسن البصري ساكتًا عاضَّا على إبهامه إذا بالشعبي يخوض مع الحجاج فيما خاض فيه من باطل فقال الحجاج: تكلم يا أبا سعيد فقال البصري: إن عليًّا رضي الله عنه شرفه الله بمكرمات لا يستطيع أحد أن ينازعها عنه وإن الله تعالى يقول: ((وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)) سورة البقرة الآية [143].

وإن علياً ممن هدى الله فغضب الحجاج ودخل غرفته فقال الشعبي يا بصري أهكذا أوغلت صدر الأمير فقال: إليك عني يا شعبي الناس يقولون الشعبي إمام الكوفة وعالمها ماذا أنت قائل بين يدي ربك يوم القيامة وبعد قليل خرج الحجاج ومعه الهدايا فأعطاها للحسن البصري وقال له: أكثر من زيارتنا يا أبا سعيد فقال الشعبي: ما كنت أنا والبصري في موقف إلا قال لله.

3- الفهم: كيف فهم المسلمون الأوائل معنى الإسلام وكيف ينبغي لنا أن نفهمه؟ لا شك أن المسلمين الأوائل لم يفهموا من الإسلام ما نريد نحن أن نفهمه في عصرنا الحاضر!! أنه مجموعة من العبادات يؤديها الإنسان في معزل عن السلوك العملي وأن الإنسان يستطيع أن يتوجه إلى الله – مخلصاً- في أثناء العبادة ثم يتوجه لغير الله في أمر من أمور الحياة إنما الإسلام الذي فهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام هو إسلام النفس كلها لله بأن تكون حياة الإنسان كلها لله سلوكاً وعملاً وعلماً، الإسلام هو العقيدة الصحيحة الخالصة من أي شائبة من شوائب الشرك وأحرى بطالب العلم أن يكون على هذا الفهم بالإسلام.

وعلى طالب العلم في فهمه للإسلام أن لا يقتصر تحصيله على العلم الشرعي فقط ويزدري ويحتقر العلوم الأخرى بل يحصل منها ما استطاع إلى ذلك سبيلا فينبغي أن يوجد في المجتمع المسلم الطبيب المسلم والطبيبة المسلمة والمهندس المسلم والصانع المسلم والمدرس المسلم بل يوجد فيه جميع المهن ويتخصص فيها المسلمون.

ومن المظاهر التي يجب أن يتحلى بها في فهمه للإسلام ألا يستحي طالب العلم من كلمة (( الله أعلم)) أو لا أعلم إذا سئل عن مسألة وهو لا يعرفها لأن إجابته فيها بدون علم خطر عظيم وعقاب على ذلك أليم عند رب العالمين فهو قول على الله بدون علم وهو كذب وافتراء ناهيك عن هذا وذاك أنه ضياع للأمانة العلمية ومن ثم يظهر المسلمون في صورة غير طيبة فلإنسان الذي لا يعلم شيئا في مسألة ما يتكلم فيها وهو غير متمكن فيظهر في صورة الجاهل أو متبعثر الأفكار أو قليل التحصيل إلى آخر هذه الصور التي لا ينبغي أن يضع طالب العلم فيها نفسه.

وعلى طالب العلم من خلال فهمه الصحيح للإسلام أن يعرض عن الحشو والفضول والاستطراد ويبتعد عن الآراء الفاسدة والأقوال الضعيفة في جميع العلوم الشرعية وينأى عن ذكر أي ضعف يمكن أن يحسب على الإسلام وليحذر من وضع الدليل في غير موضعه أو الاستشهاد به في غير محله.

وعلى طالب العلم إذا أراد إيضاح حكم لسائل أن يستدل على كلامه بالقرآن الكريم أو السنة الصحيحة أو الإجماع أو القياس أو أراء العلماء المعتمدين الموثقين.

وعلى طالب العلم أن يحترم العلماء ويظهر تقديرهم ويسألهم عما يشكل عليه ويستشيرهم دائمًا فيما يعرض له من مسائل وهو بهذا يسلك منهج صحابة رسول اله صلى الله عليه وسلم الذين حرصوا على طلب العلم من مظانه وبذلوا في ذلك غاية وسعهم وما أمر عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- بخاف علينا حينما كان يتتبع كبار الصحابة ويتعلم على يديهم رضوان الله على الجميع.

4- اللين في القول: إن الرفق بالجاهل ولين القول له والصبر على تعليمه لمن أهم لوازم طالب العلم.

والله سبحانه وتعالى يعطي على الرفق من الأجر والمثوبة مالا يعطى سواه- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يعطي على سواه)). رواه مسلم.
والرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يروى أن واعظًا دخل على أبي جعفر المنصور فأغلظ عليه في الكلام فقال أبو جعفر المنصور: يا هذا: أرفق بي فلقد أرسل الله جل وعلا من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون ومع ذلك قال الله تعالى له: ((فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) سورة طه [44].
فخجل الرجل على ما بدر منه.

ويقول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)). سورة آل عمران الآية [ 159].

هذا ما أتمنى أن يتحلى به طالب العلم ويتصفوا به، نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في ديننا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.