خطبة بعنوان: (صدق اللجوء إلى الله بمناسبة تأخر نزول المطر) 10-2-1432هـ.

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440هـ 10-2-2019م

 

الخطبة الأولى:
الحمد لله اللطيف الخبير تفرد بالعز والكبرياء يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وأشهد ألا إله إلا الله القائل في محكم التنزيل: [وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ](الشورى الآية28).
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الخلائق
أجمعين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ](التوبة الآية119).
وقال تعالى: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ](الطلاق الآيتان 2، 3).

عباد الله إذا أحاطت المخاوف بالناس واستحكمت عليهم الأمور فليس لهم إلا الله يلجؤن إليه ويدعونه ويسألونه كشف الغم وطرد الهم [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ](النمل الآية62).
إذا قلت المياه وأجدبت الأرض وتوقف المطر نادى الناس يا الله يا الله أغثنا ينطرحون بين يديه يتوكلون عليه ويظهرون الذلة والخضوع وهكذا جميع أصحاب الحاجات يسألون ربهم ويدعونه فيجيب دعاءهم ويحقق مطلوبهم لكن لا بد من الصدق مع الله ولا بد من التوكل عليه وإظهار الفقر والحاجة وصدق الله [يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ](فاطر الآية 15).
وجاء في حديث عمر بن الخطاب (ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) (رواه ابن ماجه)
وروي أنا أبا هريرة رضي الله عنه سمع رجلاً يقول: (إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ: بَلَى وَاللهِ، حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزَالًا لَظُلْمِ الظَّالِمِ)(رواه البيهقي في شعب الإيمان).
وقال مجاهد رحمه الله (إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر تقول هذا بشؤم معصية ابن آدم).

عباد الله الله جل وعلا يصرف الغيث كيفما شاء لحكم عظيمة، قال تعالى: [وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً](الفرقان الآية50).
تفسيره (أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى فيمطرها ويكفيها ويجعلها غرقاً والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: (ما عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يحوله كيف يشاء). (رواه البيهقي).
عباد الله الجاؤا إلى الله واصدقوا في التوبة وأكثروا من الاستغفار [وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ] (هود الآية52).
لقد جعل الله لكل شيء سبباً يجلبه وآفة تذهبه فالطاعات أسباب جالبة للنعم حافظة لها وهي وسائل لاستقرارها وكثرتها وتنوعها كما أن المعاصي أسباب مذهبة للنعم جالبة للنقم فهي تزيل النعم الحاصلة وتقطعها.
والمطر إحدى هذه النعم فهو بشارة خير وحياة للناس [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ](الأنبياء الآية30).

الماء أيها المؤمنون هو سر الحياة وأساس البقاء وهو أرخص موجود وأعز مفقود ولذا امتن الله به على عباده قال تعالى: [أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ](الواقعة الآيتان 68، 69).
وقال تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ](الروم الآية 24).
عباد الله أكثروا من الدعاء فهو سلاح المؤمنين الصادقين وها أنتم تسألون ربكم الغيث وترجونه وهو صاحب الجود والكرم خزائنه ملآى لا تعجزه النفقة يده سحاء تنفق الليل والنهار فأكثروا من دعائه وأقبلوا عليه بقلوب حاضرة فربنا قريب مجيب [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ](البقرة الآية 186).
وقال تعالى: [وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ](الأعراف الآية56).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ) (رواه الترمذي).
وصدق الله العظيم: [اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)](الروم الآيتان48، 49).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الثانية:

الحمد لله القوي المتين الغني الحكيم مجيب دعوة المضطرين وأشهد ألا إله إلا الله الملك الحق المبين يحب من عباده الملحين بالدعاء وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فاعلموا رحمكم الله أن التوكل الصادق على الله في حياة المسلم عمل وأمل مع هدوء قلب وطمأنينة نفس واعتقاد جازم بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو جماع الإيمان قال تعالى: [يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ](يونس الآية84].

عباد الله التوكل الصادق على الله هو قطع اليأس من الناس بصدق الالتجاء إلى الله والاعتقاد الجازم أن كل شيء بأمره وتدبيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)(رواه أحمد).
فالرزق بيد الله والغيث بيد الله والسحاب يجري بأمر الله وما علينا إلا بذل الأسباب وصدق الله العظيم: [وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ](هود الآية6).

أيها المؤمنون الخلائق فقراء إلى الله محتاجون إليه لا غنى بهم طرفة عين عن رحمته وفضله وجوده وكرمه يفزعون إليه عند النوائب ويهرعون إليه عند الشدائد سلاحهم الدعاء الذي يُستدفع به البلاء ويرد به شر القضاء وهل شيء أكرم على الله من الدعاء إنه العبادة العظيمة التي هي من أشرف العبادات وأجلها وأقربها إلى الله به تحيا القلوب وتُفرج الكروب وتُغاث اللهفات وتنزل البركات قال تعالى: [َقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ](غافر الآية60).
وقد أثنى الله على عباده الذين يدعونه فقال: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ](الأنيباء الآية9).
قال ابن القيم رحمه الله (والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب وهو من أنفع الأودية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل).

عباد الله وهاهم المسلمون سيؤدون صلاة الاستسقاء يوم الاثنين القادم فاحرصوا على حضورها وحثوا غيركم وذكروهم و أقبلوا على الله واصدقوا في توجهكم إليه وأخلصوا العمل وتخلصوا من مظالم الخلق وأكثروا من الصدقة والاستغفار وحذار حذار أن تقولوا دعونا ولم يستجب لنا فالله جل وعلا حكيم عليم يصرف الأمطار حيث يشاء ونحن مطالبون بفعل الأسباب وتقدير الأمور بيد العزيز الحكيم.
هذا صلوا وسلموا على الرسول المصطفى والنبي المجتبى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق ولاة أمر المسلمين للحكم بكتابك والعمل بسنة نبيك ووفق ولاة أمرنا لكل خير، اللهم خذ بأيديهم لما فيه خير البلاد والعباد، اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم وارفع درجاتهم في الجنات.
[رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ](البقرة: الآية201)

عباد الله [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ](النحل: الآية90).
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغث القلوب بالإيمان وأغث البلاد بالأمطار يا ذا الجلال والإكرام وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الجمعة 10-2-1432هـ