خطبة بعنوان: (الزّكَاةُ حِكَمٌ وَأََحْكَام) بتاريخ 17-9-1431هـ.

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440ﻫ 10-2-2019م

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ](آل عمران الآية102).

عباد الله: فرض الله جل وعلا الزكاة وجعلها قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتابه، وهي إحدى دعائم تحقيق التكافل في المجتمع المسلم.
إذا أداها المسلم على الوجه الصحيح سلم صدره من الشح والبخل، وهي طهارة للمال، ونماء وبركة،وإذا أخذها الفقير سلم صدره من الحقد والحسد والضغينة وعرف أن له حقاً في المال ليس تفضلاً من الغني ولا معروفاً بل هو حق واجب فرضه الله جل وعلا، وقد تولى ربنا جلا وعلا قسمة الزكاة ولم يترك ذلك لأحد من الخلق، وهذا دليل على أهميتها، ويكفي أنها من أهم الأسباب القاضية على الفقر، ذلك الخطر الداهم الذي يخلخل بناء المجتمع ويحدث الفوضى الاجتماعية عند بعض المجتمعات.

ولعلنا في هذه الدقائق نشير إلى جملة من أحكام الزكاة ومسائلها الهامة فنقول:
أولاً: الوصايا للأموات والأثلاث والأموال المتبرع بها وأموال الجمعيات الخيرية التي ليست ملكاً لأحد معين والأموال في الصناديق الأسرية القائمة على التبرعات وأموال الأوقاف كلها لا زكاة فيها مهما بلغت.
ثانياً: الدَّين الذي على الآخرين تجب زكاته إذا حال عليه الحول إذا كان الذي عليه الدين قادراً على السداد أما إن كان مماطلاً أو معسراً فالمال لا يزكى إلا إذا قبض مرة واحدة في أصح قولي العلماء.

ثالثاً: الأموال التي عند الشخص لغيره إذا كان والياً عليهم كالصغير والمجنون والسفيه ومن في حكمهم تجب فيه الزكاة، وعلى من يتولى شؤونهم ويدير أموالهم زكاة هذا المال، وإن كان لأشخاص أو نساء مكلفين فلا بد أن يفوضوا من يتولى المال بالزكاة لأنها عبادة لا ينوب فيها الغير إلا بتفويض من صاحب المال.
رابعاً: الماشية إن كانت سائمة ترعى المباح أكثر الحول فتزكى زكاة السائمة المعروفة، وإن كانت معدة للبيع كمن عندهم أحواش وأماكن لبيع الأغنام والأبقار والإبل فهذه تزكى زكاة عروض التجارة، تُقَوَّم عند الحول وتخرج زكاتها نقوداً ربع العشر.
وإن كان صاحب الماشية أعدها لحاجته ليأكل منها ويهدي ويكرم الضيف ويذبح منها أضاحي وغيرها ولا ينوي بيعها فهذه لا زكاة فيها أصلاً لأنها من ضمن حاجات المسلم كالبيت والسيارة والمزرعة وغيرها.

خامساً: الحلي المستعمل للمرأة لا زكاة فيه في أصح قولي العلماء لكن إن كانت المرأة لا تستعمله خلال العام فهنا تزكيه.
سادساً: الرواتب والمكتسبات الأولى للمسلم أن يجعل له يوماً في السنة يكون موعداً لزكاته، فإذا جاء هذا اليوم يحسب ما عنده بما في ذلك ما في ذمم الناس وما كان معداً للبيع، ولو لم يحل عليه الحول ويزكيه، وهذا أبرأ للذمة وأسهل وأيسر، ولكن إن كان يأتي على الشخص يوم في السنة أو أيام ليس عنده شيء فهذا لا زكاة عليه لأنه لا يحول الحول على ماله.

سابعاً: من كان عنده نخل في البيت أو الاستراحة ولو كان عدده قليلاً عليه زكاة إذا بلغت ثمرته نصاباً، والنصاب في التمر ستمائة وخمسة وسبعون كيلو جرام، وفيه نصف العشر، أي 5%.
فإذا خرص الثمرة فعليه أن يخرج زكاتها ولو أن ينوي ما يعطيه منها زكاة لكن لا يعطيه إلا لفقير.
ثامناً: المؤجرات كلها الزكاة في أجرتها إذا قبضها المؤجر وحال عليها الحول، فإن قبض الأجرة وصرفها لحاجته ولم يحل عليها الحول فلا زكاة فيها.

تاسعاً: لا يجوز إسقاط الدين الذي على الشخص واعتباره من الزكاة لأن المزكي يجر حظاً لنفسه في ذلك.
عاشراً: لا تجوز المحاباة في الزكاة، فلا يخص بها قريباً ولا صديقاً إلا إذا كان فقيراً من أهلها، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يمنع من لا يستحقها وقد صح عنه قوله: (لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب)(رواه أحمد).

عباد الله والزكاة حق الفقير يأخذها وهو رافع الرأس فليست معروفاً ولا منة من الغني، بل هي واجبة عليه، والويل كل الويل لمن منع زكاته ويكفي ما جاء من الوعيد الشديد في ذلك.

قال الله تعالى: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ](التوبة الآية34، 35).
وقال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)(رواه مسلم).

والزكاة بركة وطهرة ونماء، وصدق الله العظيم:[خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ] (التوبة: الآية103).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم هذا واستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الثانية:

الحمد لله الذي خص هذه الأمة بمواسم الخيرات والطاعات، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فاغتنموا أيها المؤمنون مواسم الخير فأنتم مقبلون على عشر مباركات خصَّها الله بمزيد من الفضل فهي غرة في جبين الزمان وصدق الله العظيم: [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ](القدر 3، 4، 5).

وهذه الليلة المباركة في العشر الأخيرة من رمضان وأنتم مقبلون عليها فلا يفوتنكم هذا الربح العظيم، فمن قام هذه الليلة إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، قال صلى الله عليه وسلم: (منْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)(رواه البخاري).
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يعتكف في هذه العشر قالت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز و جل)(رواه مسلم).

وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، وينبغي أن يكون الاعتكاف تفرغاً للطاعة والعبادة ولا يكون الاجتماع في المسجد من أجل الأحاديث والجلسات والأكل والشرب، فالهدف من الاعتكاف هو التفرغ للطاعة والعبادة.

أيها المؤمنون: وإن ممن تصرف لهم الزكاة أسر السجناء الذين هم بأمس الحاجة لا سيما إذا كان العائل لهم هو السجين، فينبغي أن نتعاون جميعاً للأخذ بأيديهم، وتسلم هذه الزكاة للجنة المختصة التي تقوم على رعاية السجناء وأسرهم، وقد صدرت الفتوى من سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية بجواز صرف الزكاة لهم حيث وجه له معالي وزير العمل والشئون الاجتماعية سؤالاً هذا نصه: (هل يجوز صرف الزكاة للجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم لمساعدة المحتاجين من المسجونين والمفرج عنهم وأسرهم)، وجاء جواب سماحة المفتي (لا مانع من صرف الزكاة لهؤلاء إذا كانوا محتاجين فقراء ومساكين قال عز وجل [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ](التوبة الآية60).
وإن هذه اللجنة لتعد من اللجان القائمة على البر والتقوى لما فيها من إعانة المحتاجين وإغاثة الملهوف وأداء الديون عن العاجزين والغارمين، فينبغي التعاون من قبل الجميع على تشجيعها حتى تقوم بعملها ومهامها على أكمل وجه).

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم وفق ولاة أمر المسلمين عامة للحكم بكتابك والعمل بسنة نبيك ووفق ولاة أمرنا لكل خير، اللهم خذ بأيديهم لما فيه خير البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام اللهم تقبل صيامنا وقيامنا واستجب دعائنا.
اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم أعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار.
اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم وارفع درجاتهم في الجنات، واغفر لهم ولآبائهم وأمهاتهم وأصلح نياتهم وذرياتهم.

[رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ].
عباد الله [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ](النحل: الآية90).
الجمعة: 17-9-1431هـ

مواضيع ذات صلة