خطبة بعنوان: (التحذير من الفساد) بتاريخ 12-9-1432هـ.

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440هـ 10-2-2019م

الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين،أمر عباده بالصلاح والتقوى والعدل والإحسان ونهاهم عن الظلم والفساد والإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله نهى أمته عن الفساد والإفساد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن التقوى هي خير زاد ليوم المعاد. [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ](الحشر:18).
عباد الله: لقد أنزل الله تعالى كتابه العظيم على عباده، وحثهم فيه على جميع خصال التقوى، ونهاهم عن جميع خصال الشر والفساد، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ](المائدة: 25)، ومن البر حفظ الأمانات، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] (النساء:58).

أيها المؤمنون: لقد ظهرت في الآونة الأخيرة صفات سيئة، كالنهب والاختلاس من المال العام، ومثلها حالات النصب والاحتيال، والممارسات السلبية الشاذة التي يمارسها ويقوم بها بعض الناس، فضعفت الأمانة، وأُكلت أموال الناس بالباطل، وانتشرت الرشوة، والظلم، والتزوير، والخيانة. وهذه الصفات الذميمة وغيرها تنم عن ضعف إيمان صاحبها، وتعتبر من أكبر أبواب الفساد. لقد أحدثت جرحاً غائراً في مجتمعنا حتى غدا الناس يعانون معاناة شديدة من هذا الفساد الذي يمس الكبير والصغير، والذكر والأنثى، وهذا نذير شؤم على الجميع إلا إذا رجع الناس إلى طريق الصلاح والإصلاح.
عباد الله: إن الفساد في الأمة طريق إلى الهاوية والضياع، قال تعالى [ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ](الروم:41)، فإذا ظهر الفساد بسبب ذنوب الناس ومعاصيهم، وانتشر بينهم الظلم أصاب الأمة الجدب ومحقت البركات، وكثرت فيها الأمراض والابتلاءات والمحن.

قال الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام عندما أمر قومه بإقامة العدل، وعدم نقص الناس حقوقهم، والبعد عن المعاصي والذنوب، [وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ](الأعراف:56)، فخالفوا أمره ولم يطيعوه فأصابهم العذاب، قال تعالى [فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ] (الأعراف:91).
وقال تعالى على لسان قوم قارون لما نصحوه: [وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ](القصص:77)، فأنكر عليهم ذلك، فأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر فخسف الله به الأرض. فالفساد يا عباد الله مرض خطير، يهدم المجتمع، ويهز أركانه، ويسيء لأصحابه، وهو طريق للهلاك والدمار للبلاد والعباد.

وإن من صور الفساد التي نراها الآن في مجتمعنا:
1ـ ضياع الأمانة، ومن ذلك ألا يحفظ العامل أو الموظف أمانة العمل الذي وكل به، فيأخذ ما لا يحل له، أو يستعمله في مصلحته الخاصة، أو غير ذلك، فإذا ضاعت الأمانة أصبح المجتمع في خطر عظيم، لأن من لا يؤدي الأمانة ويخونها لا يؤتمن على شيء، قال صلى الله عليه وسلم: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (رواه البخاري).
2ـ الظلم: والظلم صوره كثيرة متعددة، وهو مبغوض عند الله، والظلم طريق إلى سخط رب العباد، وهو طريق للغلول وأكل أموال الناس بالباطل، والظلم عاقبته وخيمة شديدة، قال تعالى:[وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ
الأَبْصَارُ] (الشورى:40)
3ـ الخيانة، وهي ما يقع من الخيانة في العمل، وعدم حفظ الأمانة، وتضييعها، وهي صفة قبيحة ذميمة، تدل على سوء بطانة صاحبها، وضعف إيمانه، قال الله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً] (النساء:107)، وقد استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (..وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)(رواه أبو داود).
4ـ أخذ الرشوة: وهي ما يعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل،وهي من كبائر الذنوب، والذي يأخذها ليس في قلبه خشية من الله، لأنه لو علم بأن الله مطلع عليه ما مد يده ليأخذها، وقد (لعن رسول الله صلى اله عليه وسلم الراشي والمرتشي)(رواه الترمذي، وأبو داود).
5ـ شهادة الزور: وهي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل، وهي أيضاً من كبائر الذنوب: قال صلى الله عليه وسلم:(ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ .. وذكر منها: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)(رواه البخاري ومسلم).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ](البقرة:204ـ 206).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه إذا ضاعت الأمانة وتفشت الخيانة ضاعت الحياة الطيبة السعيدة وأصبح الناس لا يأمنون حتى على أنفسهم.

عباد الله: إن أداء الأمانة والقيام بها إيمان، وإن تضييعَها والاستهتار بها وخيانتها نفاق وعصيان، وكل من أؤتمن على عمل أو مال، أو غير ذلك فهو مسئول عنه أمام الله تعالى، وكل من خان أمانته فقد أفسد فساداً عظيماً، قال صلى الله عليه وسلم:(لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ)(رواه أحمد وغيره). فمن حُرِم الأمانة فقد حُرِمَ كمَال الإيمان, ومن تلبس بالخيانة فبئسَ ـ والله ـ البطانة.
عباد الله: لقد أمرنا الله جل وعلا بالبعد عن كل ما يوصل إلى الفساد في الأرض، وأمرنا بحفظ الأمانات، ورعايتها، والقيام بها، وأدائها إلى أصحابها, وأخبر جل وعلا أن القيام بها والعناية بها شيمة من شيم المؤمنين المخلصين، وخصلة عظيمة من خصال الأخيار المتقين، قال تعالى مثنياً عليهم: [وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ] (المؤمنون: 8).

فعلى المسلم أن يخاف الله ـ جل جلاله ـ وأن يجعله نصب عينيه دون محاباة للقريب أو الحبيب، فإن فعل ذلك كان من الأمناء، وعلى كل من وقع في شيء من ذلك أن يتقي الله تعالى وليتحلل منه قبل أن ينزل به الموت وليبرأ ذمته منه قبل فوات الأوان، وليعلم أنه مسؤول أمام الله عن كل صغيرة وكبيرة، قال تعالى [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ](آل عمران:30).

عباد الله: كلما كمل إيمان العبد كملت أمانته، وأداها على أتم الوجوه، وخاف من الله جل جلاله، وسلم من تبعاتها ومسئوليتها، ولا يحسن ذلك إلا صاحب قلب يخاف الله جل جلاله ويتقيه, ويعلمُ عِلمَ اليقين أن الله محاسبُهُ وسائِلُه ومجازيه. أسأل الله جلت قدرته أن يجعلنا من عباده الأمناء الذين يقومون بحقه وحق عباده، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

هذا وصلوا وسلموا على الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين.
اللهم وفق ولاة أمر المسلمين عامة للحكم بكتابك والعمل بسنة نبيك ووفق ولاة أمرنا خاصة لكل خير، اللهم وفقهم لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم اجعلهم رحمة على شعوبهم.
اللهم ادفع عنا الغلا والوباء والربا والزنا والزلازل والفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة.
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا.
اللهم أعتق رقابنا من النار ووالدينا وجميع المسلمين.
اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات، اللهم استر عوراتهم وأمن روعاتهم وارفع درجاتهم في الجنات.
[رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ].
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الجمعة: 12-9-1432هـ