خطبة بعنوان: (من نوافذ الهلاك اللسان) 3-7-1430هـ

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440هـ 10-2-2019م

الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي خلق الإنسان وميزة بالعقل واللسان وجمله بالبيان وأشهد أن لا إله إلا الله جعل اللسان على الإنسان دليلاً وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أكمل الناس عقلاً وأحفظهم لساناً وأفصحهم بيانا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ].
عباد الله اعلموا بارك الله فيكم أن من أوسع نوافذ هلاك الإنسان لسانه وهو كذلك من أيسر وأسهل أبواب نجاته ذلك أن معظم الحسنات والخطايا عن طريقه ولذا أوصى رسولنا صلى الله عليه وسلم بالصمت لأن فيه نجاة قال صلى الله عليه وسلم : (من صمت نجا) وقال للأعرابي الذي جاء إليه فقال دلني على عمل يدخلني الجنة فقال: (أطعم الجائع وأسق الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير).

اللسان أيها المؤمنون صغير حجمه عظيم جرمه يحطب على صاحبه أشياء خطيرة منها اللعن واللغو واللهو واللعب والاستهزاء والسخرية والكذب والغيبة والنميمة والافتراء والقيل والقال والكلام فيما لا يعني وفضول الكلام والخوض في الباطل والمراء والجدل والخصومة في الشر والتقعر في الكلام وقد جاءت النصوص تحذر من آثار الذنوب التي تكون عن طريق اللسان ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أكثر خطايا ابن آدم من لسانه) وقال صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه) وقال مورق العجلي أنا أدعو الله منذ عشرين سنة أن يوفقني إلى ترك ما لا يعنيني ولا أزال أدعو).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه (يا لسان قل خيراً تغنم وأسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم). وقال طاووس (لسانك سبع إذا لم تحفظه أكلك).

واللسان أكثر الجوارح عملاً لأن عمله لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا حال دون حال فهنيئاً لمن عمر لسانه في زمانه ومكانه وأحواله بالطاعات تسبيحاً وتهليلاً وذكراً ودعاء ودعوة وتوجيهاً ونصحاً ويا خيبة من عمر وقته بالقيل والقال وأذية عباد الله همزاً ولمزاً وسخرية واستهزاء ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يقول (من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه).

وصدق الله العظيم: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي أمر عباده بالإحسان إلى الآخرين ونهى عن الفحشاء في الأقوال والأفعال وأشهد أن لا إله إلا الله يحب التوابين الذاكرين ويحب المتطهرين الراكعين الساجدين وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

فاعلموا أيها المؤمنون أن حفظ اللسان من أوجب الواجبات وهو طريق موصل إلى الجنات قال صلى الله عليه وسلم: (من ضمن لي ما بين لحييه وما بين ساقيه ضمنت له الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا).

وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة حتى أنه أسمع العواتق في بيوتهن فقال: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه في جوف بيته).

وقال:صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قال معاذ بلى يا رسول الله فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال كف عليك هذا فقال معاذ يا نبي الله وإننا لمؤاخذون بما نتكلم به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).

عباد الله احرصوا على حفظ ألسنتكم واستعملوها فيما ينفعكم فمجالس الناس اليوم عامرة بما لا ينفع احذروا أن يكون اللسان نافذة شر عليكم واجتهدوا في أن يكون نافذة خير لكم أكثروا من الكلام الطيب والتسبيح والتهليل والذكر والدعاء والاستغفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذب عن أعراض المسلمين واعلموا أن كل شيء مسجل ومكتوب [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]، وسينشر كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فلنتعاون جميعاً على الخير لعلنا نجد في كتابنا ما يسرنا يوم العرض على الله اللهم احفظ علينا ألسنتنا يا كريم اللهم اجعلها لك ذاكرة ولعبادك نافعة اللهم اجعلها يوم القيامة ملنا شاهدة اللهم ألجمها بلجام التقوى واحفظها من أذية الخلق بمنك وكرمك.

هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الله اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واجمعنا ووالدينا في جنات النعيم. اللهم وفق ولاة أمر المسلمين عامة للحكم بكتابك والعمل بسنة نبيك ووفق ولاة أمرنا خاصة لكل خير اللهم خذ بأيديهم لما فيه خير البلاد والعباد اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. ــ وأقم الصلاة ــ.
الجمعة 3-7-1430هـ