خطبة بعنوان: (وداع العام) بتاريخ 24-12-1422هـ.

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440هـ 10-2-2019م

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أمــا بــعـــد:

فا تقوا الله عباد الله ففي التقوى صلاحكم وفلاحكم ونجاتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ].

عباد الله ها نحن في آخر جمعة من هذا العام نوشك أن نعبر من طرف جسر إلى طرفه الآخر خطوة نودع وخطوة نستقبل ودّعنا موسماً كاملاً أودعنا فيه ما شاء الله أن نودع من أعمال منها ما هو لنا ومنها ما هو علينا فلا إله إلا الله مقلب القلوب ومصرف الأزمان [يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ] وقال تعالى: [يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً] كلنا يا أيها المؤمنون نسير إلى الله بغير اختيار منا من حيث مضي الزمن فمنا من حفظ نفسه وصدق مع ربه ومنا من فرط وقصر والكل ملاق ربه فمجازيه وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل).

إخوتي في الله هل رأيتم ثوباً يبلى ومسكناً يتهدم من طول الزمن الذي مر عليه؟؟ أرأيتم شيخاً أو عجوزاً هدهما الكبر مر عليهما من السنين؟؟ هكذا الدنيا تماماً نظرة وقوة ثم تميل إلى الفناء حتى تنتهي.
أما الأعمال فمسجلة وأما الصحائف فمكتوبة وستنشر عند الحساب لكن هيهات أن يعود شيء مما مضى ها نحن يا عباد الله في هذه الجمعة يُسدل الستار على عام هجري كامل مضى جزء من أعمارنا فيه آمال وآلام وحسنات وسيئات وكل غائب قد يعود وكل مفقود قد يسترده صاحبه وكل ذاهب قد يرجع أما العمر أما الزمن فمستحيل وألف مستحيل هذا حكم الله وهذا قضاؤه.

إن الحياة دقائق وثوان تمر سريعة وقت الفرح وبطيئة وقت الحزن لكنها لا تقف وصدق الحسن البصري (يا بن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يومك ذهب بعضك).
كان بعض السلف إذا غربت الشمس وقف عند باب داره يبكي فإذا قيل له في ذلك قال (قطعت يوماً من حياتي إلى الدار الآخرة ولا أدري أهي خطوات إلى الجنة أم أنها خطوات إلى النار).

لا إله إلا الله كم يمر علينا الزمن ولا نتعظ كم تمر علينا الليالي ولا نعتبر كم تحدث الفواجع والكوارث حولنا وكأننا في مأمن كم قطعنا من سنيِّ حياتنا وكأنها لحظات إن قطار الزمن يمضي ولا يعود لا يحابي أحداً ولا يجامل بل يسجل فيه كل شيء حتى مثاقيل الذر [يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ].
وقال تعالى: [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً].
وقال تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ].

عن أنس رضي الله عنه قال كُنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال هل تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال: (من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول إني لا أجير على نفسي إلا شاهداً مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بعداً لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل).

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة).
بكى أبو هريرة رضي الله عنه في مرض موته بكاء شديداً فسئل عن سبب بكائه فقال: (والله ما أبكي على شيء من دنياكم ولكني أبكي لبعد المسافة وعقبة كؤود وأنني في صعود المهبط منه إما إلى الجنة وإما إلى النار).

عباد الله الحياة فرصة والعمر غنيمة والصحة والفراغ من أعظم النعم فاجتهدوا في اغتنام فرص الحياة فقد لا تتكرر عليكم واعلموا بتوجيه نبيكم (اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم واستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم
.

الخطبة الثانية

الحمد لله مصرف الآجال والدهور وأشهد أن لا إله إلا الله كتب الفناء على جميع الخلائق فكل من عليها فان ويبقى الواحد الديان وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أزهد الناس في الدنيا وأصدقهم في الإقبال على ربه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن رغبات الناس تختلف فعند انقضاء العام هناك من يفرح وهناك من يحزن هناك من يفرح لأنه موعود بأمر معين كالمال والترقية وزيادة الراتب وغير ذلك وهناك من يفرح لأنه محكوم عليه بسنوات في السجن أو غيره فإذا انقضى عام فرح لذهاب بعض محكوميته وهناك من يحزن لأنه سيبعد عن أهل أو أحباب وهكذا الدنيا نزول وارتحال والعاقل من اتعظ بأمسه واجتهد في يومه واستعد لغده فالعمر قليل والأجل قريب وهذه النعم التي ينقلب بها العبد قد يعقبها حسرات وإذا كنت في شك من كلامي فزر المستشفى والمقبرة وتذكر أحبابك وخلانك وأصدقائك وجيرانك أليسوا كحالتك يفكرون بنفس التفكير ويطوون الحياة بمثل ما تطويها لكن هجم عليهم هادم اللذات ومفرق الجماعات فأعد للسؤال جواباً وليكن الجواب صواباً مضى هذا العام بأيامه ولكن بقيت أعماله شاهدة لنا أوعلينا.

أيها المؤمنون كم نحرص على صحتنا ونتفقد حالنا في الذهاب إلى الأطباء وعمل التحاليل اللازمة وهذا حسن ولكن كم نفعل مقابل هذا في إصلاح أعمالنا وفساد قلوبنا وجوارحنا كم نغفل عن أنفسنا ولا يذكر بعضنا بعضاً.
إننا بحاجة ماسة إلى مراجعة الحسابات والتقييد في الدفاتر وتبييض صحائف الحسنات لئلا نندم في يوم لا ينفع الندم كان بعض السلف إذا قيل له كيف أصبحت يقول ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة.

وكان عمر بن الخطاب ينادي في الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على الله.
[يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ]
أيها الأحباب إذا أراد الواحد منا أمراً من أمور الدنيا تعب وجد وبذل غاية الوسع سواء كان تجارة أو دراسة أو سفراً أو غير ذلك ولكن ونحن نريد الجنة والنعيم المقيم ماذا قدمنا حالنا كسل وخمول وقعود وتقهقر أين الهمم العالية أين طلاب المعالي أين المتنافسون في سباق الخيرات أين الطامعون بقول الغفور الرحيم [كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة].

كتب بعض السلف إلى أخ له يا أخي يخيل إليك أنك مقيم بل أنت دائب السير تساق مع ذلك سوقا حثيثا الموت موجه إليك والدنيا تطوى من ورائك وما مضى من عمرك فليس براجع عليك حتى يأتيك يوم التغابن.
اللهم أحيينا مسلمين وأمتنا مسلمين وأرحمنا يا أرحم الراحمين.

هذا صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين فقد أمركم الله بذلك في كتابه الكريم فقال جل من قائل عليما [إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] وقال صلى الله عليه وسلم(من صلى علي مرة واحده صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم وفق ولاة أمر المسلمين عامة للحكم بكتابك والعمل بسنة نبيك، ووفق ولاة أمرنا خاصة لكل خير، اللهم خذ بأيديهم لما فيه خير البلاد والعباد، واجزهم يا ربنا خيراً على ما يقدموه للعلم والتعليم وما يبذلونه من بذل سخي، فبلادنا تنفق ثلث ميزانيتها على التعليم وما يتعلق به، فلله الحمد والشكر .
اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم وارفع درجاتهم في الجنات، واغفر لهم ولآبائهم وأمهاتهم وأصلح نياتهم وذرياتهم.
[رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]
[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ](النحل الآية90)، وأقم الصلاة.

الجمعة: 24-12-1422هـ