خطبة بعنوان “نعمة بلوغ رمضان”.

الخميس 23 جمادى الآخرة 1440ﻫ 28-2-2019م

الخطبة الأولى :

الحمد لله الذي شرع لعباده مواسم الطاعات، وأشهد أن لا إله إلا الله فتح للمؤمنين أبواب الخيرات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل السابقين إلى الجنات، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أما بعد:

فيا معشر الصائمين والصائمات!
تطوى الليالي والأيام، وتتصرم الشهور والأعوام، والناس يتقبلون من حال إلى حال حتى يأتيهم أجلهم، وحينذاك لا يتأخرون ساعة ولا يستقدمون،ولا يجدون أمامهم إلا ما حملوا زادا لآخرتهم، يشب في هذه الدنيا الصغير ويهرم الكبير، وتتفاوت الهمم حسب تفاوت العقول والمفاهيم.

لقد قعد أقوام عما خلقوا له فلم يبلغوا آمالهم بل ضيعوا أعمارهم في ساقط القول وسيئ الفعل حتى عاجلهم أمر الله، وهناك سيندمون ولكن هيهات أن ينفع الندم.

عباد الله ! لقد أظلكم شهر عظيم مبارك كنتم تتمنون بلوغه وتألون إدراكه، وها أنتم الآن تعيشون أيامه ولياليه، فماذا عساكم فاعلون؟ لقد مرت عليكم شهور ماضية وقصرتم فيها، ولكن الله لطف بكم ومد في أعماركم حتى أدركتم هذا الشهر، فهل تتداركون ما فات من التقصير والتفريط؟

إن بلوغ رمضان نعمة كبرى يقدرها حق قدره الصالحون المشمرون. إن واجب المسلمين استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، إنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة يكفي وعيداوعذابا ما ثبت عند ابن حبان في صحيحه: ( من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين) والخطاب بين جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم في الصيام تنجلي عند الصائمين القوى الإيمانية والعزائم التعبدية يدعون ما يشتهون ويصبرون على ما يشتهون، في الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله وهجر الرغائب والمشتهيات، يدعون مايرغبون وما يشتهون طاعة لله واحتسابا وصدق الله العظيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل فيه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال: أين الصائمون فيدخلون منه، فإذا دخلوا آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد) رواه البخاري ومسلم.

عباد الله !
شهر رمضان هو أبرك الشهور وأزكاها، تنزل فيه الرحمات الإلهية والبركات الربانية، وتتطهر النفوس من العصيان والآثام ومن نقائض الخصال وشوائب الفعال وتغفر فيه الذنوب وتزول فيه العيوب، فهو شهر الغفران والإحسان، شهر الصفاء والنقاء، شهر الذاكرين والصابرين، شهر العابدين الحامدين، والصيام يفيد طهارة الباطن والظاهر، طهارة الباطن بصفاء القلوب وتحسين الأخلاق وانقطاع الآثام والعصيان.
ويفيد الظاهر بإفراز الرواسب والأملاح وإذابة الزائد من الشحوم الضارة وتنشيط الدورة الدموية والطاقة القلبية وتعديل حركة الجهاز الهضمي .

طوبى لمن صامت أبداهم عن الطعام والشراب، وصامت ألسنتهم عن الغيبة والنميمة، وصامت أرواحهم عن شواغل الدنيا فشغلوا أبدانهم بطاعة الله وألسنتهم بذكر الله وأرواحهم بمراقبة الله، ففازوا بالغفران ونالوا الرضوان فهم السعداء حقا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:

الحمد لله وفق الطائعين وهداهم صراطه المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله شرف بعض الشهور على بعض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صام وأفطر وقام وتهجد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

أيها المسلمون!
اتقوا الله وأطيعوه واستبشروا خيرا فقد أظلكم شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران وتغل فيه مردة الجان.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) رواه مسلم.

فاجتهدوا عباد الله في مضاعفة الأعمال والمحافظة على الجوارح واستغلال ساعات هذا الشهر وأيامه فهما قريب سيدر عنا بل هناك من ستخترمه المنية قبل إكماله.

أسأل الله بمنه وكرمه أن يعفو عن تقصيرنا وزللنا وأن يتجاوز عن سيئاتنا، اللهم كما بلغتنا شهر رمضان، اللهم أعنا على صيامه وقيامه وتقبل منا يا كريم، اللهم اغفر لي ولوالدينا، اللهم طهرنا من الذنوب والآثام.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ….

مواضيع ذات صلة